الأسرة العربية وهوس الإنترنت.. د. وليد أحمد المصري

 الأسرة العربية وهوس الإنترنت.. د. وليد أحمد المصري
        

لقد انتشر استخدام الإنترنت انتشار النار في الهشيم واستطاعت هذه الوسيلة الإعلامية أن تحقق أعلى انتشار لم تحققه وسيلة إعلامية، حيث بلغ عدد روادها عام 2004 مايقارب المليار زائر تقريبًا، فما تأثير ذلك على الأسرة العربية وما فيها من أطفال؟

          الإنترنت أداة متطورة تقدم المساعدة في مواجهة المشكلات الاجتماعية والاقتصادية والتعليمية والتربوية، وهي وسيلة تقدم خدماتها للمربين وتساعد الطلاب على تطوير إمكاناتهم وتفجير طاقاتهم الإبداعية، وقد ساهمت في تطوير المجتمعات وعملت على تبادل الخبرات والمهارات والمعرفة بين الناس، فقلصت المسافات فجعلت البعيد قريبًا والممنوع ممكنًا.

          لقد برهن العلماء المختصون على أن الأطفال بإمكانهم استخدام الإنترنت في سن الثالثة، وفي سن الرابعة يمكن الولوج إلى الشبكة العنكبوتية، ولم تعد الألعاب التقليدية تأسر ألبابهم وتجذبهم، لذلك فالبديل هو هذه الشبكة العملاقة التي تستميل الطفل إليها فيتفاعل مع موجوداتها بمحبة وشغف، فيقضي الطفل أمامها الساعات الطويلة مما يعرضه لخطر الإدمان والهوس الإنترنتي بشكل لاشعوري.

          إن غرف الدردشة تستخدم - مع الأسف - للتعارف بين الناس بهدف الثرثرة وضياع الوقت والتحدث معهم عن مشكلاتهم الاجتماعية وخصوصًا الجنسية، وعقد اللقاءات الغرامية التي قد تصل إلى حد الزواج الفاشل. ونتيجة لذلك قد يسير الأطفال والشباب تجاه هاوية الإدمان الشبكي الذي يتمثل بعدم القدرة على الاستغناء عن الدخول إلى شبكة الإنترنت، وفي حالة عدم توافر ذلك فإنه قد يؤدي بهم إلى ظهور أعراض الانسحاب والقلق والتوتر التي ربما تصل حد الانتحار.

التأثيرات السلبية لإدمان الإنترنت

أولا: المشكلات الصحية:

  • يسبب الإدمان الشبكي الأرق واضطرابات النوم وخلل دورة النوم الطبيعية، لأن السائد هو الاتصال والدخول إلى الشبكة ليلاً، وهذا يؤدي إلى النوم فترات قليلة قد لا تتجاوز الساعتين مما يسبب الإرهاق الجسدي والنفسي، وينعكس ذلك على الأداء الوظيفي والمهني والدراسي.
  • ضعف الجهاز المناعي والوظيفي مما يجعله عرضة للإصابة بالكثير من الأمراض فالجلوس الطويل يسبب آلام الظهر والعمود الفقري والتهاب العينين نتيجة التعرض للإشعاعات الكثيرة مما يسبب ضعف النظر.
  • الجلوس الطويل لساعات عدة يؤدي إلى ركود بالدورة الدموية، مما يسبب حدوث جلطات دماغية وقلبية، وضعفًا في أداء الأجهزة الحيوية بالجسم.
  • التأثيرات على الجملة العصبية إذ ينتج عن إدمان الإنترنت عدم الاتزان النفسي الانفعالي فيؤدي إلى ذلك ضعف ردود الأفعال الاستجابية، مما قد يتسبب في حوادث سير، وقد تحدث توترات عصبية بالإفراز المفرط والمتزايد لهرمون الكورتيسول (هرمون الإجهاد والتعب) وهرمون الأدرينالين والنورادرينالين يولد عند المتصفح سرعة الغضب والعدوانية وظهور اضطرابات نفسية وعقلية، لدرجة أن بعض علماء النفس أطلق عليها اسم «الهوس النفسي».
  • الإصابة بما يعرف بتناذر النفق الرسغي الذي يصيب الأشخاص الذين يمضون أوقاتًا طويلة في استخدام أصابعهم بالضغط على لوحة مفاتيح الكمبيوتر والآلات الحاسبة والكاتبة، ويحدث هذا التناذر نتيجة انضغاط العصب الرسغي الأوسط المتحكم في عضلات الإبهام والمسئول عن الحس فيتسبب ذلك في مجموعة من الأعراض منها: تنميل الأصابع وشعور بوخز يشبه وخز الإبر، وضمور معرقل لعضلات الإبهام، وإحساس بحرقة في الإبهام والأصابع الثلاثة الأولى، وضعف تدريجي في الإبهام، وتيبس صباحي بسبب بطء الدورة الدموية. وقد ينتشر الألم إلى ساعد اليد وقد يصل إلى الكتف في الحالات الشديدة.

ثانيا: المشكلات الأسرية والاجتماعية

          لقد أصبح الإنترنت رعبًا حقيقيًا للأسر العربية وخصوصًا ما يعرف بغرف الدردشة والتي يكون زوارها في الغالب من المراهقين والمراهقات، والذين هم أكثر تعرضًا للإدمان الإنترنيتي.

          إن التصفح الطويل للإنترنت يؤذي نسيج العلاقات الاجتماعية ويسبب الكثير من المشكلات الاجتماعية كاعتزال الناس، والانطواء، وفقدان التواصل مع الآخرين، وخسارة الأصدقاء وضعف الرقابة الأسرية على الأبناء. لقد لعب الإدمان الشبكي دورًا مهمًا في التفكك والتصدع الأسري بين الآباء والأبناء حيث زادت حالات الطلاق لدرجة أنه بدأ يقال: إن الإنترنت تفرق ما بين المرء وزوجه، كما لعب دورًا في تحطيم المنظومة القيمية في المجتمع، وانفلات زمام الأمور، وضعف الرقابة الأسرية، وفقدان العلاقات الاجتماعية، بما يشيعه من انطواء، وعزلة، وبدأت تنتشر صور الناس في الأجهزة الإلكترونية، وظهور ظاهرة الابتزاز الأخلاقي والمالي وانتشار الإباحية الجنسية بشكل لا مثيل له.

الأسباب المولدة لهوس الإنترنت

  • لقد أحدثت شبكة الإنترنت انقلابًا جذريًا في المفاهيم والممارسات النفسية والاجتماعية التي كانت مستقرة في الأذهان، فهي توفر للإنسان إطلاق رغباته الدفينة كلها والتعبير عنها بطرحها مع من يرغب عبر غرف الدردشة، هذه الغرف التي تقدم للشباب والشابات فرصة ذهبية للتخلص من القيود المجتمعية الصارمة.
  • الافتقاد إلى السند العاطفي عند المراهقين بجعلهم يلهثون وراء الإشباع الوهمي واللذة المؤقتة من خلال الدردشة مع أناس وعوالم لا يعرفون عنها شيئًا.
  • تنويع الخيارات وعدم وضوح الهدف، فالدخول قد يكون لا هدف له، لكن المتصفحين ينجرون من موقع إلى آخر.
  • إن غرف الدردشة وسيلة للتفريغ الانفعالي وتفريغ شحنات الغضب والكبت والعدوانية، فلا رقيب ولا حسيب ولا حدود للزمان والمكان، لذلك تصبح تلك الغرف الملاذ الآمن والمنقذ الأكبر لما يعتري النفس البشرية من مكنونات موجودة في غياهب اللاشعور.
  • التخلص من حالات القلق النفسي وضغوطات الحياة الصعبة التي يعانيها الشباب.

أعراض الإدمان

          حددت الجمعية الأمريكية للطب النفسي أعراض الإدمان الشبكي بما يلي:

  • عدم الشبع من التصفح.
  • إهمال الواجبات الأسرية والوظيفية والمهنية.
  • اللجوء إلى النوم العميق بعد تصفح مجهد وطويل.
  • ظهور ارتكاسات نفسية كالارتعاش وتحريك الأصابع بصورة مستمرة.
  • القلق والاكتئاب.
  • تركيز التفكير حول شبكة الإنترنت إلى حد الهوس.

عيادات للعلاج

          بدأت بالظهور العيادات النفسية لعلاج الإدمان الإنترنتي حيث أنشئت أول عيادة نفسية عام 1996 في مستشفى (ماكلين) في جامعة هارفارد، وبدأت تلك العيادة تقدم خدماتها الإرشادية والعلاجية.

          إن مجمل الاستراتيجيات العلاجية يجب أن تنطلق من الإرشادات والنصائح التي تخفف من وطأة هذه المشكلة، وتساعد المدمنين على الوصول إلى شاطئ السلامة.

          أولا: العلاج الذي يرتكز على أسلوب تعويد المدمن على أسلوب الضبط الذاتي، فإذا اعتاد فتح بريده الإلكتروني في الصباح عندما يستيقظ فإنه يجب أن يتعود كبح جماح نفسه ويفتحه بعد تناول طعام الفطور.

          ثانيًا: استبدال الوقت المخصص لتصفح الإنترنت بممارسة بعض التمارين الرياضية والتواصل مع الأهل والأصدقاء.

          ثالثًا: العمل على إيجاد ضوابط خارجية عن طريق تعويد الذات على تحديد وقت الدخول إلى الشبكة بساعة أو أكثر وربط ساعة منبهة تنبه المتصفح على أن الوقت قد انتهى والتعود على ذلك.

          رابعًا: الرقابة الأسرية التي تحدد ساعات معينة لمشاهدة الإنترنت لمدة ساعة أو ساعتين يوميًا والإقلال التدريجي لساعات الدخول، فإذا كانت ساعات التصفح ثلاثين ساعة أسبوعيًا نجعلها عشرين ساعة مثلاً.

          خامسًا: العلاج التبصري الذي يرتكز على اعتراف الشخص بأنه مدمن، وهذه خطوة مهمة على طريق العلاج، وبالتالي عليه أن يتحمل جزءًا من مسئولية علاجه، كما يجب أن نبين له فوائد الإنترنت ومساوئه.

          سادسًا: العلاج الأسري.. إن وجود الإنترنت في المنزل لا يعني نهاية العالم، بل الكارثة الحقيقية تتمثل في ضعف الرقابة وعدم عقلنة استخدام هذه الوسيلة المهمة بما يعود بالنفع على الفرد والأسرة والمجتمع.

          لقد أكدت دراسات في العالم العربي أن 90 % من متصفحي الإنترنت يلعبون ويتسلون، وهذا يرجع إلى كون غالبيتهم من الأطفال والمراهقين والشباب لأن لديهم وقتًا للعب والتسلية أكثر من شرائح المجتمع الأخرى وخصوصًا في ظل غياب البرامج والاستراتيجيات المتميزة التي تحفز وتنمي قدراتهم العقلية وتفجر طاقاتهم الإبداعية الخلاقة، وفي ظل الغث من الصحف والمجلات والقنوات التلفازية الهابطة.

          لذلك، لابد لنا من أن نغرس في نفوس أبنائنا أن الإنترنت مرفق خدمي نستخدمه ليقدم لنا المساعدة في حل مشكلاتنا وأن نعمل على تكوين وعي إنترنيتي عند فلذات أكبادنا، واستخدامها للاستكشاف والبحث العلمي الذي يفيد الذات والمجتمع، وكذلك لابد من تقارب الآباء من أبنائهم للتعرف على مشكلاتهم وزيادة مساحة الحوار في إطار من الاحترام المتبادل.

          سابعًا: علاج متلازمة النفق الرسغي. عادة ما تعالج بإعطاء المريض بعض الفيتامينات وخصوصًا فيتامين B المركب بمختلف أنواعه وكذلك استخدام حقن الكورتيزون التي غالبًا ما تسبب بعض التأثيرات الجانبية وينصح المريض بإضافة المكملات الغذائية وتجنب تناول الأغذية الغنية بالحديد، وكذلك عدم تناول المأكولات التي تحوي حمض الأوكساليك، لأنه قد يسبب مشاكل في المفاصل, لذلك يجب عدم الإفراط في تناول الأطعمة التي تحتوي على (البيض والسمك والسبانخ، والقرنبيط، والهيلون، والبقدونس...)، مع التركيز على الأطعمة التي تشمل فيتامين B المركب والإكثار من تناول ثمار الأناناس الطازجة كونها تحوي أنزيم البروميلين المضاد للالتهابات والوذمات، كما أن فيتامين C إذا ما اقترن بفيتامين B 6 فإنه يجلب الراحة لكثير من المصابين بتناذر النفق الرسغي الناتج عن الإفراط في استخدام لوحة المفاتيح. في النهاية لابد من تضافر كل الجهود الشعبية والحكومية من أجل سن القوانين التي تحمي الطفل العربي وتقديم برامج ثقافية وترفيهية تعكس بيئتنا العربية وتحترم عاداتنا وتقاليدنا، ونشدد على ضرورة حجب المواقع الإباحية ومنعها من دخول بيوتنا وتهديم أسرنا.

 

وليد أحمد المصري