الثقافة العربية في عالم متغير حسين أحمد أمين

بوسعنا القول إن تقدم البشرية يمكن أن يُقاس بعدد وأهمية الحقائق التي لم تعد تُثار الشكوك حولها، وأنه ما من أحد بمقدوره اليوم، (غير قلة يُدينها الضمير البشري)، أن يدافع عن نظام الرق (كما فعل أرسطو)، أو عن نظرية تفوّق جنس على جنس (كما فعل جوبينو)، أو عن حرمان المرأة من المساواة في الحقوق مع الرجل (كما فعل ابن حجر الهيتمي)، أو أن ينكر أنه لا إكراه في الدين، أو حقوق الأقليات، إلى آخره.

إذا كان بوسع البعض، وبحق، أن ينسب الفضل في هذه النتيجة (أي تضييق حدود الشك وتوسيع دائرة الاتفاق على آراء معينة) إلى الدروس التي استقتها البشرية من وحي تجاربها عبر قرون متتالية، فلا شك أيضا في أنه قد كان للمبدعين من المفكرين والفلاسفة والأدباء والفنانين يد طولى في هذا المضمار. وفي ظني أن واجب هؤلاء المبدعين تجاه توسيع دائرة الاتفاق قد بات مضاعفاً ومُلحّا في هذه المرحلة بالذات من تاريخ العالم، وذلك لسببين:

الأول: أن معظم مجالات النشاط البشري في عصرنا هذا، من سياسية واجتماعية وثقافية وعمرانية واقتصادية، قد أخذت بمبدأ التخطيط والتوجيه الواعيين، ولم تعد تترك للمصادفة أو القدر أو المبادرات العفوية.. قد يرى البعض أن تطور المفاهيم والقيم حتمي سواء ساهم فيه المفكرون وخططوا له أم لم يفعلوا. غير أني أعتقد أن هذا التطور إن تُرك وشأنه دون تخطيط واع وتوجيه من جانب الصفوة، قد لا يتخذ دائما سمتاً إيجابيا محمودا. كذلك فإن التخطيط والتوجيه في مجال القيم والمعتقدات ليسا فقط ممكنين، بل ولا غنى عنهما في هذا العصر بالذات، من أجل الوقوف في وجه المفاهيم الضالة، وتعزيز الاتجاهات المرغوب فيها.

والثاني: أن الإنسانية مقبلة على نظام عالمي جديد له مواصفات ومتطلبات مثل تخلّي الدول والشعوب عن المفهوم البالي لبعض الحقوق مثل: حق الدولة في السيادة المطلقة داخل حدودها القومية، وحق حكامها في التصرف كما يهوون داخل هذه الحدود، واستئصال كل ما من شأنه أن يتعارض مع أمن العالم واستقراره، أو يهدّد من مبادئ الحرية والديموقراطية، والليبرالية والتعددية. فهو إذن نظام يهمه في المقام الأول غرس مفاهيم جديدة عن الحرية والاستقلال، ومبادئ قانون أخلاقي جديد، ونشر الوعي بالمشكلات التي تواجه الجنس البشري بأسره، كمشكلات البيئة، والطاقة النووية، والأمن الغذائي، والانفجار السكاني، والتعايش بين المعتقدات المختلفة، إلى آخره.

التكيف: المهمة الصعبة

إزاء كل ما يشهده عالمنا المعاصر إذن من تغيرات ضخمة متلاحقة، تغدو المشكلة المحورية التي يتحتم على مفكري العالم العربي وأدبائه وفنانيه أن يحلوها مكان الصدارة في قائمة اهتماماتهم هي:

هل من المصلحة تكييف المفاهيم والقيم السائدة الآن في العالم العربي وفق الأحوال الحضارية والاجتماعية والبيئية المتغيرة في العالم ككل؟ فإن كانت الإجابة بالإيجاب انتقلنا إلى التساؤل: كيف؟

وفي رأي أن تعقد مظاهر المدنية الحديثة، وتشابك عناصرها المختلفة، يجعلان من أمر إعادة التكييف أمرا بالغ الصعوبة، ويجعلان من المصلحة أن تتصدّى لهذه المهمة هيئة دائمة، أو مجمع، يضم نخبة من كبار الخبراء العرب في علوم الاقتصاد والاجتماع والسياسة والدين، وفي علوم التاريخ والمستقبل والتحول الاجتماعي، وعلماء النفس والأدباء والفنانين والفلاسفة، من أجل المساهمة بحوارهم ومداولاتهم ونتائج نقاشهم في كشف طبيعة التكيف المطلوب، وخلق أداة للتغيير والتوجيه العلمي الرشيد، تحل محل التغيير العفوي أو اللا شعوري، وتوفّر الإجابات الواضحة الشافية عن الأسئلة الخمسة التالية:

* ما هي القيم الأساسية التي ينبغي أن تحكم أي اتجاه إلى التكيّف والمواءمة؟

* ما هي طبيعة التغيرات الرئيسية التي يشهدها العالم المعاصر؟

* كيف يمكن مواجهة هذه التغيرات على ضوء القيم الأساسية التي اخترناها؟

* ما هي التعديلات التي ينبغي إدخالها على القيم الأساسية من أجل ضمان كفاءة أكبر في مواجهة التغيرات؟

* ما هي حقائق البيئة المتغيرة التي يمكننا قبولها على ضوء قيمنا العربية أو الإسلامية؟ وما هي الحقائق التي تُلزمنا تلك القيم بواجب مقاومتها؟

وتنبع ضرورة اشتراك ممثّلين عن كل هذه الطوائف عن حقيقة بالغة الأهمية: هي أن عالم اليوم بات يشهد سبلا متفرقة عديدة من سبل التفكير وأوجه التخصص، كل منها له جوانبه الإيجابية والسلبية، وله تأثيره العميق الفعال في منهاجية البحث، وبإمكانه أن يسهم في سدّ أوجه النقص الملموسة في السبل الأخرى.

نحو التخطيط والمواجهة

أما من الناحية العملية فإنه بوسعنا أن نتصور أن يعقد مثل هذا المجمع سنويا اجتماعاً موسعاً، في حين تعمل لجانه الفرعية على مدار السنة، وأن يُختار أعضاؤه على أساس القدرة على المساهمة الفعالة في مهمة المجمع، لا الكفاءة العلمية أو الأدبية أو الفنية فحسب. وسيعرض هؤلاء في اجتماعاتهم تصوّراتهم واقتراحاتهم للعمل، ويناقشون ما تم إنجازه، وكذا تقارير لجانهم الفرعية الخاصة بمشكلات الواقع الراهنة، وتحدّيات المستقبل المنظور، ويرصدون الممارسات الضارة بمثل المجمع، وينبهون إليها، ويحاولون إيجاد الحلول لمشكلات تحول دون تحقيق الغايات، ويقدمون التوصيات للحكومات العربية بشأن طبيعة مناهج التعليم في المدارس، أو مضمون برامج وسائل الإعلام.. إلى آخره.

واختصاراً، فإنه ستكون مهمة هذا المجمع التخطيط لنمط الحياة والقيم المنشودة في المجتمع العربي الجديد، عن طريق تلاقح الآراء والمواقف المختلفة، وتوفير الإطار المرن لنموّ مجتمع حيوي يهيّئ لهذه الاتجاهات فرصة التعايش والتلاقح، وفرصة صياغة نتائج المناقشات الحرة في صورة خطة، حتى تحول دون نهوض القوى المدمّرة نيابة عنها بتكييف طباعنا، وتحديد مصيرنا.

وتتمثل أعتى هذه القوى المدمّرة في حياتنا المعاصرة في أولئك الرجعيين من المسلمين الذين لا يعترفون بقابلية القيم الدينية للتكيف والتعديل مع ثبات جوهرها، ولا يدركون أن الفشل هو مصيرهم المحتوم ما لم يترجموا التجربة الدينية الحقيقية إلى لغة الظروف المستجدة، وأن الشلل أو التخريب هو عاقبة كل محاولة لتطبيق الأحكام بصورتها القديمة على هذه الظروف. وستكون من بين المهام الرئيسية للمجمع المقترح أن يهدئ من مخاوف هؤلاء عن طريق بيان انتفاء التعارض بين التمسك بمفهوم القيم وبين الاستجابة لاحتياجات البيئة الجديدة، وأنه إن كانت الأولى هي الكفيلة بتحديد الهدف النهائي من تصرفات المسلم، فإن الثانية تمكنه من المعاصرة، وتحول بينه وبين الانسحاب.

الإسلام ليس قيداً

إنه لمن المصلحة أن تدرك الكافة، بادئ ذي بدء، أن الإسلام لا ينفي ضرورة تغير القيم والمفاهيم بتغير الأزمنة والظروف. فكلمة الإسلام تعني الإذعان لإرادة الله والتسليم بغاياته، مع العمل على أن تكون هذه الإرادة هي العليا. وباستطاعة العالم الواعي الذي يدرس حركة التاريخ وطبيعة التغيرات الطارئة بغرض استشفاف كنه الإرادة الإلهية، أن يميز بين الاتجاهات التاريخية الحتمية التي تمثل قضاء الله الواجب الرضا به، وبين الأحداث والاتجاهات التي تسير ضد تيار التاريخ، وتقاوم حتميته، وتعرقل وصوله إلى هدفه، فيدرك أن من واجبه أن يحارب تلك الاتجاهات الأخيرة، وأن يجاهد في سبيل الله ضدها، "حتى تصبح إرادة الله هي العليا". وعليه فإنه يمكن أن نتصور أن يكون بعض الحركات المسماة بالإسلامية في مجتمعنا ضد إرادة الله، (وبالتالي غير إسلامية ويحق لنا مقاومتها)، إن هي عميت عن كنه الإرادة الإلهية الكامنة في التغيير، وتجاهلت الحتمية التاريخية، وأبت أن تغير مفاهيمها على ضوء المعارف المستجدة، في حين يمكن أن تكون جماعات غيرها، دون إدراك واع منها، إسلامية حقا، إن كانت ذات وعي بالاتجاهات التاريخية، مساعدة بجهدها على دفعها إلى غايتها المنشودة.

العزلة طريق التخلف

إننا نعلم جميعا أن الحياة هي عملية مستمرة من التكيف وفق مواقف دائمة التغير. واختيار القيم التي تحكم هذا التكيف جزء لا يتجزأ من هذه العملية. وقد أبدى المسلمون الأوائل همة عظيمة في سبيل تطوير العقيدة والشريعة والمفاهيم الإسلامية حتى أغلق باب الاجتهاد. ثم زاد الطين بله ما أدت إليه عزلة المسلمين عن العالم الخارجي في ظل الدولة العثمانية من جهل بالتطورات الإيجابية الهائلة التي حدثت في أوربا خلال عصر نهضتها. فكان من أثر هذا الجهل، مع ما اتصف به مجتمعنا لأكثر من أربعة قرون من سمات الركود والتحجر وقلة التغيرات الطارئة في شتى نواحي الحياة، أن ضعفت أو كدت حاجة المسلمين إلى تطوير القيم والمفاهيم والعقيدة. فما فتحت أبواب الاتصال بأوربا منذ قرابة قرنين حتى ثارت الأزمة الروحية التي ما كانت لتتّسم بذلك القدر الرهيب من الحدّة لولا طول أمد العزلة والركود والإحجام عن الاجتهاد. عندئذ نشأ الإحساس لدى الصفوة بضرورة تطوير المفاهيم، وأدلى البعض كالأفغاني ومحمد عبده بدلوه في هذا الشأن. غير أن تلك الجهود الفردية، مع استنارتها، لم يجمعها تنظيم، ولم يكن بوسعها إدراك أهمية التخطيط الجماعي، فلم يسفر عنها بالتالي غير نتائج محدودة.

وقد بات مجتمعنا اليوم أشبه شيء بخلية النحل التي فقدت ملكتها.. قد نرى النحل مستمرا في مجيئه وذهابه، وقد نحسب هذه الحركة حياة. غير أننا متى اقتربنا من الخلية لنتأملها بعناية، ستهولنا مظاهر الفوضى التي ضربت إطنابها فيها بعد رحيل الملكة، والتي جعلت من الأجدى التخلص من الخلية بإلقائها طعمة للنيران. وفي اعتقادي أنه بوسع هذا المجمع الذي أقترح تأسيسه أن يعيد إلى مجتمعنا الإسلامي حقه في البقاء على قيد الحياة بين الأمم النشطة المتوثبة حولنا... لقد كان من حسن حظنا أن ووجهنا بالتحدي الغربي، ثم بالتحدي الإسرائيلي، فأخرجنا الأول من عزلة قاتلة، وأيقظنا الثاني من سبات عميق. وقد خلق التحدي لنا مشكلة حضارية ضخمة. غير أن المشكلة ليست مستعصية على الحل.. هي إحدى تلك المشكلات التي وصفها نيتشه بأنها إن لم تقتلنا زادتنا قوة. ولكيلا تقتلنا هذه المشكلة لا بد من التقاء خيرة العقول في مختلف المجالات عندنا في تنظيم كي تتضافر على رسم معالم نظام حضاري جديد، والتخطيط له تخطيطا واقعيا لا هو بالمثالي ولا بالرجعي، فيضع بذلك حدّا لعملية الانسحاب من التاريخ التي ينطوي عليها فكر الجماعات الدينية الرجعية في أقطارنا العربية.

 

حسين أحمد أمين