الثقافة اليابانية تتحدى مخاطر الطاقة النووية

الثقافة اليابانية تتحدى مخاطر الطاقة النووية

ارتدت الذكرى السادسة والستين لكارثة اليابان النووية في هيروشيما وناجازاكي طابعًا أكثر مأساوية هذا العام. ففي 11 مارس 2011 ضرب زلزال بقوة تسع درجات عمق المحيط الهادي، أعقبته أمواج تسونامي بارتفاع 14 مترًا فدمرت مدنًا وقرى بكاملها على ساحل منطقة توهوكو اليابانية، واعتبر الزلزال الأشد عنفًا في تاريخ اليابان. كانت المحصلة النهائية لتلك الكارثة مقتل 15400 ياباني من مختلف الأعمار، وما زال أكثر من ثمانية آلاف في عداد المفقودين.

ألحقت موجات تسونامي أضرارًا بالغة الخطورة بالمحطات النووية الثلاث في منطقة فوكوشيما دايشي شمال شرق اليابان والتي تبعد قرابة 220 كلم عن العاصمة طوكيو. دفع الشعب الياباني ضريبة الزلزال المدمر ثلاث مرات خلال أقل من قرن، وضريبة الإشعاع النووي مرتين خلال ستة وستين عاما. فكانت طوكيو ضحية زلزال 1923، ومدينة كوبي ضحية زلزال 1995، وأخيرًا مدينة سانداي ومنطقة فوكوشيما ضحية زلزال 2011. كانت الكارثة النووية الأولى نتيجة انتقام الأمريكيين من اليابان فاستخدموا السلاح النووي لأغراض عسكرية بهدف فرض الاستسلام عليها عام 1945.

أما الثانية فمن سوء تدبير اليابانيين أنفسهم بعد الإكثار من بناء مفاعلات نووية لأغراض سلمية في منطقة واحدة. علما بأن بلادهم تقع على خط الزلازل الأول في العالم. كانت كارثة 2011 في أعقاب زلزال مدمر، أعقبه تسونامي رهيب أدى إلى تعطيل المفاعلات النووية في فوكوشيما. اعتبر خبراء الطاقة الذرية أن الإشعاع النووي الذي ضرب اليابان هذا العام أخطر كارثة نووية تواجه العالم منذ كارثة تشرنوبيل السوفييتية قبل قرابة ربع قرن. فما زال أكثر من تسعين ألف شخص يعيشون خارج منطقة الزلزال. وقد تم إجلاؤهم على الفور لتلافي الإصابة بالإشعاع النووي ضمن دائرة يمتد قطرها إلى عشرين كلم انطلاقًا من مركز المفاعلات في فوكوشيما، فسارعت السلطات اليابانية إلى إيواء الناجين من الإشعاع النووي في ملاجئ أعدت خصيصًا لاستقبالهم، وفي بعض المدارس والمؤسسات. وكانت تلتزم الصمت، أو تقدم معلومات قليلة للتخفيف من هول النكبة على اللاجئين الذين يعيشون ظروفًا صعبة في مراكز هجرتهم القسرية، ودون أن يكون لديهم تصور واضح لعودتهم إلى بيوتهم. لقد عطل الزلزال الدورة الاقتصادية في معظم أنحاء اليابان بسبب انقطاع الكهرباء. وكلفة إعادة البناء مرتفعة جدا، إذ قدر البنك الدولي الكلفة المباشرة للكارثة بحوالي 235 مليار دولار، في حين قدرت الحكومة اليابانية حجم الأضرار بحوالي خمسة وعشرين تريليون ين، اي ما يقارب 309 مليارات دولار. وهي تعتبر من الكوارث الأكبر حجمًا في العالم من الناحية الاقتصادية، علما بأن الكلفة النهائية للأضرار مازالت عرضة للارتفاع بسبب مخاطر استمرار تسرب الإشعاع النووي، والانقطاع الدائم أو المؤقت للطاقة الكهربائية الضرورية للإنتاج في مدن اليابان ومصانعها. وقد شل نقص الوقود تحرك الآليات، ونقل المسافرين والسلع التجارية، وعمل الشركات والمصانع والمتاجر لعدة أسابيع في المناطق المنكوبة.

هلع التلوث

وكانت آثار النكبة النووية تثير هلع اليابانيين بسبب ظهور حالات التلوث بالإشعاع النووي بصورة مرتفعة في مياه الشرب، والخضار، وبعض الأغذية. وطالت لائحة الدول التي رفضت استيراد منتجات يابانية خوفًا من الإشعاعات النووية. وبعد أن رصدت مواد مشعة في مياه البحر قرب محطة فوكوشيما، تراجعت بشكل حاد أسعار الأسماك وثمار البحر في اليابان. وتضرر عدد كبير من العائلات اليابانية التي تشكل تجارة الأسماك موردًا رئيسيًا لها. وما زالت الإشعاعات النووية تثير قلقًا شديدًا لدى اليابانيين في مختلف مناطق سكنهم. وأشارت الصحف اليابانية إلى خوف مكبوت يبدو واضحًا على وجوه كثير من اليابانيين. فهم يخشون على أولادهم من الإصابة بالإشعاع النووي الذي ظهرت بعض آثاره في ضواحي طوكيو.لكن اليابان، حكومة وشعبا ومؤسسات، قررت الصمود وبذل كل التضحيات الممكنة للحفاظ على سلامة اليابانيين وإنعاش الدورة الاقتصادية مجددا في بلادهم، فقد كثفت وزارة الصحة عمليات مراقبة المياه، والأغذية، وحليب الأطفال، والأسماك والرخويات البحرية التي يتم اصطيادها من السواحل اليابانية المنكوبة. وسارع قادة اليابان إلى القيام بزيارات دورية لتفقد اللاجئين، والتخفيف من آلامهم وهواجسهم، وطمأنتهم إلى قرب عودتهم إلى ديارهم. ومع أن بعض التقارير الرسمية تشير إلى عدم اقتناع الكثير من اليابانيين بصدق التطمينات التي تقدمها الحكومة لتهدئة المخاوف بشتى الوسائل بما فيها كتمان بعض الحقائق المرعبة، فقد صمموا على البقاء في مناطقهم وعدم النزوح عنها. وقد سبق لهم أن واجهوا الكارثة النووية في هيروشيما وناجازاكي التي خلفت آثارًا سلبية لسنوات طويلة، وأدت إلى اعتلال صحة عشرات الآلاف من اليابانيين عبر أجيال متعاقبة نظرًا للتخلف التكنولوجي، والحصار الإقليمي والدولي الذي كانت تعيشه اليابان المدمرة بعد الحرب العالمية الثانية. أما اليابان اليوم فتعتبر واحدة من أكثر دول العالم تطورًا في مجال التكنولوجيا وصناعة الإنسان الآلي الذي استخدم بعد زلزال 2011 بكفاءة عالية لتخفيف المخاطر عن اليابانيين.

تكبدت قطاعات الزراعة والصناعة وصيد الأسماك في المناطق التي تعرضت للتلوث الإشعاعي خسائر كبيرة. وكان تأثيرها النفسي سلبيا على المستهلكين بعد أن صنفت الخضار والفواكه والحبوب والأسماك واللحوم وغيرها في المناطق المتضررة بأنها غير صالحة للاستهلاك المحلي وللتصدير إلى داخل اليابان وخارجها، إلى جانب الخسائر المادية المباشرة التي قدرت بحوالي أربعة في المائة من الناتج المحلي الاجمالي، وقد توقع الخبراء أن تكون نسبة النمو الإجمالي في اليابان سلبية خلال العام الحالي. لكن تقارير صادرة منتصف شهر أغسطس 2011 أكدت أن اليابان تجاوزت التوقعات السلبية وبدأت تشهد زيادة في نسبة نمو الدخل القومي تساعد على تجاوز الأزمة الاقتصادية بوتيرة لم يتوقعها أغلبية المحللين،ويعود الفضل في ذلك إلى سلوك الشعب الياباني، والتضامن التام بين مكونات الدولة والمجتمع في اليابان.

فاليابان تقع على خط الزلازل الأول في العالم. وكانت إرادة الصمود على الدوام قوية لدى اليابانيين. وفور وقوع كارثة طبيعية، تسارع حكومة اليابان وجميع مؤسساتها الرسمية والخاصة إلى مد يد العون إلى سكان المناطق المنكوبة والنازحين عنها. وبعد أسابيع قليلة على الزلزال المدمر رتبت الحكومة زيارة خاطفة لثلاثة رؤساء وزارات جاءوا من الصين واليابان وكوريا الجنوبية، فتناولوا الطعام مع سكانها، وأكلوا من إنتاجها الزراعي لرفع معنويات السكان المنكوبين. وبدأت منظمات المجتمع المدني والمؤسسات الاقتصادية تطالب السلطات اليابانية برفع الحظر عن السلع المنتجة في منطقة فوكوشيما كالشاي، والخضار، والفواكه، والصناعات المحلية وغيرها. وتم توزيع الألبسة والهدايا على الأولاد لتعزيز الأمل في المناطق المنكوبة. ودعت مؤسسات المجتمع المدني إلى مساعدة الشعب على الصمود. وذكرت دوما بأن اليابان تجاوزت مأساة هيروشيما وناجازاكي، وأحرزت تقدما كبيرا خلال فترة زمنية قصيرة. وقد احتلت المرتبة الثانية في الاقتصاد العالمي، وباتت في طليعة دول العالم تقدمًا في العلوم العصرية والتكنولوجيا المتطورة.

صمود ضد الكوارث

اشتهر اليابانيون عبر تاريخهم الطويل بالصلابة، والتضامن، والتمسك بأرضهم، والدفاع عنها في أشد الظروف قسوة. فساهم السلوك الجماعي الرائع في التخفيف من هول المأساة، وفتحت كوة واسعة من الأمل في تجاوز الكارثة تمهيدًا للخروج منها، فأعيد التيار الكهربائي جزئيًا بفضل التضحيات الكبيرة للتقنيين اليابانيين. مما ساعد على استئناف أنظمة التبريد في بعض المفاعلات المتضررة، وإصلاح عدد من خطوط الإمداد لتوليد الطاقة الكهربائية ونقلها إلى المناطق المنكوبة. وعملت وزارة الصحة ومؤسسات عدة على تخفيض مستوى اليود المشبع بالإشعاع في مياه الشرب، وفرضت رقابة مشددة على المياه الملوثة، ووزعت مياهًا نقية مجانًا على المنكوبين. واستمرت عمليات تبريد مفاعلات فوكوشيما النووية المتضررة إلى أن نجحت في إعادة التيار الكهربائي، فكانت الكلفة البشرية كبيرة بعد أن تعرض عدد كبير من التقنيين لإشعاعات نووية، ومنهم من أصيب بتلوث إشعاعي قاتل.

بعد زلزال فوكوشيما، أثار سلوك اليابانيين الفردي والجماعي، الرسمي والشعبي، إعجاب العالم. ونشرت وسائل الإعلام رسائل تظهر سلوك اليابانيين الراقي وتقاليدهم الموروثة في التضامن الجماعي الذي يحمي الوطن ويقدم نموذجًا يحتذى للشعوب الأخرى في مواجهة الأزمات، وأبرز مظاهره الهدوء، وغياب النواح، وترك الحزن يعبر عن ذاته بشكل إنساني، وتجلى واضحًا تقليد ياباني أصيل في احترام الآخر، حيث كانت طوابير كبيرة تسعى بصمت وراء الماء النظيف، وشراء الحاجيات الضرورية دونما صراخ، أو تلفظ بكلمات نابية، أو القيام بتصرفات سيئة. وتجلت عبقرية اليابانيين في البناء القادر على الصمود أمام الزلازل بنسبة عالية جدا من الصلابة، فتأرجحت المباني دون أن تسقط.

يعتبر التراحم من مظاهر السلوك المحبب لدى اليابانيين في الأزمات، فاشتروا فقط ما يحتاجون إليه، تاركين لغيرهم الفرصة لسد حاجاتهم. هذا بالإضافة إلى احترام النظام العام. فلا فوضى في المحال، ولا زمامير تزعج الناس في الشوارع. وتجلت قمة السلوك الإنساني لديهم في تضحية الأفراد بأنفسهم لإنقاذ الجماعة، فبقي عشرات العمال داخل المفاعل النووي المعطوب يواجهون خطر الموت المحتم وهم يضخون ماء البحر لتبريده دون أن يتوخوا مكافأة من أحد. نشير أيضا إلى الرفق بالمنكوبين الذي تجلى في خفض المطاعم لأسعارها، وترك أجهزة الصرف الآلي على حالها، ومساندة الممولين للفقراء ودعمهم السخي للمؤسسات الإنسانية ومؤسسات الإغاثة. وعرف كبار السن في اليابان كما صغارهم واجباتهم تجاه المنكوبين بدقة وما يجب القيام به. وبرز لدى الجميع نوع من رادع الضمير. فحين تنقطع الكهرباء عن المحال التجارية كان الناس يعيدون ما بأيديهم إلى الرفوف ويخرجون بهدوء. ولا بد من التنويه بدور الإعلام الياباني المسؤول الذي أظهر قدرة فائقة على مواجهة الأزمة بتقارير هادئة ودقيقة. هكذا أثبت اليابانيون أنهم شعب راق يستحق كل التقدير والاحترام، وأثبت كفاءة عالية في مواجهة الأزمة وسرعة الخروج منها.

على جانب آخر، لم تشهد الأسهم اليابانية انخفاضًا حادًا في البورصة، أو هروبًا للمستثمرين. وسجل الين ارتفاعًا ملحوظًا وثباتًا بسبب الطلب المتزايد لتمويل عمليات إعادة التأهيل والإعمار التي تحتاج سنويًا إلى أكثر من خمسين مليار دولار، على مدى ست سنوات متواصلة. وهناك مؤشرات تؤكد أن اليابان ستتجاوز المحنة بنجاح. فتضامن اليابانيين، حكومة وشعبا ومؤسسات رسمية وخاصة، كفيل بإعادة تنشيط الدورة الاقتصادية في وطنهم وطمأنة شعبها إلى مستقبله الواعد على أرضه.

سياسة دعم الهجرة

يكفي التذكير هنا بنموذج مهم يظهر أهمية التضامن بين اليابانيين. فبعد زلزال طوكيو المدمر العام 1923، سعت حكومات اليابان المتعاقبة إلى تخفيف الضغط السكاني الداخلي عبر دعم اليابانيين لإيجاد فرص عمل لهم في الخارج. ويقدم كتاب توأكه أندوه TOAKE Endoh الصادر بالإنجليزية العام 2009 تحت عنوان: «تصدير اليابان: سياسات الهجرة إلى أميركا اللاتينية»، نموذجا رائعا حول كيفية تحويل اليابان بعض كوارث الطبيعة إلى مصدر غنى لشعبها. فقد كانت الهجرة اليابانية إلى أمريكا اللاتينية محدودة العدد بين 1880 وزلزال 1923 الذي دمر أجزاء كبيرة من مدينة طوكيو، فسرعان ما ارتفع عدد المهاجرين اليابانيين إلى البرازيل فبلغ قرابة 300 ألف مهاجر في العام 1960، وفد أغلبهم في إطار سياسة واضحة من الدولة اليابانية التي اعتمدت تدابير خاصة. فشجعت هجرة اليابانيين إلى الخارج، ودفعت نسبة كبيرة من نفقات السفر. وشهدت مدينة سان باولو وجوارها أكبر تجمع للمهاجرين اليابانيين في البرازيل. واستمر دعم الهجرة الكثيفة من جانب الدولة إبان فترة ما بين الحربين العالميتين، ثم تعززت بفضل دعم الميسورين اليابانيين لهم بعد الحرب العالمية الثانية، فبات عدد اليابانيين اليوم يزيد على المليون ونصف المليون مهاجر في البرازيل، يشكلون أكبر جالية يابانية في الخارج. ووضعت السلطات اليابانية تعريفًا عقلانيًا لمفهوم الهوية اليابانية في عصر العولمة. وهو مفهوم جديد يقوم على الجمع بين اليابانيين في الداخل والمنتشرين منهم في دول الاغتراب. وتنبهت حكومات اليابان إلى أهمية الدور الذي يمكن أن يلعبه مهاجروها في دول أمريكا اللاتينية، فبنت مشروعًا متكاملًا للاستفادة منهم في مناطق انتشارهم. وساعدت الجماعات المهاجرة على توسيع نفوذها الاقتصادي والتوظيف المالي في أمريكا اللاتينية.

وتملك المهاجرون مساحات واسعة في البرازيل تقدر اليوم بمليارات الدولارات، إلى جانب الثروات الطائلة التي جناها الأغنياء منهم. وساندت اليابان الرئيس فوجيموري، وهو من أصل ياباني، في الوصول إلى حكم البيرو لسنوات عدة، وحمته عندما تمت ملاحقته قضائيا، تقديرًا لدوره في تعزيز العلاقات بين اليابان والبيرو. ويكثر الحديث حاليا عن إمكان انتشار اليابانيين في العالم بعد زلزال 2011. فلم تعد الإقامة على أرض الوطن المقياس الوحيد للانتماء الوطني وفق المفهوم الجديد للوطن في عصر العولمة. وتم التركيز على مساهمة جميع اليابانيين، داخل الوطن وخارجه، في تعزيز دور اليابان على المستوى الكوني.

وانطلاقًا من هذه الصيغة التي تتلاءم مع طبيعة عصر العولمة، حافظت اليابان على علاقات وثيقة مع مهاجريه. وبنت إستراتيجية جديدة ساعدت على صعودها السريع وتحولها إلى ثاني قوة اقتصادية عالمية في النصف الثاني من القرن العشرين.

أخيرًا، يعتبر زلزال 11 مارس 2011 بمنزلة إنذار لجميع دول العالم، خاصة الكبرى منها، فعليها أن تتوقف عن التلاعب بالطبيعة، وأن يتوخى قادتها الحذر من اعتماد الطاقة النووية، العسكرية منها أو السلمية، فهناك خطر موت جماعي ينتظر البشرية بسبب كثرة المفاعلات النووية، لأغراض عسكرية أو سلمية. وقد شارك آلاف اليابانيين في تظاهرات حاشدة في طوكيو وغيرها من مدن اليابان ضد المفاعلات النووية.

وقد وضعت مأساة الشعب الياباني النووية قادة اليابان وغيرهم من قادة الدول التي لديها أو تبني مفاعلات نووية أمام مسئولياتهم التاريخية في وقف هذا المسار النووي المدمر. وما شهدته اليابان من بطولات فردية وجماعية لتجاوز المأساة قد لا يتكرر في أي بلد آخر، وحين احتفل الشعب الياباني في السادس والتاسع من أغسطس 2011 بمرور الذكرى السادسة والستين على كارثة هيروشيما وناجازاكي النووية بعث برسائل شديد اللهجة للأمم المتحدة ولجميع قادة العالم، فاستعادت اليابان ذكرى المأساة في احتفال مهيب هذا العام حذرت فيه من مخاطر تجدد الكارثة النووية، لأن آثارها السلبية لا تنتهي على مختلف الصعد الإنسانية والاقتصادية والاجتماعية. فالمأساة البشرية الناجمة عن استخدام الطاقة الذرية، مفتوحة اليوم على احتمالات خطيرة. وبالرغم من أن اليابان كانت من أكثر دول العالم حماية لمنشآتها النووية من التسرب الإشعاعي، فإن قوة الزلزال أودت بحياة الآلاف من اليابانيين وشردت أعدادًا كبيرة منهم.

ختاما، خرجت اليابان من تحت أنقاض هيروشيما وناجازاكي بعزيمة أقوى على مواجهة الكوارث المدمرة. وبدأت تتخلص من كارثة العام 2011 بفضل صمود اليابانيين وقدرتهم على تحمل المأساة والبقاء على أرضهم بالرغم من المخاطر المحدقة بهم، فهم اعتادوا تحمل كوارث الطبيعة والتغلب عليها بإرادة صلبة. وكأن قدر اليابان أن تدفع الضريبة النووية مرتين، وأن تنهض منهما بعزيمة أقوى للرد على التحدي النووي. وهي مدعوة اليوم إلى مواجهة هذا التحدي على المستوى الكوني بفرض ضوابط صارمة في بناء المفاعلات النووية، وصيانتها، واستخدامها لأغراض سلمية، فالطاقة النووية، بجميع أشكالها، شديدة الخطورة على البشرية بأسرها، لذلك يبدي اليابانيون اليوم قلقًا مشروعًا على المصير، ويحذرون قادة العالم من مخاطر الإشعاعات النووية التي تعجز حتى الدول المتطورة عن ضبطها أو منع انتشارها، كما أنهم يدعون لتشكيل رأي عام دولي ضاغط لفرض رقابة فاعلة على انتشار الوقود النووي. فاليابان ما بعد مأساة فوكوشيما لن تبقى محايدة تجاه الانتشار العشوائي للطاقة النووية. وهي اليوم في طليعة الدول الداعمة للوكالة الدولية للطاقة النووية وإلزامها باتخاذ تدابير صارمة تضمن حماية السلم العالمي، والعمل على بناء عالم خالٍ من أسلحة الدمار الشامل.
------------------------------
* كاتب من لبنان.

 

مسعود ضاهر