أوراق أدبية - بيوت أساتذتي

أوراق أدبية - بيوت أساتذتي

كان تفوّقي في أيام الجامعة هو الذي قادني إلى العلاقة الحميمة بأساتذتي الذين أسعدهم هذا التفوق، ومن ثمّ ظلوا على اهتمامهم الشخصي بي، والتعامل معي بوصفي واحدًا من أبنائهم.  لذا دعاني الكثير منهم لزيارته في بيته، وكانت البداية هي زيارة د. يوسف خليف - رحمه الله - في بيته القديم بالجيزة. فقد دعاني لكي يعرفني أكثر، ولكي يناقشني في مستقبلي. وكان - رحمة الله عليه - مُهتمًّا بهذا المستقبل بالفعل، ويبدو أنه قد أعجبه بحثٌ قُمتُ به في مادة «أعمال السَّنة»، وهو عن «الديارات في الشعر العباسي»، وكان مرجعي الأساسي في هذا البحث كتاب عثرتُ عليه مصادفة في دار الكتب اسمه «الديارات النصرانية في العصر العباسي»، وأذكر على وجه التقريب أن اسم المؤلف كان الشابُشتي أو الشابُستي وهو الأغلب.

أتعبني ذلك البحث، إذ التهم بضعة شهورٍ من عامي الدراسي الثالث، ولم أتركه إلّا بعد أن تأكدتُ أنه يصلح أن يكون موضوعًا لنيل درجة الماجستير. 
ولم أتردد في إبلاغ أستاذي يوسف خليف بتلك الرغبة، ففرح جدًّا، ووافقني على أن يُخصصه لي موضوعًا للماجستير بعد تخرّجي. لكنّ ذلك الحلم لم يتحقق، مع الأسف، وظل البحث مطمورًا في أوراقي القديمة إلى أن اختفى تمامًا، بعد أن تنقلتُ بين أكثر من منزلٍ.
لكن بقيت ذكرى تلك الزيارة الأولى لخليف الذي فرح بها جدًّا، وعاملني معاملة الأب للابن، لكنّه، مع الأسف، أجلسني في غرفة الصالون لا بغرفة المكتب أو المكتبة؛ ربّما لأنّه كان حريصًا على ألا يُريني كتبه، حتى لا أطلب منه استعارة كتاب.

عبدالمحسن بدر
أما البيت الثاني الذي ذهبتُ إليه، فقد كان بيت أستاذي المرحوم د. عبدالمحسن بدر، وكان يقطنُ في المعادي الجديدة بالناحية القريبة من نهر النيل.
وقد ركبتُ المترو لكي أذهب إلى منزله من محطة باب اللوق (وكانت المحطة المركزية لخط المترو الذي يبدأ منها وينتهي في حلوان).
تركتُ المترو في المعادي، وظللتُ أسألُ عن عنوان منزل د. بدر إلى أن وصلتُ إلى المنطقة القريبة من نهر النيل، وكانت حديثة عهد بالبناء، وعثرتُ على بناء حديث يبدو أنه كان أوّل من سكنه، وذهبتُ لمسكنه بالطابق الثاني أو الثالث. وهناك استقبلني بترحابٍ شديدٍ ومودةٍ بالغةٍ تختلف عن مودة بقيّة أساتذتي، فقد كان د. بدر أكثر شبابًا منهم وأقربهم إلى سنّي، ولحُسن الحظ كانت حجرة الاستقبال هي مكتبه ومكتبته على السواء، فجلستُ في الحجرة، وأخذت أتطلّع إلى ما فيها من كتبٍ، لكنّه فاجأني بحسمٍ أن الاستعارة ممنوعة في مكتبته، فابتسمتُ ولم أعلِّق، فقد كنتُ أدرك صرامته وحدّيته. 
وقد عانيتُ تلك الحديّة والصرامة على نحوٍ خفيفٍ وطريفٍ في تعرّفي إليه للمرة الأولى في محاضرات «الرواية» بالسنة الرابعة، فقد دَخَل إلينا عائدًا من منحةٍ حصل عليها لمدة عامٍ في إنجلترا، استكمل فيها ما فاته من تحصيل العلم النظري بفنَّي القصة القصيرة والرواية، ولذلك كان يقوم بتدريس نماذج من الرواية العربية الحديثة لنا، إضافة إلى مادة الترجمة عن الإنجليزية. 
كانت البداية هي قراءتنا معه لرواية «قرية ظالمة» للدكتور محمد كامل حسين، وهو طبيب أغوته الفلسفة والمباحث الطبية معًا، ولذلك أصدر عددًا من المؤلفات ذات الطابع الفلسفي، منها رواية «قرية ظالمة» التي كان يعنى بها قرية المسيح عليه السلام في يوم صَلْبه.
ولذلك كانت الرواية مُقسَّمة إلى فصولٍ هي في واقع الأمر أصوات متجاورة أو متنوّعة للشخصيات التي كانت شاهدة بمعنى من المعاني، ومُسهِمة بمعنى آخر في مأساة المسيح التي تتمثّل في صَلْبه. وكانت فصول الرواية - كما سبق أن قلتُ - موزَّعة على الشخصيات التي أسهمت في الحدث الأكبر الذي تدور حوله الرواية، وهو صَلْب المسيح. وبعد أن تنتهي الفصول تختتم الرواية سردها بفصلٍ أخيرٍ أقرب إلى فلسفة الموقف كله، لكن من منظورٍ فلسفي.
والحق أنّ ما حدث في محاضرات د. بدر عن الرواية كان السبب في معرفتي به، فقد دخل د. بدر إلى فصلنا مُتجهم الوجه كأنّه يريد أن يفرض سيطرته علينا منذ الدقيقة الأولى بجهامة وجهه، فقدَّم لنا المنهج وأعلن أن رواية «قرية ظالمة» ستكون هي أولى الروايات التي سنناقشها معه في الجانب الخاص بالنقد التطبيقي من المادة التي كانت تدرسها أستاذته وأستاذتنا د. سهير القلماوي. وقام في تلك المحاضرة الأولى بقراءة عناوين الفصول، فصلًا فصلًا على الطلاب، سائلًا إيّاهم أن يختار كل منهم فصلًا ليكتب عنه، فالتزمتُ السكوت ولم أنطق طوال تهافت زملائي على الإسهام في الحوار، فانتهت الفصول ولم يبق من الرواية إلّا الخاتمة، وكانت ما يقرب من صفحتين أو ثلاثة - إن لم تخني الذاكرة - وقد ظنّ بي د. بدر ظنًّا غير إيجابي، متخيلًا أنني صمتُّ للتهرب من إيجابية المشاركة، لكن عندما جئنا إلى المحاضرة التالية، واستمع إلى تقديمي للخاتمة تغيَّر رأيه تمامًا، وانفرجت أساريره، وعقَّب على ما قرأتُ قائلًا: «لقد فاجأتني وجعلتني أراجع نفسي فيما ظننته فيك، فأنت على عكس ما يوحيه تجنّبك في المشاركة وسرعة الإعلان عن نفسك». 
وانتهت المحاضرة، لكنّه قبل أن يخرج قال لي: «تعالَ معي»، فخرجتُ معه، وذهبتُ إلى مكتبه، وجلستُ معه بعض الوقت، وتحدثنا في موضوعات شتى، وختم د. بدر النقاش بأن دعاني لزيارته في منزله بالمعادي، وكانت تلك هي المرة الأولى التي أسمع فيها كلمة المعادي، فسألته: «أين تقع هذه المعادي؟» فأخبرني بأن عليَّ أن أستقل المترو من محطة باب اللوق، والنزول في محطة المعادي. وكان ذلك هو الذهاب الأول لي إلى هذه المنطقة، فضلًا عن ركوبي المترو والسّير به تلك المسافة الطويلة التي كنتُ فرحًا بها فرحي بأن أكتشف عالمًا جديدًا في مدينة القاهرة التي بدت لي في ذلك الوقت كأنّها قارّة لم أكن قد تعرّفتُ على معالمها بعد. 
وهكذا انتهى بي الأمر إلى أن أذهب إلى بيت أستاذي د. بدر، وأرى زوجه التي رحلت بعده بسنوات معدودة، وابنه خالد الذي فارقنا - مع الأسف - منذ أشهر معدودة، رحمهم الله جميعًا، فقد كانت لهم مَعزَّة خاصة في قلبي.

حسين نصار
وما فعله أستاذي د. بدر فعله معي كذلك أستاذي د. حسين نصار حين دفعه الإعجاب بي إلى دعوتي لزيارة منزله القديم في منطقة العجوزة، فذهبتُ إلى الزيارة، لكنني مع الأسف لم أجلس في غرفة المكتب أو المكتبة، بل حُبستُ في الصالون؛ حتى لا أرى مكتبة أستاذي الجليل - رحمة الله عليه - فأطلب استعارة بعض الكتب.
وهذا أمرٌ ما كان يُحبّذه أستاذي د. حسين نصار الذي كان يتردد في أن يُعير تلاميذه كتابًا أو أكثر من مكتبته؛ وذلك لأنّه كان سيئ الظن بالذين يستعيرون كتبًا من غيرهم، ويرى أنّ هذه العملية لا فائدة فيها، وأنها تنتهي بضياع الكُتب أو فقدها. ومضت السنوات وتزوجتُ وسكنتُ في مسكنٍ واسعٍ بمدينة المهندسين، وزارني د. نصار مُهنِّئًا، ولمّا رأى اتساع مسكني وبراحه، استأذنني في أن يضع بعض «كراتين من كتبه» في مسكني إلى أن يجد لضيق مكتبته - على اتساع كُتبه - مَفرجًا. ومرّت الأيام إلى أن انتقل د. نصار من مسكنه إلى مسكنٍ جديدٍ تصادف أنه في العقار نفسه الذي انتهت بي رحلة التنقل بين المساكن إليه، وهناك استرد د. نصار كتبه، ووضعها في غرفة المكتبة التي اقتبستُ تصميمها، وطلبتُ من مهندس الديكور الذي كان يُشرف على إعداد شقتي أن يُخصص غرفة لمكتبي وللمكتبة بالطراز نفسه الذي كانت عليه مكتبة أستاذي. 

بيت القلماوي
يأتي بعد ذلك بيت أستاذتي د. سهير القلماوي، وهو البيت الرابع من بيوت أساتذتي التي دخلت إليها مدعوًّا منهم، ومع الأسف لم أرَ مكتبتها الخاصة؛ لأنّها كانت تسكن في فيلا أنيقة، وكان محلّ المكتبة في «البدروم»، لا في الأماكن الأعلى من الفيلا، ولذلك عندما كنتُ أذهب للقائها في بيتها كانت تستقبلني دائمًا في غرف الصالون المتجاورة والفخمة بحُكم الوضع الطبقي لأستاذتي.
والحق أنّني رغم أنني لم أُشاهد مكتبة د.القلماوي، فإنها كانت تُنعم عليَّ بين الحين والآخر بما ترى أنه ليست في حاجةٍ إليه من أعداد المجلات الأجنبية المتخصصة في النقد الأدبي، والتي كانت باللغة الإنجليزية غالبًا. وكان ذلك أمرًا يحدث مرتين في العام على وجه التقريب، وأعتقد أنه تكوَّنت لديّ من ذلك مكتبة صغيرة من المجلات المُتخصصة في النقد الأدبي وعلم الجمال على السواء.
وكنتُ فَرِحًا فَـرَحًا غامرًا بها، وأُدرِّب نفسي على القراءة فيها؛ حتى أُتقن معرفة المُصطلح الأدبي، وأقترب اقترابًا حميمًا من المشكلات التي يتداولها نقّاد الأدب الكبار في الدوريات الأدبية الشهيرة مثل «the Kenyon Review»، ودورية «Esthetics and art criticism» . ولا أعرف إلى الآن أين ذهبت تلك المجموعة التي كانت نواة لمجموعات أكبر اشتريتُها بِحُرّ مالي خلال زياراتي إلى مكتبات مدن الغرب الأوربي والأمريكي.

شوقي ضيف
أما أُستاذي د. شوقي ضيف فقد دعاني إلى منزله الذي كان يجاور منزلي بالمُصادفة، لكنّه لم يُنعم عليّ بشيء من عطاياه إلا بعددٍ من الكتب التي ألَّفها هو، والتي كانت موجودة بالفعل في مكتبتي الخاصة، خصوصًا كتابه الأشهر عن «الفن ومذاهبه في الشعر العربي»، ونظيره في النثر العربي. وربما كانت العلاقة المرتبكة بيني وبين أستاذي ضيف هي السبب في أنه لم يستمر في معاملتي كبقية معاملة أساتذتي لي؛ وذلك ربّما لأنّه لم يكن يوافق على طريقتي في الدرس الأكاديمي، وقد كنتُ من الحداثيين بالنسبة إليه، بل من المبالغين في الحداثة على مذهب طه حسين، كما أن د. ضيف كان رُجلًا يفضِّل الاعتدال لا التطرف - لذا كان يعتقد أنني مُتطرف في كثيرٍ من المواقف نتيجة ما كان يراه أحيانًا في تعلُّقي ببعض نقاد الحداثة الغربية - ولذلك لاحظتُ أنه دعا جميع زملائي، تقريبًا، إلى العمل معه، أو للعمل مُحررين في مَجمع اللغة العربية حينما كان رئيسًا للمجمع، مُتجاهلًا حضوري إلى أن توفّاه الله، وكنتُ أعرف ذلك، لكنّي لم أُعاتبه قط، بل لم أرَ في الأمر ما يستحق العتاب، فقد كنتُ أعرف أنني أقرب إلى المدرسة الحداثية ولسهير القلماوي، التي كانت من أبرز رموز هذه المدرسة، وأبعد ما أكون عن مدرسة النقد القديم التي كان هو يترأسها، أو أصبح رمزًا من رموزها. 
وأذكر أنني لم أذهب إلى بيته سوى مرتين؛ الأولى كانت في بيته القديم في جزيرة الروضة؛ لكي أسلِّمه كشكولي أو دفتري الذي كنتُ أكتبُ فيه محاضراته عن الشعر العباسي، وقد كنتُ أعتني بتلك المحاضرات، وأستكمل نصوصها بما أجده في المكتبة من دواوين الشعراء الذين كانت تشير إليهم المحاضرات، ابتداء من البحتري، وليس انتهاء بالمعري. وقد كان دفتري ذلك أساسًا اعتمد عليه في كتابه الخاص بالعصر العباسي في موسوعته المهمة عن تاريخ الشعر العربي، وخاصة العصر العباسي. 

شهادة إنصاف
الحق أنه لا بدّ هنا من شهادة إنصاف يجب أن تُقال، وهي أن د. شوقي ضيف - رحمه الله - قد نجح في أن يحقق هدفًا عزيزًا قدَّم به للحياة الثقافية ما لا تزال تدين له به إلى اليوم. وهو كتابه الموسوعي عن «تاريخ الشعر العربي»، وهو كتاب لم يكتب أحد مثله في تعدّد أجزائه، أو الاهتمام بكل الفضاء الجغرافي عبر الحقب المُتعاقبة التي مرّ بها تاريخ الشعر العربي.
 فالكتاب يحتوي بأجزائه التي تُقارب العشرين على كل ما يريد أن يعرفه مثقف عن تاريخ الشعر العربي في بيئاته المختلفة أو في حقبه المتعددة. ولا بدّ من التمييز بين ذلك وبين أطروحته للدكتوراه التي أعدها تحت إشراف أستاذه طه حسين، وهي أطروحة «الفن ومذاهبه في الشعر العربي»، وتقوم على أن الشعر العربي منذ العصر الجاهلي قد مرّ بمراحل؛ أوّلها الطبع، وثانيها الصنعة، وثالثها التصنيع، ورابعها التصنع.  ورغم أن د. ضيف قد حاول التأريخ للشعر العربي عبر هذه الرباعية، فإنه غيَّر مُنطلقه، ولجأ إلى التأريخ الخالص أو التأريخ التقليدي في موسوعته عن الشِّعر العربي القديم، فبنَى كتابه على التعاقب التاريخي، والاستخدام اليسير للمنهج التاريخي، فهناك أولًا: العصر الجاهلي، وهناك ثانيًا: العصر الإسلامي، وهناك ثالثًا: العصر العباسي. 
ومضت موسوعة كتاب «تاريخ الشعر العربي» على هذا النحو التاريخي البسيط، وكان المراد من هذا النهج، تقديم صورة سهلة تاريخية في أبسط معانيها لمن يُريد أن يتعرف إلى الشعر العربي في كل عصوره وأقاليمه على السواء.  ولا أزال أعتقد أن موسوعة شوقي ضيف تلك هي أهم ما فعل؛ لأنّها موسوعة لا يمكن أن يتخلى عنها أو يتجاهلها دارس لتاريخ الشعر العربي، وهي لا تزال إلى اليوم - كما ذكرتُ سابقًا - أهم ما كُتِب في تاريخ الشعر العربي وأكثره اكتمالًا.

عـبدالعزيز الأهواني
يبقى أن أنتقل إلى الأستاذ الذي ظل أقرب أساتذتي إلى قلبي، وهو الراحل د. عـبدالعزيز الأهواني، فمنذ زيارتي الأولى له سَمَح لي بأن أتجول في مكتبته كما أشاء. كان الرجل يسكن مسكنًا واسعًا إلى حدٍّ كبيرٍ، في بناء يحتل فيه طابقًا كاملًا، هو الثاني، وفيه جناح يتكون من 3 غُرفٍ مُتتابعةٍ مُخصصة للمكتبة وحدها، كانت غرفتانِ منها لما هو مكتوب بالعربية، والثالثة لما هو مكتوب بالإنجليزية والفرنسية والإسبانية. 
وكان د. الأهواني يطلب منِّي - في العادة - أن أذهب إلى المكتبة، لأحضر له هذا الكتاب أو ذاك؛ لنراجعَ معًا هذه المعلومة أو تلك في أيّ أمرٍ من الأمور التي كان يختلط علينا الفتوى فيها.  وهذا ما فعله معي - رحمه الله - عندما ذهبتُ له وأبديتُ له رغبتي في كتابة كتابٍ عن النقد الأدبي عند طه حسين أُطلق عليه اسم «المرايا المُتجاورة»، وذلك بعد أن لاحظتُ كثرة استخدام طه حسين لكلمة «المرآة» في الإشارة إلى الأدب؛ فالأدب مرآة للشخصية، ومرآة للحياة الاجتماعية، ومرآة للإنسانية، ومرآة للناقد نفسه.
 ولكي يتيقن د. الأهواني من سلامة الفرضية التي افترضتُها، جعلني أذهب إلى مكتبته لأحضر كتاب «حديث الأربعاء» بأجزائه الثلاثة، وظللتُ أقرأ معه هذا الكتاب، وهو يستمع لي بانتباهٍ شديدٍ إلى أن انتهيتُ، فهزَّ رأسه بعمقٍ واستغراقٍ في التأمل، وقال لي «إن الفرضية صالحة لإقامة بناء كتابٍ عليها، توكل على الله». ومن بعدها انطلقتُ في العمل بالكتاب، وكُلِّي اطمئنان إلى سلامة الفرضية، ولولا ذلك ما انتهيتُ من كتابة كتابي «المرايا المُتجاورة»، الذي أعدّه بيضة الديك في كُتبي التي جاوزت الستين كتابًا. 
رحم الله د. الأهواني، فكلّما مرّت بي السنوات ازددتُ قُربًا منه؛ لأنني بمُضيّ سنوات اكتشفتُ من شخصيته ما لم أستطع أن أتبيّنه من عذوبة روحه، وطيبة قلبه، وعمق علمه، وسلامة منهجه في آن، ولا غرابة في ذلك، فهو الذي علَّمني أبجديات المنهج، وهو الذي زرع في داخلي بذرة العقلانية التي أثمرت ثمارها الفكرية التي لا أزال أتميّز بها.
والحق أنني عندما أتأمل علاقتي بمكتبات أساتذتي في بيوتهم، أجد أنهم كانوا كرماء معي، فقد فتحوا لي بيوتهم، ومكَّنوني من الاطلاع على كتبهم، وأتاحوا الكثير من محتويات مكتباتهم، وهو الأمر الذي جعلني أُدرك فضلهم عليّ بالعرفان والتقدير، ومن ثم أستطيع أن أُلاحظ ملاحظة نهائية تتصل بأنني عندما أراجعُ ما أكتبُ، أجد أنني بعيدٌ كل البعدِ عن أُحادية المنهج، فلا أحد يستطيع أن يسجن أفكاري المنهجية أو طرائقي في البحث بمجرى واحد ضيق، وذلك ما أدين به لأساتذتي جميعًا، فبفضل تنوّعهم تعلَّمتُ هذا البراح العقلي الذي يجعلني مرنًا، أقبل أشكال المعرفة المختلفة التي قدَّموها لي عبر حياتي الطويلة، فتعددت المناهج التي تنقلتُ بينها إلى أن استقر بي المقام على منهجٍ واحدٍ يتّسم بالمرونة، وينأى عن التعصبِ وضيق الأفق، ويجعلني أنفتحُ على كل جديدٍ من المناهج عبر مراحلي الزمنية المختلفة.
وهأنذا - بعد أن وصلتُ إلى السابعة والسبعين من عمري - أجد أن عقلي قد أصبح كالغرف المُتكثّرة، هذه لسهير القلماوي، وتلك لشوقي ضيف، والأخرى الرحيبة هناك للأهواني، وما بين هؤلاء تأتي بيوت يوسف خليف، وعبدالمحسن بدر، وحسين نصار، وغيرهم من الأساتذة الذين أدين لهم بالفضل؛ لأنهم لم يكتفوا بتعليمي فقط في قاعات الدرس، بل أضافوا إلى ذلك أنهم فتحوا لي بيوتهم، وساعدوني على أن أدخل إلى محراب العلم، وأعرض نفسي لإشعاعات المناهج المتنوعة، إلى أن أصبحتُ على ما أنا عليه - رحمهم الله جميعًا - فقد أحسنوا إليّ وإلى زملائي. 
وقد ظلوا مُخلصين لرسالة العلم التي نقلوها إلينا، كما ظلوا يعملون على تواصلها إلى أن نضجنا بين أيديهم، وكبرنا شيئًا فشيئًا بفضل ما وجدناه في بيوتهم من علمٍ وكتبٍ كانت إضافة ثريّة إلى كل ما تلقيناه عنهم في قاعات الدرس ■

 

   

د.سهير القلماوي

د. شوقي ضيف

د. عبدالعزيز الأهواني