تشارلز تاليران الأمير الخائن

تشارلز تاليران الأمير الخائن

من بين مئات السّيَر الذاتية التي أقرأها، وما زلت، تظلّ حياة الأمير تشارلز موريس تاليران، أكثرها إثارة وأغربها تقلّبًا، وأفظعها في التحوّلات، وأصعبها في التخفّي، وأفسدها في الضمير، وأجرأها في المخاطر، وأجملها في الختام، ولأنها تملكُ هذا الحشد الواسع من الصفات المتضادة، رأيت أنّها تستحق التعرُّف إليها من خلال مجلة العربي، لأنّها حياة في شبه أسطورة، فيها عدة معجزات، فيها ما يسرُّ وفيها ما يضايق، لكنّها تبقى لوحة تقدّم مواصفات نادرة لإنسان وُلد في أسرة من نبلاء فرنسا، في عصر تميّز بالوهج الملوكي، وباحترام متوارث لطبقة المحظوظين من سلالة الأسرة المالكة The Bourbons، التي حكمت فرنسا لعدة قرون، تنعم بإعفاءات وبعطاءات وحظوة طبقيّة مرتفعة.

 

ولد‭ ‬الأمير‭ ‬تاليران‭ ‬في‭ ‬فبراير‭ ‬1754،‭ ‬وفي‭ ‬باريس،‭ ‬تعرّض‭ ‬وهو‭ ‬صغير‭ ‬لحادث‭ ‬سبّب‭ ‬العجز‭ ‬في‭ ‬إحدى‭ ‬الرِّجلين،‭ ‬فصار‭ ‬أعرج،‭ ‬ووفق‭ ‬مسارات‭ ‬الطبيعة،‭ ‬فإنّه‭ ‬لا‭ ‬يصلح‭ ‬للانضمام‭ ‬إلى‭ ‬الجيش،‭ ‬وليس‭ ‬له‭ ‬خيار‭ ‬غير‭ ‬الكنيسة‭.‬

كان‭ ‬أمام‭ ‬الطبقات‭ ‬العليا‭ ‬خياران،‭ ‬الجيش‭ ‬أو‭ ‬الكنيسة،‭ ‬فاضطر‭ ‬إلى‭ ‬الالتحاق‭ ‬بمدرسة‭ ‬التأهيل‭ ‬الديني،‭ ‬ولم‭ ‬يكن‭ ‬ذلك‭ ‬خياره‭ ‬المفضل،‭ ‬ووجد‭ ‬نفسه‭ ‬مضطرًا‭ ‬إلى‭ ‬مواصلة‭ ‬الدراسة‭ ‬دون‭ ‬رغبة‭ ‬في‭ ‬ارتقاء‭ ‬أعلى‭ ‬السُلّم‭ ‬في‭ ‬ترتيبات‭ ‬الكنيسة،‭ ‬وتخرّج‭ ‬قسيسًا‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬ممارسة،‭ ‬لأنه‭ ‬كانت‭ ‬له‭ ‬ميول‭ ‬سياسية‭ ‬صقلتها‭ ‬القراءة‭ ‬الدائمة‭ ‬في‭ ‬مكتبة‭ ‬المدرسة‭ ‬التي‭ ‬درس‭ ‬فيها‭ ‬علم‭ ‬الأديان،‭ ‬وصار‭ ‬مدمنًا‭ ‬على‭ ‬القراءة‭ ‬والبحث‭ ‬في‭ ‬مسارات‭ ‬التاريخ،‭ ‬لاسيما‭ ‬في‭ ‬السّيَر‭ ‬الذاتية‭ ‬لكبار‭ ‬الرجال‭ ‬في‭ ‬تاريخ‭ ‬فرنسا‭ ‬وفي‭ ‬ثقافتها‭. ‬

‭ ‬ولأنه‭ ‬قسيس‭ ‬وابتعد‭ ‬عن‭ ‬الجيش،‭ ‬فقد‭ ‬ورث‭ ‬أخوه‭ ‬الأصغر‭ ‬كلّ‭ ‬الامتيازات‭ ‬والألقاب‭ ‬التي‭ ‬كانت‭ ‬لوالده،‭ ‬ولم‭ ‬يؤثر‭ ‬هذا‭ ‬الحرمان‭ ‬على‭ ‬حياته،‭ ‬لأنّ‭ ‬المجتمع‭ ‬الفرنسي‭ ‬ينقسم‭ ‬إلى‭ ‬ثلاث‭ ‬طبقات،‭ ‬النبلاء‭ ‬المرتبطون‭ ‬بالملكية‭ ‬ومن‭ ‬أنصارها،‭ ‬وطبقة‭ ‬رجال‭ ‬الكنيسة،‭ ‬وهاتان‭ ‬الطبقتان‭ ‬معفيّتان‭ ‬من‭ ‬الضرائب،‭ ‬ولهما‭ ‬امتيازات،‭ ‬فجميع‭ ‬الأراضي‭ ‬تملكها‭ ‬الكنيسة،‭ ‬وكلّ‭ ‬النبلاء‭ ‬في‭ ‬الجيش،‭ ‬ويبقى‭ ‬العامة‭ ‬وهم‭ ‬الذين‭ ‬يدفعون‭ ‬الضرائب،‭ ‬ويعانون‭ ‬أثقال‭ ‬الحروب‭.‬

 

فلسفة‭ ‬تاليران‭ ‬في‭ ‬الحياة

استفاد‭ ‬تاليران‭ ‬من‭ ‬قراءاته،‭ ‬والتقى‭ ‬فولتير‭ ‬وقرأ‭ ‬الفلسفة‭ ‬وتعمّق‭ ‬في‭ ‬التاريخ،‭ ‬ولم‭ ‬يقتنع‭ ‬بما‭ ‬تعلّمه‭ ‬من‭ ‬رجال‭ ‬الكنيسة،‭ ‬فلم‭ ‬ينضم‭ ‬إلى‭ ‬الكهنوت،‭ ‬وصار‭ ‬ليبراليًا‭ ‬علمانيًا،‭ ‬وقد‭ ‬عارض‭ ‬تملُّك‭ ‬الكنيسة‭ ‬لكل‭ ‬الأراضي،‭ ‬وطالب‭ ‬بتأميم‭ ‬ما‭ ‬تملكه‭ ‬وتوزيعه‭ ‬على‭ ‬الفلاحين‭.‬

أما‭ ‬عن‭ ‬امتيازات‭ ‬الملكية،‭ ‬فقد‭ ‬طالب‭ ‬بدستورية‭ ‬الحكم‭ ‬وفق‭ ‬انتخابات‭ ‬حرّة،‭ ‬يكون‭ ‬الملك‭ ‬مسؤولًا‭ ‬أمام‭ ‬البرلمان،‭ ‬مع‭ ‬فصل‭ ‬السلطات،‭ ‬وخاصة‭ ‬استقلال‭ ‬القضاء،‭ ‬وسيادة‭ ‬القانون،‭ ‬والمساواة‭ ‬بين‭ ‬الناس،‭ ‬وتحوّل‭ ‬إلى‭ ‬داعية‭ ‬مصلح‭ ‬للملكية،‭ ‬ومُعارض‭ ‬لامتيازات‭ ‬النبلاء،‭ ‬مع‭ ‬تأييده‭ ‬لحرية‭ ‬الصحافة‭ ‬وحرية‭ ‬التجمعات‭ ‬الأهلية‭.‬

أما‭ ‬عن‭ ‬السياسة‭ ‬الخارجية،‭ ‬فقد‭ ‬كانت‭ ‬سياسته‭ ‬الأهم‭ ‬أن‭ ‬توقف‭ ‬فرنسا‭ ‬كل‭ ‬الحروب‭ ‬التي‭ ‬تخوضها،‭ ‬وتكتفي‭ ‬بحدودها‭ ‬الدولية‭ ‬المُعترف‭ ‬بها،‭ ‬دون‭ ‬أطماع‭ ‬في‭ ‬أراضي‭ ‬الغير،‭ ‬ووضع‭ ‬العلاقات‭ ‬مع‭ ‬إنجلترا‭ ‬كعمود‭ ‬فقري‭ ‬لاستقرار‭ ‬فرنسا،‭ ‬مع‭ ‬عقد‭ ‬معاهدة‭ ‬صلح‭ ‬معها،‭ ‬والانفتاح‭ ‬التجاري‭ ‬معها،‭ ‬عبر‭ ‬توقيع‭ ‬اتفاق‭ ‬تجاري‭ ‬شامل‭. ‬كان‭ ‬يدعو‭ ‬إلى‭ ‬علاقات‭ ‬وطيدة‭ ‬مع‭ ‬الجميع،‭ ‬ويرى‭ ‬في‭ ‬الإمبراطورية‭ ‬النمساوية،‭ ‬وبروسيا،‭ ‬الجدار‭ ‬الذي‭ ‬يفصل‭ ‬فرنسا‭ ‬المتحضرة‭ ‬عن‭ ‬روسيا‭ ‬المتخلّفة‭.‬

 

حياته‭ ‬الخاصة

أما‭ ‬في‭ ‬حياته‭ ‬الخاصة،‭ ‬فقد‭ ‬سايرَ‭ ‬النبلاء‭ ‬في‭ ‬سهراتهم،‭ ‬في‭ ‬الرقص‭ ‬ولعب‭ ‬القمار،‭ ‬كما‭ ‬ظل‭ ‬إلى‭ ‬عُمْر‭ ‬متأخر‭ ‬عزبًا،‭ ‬بعلاقات‭ ‬مفتوحة‭ ‬مع‭ ‬عشيقات‭ ‬كلّهن‭ ‬من‭ ‬أثرياء‭ ‬باريس‭.‬

واشتهر‭ ‬بأنه‭ ‬متحدّث‭ ‬لبق‭ ‬ومتابع‭ ‬للأحداث‭ ‬ومقرّب‭ ‬من‭ ‬الديوان‭ ‬الملكي‭ ‬ومن‭ ‬أصحاب‭ ‬القرار،‭ ‬ولهذا‭ ‬حضر‭ ‬تتويج‭ ‬الملك‭ ‬لويس‭ ‬السادس‭ ‬عشر،‭ ‬وكانت‭ ‬تصوراته‭ ‬عن‭ ‬الملك‭ ‬فيها‭ ‬تعاطف‭ ‬لطيبة‭ ‬قلب‭ ‬الملك،‭ ‬وكراهية‭ ‬للعنف،‭ ‬واستعداد‭ ‬للتفاهم‭ ‬لإيجاد‭ ‬مخارج‭ ‬سلمية‭ ‬للعلاقات‭ ‬مع‭ ‬الدول‭ ‬الأخرى،‭ ‬كما‭ ‬سعى‭ ‬الملك‭ ‬إلى‭ ‬التفاهم‭ ‬مع‭ ‬رجال‭ ‬الكنيسة‭ ‬وزعامات‭ ‬المعارضة،‭ ‬التي‭ ‬كان‭ ‬من‭ ‬أبرز‭ ‬زعمائها‭ ‬ابن‭ ‬عم‭ ‬الملك‭ ‬Duke of Oreans‭ ‬الذي‭ ‬حوَّل‭ ‬مجلسه‭ ‬إلى‭ ‬مقرّ‭ ‬لكل‭ ‬خصوم‭ ‬الملك‭. ‬

كانت‭ ‬أجواء‭ ‬باريس‭ ‬تشكو‭ ‬من‭ ‬استمرار‭ ‬الحروب،‭ ‬لاسيما‭ ‬مع‭ ‬إنجلترا،‭ ‬ومن‭ ‬أثقال‭ ‬الديون‭ ‬والضرائب،‭ ‬وكانت‭ ‬خزينة‭ ‬الدولة‭ ‬فارغة،‭ ‬فكان‭ ‬الملك‭ ‬يبحث‭ ‬عن‭ ‬تمويل‭ ‬غير‭ ‬متوافر‭ ‬سوى‭ ‬بالضريبة،‭ ‬التي‭ ‬لا‭ ‬تمسّ‭ ‬الكنيسة‭ ‬ولا‭ ‬النبلاء،‭ ‬وإنما‭ ‬العوام‭ ‬فقط،‭ ‬وكان‭ ‬صوت‭ ‬تاليران‭ ‬أعلى‭ ‬الأصوات‭ ‬في‭ ‬المعارضة،‭ ‬فكان‭ ‬التوتر‭ ‬السياسي‭ ‬والاضطراب‭ ‬الاجتماعي‭ ‬متسيّدًا‭ ‬مناخ‭ ‬باريس،‭ ‬إضافة‭ ‬إلى‭ ‬نقد‭ ‬لاذع‭ ‬موجّه‭ ‬ضد‭ ‬الملكة‭ ‬ماري‭ ‬أنطوانيت‭ ‬النمساوية،‭ ‬ابنة‭ ‬إمبراطورة‭ ‬النمسا‭ ‬ماري‭ ‬تيريزا،‭ ‬وكانت‭ ‬الانتقادات‭ ‬فيها‭ ‬مبالغات‭ ‬تخلقها‭ ‬الصحافة‭ ‬عن‭ ‬إسراف‭ ‬الملكة‭ ‬وحبّها‭ ‬للمجوهرات،‭ ‬وتجاهلها‭ ‬لمشاعر‭ ‬الشعب،‭ ‬مع‭ ‬شكوك‭ ‬في‭ ‬ولائها‭ ‬لفرنسا‭ ‬التي‭ ‬كانت‭ ‬في‭ ‬حرب‭ ‬مع‭ ‬النمسا‭.‬

 

مساهم‭ ‬مؤثر

كان‭ ‬الملك‭ ‬يتعرّض‭ ‬لضغوط‭ ‬أكبر‭ ‬مما‭ ‬يتحمّل‭ ‬نحو‭ ‬حلول‭ ‬لقضايا‭ ‬الحرب‭ ‬ولأزمة‭ ‬المال،‭ ‬ولإعادة‭ ‬الثقة‭ ‬بقيادته‭ ‬في‭ ‬تلك‭ ‬الفترة‭ ‬التي‭ ‬كانت‭ ‬الثورة‭ ‬الأمريكية‭ ‬تحارب‭ ‬للاستقلال‭ ‬عن‭ ‬بريطانيا،‭ ‬عدو‭ ‬فرنسا،‭ ‬وكان‭ ‬تعاطف‭ ‬الرأي‭ ‬العام‭ ‬الفرنسي‭ ‬مع‭ ‬ثوار‭ ‬أمريكا‭ ‬متوقعًا،‭ ‬لكن‭ ‬التعاطف‭ ‬تحوّل‭ ‬إلى‭ ‬مشاركة‭ ‬مجموعات‭ ‬من‭ ‬المتطوعين‭ ‬يقودهم‭ ‬الجنرال‭ ‬لافاييت،‭ ‬مع‭ ‬تجمّع‭ ‬جالية‭ ‬فرنسية‭ ‬في‭ ‬منطقة‭ ‬فلاديلفيا،‭ ‬تدعم‭ ‬الثوار‭ ‬وتقبل‭ ‬المتطوعين،‭ ‬كان‭ ‬تاليران‭ ‬مساهمًا‭ ‬مؤثرًا‭ ‬في‭ ‬حوارات‭ ‬الصالون‭ ‬السياسي‭ ‬الفرنسي،‭ ‬مؤيدًا‭ ‬الثوار،‭ ‬وداعمًا‭ ‬طموحات‭ ‬العامة‭ ‬في‭ ‬الانفتاح‭ ‬بوضع‭ ‬دستور‭ ‬مستنير‭ ‬يزيل‭ ‬الطبقية‭.‬

كانت‭ ‬الفترة‭ ‬ما‭ ‬بين‭ ‬1779‭ ‬و1789،‭ ‬تشهد‭ ‬مناقشات‭ ‬فكرية‭ ‬متأثرة‭ ‬بفلسفة‭ ‬فولتير‭ ‬وبلزاك،‭ ‬وقد‭ ‬ساهمت‭ ‬في‭ ‬اتساع‭ ‬قاعدة‭ ‬المستنيرين،‭ ‬يشارك‭ ‬فيها‭ ‬بعض‭ ‬أفراد‭ ‬أسرة‭ ‬الحكم،‭ ‬وأهمهم‭ ‬Duke of Orleans،‭ ‬الذي‭ ‬كان‭ ‬ينتقد‭ ‬بمرارة‭ ‬التحلل‭ ‬الأخلاقي‭ ‬والاستهتار‭ ‬بالدين‭ ‬والاندفاع‭ ‬نحو‭ ‬المتعة‭ ‬والامتيازات‭.‬

في‭ ‬عام‭ ‬1786،‭ ‬اعترض‭ ‬النبلاء‭ ‬على‭ ‬اتفاقية‭ ‬تجارية‭ ‬مقترحة‭ ‬بين‭ ‬فرنسا‭ ‬وإنجلترا،‭ ‬فعارضهم‭ ‬تاليران‭ ‬بقوة،‭ ‬مناديًا‭ ‬بعلاقات‭ ‬متميزة‭ ‬مع‭ ‬لندن،‭ ‬فارتفع‭ ‬رصيده‭ ‬الشعبي‭ ‬لدى‭ ‬الطبقات‭ ‬المتوسطة‭ ‬وتجارة‭ ‬التجزئة،‭ ‬وزادت‭ ‬شهرته‭ ‬كنجم‭ ‬من‭ ‬النبلاء‭ ‬المدافع‭ ‬عن‭ ‬العدالة‭ ‬وحكم‭ ‬القانون‭. ‬

 

أسلوب‭ ‬غير‭ ‬متوقّع

في‭ ‬عام‭ ‬1789،‭ ‬تم‭ ‬اختيار‭ ‬تاليران‭ ‬مفوضًا‭ ‬عامًا‭ ‬لمجلس‭ ‬الشؤون‭ ‬الدينية‭ ‬في‭ ‬فرنسا،‭ ‬واستغل‭ ‬المنصب‭ ‬لطرح‭ ‬مقترحات‭ ‬تزيل‭ ‬قيود‭ ‬الكنيسة‭ ‬ورفضها‭ ‬رجال‭ ‬الدين،‭ ‬فزاد‭ ‬من‭ ‬معارضته‭ ‬لهم‭.‬

في‭ ‬تلك‭ ‬الأثناء‭ ‬حار‭ ‬الملك‭ ‬في‭ ‬كيفية‭ ‬الحصول‭ ‬على‭ ‬مال‭ ‬للخزينة،‭ ‬فاختار‭ ‬أسلوبًا‭ ‬غير‭ ‬متوقّع‭ ‬بدعوته‭ ‬إلى‭ ‬اجتماع‭ ‬وطني‭ ‬عام‭ ‬يضم‭ ‬الطبقات‭ ‬الثلاث،‭ ‬كان‭ ‬ذلك‭ ‬في‭ ‬مايو‭ ‬1789،‭ ‬في‭ ‬سابقة‭ ‬لم‭ ‬تحصل‭ ‬منذ‭ ‬عام‭ ‬1614،‭ ‬لم‭ ‬يُجر‭ ‬الملك‭ ‬استشارات‭ ‬حول‭ ‬هذه‭ ‬الخطوة‭ ‬غير‭ ‬المضمونة‭ ‬النتائج،‭ ‬فاقتنص‭ ‬تاليران‭ ‬الفرصة‭ ‬ليرشّح‭ ‬نفسه‭ ‬ممثلًا‭ ‬لطبقة‭ ‬رجال‭ ‬الدين‭ ‬في‭ ‬مقاطعة‭ ‬Autun،‭ ‬خصوصًا‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬حصل‭ ‬على‭ ‬ترقية،‭ ‬وصار‭ ‬في‭ ‬الكنيسة‭ ‬يسمى‭ ‬Talleyrand‭, ‬Bishop of Autun‭.‬

وطرح‭ ‬مشروعه‭ ‬الانتخابي‭ ‬مشخّصًا‭ ‬أولويات‭ ‬فرنسا،‭ ‬في‭ ‬العدالة‭ ‬وحُكم‭ ‬القانون‭ ‬واحترام‭ ‬الرأي‭ ‬العام،‭ ‬والواقعية‭ ‬في‭ ‬تشخيص‭ ‬قضايا‭ ‬الوطن،‭ ‬فذهب‭ ‬إلى‭ ‬دائرته‭ ‬الانتخابية‭ ‬مدّة‭ ‬شهر‭ ‬يشرح‭ ‬برنامجه‭ ‬في‭ ‬البرلمان‭ ‬الجديد،‭ ‬الذي‭ ‬يضمّ‭ ‬رجال‭ ‬الدين،‭ ‬النبلاء‭ ‬والعامة،‭ ‬داعيًا‭ ‬إلى‭ ‬إلغاء‭ ‬الامتيازات‭ ‬الضريبية،‭ ‬ومدافعًا‭ ‬عن‭ ‬حرية‭ ‬الإنسان،‭ ‬مع‭ ‬حرية‭ ‬التجارة‭ ‬وإنشاء‭ ‬بنك‭ ‬مركزي،‭ ‬كان‭ ‬برنامجه‭ ‬إصلاحيًا‭ ‬غير‭ ‬ثوري‭ ‬لأنّه‭ ‬رجل‭ ‬عملي،‭ ‬وواسع‭ ‬الاطلاع‭ ‬ويفهم‭ ‬عقلية‭ ‬رجال‭ ‬الدين‭.‬

 

نسيم‭ ‬الثورة‭ ‬الأمريكية

أولى‭ ‬الصعوبات‭ ‬التي‭ ‬أفرزتها‭ ‬مبادرة‭ ‬الملك،‭ ‬أن‭ ‬أبناء‭ ‬الطبقة‭ ‬العامة‭ ‬أصرّوا‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬التصويت‭ ‬في‭ ‬المؤتمر‭ ‬العام‭ ‬يكون‭ ‬بالأغلبية‭ ‬المشاركة،‭ ‬لا‭ ‬بالتصويت‭ ‬المنفصل‭ ‬لكلّ‭ ‬طبقة،‭ ‬وهي‭ ‬الصيغة‭ ‬التي‭ ‬كانت‭ ‬سائدة،‭ ‬وهي‭ ‬لمصلحة‭ ‬الكنيسة‭ ‬والنبلاء،‭ ‬ولم‭ ‬يكن‭ ‬الملك‭ ‬ملاحقًا‭ ‬التفاصيل،‭ ‬ولم‭ ‬يكن‭ ‬في‭ ‬وضع‭ ‬يسمح‭ ‬له‭ ‬بأن‭ ‬يرفض،‭ ‬فالشكوك‭ ‬حول‭ ‬استسلامه‭ ‬للملكة‭ ‬تتصاعد،‭ ‬مع‭ ‬تدفّق‭ ‬نسيم‭ ‬الثورة‭ ‬الأمريكية،‭ ‬الذي‭ ‬يصل‭ ‬إلى‭ ‬باريس‭ ‬من‭ ‬الجالية‭ ‬ومن‭ ‬المتطوعين،‭ ‬ومع‭ ‬اتساع‭ ‬الغوغائية‭ ‬وتسيُّد‭ ‬الحماس‭ ‬كل‭ ‬الأجواء‭ ‬في‭ ‬باريس‭ ‬وخارجها‭.‬

وللتاريخ،‭ ‬سعى‭ ‬تاليران‭ ‬إلى‭ ‬الاعتدال،‭ ‬وعارض‭ ‬التطرف،‭ ‬غير‭ ‬عابئ‭ ‬بكراهية‭ ‬الغوغاء‭ ‬ولا‭ ‬بنقد‭ ‬النبلاء،‭ ‬فكان‭ ‬شعاره‭ ‬في‭ ‬حملته،‭ ‬عندما‭ ‬تتعرّض‭ ‬السفينة‭ ‬للغرق،‭ ‬فلا‭ ‬بُدّ‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬يبقى‭ ‬أحد‭ ‬من‭ ‬بحّارتها‭ ‬لإنقاذ‭ ‬ما‭ ‬تبقّى‭ ‬عليها،‭ ‬أي‭ ‬إيجاد‭ ‬مخارج‭ ‬لكل‭ ‬أزمة‭. ‬

ويردد‭ ‬بأنه‭ ‬لن‭ ‬يشارك‭ ‬في‭ ‬الجريمة،‭ ‬وإنّما‭ ‬يقدم‭ ‬نصيحة،‭ ‬وأن‭ ‬الطموح‭ ‬ليس‭ ‬جريمة،‭ ‬كان‭ ‬شعاره‭ ‬أن‭ ‬الاستبداد‭ ‬يولّد‭ ‬الذلّ‭ ‬والغوغائية‭ ‬تنتج‭ ‬الفوضى‭.‬

لم‭ ‬تكن‭ ‬اجتماعات‭ ‬الهيئة‭ ‬الثلاثية‭ ‬سهلة،‭ ‬فالأغلبية‭ ‬الغوغائية‭ ‬متعطّشة‭ ‬للثأر،‭ ‬والنبلاء‭ ‬في‭ ‬انقسام،‭ ‬تاليران‭ ‬يريد‭ ‬دستورًا‭ ‬حضاريًا،‭ ‬وآخرون‭ ‬يحافظون‭ ‬على‭ ‬ما‭ ‬يملكون،‭ ‬ورجال‭ ‬الدين‭ ‬مرفوضون‭ ‬من‭ ‬الطبقة‭ ‬العامة،‭ ‬كانت‭ ‬هناك‭ ‬مجموعة‭ ‬متطرفة‭ ‬بزعامة‭ ‬جورج‭ ‬دانتون،‭ ‬وصديقه‭ ‬Jean Paul Marat،‭ ‬تتّهم‭ ‬الملكة‭ ‬بدعوة‭ ‬النمسا‭ ‬لإنقاذ‭ ‬العرش،‭ ‬وكان‭ ‬إمبراطور‭ ‬النمسا‭ ‬شقيقها‭.  ‬في‭ ‬يوليو‭ ‬1789،‭ ‬هاجمت‭ ‬الجماهير‭ ‬قصر‭ ‬فرساي،‭ ‬حيث‭ ‬يعيش‭ ‬الملك‭ ‬وزوجته،‭ ‬ونجحت‭ ‬في‭ ‬سحب‭ ‬الملك‭ ‬إلى‭ ‬باريس‭ ‬وحجزه‭ ‬في‭ ‬قصر‭ ‬Tuilereies،‭ ‬تحت‭ ‬رقابة‭ ‬من‭ ‬الحرس‭ ‬الوطني‭ ‬التابع‭ ‬للمتطرفين‭. ‬

زاد‭ ‬التوتر،‭ ‬وتصاعدت‭ ‬المخاوف‭ ‬من‭ ‬مجازر‭ ‬بين‭ ‬المتصارعين‭ ‬الذين‭ ‬يجدون‭ ‬في‭ ‬مجموعة‭ ‬التطرف‭ ‬حماية‭ ‬وتشجيعًا،‭ ‬ولم‭ ‬يرضَ‭ ‬المتطرفون‭ ‬عن‭ ‬سير‭ ‬المداولات‭ ‬في‭ ‬البرلمان،‭ ‬مع‭ ‬بروز‭ ‬أصوات‭ ‬معتدلة،‭ ‬مثل‭ ‬تاليران،‭ ‬فاتخذوا‭ ‬قرارهم‭ ‬بقيادة‭ ‬الشارع‭ ‬واحتلوا‭ ‬فندق‭ ‬Hotel Deville،‭ ‬ليشكّلوا‭ ‬لجنة‭ ‬ثورية‭ ‬تبنّت‭ ‬التصفيات‭ ‬الدموية،‭ ‬تدير‭ ‬شؤون‭ ‬البلد‭ ‬بعد‭ ‬انهيارالنظام‭ ‬العام،‭ ‬إلّا‭ ‬أنّ‭ ‬ثقة‭ ‬المتطرفين‭ ‬لم‭ ‬تترك‭ ‬مجالًا‭ ‬للتفاهم‭... ‬فهاجمت‭ ‬الجماهير‭ ‬قصر‭ ‬توليزيه،‭ ‬بعد‭ ‬أنباء‭ ‬عن‭ ‬خيانة‭ ‬الملك‭ ‬بالتعاون‭ ‬مع‭ ‬دول‭ ‬أخرى،‭ ‬فهرب‭ ‬وزوجته‭ ‬إلى‭ ‬قاعة‭ ‬البرلمان‭ ‬للحماية،‭ ‬فكان‭ ‬الرأي‭ ‬بمحاكمته،‭ ‬ومن‭ ‬هنا‭ ‬بدأت‭ ‬موجة‭ ‬الإعدامات‭ ‬بين‭ ‬الثوار‭ ‬لم‭ ‬تتوقّف‭ ‬حتى‭ ‬تخلّص‭ ‬المعتدلون‭ ‬من‭ ‬حكم‭ ‬اليعاقبة‭ ‬1795،‭ ‬بإعدام‭ ‬روبسبير‭ ‬ومساعديه‭. ‬

 

حملة‭ ‬ضد‭ ‬الإعدام

نقل‭ ‬الملك‭ ‬والملكة‭ ‬إلى‭ ‬المعبد‭ ‬Temple،‭ ‬وهو‭ ‬حصن‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬الهروب‭ ‬منه،‭ ‬وبعد‭ ‬إجراء‭ ‬محاكمة‭ ‬سريعة،‭ ‬تم‭ ‬إعدام‭ ‬الملك‭ ‬في‭ ‬يناير‭ ‬1793،‭ ‬ولحقته‭ ‬الملكة‭ ‬في‭ ‬أكتوبر‭ ‬التالي،‭ ‬بينما‭ ‬ظل‭ ‬الابن‭ ‬الصغير‭ ‬يتعرّض‭ ‬للتعذيب،‭ ‬خوفًا‭ ‬من‭ ‬تهريبه‭ ‬أو‭ ‬من‭ ‬المساومة‭ ‬على‭ ‬إطلاق‭ ‬سراحه‭ ‬من‭ ‬قبل‭ ‬النمسا‭ ‬وبروسيا،‭ ‬ومات‭ ‬الطفل‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬يعلم‭ ‬بإعدام‭ ‬أمه‭ ‬وأبيه،‭ ‬أما‭ ‬البنت‭ ‬فقد‭ ‬أُطلق‭ ‬سراحها‭ ‬في‭ ‬عملية‭ ‬تبادل‭ ‬الأسرى‭ ‬مع‭ ‬النمسا،‭ ‬بعد‭ ‬التخلّص‭ ‬من‭ ‬المتطرفين‭.‬

قاد‭ ‬تاليران‭ ‬حملة‭ ‬ضد‭ ‬إعدام‭ ‬الملك‭ ‬والملكة،‭ ‬خصوصًا‭ ‬أن‭ ‬الملك‭ ‬مستعد‭ ‬لدستور‭ ‬مستنير،‭ ‬بينما‭ ‬لعب‭ ‬ابن‭ ‬عم‭ ‬الملك‭ (‬دوق‭ ‬أورلينز‭) ‬دورًا‭ ‬في‭ ‬إعدامه‭.‬

ظلت‭ ‬فرنسا‭ ‬الثورة‭ ‬في‭ ‬عزلة‭ ‬أوربيّة،‭ ‬وفي‭ ‬مواجهة‭ ‬مع‭ ‬إنجلترا‭ ‬التي‭ ‬تشترط‭ ‬عودة‭ ‬الملكية‭ ‬ليتمّ‭ ‬الصلح،‭ ‬كذلك‭ ‬النمسا‭ ‬وبروسيا،‭ ‬بينما‭ ‬يسعى‭ ‬تاليران‭ ‬إلى‭ ‬التفاهم‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬تحقيق‭ ‬توافُق‭ ‬فرنسي‭ ‬داخلي‭ ‬وعلاقات‭ ‬طبيعية‭ ‬مع‭ ‬إنجلترا‭ ‬والآخرين‭.‬

شعر‭ ‬الحكّام‭ ‬الجدد‭ ‬بضرورة‭ ‬الخروج‭ ‬من‭ ‬الحصار‭ ‬الذي‭ ‬فُرض‭ ‬على‭ ‬فرنسا،‭ ‬فتم‭ ‬انتداب‭ ‬تاليران‭ ‬ممثلًا‭ ‬للحكومة‭ ‬الفرنسية‭ ‬لدى‭ ‬لندن،‭ ‬ليقدّم‭ ‬تطمينات‭ ‬إلى‭ ‬لندن‭ ‬بشأن‭ ‬مستقبل‭ ‬العلاقات‭.‬

ونظرًا‭ ‬لعلاقاته‭ ‬مع‭ ‬المثقّفين‭ ‬الليبراليين‭ ‬في‭ ‬لندن،‭ ‬فقد‭ ‬دبّر‭ ‬لقاء‭ ‬له‭ ‬مع‭ ‬الملك‭ ‬جورج‭ ‬الثالث،‭ ‬بحضور‭ ‬الملكة،‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬الملك‭ ‬جورج‭ ‬سعيدًا‭ ‬بهذا‭ ‬اللقاء،‭ ‬فهو‭ ‬رجل‭ ‬متديّن‭ ‬يؤمن‭ ‬بحقوق‭ ‬الملوك‭ ‬ومكانتهم،‭ ‬بينما‭ ‬تاليران‭ ‬قسّيس‭ ‬متمرد،‭ ‬مفتون‭ ‬بالملذات‭.‬

كما‭ ‬قابل‭ ‬تاليران‭ ‬رئيس‭ ‬الوزراء‭ ‬وليم‭ ‬بت،‭ ‬ووزير‭ ‬الخارجية‭ ‬اللورد‭ ‬Granville،‭ ‬ولم‭ ‬ينجح‭ ‬في‭ ‬تخفيف‭ ‬الشروط،‭ ‬لكنّه‭ ‬حصل‭ ‬على‭ ‬وعد‭ ‬ببقاء‭ ‬إنجلترا‭ ‬محايدة‭ ‬في‭ ‬الصراع‭ ‬مع‭ ‬النمسا‭ ‬وبروسيا‭.‬

 

باريس‭ ‬في‭ ‬أجواء‭ ‬ملتهبة‭ ‬

كان‭ ‬الوضع‭ ‬في‭ ‬باريس‭ ‬هو‭ ‬شبه‭ ‬فوضى‭ ‬كاملة،‭ ‬وشعر‭ ‬تاليران‭ ‬بأنه‭ ‬ليس‭ ‬محصّنًا‭ ‬من‭ ‬المقصلة،‭ ‬فهرب‭ ‬إلى‭ ‬إنجلترا،‭ ‬خاصة‭ ‬بعد‭ ‬تسرُّب‭ ‬الأوراق‭ ‬الخاصة‭ ‬للملك‭ ‬الذي‭ ‬أُعدم،‭ ‬وهي‭ ‬تدين‭ ‬تاليران‭ ‬للتصالح‭ ‬مع‭ ‬الملك،‭ ‬ولم‭ ‬يهتمّ‭ ‬المتطرفون‭ ‬برفضه‭ ‬الاتهام،‭ ‬فالتحق‭ ‬بتجمّعات‭ ‬النبلاء‭ ‬الذين‭ ‬ينتظرون‭ ‬عودة‭ ‬الملكية،‭ ‬مستفيدين‭ ‬من‭ ‬ضغوط‭ ‬بريطانيا‭ ‬على‭ ‬الثوار‭.  ‬ولسوء‭ ‬حظّه،‭ ‬كانت‭ ‬الحكومة‭ ‬البريطانية‭ ‬لا‭ ‬تثق‭ ‬به‭ ‬ولا‭ ‬بتأكيداته‭ ‬الليبرالية،‭ ‬فطردته،‭ ‬ليتوجه‭ ‬إلى‭ ‬أمريكا‭ ‬في‭ ‬يناير‭ ‬1791،‭ ‬ووصل‭ ‬إليها‭ ‬بعد‭ ‬مدة‭ ‬متوجها‭ ‬إلى‭ ‬ولاية‭ ‬فلاديلفيا،‭ ‬حيث‭ ‬الجالية‭ ‬الفرنسية،‭ ‬وهنا‭ ‬تعرَّف‭ ‬إلى‭ ‬الزعيم‭ ‬ألكسندر‭ ‬هاملتون،‭ ‬وزير‭ ‬المالية‭ ‬وأبرز‭ ‬الثوار،‭ ‬فكلامهما‭ ‬من‭ ‬طبقة‭ ‬أرستقراطية،‭ ‬وكلاهما‭ ‬موافق‭ ‬على‭ ‬مبادئ‭ ‬ثورية‭ ‬تؤمن‭ ‬بالعدالة‭ ‬والمساواة،‭ ‬لكنّ‭ ‬الخلاف‭ ‬أن‭ ‬الأول‭ ‬لا‭ ‬يلتزم‭ ‬بمبدأ‭ ‬واقعي‭ ‬ويحيط‭ ‬حياته‭ ‬وفق‭ ‬الممكن،‭ ‬بينما‭ ‬الثاني‭ ‬ملتزم‭ ‬لا‭ ‬يتبدّل،‭ ‬ومكث‭ ‬تاليران‭ ‬عامين‭ ‬في‭ ‬أمريكا‭ ‬متأثرًا‭ ‬بالمبادئ‭ ‬البارزة‭ ‬في‭ ‬الدستور‭ ‬الأمريكي‭. ‬

 

تاليران‭ ‬في‭ ‬باريس

عاد‭ ‬تاليران‭ ‬إلى‭ ‬باريس‭ ‬بعد‭ ‬سقوط‭ ‬حكم‭ ‬المتطرفين‭ ‬اليعاقبة،‭ ‬عقب‭ ‬إعدام‭ ‬زعيمهم‭ ‬روبسبير،‭ ‬ووجد‭ ‬أن‭ ‬الوضع‭ ‬أفضل‭ ‬من‭ ‬السابق،‭ ‬فسعى‭ ‬إلى‭ ‬السماح‭ ‬بعودة‭ ‬النبلاء،‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬أزيل‭ ‬اسمه‭ ‬من‭ ‬قائمة‭ ‬المطلوبين‭.‬

دخلت‭ ‬فرنسا‭ ‬في‭ ‬عهد‭ ‬هيئة‭ ‬الحكم،‭ ‬وتسمّى‭ ‬Directory،‭ ‬وقد‭ ‬حكمت‭ ‬فرنسا‭ ‬لخمس‭ ‬سنوات‭ ‬من‭ ‬1794‭ - ‬1799،‭ ‬وتتشكّل‭ ‬من‭ ‬خمسة‭ ‬أعضاء،‭ ‬كل‭ ‬سنة‭ ‬يتبدّل‭ ‬واحد‭ ‬بالقرعة،‭ ‬وجميعهم‭ ‬من‭ ‬مؤيدي‭ ‬الثورة‭. ‬

كانت‭ ‬الهيئة‭ ‬بحاجة‭ ‬إلى‭ ‬شخصيات‭ ‬ذات‭ ‬خبرة‭ ‬وقدرة‭ ‬على‭ ‬اتّخاذ‭ ‬القرار‭ ‬لخدمة‭ ‬فرنسا،‭ ‬ممّن‭ ‬لهم‭ ‬علاقات‭ ‬مع‭ ‬الدول‭ ‬المعادية‭ ‬لفرنسا،‭ ‬ومقبولة‭ ‬داخليًا،‭ ‬وكان‭ ‬رئيس‭ ‬الهيئة‭ ‬صديقه‭ ‬Paul Barras،‭ ‬الذي‭ ‬وجد‭ ‬في‭ ‬تاليران‭ ‬الرجل‭ ‬المناسب‭ ‬للمرحلة،‭ ‬وجرت‭ ‬اتصالات‭ ‬وبدعم‭ ‬من‭ ‬رئيس‭ ‬الهيئة،‭ ‬تم‭ ‬اختياره‭ ‬وزيرًا‭ ‬للخارجية،‭ ‬وكان‭ ‬ذلك‭ ‬عام‭ ‬1797‭.‬

وظلّ‭ ‬تاليران‭ ‬يتولى‭ ‬هذه‭ ‬الحقيبة‭ ‬إلى‭ ‬عام‭ ‬1808،‭ ‬عندما‭ ‬ضجر‭ ‬منه‭ ‬الإمبراطور‭ ‬نابليون،‭ ‬مع‭ ‬تزايد‭ ‬شكّه‭ ‬في‭ ‬ولائه‭ ‬للإمبراطورية‭. ‬وجد‭ ‬النبيل‭ ‬تاليران،‭ ‬كوزير‭ ‬للخارجية،‭ ‬باريس‭ ‬بلا‭ ‬فرسان‭ ‬الملكية،‭ ‬ومن‭ ‬دون‭ ‬نبلاء،‭ ‬ومن‭ ‬دون‭ ‬أصدقائه‭ ‬الذين‭ ‬أودت‭ ‬المقصلة‭ ‬برؤوسهم،‭ ‬بما‭ ‬فيهم‭ ‬الملك‭ ‬والملكة‭ ‬والكثير‭ ‬من‭ ‬الثوار،‭ ‬مع‭ ‬ندرة‭ ‬الحفلات‭ ‬الصاخبة،‭ ‬وقليل‭ ‬من‭ ‬الأُسَر‭ ‬الأرستقراطية‭ ‬التي‭ ‬سايرت‭ ‬الثورة،‭ ‬ومن‭ ‬ضمن‭ ‬هؤلاء‭ ‬النبيلة‭ ‬جوزفين‭ ‬التي‭ ‬أُعدم‭ ‬زوجها،‭ ‬وتزوجت‭ ‬بعده‭ ‬الضابط‭ ‬الشاب‭ ‬من‭ ‬أسرة‭ ‬متوسطة‭ ‬من‭ ‬جزيرة‭ ‬كورسيكا،‭ ‬أسعد‭ ‬فرنسا‭ ‬بانتصاراته‭ ‬في‭ ‬إيطاليا‭ ‬على‭ ‬الجيش‭ ‬النمساوي،‭ ‬ووظف‭ ‬أعضاء‭ ‬الهيئة‭ ‬الخمسة‭ ‬هذه‭ ‬الانتصارات‭ ‬لمصلحة‭ ‬النظام‭ ‬الجديد،‭ ‬فإذا‭ ‬كان‭ ‬نابليون‭ ‬عبقرية‭ ‬عسكرية‭ ‬فإن‭ ‬تاليران‭ ‬لا‭ ‬يقلّ‭ ‬عنه‭ ‬في‭ ‬العبقرية‭ ‬الانتهازية‭ ‬وصيد‭ ‬الفُرص‭ ‬وتحاشي‭ ‬المخاطر‭.‬

 

بيئة‭ ‬خاصة

تواصل‭ ‬الوزير‭ ‬الجديد‭ ‬تاليران‭ ‬مع‭ ‬النجم‭ ‬الساطع‭ ‬نابليون،‭ ‬ومن‭ ‬تلك‭ ‬المراسلات‭ ‬شعر‭ ‬تاليران‭ ‬بأن‭ ‬هذا‭ ‬الضابط‭ ‬موهوب‭ ‬ليس‭ ‬في‭ ‬المجال‭ ‬العسكري‭ ‬فقط،‭ ‬بل‭ ‬له‭ ‬قدرة‭ ‬تنظيمية‭ ‬بحلول‭ ‬فاعلة،‭ ‬في‭ ‬حين‭ ‬ارتاح‭ ‬القائد‭ ‬الجديد‭ ‬لهذا‭ ‬الوزير‭ ‬صاحب‭ ‬الخبرة‭ ‬ورجاحة‭ ‬الرأي‭... ‬فتكونت‭ ‬بينهما‭ ‬بيئة‭ ‬خاصة‭. ‬

كانت‭ ‬تلك‭ ‬هي‭ ‬فترة‭ ‬هيئة‭ ‬الإدارة‭ ‬Directory،‭ ‬وهي‭ ‬وإن‭ ‬خلت‭ ‬من‭ ‬المذابح،‭ ‬فإنها‭ ‬لم‭ ‬تملك‭ ‬القدرة‭ ‬على‭ ‬التعامل‭ ‬الحازم‭ ‬مع‭ ‬الصراعات،‭ ‬إضافة‭ ‬إلى‭ ‬التباين‭ ‬بين‭ ‬أعضائها،‭ ‬فكان‭ ‬الإجماع‭ ‬لدى‭ ‬الرأي‭ ‬العام‭ ‬على‭ ‬وجود‭ ‬معادلة‭ ‬بين‭ ‬السّيفِ‭ ‬والعقل،‭ ‬الحزم‭ ‬وحُسن‭ ‬التصرُّف،‭ ‬وإذا‭ ‬كان‭ ‬تاليران‭ ‬عاقلًا،‭ ‬فإن‭ ‬المعادلة‭ ‬لم‭ ‬تتحقّق‭ ‬في‭ ‬غياب‭ ‬السيف‭ ‬ممثلًا‭ ‬في‭ ‬قائد‭ ‬واعد‭. ‬كان‭ ‬تاليران‭ ‬يتواصل‭ ‬مع‭ ‬الجنرال‭ ‬نابليون،‭ ‬عن‭ ‬سَيْر‭ ‬معاركه‭ ‬المتميزة‭ ‬بانتصارات‭ ‬باهرة،‭ ‬وتصوّر‭ ‬أن‭ ‬الجنرال‭ ‬نابليون‭ ‬هو‭ ‬السيف‭ ‬الواعد‭ ‬القوي‭ ‬الذي‭ ‬تنتظره‭ ‬أوضاع‭ ‬فرنسا‭. ‬

أنهى‭ ‬الجنرال‭ ‬مسؤولياته‭ ‬في‭ ‬إيطاليا،‭ ‬بعد‭ ‬توقيع‭ ‬اتفاق‭ ‬صلح‭ ‬مع‭ ‬النمسا،‭ ‬ضم‭ ‬فيها‭ ‬أراضي‭ ‬إيطالية‭ ‬تحت‭ ‬سيطرة‭ ‬فرنسا،‭ ‬وعاد‭ ‬في‭ ‬الخامس‭ ‬من‭ ‬ديسمبر‭ ‬1797‭ ‬إلى‭ ‬باريس،‭ ‬وتوجّه‭ ‬في‭ ‬اليوم‭ ‬التالي‭ ‬إلى‭ ‬منزل‭ ‬تاليران‭ ‬لبحث‭ ‬الوضع،‭ ‬وباحتفال‭ ‬كبير‭ ‬رتّبته‭ ‬هيئة‭ ‬الحكم‭ ‬بإشراف‭ ‬تاليران‭ ‬للترحيب‭ ‬بالجنرال‭ ‬لكي‭ ‬يتعرّف‭ ‬إلى‭ ‬كبار‭ ‬رجال‭ ‬الدولة،‭ ‬وهنا‭ ‬نلاحظ‭ ‬سرعة‭ ‬الكيمياء‭ ‬بين‭ ‬الداهية‭ ‬تاليران‭ ‬والعبقري‭ ‬العسكري‭ ‬نابليون‭.  ‬وألقى‭ ‬الوزير‭ ‬تاليران‭ ‬كلمة‭ ‬مناديًا‭ ‬نابليون‭ ‬بالمواطن‭ ‬بونابرت‭.‬

 

طموح‭ ‬الجنرال

ألقى‭ ‬الجنرال‭ ‬محاضرتين‭ ‬أمام‭ ‬كبار‭ ‬الضباط،‭ ‬أشار‭ ‬فيهما‭ ‬إلى‭ ‬طموحه‭ ‬المستقبلي‭ ‬بالمزيد‭ ‬من‭ ‬المستعمرات‭ ‬الفرنسية،‭ ‬مع‭ ‬توجُّه‭ ‬نحو‭ ‬مصر،‭ ‬وصولًا‭ ‬إلى‭ ‬القسطنطينية‭ ‬لاحتلالها،‭ ‬ورشّح‭ ‬الوزير‭ ‬تاليران‭ ‬سفيرًا‭ ‬يستقبله‭ ‬في‭ ‬القسطنطينية‭ ‬المحررة،‭ ‬واختار‭ ‬الجنرال‭ ‬مصر‭ ‬منطلقًا‭ ‬لتحطيم‭ ‬الإمبراطورية‭ ‬العثمانية،‭ ‬وإخراجها‭ ‬من‭ ‬التراب‭ ‬الأوربي،‭ ‬مستوحيًا‭ ‬أحلام‭ ‬الصليبيين‭ ‬وتمنيّات‭ ‬قياصرة‭ ‬روسيا‭. ‬

هنا‭ ‬سؤال‭ ‬يردده‭ ‬المؤرخون؛‭ ‬هل‭ ‬أراد‭ ‬تاليران‭ ‬إبعاد‭ ‬الجنرال‭ ‬عن‭ ‬باريس،‭ ‬رغم‭ ‬حاجة‭ ‬فرنسا‭ ‬لحضوره؟

في‭ ‬مايو‭ ‬1798،‭ ‬غادر‭ ‬الجنرال‭ ‬إلى‭ ‬الإسكندرية‭ ‬ووصل‭ ‬إليها‭ ‬في‭ ‬يوليو،‭ ‬وتحطّم‭ ‬أسطوله‭ ‬في‭ ‬أول‭ ‬أغسطس‭ ‬بمنطقة‭ ‬أبي‭ ‬قير‭ ‬بالإسكندرية،‭ ‬على‭ ‬يد‭ ‬الأسطول‭ ‬البريطاني‭ ‬المتربص‭.‬

ورغم‭ ‬وصول‭ ‬الجنرال‭ ‬إلى‭ ‬فلسطين‭ ‬في‭ ‬طريقه‭ ‬إلى‭ ‬تركيا،‭ ‬فإنه‭ ‬لم‭ ‬ينجح‭ ‬في‭ ‬تحقيق‭ ‬حلمه‭ ‬لمسبّبات‭ ‬كثيرة،‭ ‬فعاد‭ ‬بسرعة‭ ‬إلى‭ ‬باريس‭ ‬في‭ ‬أكتوبر‭ ‬1801،‭ ‬مع‭ ‬تواصل‭ ‬الاضطرابات‭ ‬وغياب‭ ‬الاستقرار‭. ‬

ومع‭ ‬عودة‭ ‬الجنرال،‭ ‬يتلاشى‭ ‬اللمعان‭ ‬عن‭ ‬أسماء‭ ‬أخرى‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬توفّر‭ ‬حاجة‭ ‬باريس‭ ‬إلى‭ ‬مَن‭ ‬يفرض‭ ‬هيبة‭ ‬الدولة‭ ‬وحُكمَ‭ ‬القانون،‭ ‬وباتفاق‭ ‬بين‭ ‬الجنرال‭ ‬والحكيم‭ ‬تاليران‭ ‬انتهت‭ ‬فترة‭ ‬حكم‭ ‬الهيئة‭ ‬المشكّلة‭ ‬من‭ ‬خمسة‭ ‬أعضاء،‭ ‬كانت‭ ‬الخلافات‭ ‬بينهم‭ ‬لا‭ ‬تنتهي‭ ‬مع‭ ‬تراكُم‭ ‬العجز‭ ‬في‭ ‬إدارة‭ ‬الدولة‭. ‬

 

حكومة‭ ‬القناصل

شُكّلت‭ ‬حكومة‭ ‬من‭ ‬ثلاثة‭ ‬قناصل،‭ ‬القنصل‭ ‬الأول‭ ‬نابليون،‭ ‬بدعم‭ ‬من‭ ‬الجيش‭ ‬والثوار،‭ ‬يساعده‭ ‬قنصلان،‭ ‬اختارهما‭ ‬من‭ ‬مناصريه،‭ ‬كان‭ ‬عمر‭ ‬نابليون‭ ‬ثلاثين‭ ‬سنة،‭ ‬وقد‭ ‬اعتمد‭ ‬كثيرًا‭ ‬على‭ ‬تاليران‭ ‬وزيرًا‭ ‬للخارجية‭ ‬ومقرّبًا‭ ‬ناصحًا،‭ ‬له‭ ‬علاقات‭ ‬خاصة‭ ‬مع‭ ‬حكّام‭ ‬أوربا،‭ ‬لاسيما‭ ‬لندن،‭ ‬وسمح‭ ‬للكثيرين‭ ‬من‭ ‬المنفيين‭ ‬بالعودة،‭ ‬واتّسمت‭ ‬الفترة‭ ‬الأولى‭ ‬بالتواضع‭ ‬وحب‭ ‬الاستماع‭ ‬إلى‭ ‬أصحاب‭ ‬الخبرة‭.‬

كان‭ ‬نفوذ‭ ‬تاليران‭ ‬في‭ ‬تلك‭ ‬الفترة‭ ‬قويًا،‭ ‬وكان‭ ‬ينصح‭ ‬الجنرال‭ ‬بعدم‭ ‬الاندفاع‭ ‬وعدم‭ ‬المغامرة،‭ ‬والتركيز‭ ‬على‭ ‬مستقبل‭ ‬فرنسا‭ ‬دون‭ ‬توسُّع،‭ ‬مع‭ ‬علاقات‭ ‬طيبة‭ ‬مع‭ ‬الجميع،‭ ‬لاسيّما‭ ‬لندن،‭ ‬بينما‭ ‬يخطط‭ ‬الجنرال‭ ‬لخلع‭ ‬أسنان‭ ‬الجميع؛‭ ‬الصغير‭ ‬والكبير،‭ ‬للولاء‭ ‬لفرنسا‭ ‬واتّباع‭ ‬أوامر‭ ‬الجنرال‭. ‬كان‭ ‬تاليران‭ ‬يفكّر‭ ‬قبل‭ ‬القرار،‭ ‬بينما‭ ‬يتصرّف‭ ‬الجنرال‭ ‬وفق‭ ‬غريزة‭ ‬السلطة‭ ‬لرفع‭ ‬أمّة‭ ‬فرنسا‭ ‬ومجدها،‭ ‬لأنّ‭ ‬لها‭ ‬رسالة‭ ‬حضارية‭ ‬فيها‭ ‬تثقيف‭ ‬وأدب‭ ‬وتمجيد‭ ‬للحياة‭.‬

لم‭ ‬يعبأ‭ ‬الجنرال‭ ‬بما‭ ‬تبقّى‭ ‬من‭ ‬الملكيين‭ ‬ولا‭ ‬من‭ ‬الطامحين‭ ‬من‭ ‬رجال‭ ‬الكنيسة‭ ‬والنبلاء،‭ ‬واختار‭ ‬الجنرال‭ ‬فوشيه‭ ‬وزيرًا‭ ‬للأمن‭ ‬ليرسّخ‭ ‬الأمن،‭ ‬وهو‭ ‬رجل‭ ‬يتمتع‭ ‬بسمعة‭ ‬سيئة،‭ ‬لدوره‭ ‬في‭ ‬إعدام‭ ‬الملك‭ ‬والملكة‭. ‬

كان‭ ‬تاليران‭ ‬يراهن‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬الجنرال‭ ‬سيبقى‭ ‬مدة‭ ‬طويلة‭ ‬إذا‭ ‬اجتاز‭ ‬سنته‭ ‬الأولى،‭ ‬ولذلك‭ ‬سخّر‭ ‬كلّ‭ ‬قدراته‭ ‬للتصالح‭ ‬مع‭ ‬طموحات‭ ‬الجنرال،‭ ‬والتقليل‭ ‬منها،‭ ‬وتوجيهها‭ ‬نحو‭ ‬التعايش‭ ‬مع‭ ‬الأنظمة‭ ‬الأخرى‭. ‬

وتبنّي‭ ‬هذه‭ ‬الخطة‭ ‬يستلزم‭ ‬الحذَرَ‭ ‬والانضباط‭ ‬في‭ ‬السلوك‭ ‬وفي‭ ‬المشاعر،‭ ‬وإظهار‭ ‬الاحترام‭ ‬للجنرال‭ ‬المتواضع‭ ‬الخلفية،‭ ‬والمتطلع‭ ‬لتطويق‭ ‬ملوك‭ ‬أوربا‭ ‬المتحدّرين‭ ‬من‭ ‬طبقات‭ ‬تختلف‭ ‬عن‭ ‬خلفيته‭. ‬

 

صلحٌ‭ ‬وصِدام

وانسجامًا‭ ‬مع‭ ‬نصائح‭ ‬تاليران‭ ‬في‭ ‬الصلح‭ ‬مع‭ ‬إنجلترا،‭ ‬وقّع‭ ‬الطرفان‭ ‬على‭ ‬اتفاق‭ ‬لوقف‭ ‬الحرب،‭ ‬واتفقا‭ ‬حول‭ ‬شروط‭ ‬السلام،‭ ‬كان‭ ‬ذلك‭ ‬في‭ ‬أكتوبر‭ ‬عام‭ ‬1801،‭ ‬لكنّ‭ ‬هذا‭ ‬الصلح‭ ‬لم‭ ‬يستمر،‭ ‬حيث‭ ‬انفجر‭ ‬الصدام‭ ‬بين‭ ‬البلدين‭ ‬في‭ ‬مايو‭ ‬1803،‭ ‬لأنّ‭ ‬الجنرال‭ ‬له‭ ‬منظور‭ ‬يرسم‭ ‬فرنسا‭ ‬عاصمة‭ ‬القوة‭ ‬الأوربية،‭ ‬وتحويل‭ ‬الدول‭ ‬الأخرى‭ ‬أجرامًا‭ ‬تدور‭ ‬في‭ ‬فَلَكها،‭ ‬وهي‭ ‬السياسة‭ ‬التي‭ ‬يخافها‭ ‬وزير‭ ‬الخارجية‭ ‬تاليران،‭ ‬الذي‭ ‬لا‭ ‬يستطيع‭ ‬أن‭ ‬يستقيل،‭ ‬لأنه‭ ‬يرى‭ ‬إمكانية‭ ‬التأثير‭ ‬على‭ ‬الجنرال‭ ‬مهما‭ ‬كان‭ ‬حجمه‭. ‬

كانت‭ ‬روسيا‭ ‬وبروسيا‭ ‬والنمسا‭ ‬تتحالف‭ ‬مع‭ ‬بريطانيا‭ ‬لإفشال‭ ‬مخطط‭ ‬نابليون،‭ ‬وكان‭ ‬الوزير‭ ‬تاليران‭ ‬يساعدها‭ ‬في‭ ‬إرسال‭ ‬مؤشرات‭ ‬تنبيه‭ ‬للمسؤولين‭ ‬الأوربيين‭ ‬حول‭ ‬مشروع‭ ‬نابليون،‭ ‬وكان‭ ‬الوزير‭ ‬على‭ ‬قناعة‭ ‬بأنه‭ ‬يخدم‭ ‬مصالح‭ ‬فرنسا،‭ ‬وليس‭ ‬مستعدًا‭ ‬لخدمة‭ ‬أطماع‭ ‬الجنرال،‭ ‬وأن‭ ‬استمراره‭ ‬في‭ ‬الوزارة‭ ‬هو‭ ‬لمصلحة‭ ‬هذا‭ ‬المفهوم‭.‬

لم‭ ‬يكن‭ ‬تاليران‭ ‬سعيدًا‭ ‬بإعلان‭ ‬الإمبراطورية،‭ ‬وتتويج‭ ‬الجنرال‭ ‬إمبراطورًا‭ ‬لفرنسا‭ ‬في‭ ‬عام‭ ‬1804،‭ ‬وهي‭ ‬الخطوة‭ ‬التي‭ ‬رسمها‭ ‬نابليون‭ ‬ليكون‭ ‬موازيًا‭ ‬لأعدائه،‭ ‬قيصر‭ ‬روسيا‭ ‬ألكسندر،‭ ‬وملك‭ ‬بروسيا،‭ ‬وملك‭ ‬إنجلترا،‭ ‬وإمبراطور‭ ‬النمسا،‭ ‬وهؤلاء‭ ‬الأربعة‭ ‬يشكّلون‭ ‬العقبة‭ ‬الكبرى‭ ‬لتطويع‭ ‬أوربا،‭ ‬ولم‭ ‬يجد‭ ‬في‭ ‬لقب‭ ‬قنصل‭ ‬فرنسا‭ ‬الأول،‭ ‬الذي‭ ‬يحمله،‭ ‬ما‭ ‬يوحي‭ ‬بمجده‭ ‬العسكري‭ ‬وضخامة‭ ‬طموحاته‭. ‬

 

فصل‭ ‬التآمر

ابتداءً‭ ‬من‭ ‬عام‭ ‬1897،‭ ‬تبنّى‭ ‬تاليران‭ ‬مخطط‭ ‬إسقاط‭ ‬نابليون،‭ ‬رحمةً‭ ‬بفرنسا،‭ ‬واستفاد‭ ‬من‭ ‬علاقات‭ ‬بناها‭ ‬مع‭ ‬بعض‭ ‬النبلاء،‭ ‬من‭ ‬حلفاء‭ ‬قيصر‭ ‬روسيا‭ ‬الإسكندر،‭ ‬الذي‭ ‬يكره‭ ‬نابليون،‭ ‬بعد‭ ‬خسارته‭ ‬بمعركة‭ ‬تلست‭ ‬في‭ ‬بولندا،‭ ‬وكان‭ ‬قيصر‭ ‬روسيا‭ ‬يقدّم‭ ‬للوزير‭ ‬تاليران‭ ‬مكافآت‭ ‬مقابل‭ ‬الأسرار‭ ‬التي‭ ‬يرسلها‭.‬

حقق‭ ‬نابليون‭ ‬أعلى‭ ‬أمجاده‭ ‬عام‭ ‬1808،‭ ‬فهزم‭ ‬جميع‭ ‬دول‭ ‬أوربا،‭ ‬ما‭ ‬عدا‭ ‬إنجلترا،‭ ‬وبدّل‭ ‬جغرافية‭ ‬القارة‭ ‬وحدودها،‭ ‬وعيّن‭ ‬عائلته‭ ‬وجنرالاته‭ ‬ملوكًا‭ ‬على‭ ‬بعضها‭. ‬في‭ ‬العام‭ ‬نفسه،‭ ‬أبعد‭ ‬تاليران‭ ‬عن‭ ‬وزارة‭ ‬الخارجية،‭ ‬وعيّنه‭ ‬نائبًا‭ ‬للمشرف‭ ‬العام‭ ‬Vice‭ ‬ذ‭ ‬Grand Elector،‭ ‬الرجل‭ ‬الثالث‭ ‬في‭ ‬ترتيب‭ ‬الإمبراطورية،‭ ‬وحلّ‭ ‬مكانه‭ ‬تشمباني،‭ ‬صديق‭ ‬تاليران،‭ ‬وزيرًا‭ ‬للخارجية‭.‬

تمكّن‭ ‬تاليران،‭ ‬مع‭ ‬مرور‭ ‬الوقت،‭ ‬من‭ ‬كسب‭ ‬ثقة‭ ‬قيصر‭ ‬روسيا‭ ‬ألكسندر،‭ ‬عدو‭ ‬نابليون‭ ‬الأول،‭ ‬وأبلغه‭ ‬بخطة‭ ‬نابليون‭ ‬بإغلاق‭ ‬موانئ‭ ‬أوربا‭ ‬أمام‭ ‬الأسطول‭ ‬البريطاني،‭ ‬لأنّه‭ ‬يريد‭ ‬محاصرة‭ ‬بريطانيا،‭ ‬وعندما‭ ‬تقابل‭ ‬الإمبراطور‭ ‬نابليون‭ ‬مع‭ ‬قيصر‭ ‬روسيا‭ ‬ليكسبَ‭ ‬دعمه،‭ ‬بمحاصرة‭ ‬بريطانيا،‭ ‬كان‭ ‬القيصر‭ ‬على‭ ‬عِلمٍ‭ ‬بتفاصيل‭ ‬الخطة،‭ ‬ونقلها‭ ‬القيصر‭ ‬إلى‭ ‬لندن،‭ ‬حيث‭ ‬أرسل‭ ‬الأسطول‭ ‬البريطاني‭ ‬إلى‭ ‬الدنمارك‭ ‬وحطّم‭ ‬أسطولها‭ ‬الذي‭ ‬يريد‭ ‬نابليون‭ ‬استعماله‭ ‬للغزو،‭ ‬وصار‭ ‬تاليران‭ ‬المصدر‭ ‬الأول‭ ‬لمعلوماته‭ ‬عن‭ ‬فرنسا‭.‬

 

خطة‭ ‬إسقاط‭ ‬الإمبراطورية

في‭ ‬23‭ ‬يناير‭ ‬1809،‭ ‬دعا‭ ‬نابليون‭ ‬أركان‭ ‬الدولة‭ ‬إلى‭ ‬الاجتماع‭ ‬بقصر‭ ‬توليه‭ ‬في‭ ‬باريس،‭ ‬لبحث‭ ‬تعقيدات‭ ‬حروبه‭ ‬في‭ ‬إسبانيا،‭ ‬وأبلغهم‭ ‬بأن‭ ‬دورهم‭ ‬الولاء‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬سؤال،‭ ‬ثم‭ ‬اتهم‭ ‬تاليران‭ ‬بأنه‭ ‬رجل‭ ‬مخادع،‭ ‬وكذاب،‭ ‬وجبان‭ ‬وخائن،‭ ‬ومستعد‭ ‬لبيع‭ ‬ولده‭ ‬للوصول‭ ‬إلى‭ ‬أغراضه‭.‬

ظلّ‭ ‬تاليران‭ ‬صامتًا‭ ‬أمام‭ ‬هذا‭ ‬الجمع‭ ‬متحملًا‭ ‬الإهانات،‭ ‬الأمر‭ ‬الذي‭ ‬زاد‭ ‬من‭ ‬هياج‭ ‬الإمبراطور،‭ ‬ليصفه‭ ‬بالأعرج‭ ‬وزوجته‭ ‬خائنة،‭ ‬وصرخ‭ ‬في‭ ‬وجهه‭ ‬اأنت‭ ‬وساخة‭ ‬في‭ ‬جراب‭ ‬من‭ ‬حريرب‭ ‬Dung in Silk‭ ‬Stocking‭... ‬ودخلت‭ ‬هذه‭ ‬الجملة‭ ‬حياة‭ ‬تاليران‭. ‬

لم‭ ‬يتردد‭ ‬تاليران‭ ‬في‭ ‬رسم‭ ‬خطته‭ ‬لإسقاط‭ ‬الإمبراطورية،‭ ‬فلم‭ ‬يعترض‭ ‬على‭ ‬أخطر‭ ‬المغامرات‭ ‬في‭ ‬غزو‭ ‬الإمبراطور‭ ‬للأراضي‭ ‬الروسية‭ ‬في‭ ‬عام‭ ‬1812،‭ ‬متصورًا‭ ‬عودته‭ ‬منتصرًا‭ ‬قبل‭ ‬الشتاء،‭ ‬فتحطمت‭ ‬الآمال‭ ‬بعودته‭ ‬في‭ ‬ظروف‭ ‬معقّدة،‭ ‬قضت‭ ‬على‭ ‬الجيش‭ ‬العظيم،‭ ‬وعاد‭ ‬نابليون‭ ‬إلى‭ ‬باريس‭ ‬قائدًا‭ ‬لما‭ ‬تبقّى‭ ‬من‭ ‬الجيش‭ ‬الذي‭ ‬أنهكته‭ ‬الطبيعة‭ ‬ومناوشات‭ ‬الأعداء‭.‬

تشكّل‭ ‬اتئلاف‭ ‬بريطاني،‭ ‬روسي،‭ ‬بروسي،‭ ‬نمساوي،‭ ‬وبمساعدات‭ ‬بولندية،‭ ‬ومن‭ ‬ناقمين‭ ‬آخرين،‭ ‬للقضاء‭ ‬على‭ ‬ما‭ ‬تبقّى‭ ‬من‭ ‬جيش‭ ‬فرنسا،‭ ‬كما‭ ‬بدأت‭ ‬المؤامرات‭ ‬من‭ ‬جنرالات‭ ‬الجيش‭ ‬الفرنسي‭ ‬للقضاء‭ ‬على‭ ‬نابليون‭.‬

في‭ ‬تلك‭ ‬الظروف،‭ ‬سعى‭ ‬نابليون‭ ‬إلى‭ ‬إعادة‭ ‬تاليران‭ ‬ليتولّى‭ ‬الشؤون‭ ‬الخارجية،‭ ‬لكنّه‭ ‬رفض،‭ ‬ونصحه‭ ‬الأخير‭ ‬بالتفاوض‭ ‬مع‭ ‬الحلفاء‭ ‬مادام‭ ‬بيده‭ ‬شيء‭ ‬يتفاوض‭ ‬عليه،‭ ‬لكنّ‭ ‬نابليون‭ ‬رفض‭ ‬نصيحته،‭ ‬ويبدو‭ ‬أن‭ ‬الجنرال‭ ‬كانت‭ ‬لديه‭ ‬شكوك‭ ‬في‭ ‬ولاء‭ ‬تاليران،‭ ‬لكن‭ ‬بلا‭ ‬دليل‭ ‬قاطع‭.‬

 

اتفاق‭ ‬الاستسلام

وصل‭ ‬جيش‭ ‬الحلفاء‭ ‬في‭ ‬عام‭ ‬1814،‭ ‬لأول‭ ‬مرة،‭ ‬إلى‭ ‬تراب‭ ‬فرنسا،‭ ‬وبدأ‭ ‬جنرالات‭ ‬الجيش‭ ‬الفرنسي‭ ‬الاتصال‭ ‬بالحلفاء‭ ‬للتوقيع‭ ‬على‭ ‬اتفاق‭ ‬الاستسلام،‭ ‬وتولّى‭ ‬المراسلات‭ ‬المارشال‭ ‬مارمونت،‭ ‬نيابة‭ ‬عنهم،‭ ‬فتحرّك‭ ‬تاليران‭ ‬لعقد‭ ‬اجتماع‭ ‬للمجلس‭ ‬التشريعي‭ ‬الذي‭ ‬شكّله‭ ‬نابليون‭ ‬لإدارة‭ ‬البلد‭ ‬في‭ ‬غيابه،‭ ‬وقرّر‭ ‬المجلس‭ ‬إعلان‭ ‬شقيق‭ ‬الملك‭ ‬لويس‭ ‬السادس‭ ‬عشر،‭ ‬ملكًا‭ ‬باسم‭ ‬لويس‭ ‬الثامن‭ ‬عشر،‭ ‬وعاد‭ ‬تاليران‭ ‬إلى‭ ‬السلطة‭ ‬لقيادة‭ ‬الإدارة‭ ‬المؤقتة‭ ‬للحكم‭ ‬حتى‭ ‬عودة‭ ‬الملك‭ ‬الجديد‭. ‬

في‭ ‬أول‭ ‬يوم‭ ‬من‭ ‬أبريل‭ ‬1814،‭ ‬كانت‭ ‬جميع‭ ‬الصلاحيات‭ ‬بيده،‭ ‬والتقى‭ ‬قيادة‭ ‬الحلفاء،‭ ‬وصاغ‭ ‬بيان‭ ‬عودة‭ ‬النظام‭ ‬القديم،‭ ‬كملكية‭ ‬دستورية،‭ ‬طالبًا‭ ‬من‭ ‬الشعب‭ ‬الفرنسي‭ ‬دعم‭ ‬الملك‭ ‬الجديد،‭ ‬وتولّى‭ ‬رئاسة‭ ‬الحكومة‭ ‬المؤقتة،‭ ‬يساعده‭ ‬أربعة‭ ‬ممن‭ ‬يثق‭ ‬بهم،‭ ‬وجاء‭ ‬قيصر‭ ‬روسيا‭ ‬ألكسندر‭ ‬إلى‭ ‬باريس‭ ‬ليشاركهم‭ ‬في‭ ‬الاحتفالات‭. ‬في‭ ‬تلك‭ ‬الظروف‭ ‬وصلت‭ ‬رسالة‭ ‬من‭ ‬نابليون‭ ‬إلى‭ ‬الحلفاء‭ ‬تحمل‭ ‬موافقة‭ ‬الإمبراطورعلى‭ ‬التنازل‭ ‬لابنه،‭ ‬يساعده‭ ‬مجلس‭ ‬وصاية،‭ ‬وكانت‭ ‬نصيحة‭ ‬تاليران‭ ‬للحلفاء‭ ‬هي‭ ‬رفض‭ ‬العرض‭ ‬نهائيًا‭.‬

في‭ ‬24‭ ‬أبريل‭ ‬1814،‭ ‬استقبل‭ ‬تاليران‭ ‬الملك‭ ‬الجديد‭ ‬ليحلف‭ ‬أمام‭ ‬المجلس‭ ‬المؤقت‭ ‬على‭ ‬الدستور‭ ‬الجديد‭. ‬شُكّلت‭ ‬حكومة‭ ‬الملك‭ ‬الجديد،‭ ‬وعُيّن‭ ‬تاليران‭ ‬وزيرًا‭ ‬للخارجية،‭ ‬وذهب‭ ‬إلى‭ ‬فيينا‭ ‬ليمثّل‭ ‬فرنسا‭ ‬في‭ ‬مؤتمر‭ ‬الصلح‭ ‬الشهير،‭ ‬الذي‭ ‬جمع‭ ‬قادة‭ ‬أوربا‭ ‬للاتفاق‭ ‬على‭ ‬صيغة‭ ‬جديدة‭ ‬لخريطة‭ ‬أوربا،‭ ‬بينما‭ ‬تمّ‭ ‬نفي‭ ‬نابليون‭ ‬إلى‭ ‬جزيرة‭ ‬ألبا‭ ‬في‭ ‬إيطاليا‭.‬

كان‭ ‬حضور‭ ‬تاليران‭ ‬رئيسًا‭ ‬للوفد‭ ‬الفرنسي‭ ‬مؤثرًا‭ ‬في‭ ‬الوصول‭ ‬إلى‭ ‬صيغة‭ ‬الالتزام‭ ‬باحترام‭ ‬الحدود‭ ‬التاريخية‭ ‬بين‭ ‬الدول‭ ‬ومقاومة‭ ‬الانقلابات‭ ‬ضد‭ ‬شرعية‭ ‬الحكم،‭ ‬مع‭ ‬دعوة‭ ‬إلى‭ ‬الانفتاح‭ ‬الليبرالي،‭ ‬وهو‭ ‬مقترح‭ ‬غير‭ ‬مقبول‭ ‬لدى‭ ‬بعض‭ ‬الحاضرين‭ ‬من‭ ‬ممثّلي‭ ‬الملوك‭. ‬

أهم‭ ‬منجزات‭ ‬تاليران‭ ‬هو‭ ‬الترحيب‭ ‬الأوربي‭ ‬بالملكية‭ ‬الجديدة‭ ‬في‭ ‬فرنسا‭ ‬دون‭ ‬تحفّظات،‭ ‬بحدودها‭ ‬التاريخية‭ ‬بلا‭ ‬تمدّد‭.‬

 

حرب‭ ‬جديدة

خلال‭ ‬المداولات‭ ‬وصلت‭ ‬المفاجأة‭ ‬إلى‭ ‬مؤتمر‭ ‬فيينا،‭ ‬بعودة‭ ‬نابليون‭ - ‬هاربًا‭ ‬من‭ ‬المنفى‭ - ‬يقود‭ ‬جيشًا‭ ‬من‭ ‬مؤيديه‭ ‬نحو‭ ‬باريس،‭ ‬وتحرّك‭ ‬الحلف‭ ‬لحرب‭ ‬جديدة‭ ‬جنَّد‭ ‬لها‭ ‬نابليون‭ ‬ما‭ ‬تمكّن‭ ‬من‭ ‬تجهيزات‭ ‬من‭ ‬ضباط‭ ‬وجنود‭ ‬وما‭ ‬تبقّى‭ ‬من‭ ‬سلاح‭. ‬

كانت‭ ‬قوات‭ ‬الحلفاء‭ ‬طاغية‭ ‬في‭ ‬معركة‭ ‬واترلو‭ ‬في‭ ‬يونيو‭ ‬1815،‭ ‬وكانت‭ ‬نهاية‭ ‬أسطورة‭ ‬نابليون‭ ‬الذي‭ ‬أُبعد‭ ‬إلى‭ ‬جزيرة‭ ‬سانت‭ ‬هيلانة‭ ‬ومات‭ ‬فيها‭ ‬عام‭ ‬1821‭.‬

استمر‭ ‬مؤتمر‭ ‬فيينا‭ ‬ستة‭ ‬أشهر،‭ ‬وعاد‭ ‬بعدها‭ ‬تاليران‭ ‬لخدمة‭ ‬الملكية‭ ‬الجديدة‭. ‬

في‭ ‬8‭ ‬يوليو‭ ‬1815‭ ‬عُيّن‭ ‬تاليران‭ ‬رئيسًا‭ ‬للوزراء‭ ‬وزيرًا‭ ‬للخارجية،‭ ‬كأول‭ ‬رئيس‭ ‬وزراء‭ ‬لملكية‭ ‬دستورية‭ ‬وبرلمان‭ ‬منتخب‭ ‬ومجلس‭ ‬أعيان‭.‬

استقال‭ ‬تاليران‭ ‬بعد‭ ‬ستة‭ ‬أشهر،‭ ‬وعيّنه‭ ‬الملك‭ ‬رئيسًا‭ ‬للديوان‭ ‬الملكي‭ ‬Grand Chamberlain،‭ ‬الأمر‭ ‬الذي‭ ‬أمَّن‭ ‬له‭ ‬استمرار‭ ‬العمل‭ ‬السياسي‭. ‬

في‭ ‬عام‭ ‬1824،‭ ‬توفي‭ ‬الملك‭ ‬لويس‭ ‬الثامن‭ ‬عشر،‭ ‬وخلفه‭ ‬أخوه‭ ‬الملك‭ ‬تشارلز‭ ‬العاشر،‭ ‬وحضر‭ ‬تاليران‭ ‬الاحتفال‭ ‬بالملك‭ ‬الجديد،‭ ‬متذكرًا‭ ‬أنه‭ ‬حضر‭ ‬احتفال‭ ‬لويس‭ ‬السادس‭ ‬في‭ ‬عام‭ ‬1775‭.‬

 

تأكيد‭ ‬حكم‭ ‬الدستور

كانت‭ ‬متاعب‭ ‬تاليران‭ ‬مع‭ ‬الملك‭ ‬تشارلز‭ ‬تتمثل‭ ‬في‭ ‬تأكيد‭ ‬حكم‭ ‬الدستور،‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬حكم‭ ‬الملك‭ ‬تشارلز‭ ‬مسايرًا‭ ‬لشروط‭ ‬العصر،‭ ‬وكانت‭ ‬تروق‭ ‬له‭ ‬الملكية‭ ‬المطلقة،‭ ‬ولذلك‭ ‬لم‭ ‬ينجح‭ ‬في‭ ‬ترسيخ‭ ‬الملكية‭ ‬بعد‭ ‬عودتها،‭ ‬وتوفي‭ ‬عام‭ ‬1830‭. ‬جاء‭ ‬بعده‭ ‬الملك‭ ‬لويس‭ ‬فيليب،‭ ‬ابن‭ ‬عم‭ ‬الملك‭ ‬المتوفّى،‭ ‬وكان‭ ‬يثمّن‭ ‬أهمية‭ ‬تحسين‭ ‬العلاقات‭ ‬مع‭ ‬بريطانيا،‭ ‬وكان‭ ‬الملك‭ ‬لويس‭ ‬فيليب‭ ‬يريد‭ ‬سفيرًا‭ ‬يحمل‭ ‬الخبرة‭ ‬والأرستقراطية،‭ ‬وله‭ ‬روابط‭ ‬مع‭ ‬بريطانيا‭ ‬ليبدأ‭ ‬معها‭ ‬فصلًا‭ ‬جديدًا،‭ ‬فاقترح‭ ‬على‭ ‬تاليران‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬سفيرًا‭ ‬في‭ ‬لندن‭.‬

في‭ ‬23‭ ‬سبتمبر‭ ‬1830،‭ ‬وصل‭ ‬تاليران‭ ‬إلى‭ ‬لندن‭ ‬سفيرًا‭ ‬فيها،‭ ‬بعد‭ ‬غياب‭ ‬36‭ ‬سنة‭ ‬عنها،‭ ‬كان‭ ‬رئيس‭ ‬الوزراء‭ ‬هو‭ ‬الدوق‭ ‬ولينجتون،‭ (‬قائد‭ ‬القوات‭ ‬البريطانية‭ ‬بآخر‭ ‬معارك‭ ‬نابليون‭ ‬في‭ ‬واترلو‭ ‬عام‭ ‬1815‭)‬،‭ ‬ولهما‭ ‬علاقة‭ ‬طيبة‭ ‬منذ‭ ‬مؤتمر‭ ‬فيينا‭ ‬للسلام،‭ ‬وتجمعهما‭ ‬صداقة‭ ‬ومودة،‭ ‬كما‭ ‬أن‭ ‬منظورهما‭ ‬للعلاقات‭ ‬متقارب‭ ‬في‭ ‬التفاهم‭ ‬لمصلحة‭ ‬أمن‭ ‬أوربا،‭ ‬وهناك‭ ‬اتفاق‭ ‬بينهما‭ ‬على‭ ‬مستقبل‭ ‬بلجيكا‭ ‬كدولة‭ ‬مستقلة‭.‬

في‭ ‬عام‭ ‬1835،‭ ‬عاد‭ ‬إلى‭ ‬باريس‭ ‬بعد‭ ‬أربع‭ ‬سنوات‭ ‬سفيرًا،‭ ‬وعمره‭ ‬82‭ ‬سنة،‭ ‬مع‭ ‬ضعف‭ ‬عام‭ ‬في‭ ‬جسده‭ ‬أثّر‭ ‬على‭ ‬حركته‭.‬

في‭ ‬عام‭ ‬1837،‭ ‬أجريت‭ ‬له‭ ‬عملية‭ ‬جراحية‭ ‬ولم‭ ‬تتحسّن‭ ‬صحته،‭ ‬ومع‭ ‬اقتراب‭ ‬الموت،‭ ‬تمّت‭ ‬ترتيبات‭ ‬االاعترافب‭ ‬بحضور‭ ‬ممثّل‭ ‬الكنيسة،‭ ‬لكنّ‭ ‬تاليران‭ ‬لم‭ ‬يهتمّ‭ ‬بهذه‭ ‬الإجراءات،‭ ‬وترك‭ ‬للقسيس‭ ‬أن‭ ‬يقول‭ ‬ما‭ ‬يريد،‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬يُعلن‭ ‬عن‭ ‬اعتراف‭ ‬يريده‭ ‬القسيس‭ ■‬