مهاجرون في الحياة .. وفي السينما

عندما لا تتسع أرض الوطن لتحقيق الأحلام والطموحات الخاصة.. هل يصبح البديل هو  الهجرة إلى أرض أخرى؟ وهل ستقبل تلك الأرض الأخرى أن تفتح ذراعيها بالحب والرعاية والطمأنينة؟ وأين يمكن أن نجد أرض السعادة هذه؟

نجري، ونلهث وتضيع الأيام والسنون، ونكتشف أنه السراب!

غالبا.. السراب!!

وهذا ما تؤكده الكثير من حكايات ومغامرات المهاجرين، وما تعلنه بضراوة وشراسة غريبة كل دعاوى العنصرية ومطاردة المهاجرين للعودة إلى بلادهم.

لا راحة في الداخل، أو في الخارج!.. غرباء في كل الحالات! 

وقد تعددت الأفلام السينمائية التي ناقشت ظروف وأوضاع المهاجرين، وكان للسينما الجزائرية، والسينما التركية نصيب واضح في هذه الأفلام، صناعها أساسا من المهاجرين الذين عاشوا - ومازالوا - أوجاع الاغتراب، أحداثا عاشوها بالفعل، أو عايشوها من خلال زملائهم المهاجرين، ثم أعادوا صياغتها فنيا في رسائل سينمائية تطوف هنا وهناك.

ومن المثير أن يشهد النصف الأول من هذا العام - 1991 - ثلاثة أفلام جديدة عن المهاجرين، تطوف المهرجانات السينمائية  شرقا وغربا، وتثير الجدل، والتعاطف مع قضايا المهاجرين..

اثنان من تلك الأفلام عن المهاجرين الجزائريين في فرنسا والثالث عن المهاجرين الأتراك في ألمانيا.

الصراع بين القيم والعادات

أدت ظروف الإنتاج السينمائي في الجزائر، وضعف الإمكانات المادية، وتعدد المشاكل والاتجاهات بين تصفية القطاع العام السينمائي، وترك كل شيء للقطاع الخاص، وقلة الفرص المتاحة للعمل السينمائي، أدى كل هذا إلى هجرة بعض السينمائيين إلى فرنسا، تساندهم جذور ثقافية ولغوية للبحث عن مجالات عمل، سواء بتمويل فرنسي كامل أو بتمويل مشترك مع الجزائر. 

وأنجز بالفعل، عددٌ ملحوظٌ من الأفلام، التي اكتسبت فرصاً هامة في التوزيع والانتشار.

وكان الموضوع الأثير في الأغلب الأعم لهذه الأفلام، عن المهاجرين الجزائريين في فرنسا، ودرجات التصادم والتكيف، والصراع بين القيم والعادات العربية، وأساليب الحياة الأوربية.

ومن أبرز أفلام تلك المرحلة الأولى من التعاون الفرنسي، فيلم "شاي بالنعناع"  للمخرج الجزائري عبدالكريم بهلول، وقد قامت فرنسا بتمويل الفيلم تماما، ويحكي الفيلم عن ذلك الشاب الجزائري المهاجر الذي تستهويه قشور الحياة الأوربية، فيتكاسل عن العمل، ويهرب منه إلى مصادقة الفتيات، والتردد على المقاهي، واكتساب النقود بالفهلوة ولعب الثلاث ورقات، حتى تزوره أمه القادمة من الجزائر، وتلح عليه في العودة إلى الوطن، وهو يتهرب منها، بل ويحاول التخلص من إلحاحها ووجودها بأن يتركها وحيدة بالمنزل الصغير الذي يستأجره، حتى يقرصها الجوع، فتخرج للشارع وتتسول..

وهنا فقط يستيقظ ضمير الابن، ويخضع لرغبتها في السفر، ولكن على باب المطار يحاول أن يفلت منها، ولكنها تدفعه بقوة إلى الطائرة المسافرة للجزائر.

وقد كان واضحا أن هذا الفيلم يتجاوب مع الحملة العنيفة التي شنتها القوى اليمينية  في فرنسا لتصفية المهاجرين وعودتهم إلى بلادهم.

أطفال النيون

المثير، أن نفس هذه القضايا، مازالت تطرحها - حتى الآن - السينما الجزائرية المهاجرة في فرنسا.

ففي الفيلم الجديد "أطفال النيون" للمخرج الجزائري "إبراهيم تاسكي"، "يقدم - من خلال تمويل فرنسي - موضوعا عن شاب نصف جزائري، نصف فرنسي، وصداقته بزميل له أصم وأبكم، ورحلتهما اليومية لاكتساب النقود، من خلال البحث في العمارات المهدمة عن المواسير والأدوات المعدنية المهملة والملقاة تحت الركام لبيعها لأحد تجار المخلفات، وبالنقود القليلة التي يحصلان عليها، يعيشان حياتهما، دون أن نتعرف على ذويهما، أو أن ندخل بيتهما، ولكن الأحداث تدور كلها خارج بلوكات المساكن الشعبية التي يسكنها المهاجرون غالبا، وهناك دائما تلك الوجوه العربية من السكان والذين تتصاعد أصواتهم بالشجار، وتمتد أيديهم أحيانا بالضرب، كما تعود ذلك الرجل مع شقيقته، وكما تعودت تلك المرأة مع زوجها المفلس مدمن الشراب. والذي عاقبته بالطرد من البيت، لينام على سلالم العمارة!

في هذا الجو المشبع بالوحدة، والتصادم، نقترب أكثر وأكثر من هذا الشاب نصف الجزائري، نصف الفرنسي (بحكم النشأة) والذي تستهويه فتاة فرنسية تقيم في منطقة مجاورة، ينقذها في إحدى المرات من محاولة اعتداء بعض المخمورين، فتصبح صديقته، ويهديها سلسلة فضية عثر عليها بالمصادفة تحت ركام الأنقاض،  مما يشعل غيرة تلك الفتاة الجزائرية والتي تسكن مع أهلها في نفس المجمع السكني..

والشاب - بطلنا - حائر بين الفتاة الفرنسية وانطلاقها وحريتها الأوربية مع أصدقائها، وبين الفتاة الجزائرية التي لا تكف عن الحساب والعتاب والغيرة التي تصل إلى حد الوشاية به عند أسرته، فيعاقبونه بالطرد من البيت، وهكذا يصبح الشارع مصيره ومأواه.

وتتردد في نهاية الفيلم عبارة على لسان عجوز يرقب ما يحدث، ويقول "الأطفال يقتلون القطط، والكبار يقتلون الأطفال"!.

وهي كناية عن جريمة الآباء المهاجرين وعجزهم عن التوافق مع أبنائهم في عاصمة النور.. وإعلانات النيون!

و "أطفال النيون"، هم الأطفال الذين جذبهم الضوء، حتى احترقوا.

والمخرج "إبراهيم تاسكي" هو كاتب الفيلم أيضا، وهو جزائري المولد والدراسة، وأخرج فيلمين من قبل، وحصل على جوائز من مهرجانات قرطاج ودمشق وأوجادجو.

شاب

ونأتي للفيلم الآخر، والذي يحمل عنوان. "شاب" وهو إنتاج مشترك بين فرنسا والجزائر، وقد بدأ عرضه بباريس في شهر يونيو 1991، بعد أن عرض في مهرجان برلين (قسم أفلام الشباب) في فبراير، ثم عرض في مهرجان كان السينمائي (قسم اختيارات السينما الفرنسية) في شهر مايو، ومن المتوقع أن يحقق الفيلم دورة حول العالم في مهرجانات سينمائية أخرى.

والفيلم يبدأ بلقطات تسجيلية لمظاهرات فرنسية تقودها الأحزاب اليمينية ضد المهاجرين العرب المقيمين في فرنسا، وكيف تحولت تلك المظاهرات إلى اشتباكات عنيفة تدخلت فيها الشرطة الفرنسية بالهراوات الغليظة وخراطيم المياه وقنابل الغاز المسيل للدموع.

ثم ينتقل الفيلم ببطليه إلى الجزائر.

البطل الأول، شاب في التاسعة عشرة من عمره، من الجيل الثاني من المهاجرين، ومازال يحتفظ بالجنسية الجزائرية، وقد طردته السلطات الفرنسية من البلاد بسبب جريمة ارتكبها.

البطلة الثانية، فتاة في نفس السن تقريبا، أصر أهلها الجزائريون المقيمون في فرنسا، على إعادتها إلى الجزائر لحمايتها من التحرر اللاأخلاقي والذي بدأت ملامحه تظهر على سلوك الفتاة وجرأتها وتمردها.

وهكذا نجد أمامنا، اثنين مطرودين من الجنة (!!)، أحدهما بحكم قضائي، والآخر بحكم أهلي، وعلى الاثنين أن يواجها الواقع على أرض الجزائر..

وهنا يركز المخرج على التنافر الصارخ بين ذلك الشاب والمجتمع الجزائري، فهو لا يتحدث العربية ولا يفهمها، وهو يواجه قسوة الظروف الحياتية، والمد الديني، وغضب المتطرفين وعنفهم، ويحاول أن يهرب أكثر من مرة للعودة إلى فرنسا، فيواجه بنقاط التفتيش والجنود والسخرية من عدم فهمه العربية، ولكن الهروب يصبح  قضيته الأولى.

ويتفق مع تلك الفتاة الجزائرية المطرودة من أهلها في فرنسا، لكي يكونا ثنائيا يدبران العودة إلى فرنسا، لندخل في موضوع تلك الفتاة التي لا تفهم ولا تقدر طبيعة المجتمع العربي المحافظ، ويحدث بالطبع ذلك التصادم الحتمي، وينتهي بالقبض عليها وإعادتها إلى أسرتها في تلك القرية الجبلية.

أما الشاب فهو يستدعى للتجنيد في الجيش الجزائري، ولكن بلا انتماء حقيقي، والحلم والهدف الحقيقي هو العودة إلى فرنسا!.

وهو نفس حلم تلك الفتاة، أي أن الإنقاذ الوحيد بالنسبة لهما هو عدم البقاء في أرض الوطن! وهذا الفيلم أخرجه المخرج الجزائري "رشيد بو شارب" معبراً عن قضية ذلك الجيل من شباب المهاجرين وعدم القدرة على الفهم أو التواصل مع أرض الأجداد.

ولعب بطولة ذلك الفيلم مجموعة من الشباب الجزائري الموهوب (مراد بوناس - نزهة قويادرا - محمد ناصف - شيخ دويكوري).

ومن المهم أن نشير إلى أن سيناريو هذا الفيلم كتبه المخرج بالاشتراك مع "عبدالكريم بهلول" نفس المخرج الذي أشرنا له منذ قليل صاحب فيلم "شاي بالنعناع"!

وداعاً.. أيها الغرباء

وهذا نموذج مختلف من السينما المهاجرة.. تخصص فيها المخرج التركي "توفيق باسر" الذي وصل إلى ألمانيا عام 1980 للدراسة عن السينما في "هامبورج"، ثم تفرغ لتقديم قصص المهاجرين الأتراك والذين لجأوا إلى ألمانيا.. وكان من أهم أفلامه الأولى عن هذا الموضوع، فيلم (40 مترا مربعا في ألمانيا) والذي عرض في  عام 86، ويحكي عن امرأة تركية مهاجرة، يحبسها زوجها المهاجر داخل شقة صغيرة ليمنعها من أي احتكاك مع المجتمع الألماني. ثم كان فيلمه التالي (وداعا.. للجنة الكاذبة) عن امرأة تركية تعتقل بسبب جريمة قتل زوجها، واكتشافاتها داخل السجن. وفي هذا العام - 1991 - يقدم المخرج "توفيق باسر" فيلمه الجديد (وداعا.. أيها الغرباء) عن أحد المعارضين الأتراك الذين هربوا من تركيا، واستقر في جزيرة ألمانية ببحر الجنوب، حتى يلتقي مع امرأة ألمانية من هامبورج جاءت للإقامة في هذا الكوخ الصيفي هربا من مشاكلها العائلية، ويحدث التعارف بين الاثنين، ولكن بلا لغة مشتركة، فهو يتحدث التركية فقط، وهي تتحدث الألمانية، وكلاهما لا يعرف قصة الآخر، ولكن تجمعهما المشاعر الإنسانية، والإحساس بالوحدة والضياع.

ولا نرى في هذه الجزيرة المعزولة سوى مقهى صغير، وحافلة قديمة يستغلها ثلاثة من المهاجرين لإقامة، ثم اتساع هائل من الأرض والبحر والأفق، وتتكرر حملات التفتيش من الشرطة بحثا عن المهاجرين الذين لم يحصلوا على حق الإقامة في ألمانيا، ولذلك تسعى تلك المرأة الألمانية إلى استضافة ذلك المهاجر التركي في منزلها إحساسا منها بعذاباته وقلقه وخوفه.

وفي هذا المنزل، يكتشف المهاجر التركي، آلة كاتبة، فيجلس أمامها بالساعات يكتب، ولكن لا أحد يعرف ماذا يكتب؟! حتى تأتي ثورة الطبيعة في عاصفة هوجاء تغرق أرض الجزيرة، لتصبح مجرد مساحة ضئيلة ضائعة وسط المياه، وتسرع فرق الإنقاذ المحمولة على طائرات الهليوكبتر لإنقاذ سكان هذا المنزل، الرجل التركي والمرأة الألمانية، وتكتشف الشرطة أن الرجل التركي لا يحمل التصريح بحق الإقامة، فيقبضون عليه، ويقومون بترحيله إلى بلاده.

وتكتشف تلك المرأة الألمانية بعد انقضاء عدة شهور برسالة تصلها بالبريد، داخلها كتاب عليه صورة ذلك المهاجر التركي، وتقرأ، إنه أحد المناهضين لسياسة الحكم في تركيا، وإنه مات أثناء إضرابه عن الطعام في أحد المعتقلات التركية.

ولم يكن الكتاب سوى مذكراته الشخصية، ورحلة هروبه إلى ألمانيا ثم إعادة القبض عليه.

ولم يكن الفيلم سوى قصيدة شعرية عن الاتصال بين البشر، دون لغة مشتركة، والاحتياج للفهم والحنان والأمان..

سألوا المخرج التركي "توفيق باسر" لماذا لا تخرج عن دائرة المهاجرين الأتراك وتصنع موضوعات مختلفة؟

أجاب: إن عدد المهاجرين الأتراك في ألمانيا يصل إلى أربعة ملايين مهاجر، وإذا استطاع الألمان أن يصنعوا فيلما عن الأتراك، فإنني حينئذ أستطيع أن أقدم فيلما عن الألمان"!

لقد أصبحت قضية المهاجرين، هي رسالته الشخصية التي يجيد التعبير عنها، ويريد أن يتفهم العالم معاناتهم!

وهكذا تكتمل الصورة..

مهاجرون في الحياة.. وفي السينما أيضا!