طَرَفة بن العبد البكري سرُّ خُلود وسَيرورة شِعر

طَرَفة بن العبد البكري سرُّ خُلود وسَيرورة شِعر

مَن هو هذا الشاعر؟ وما حكايته مع بيئته وزمانه؟ وكيف استطاع أن يُسطِّر شعرًا أمضى من السيف في جلاء الحقائق، وأبعد مدى من البرق في بهْر النفوس والخلائق، بمآثر أشعاره وأخباره، وقصصه مع الأيام والأقدار التي كانت له بالمرصاد، إزاء كل خطوة خطاها وكل حدثٍ عرض له؟
  وهل يعود سرُّ خلوده وسيرورة شعره إلى لغز مقتله المأساوي وهو في عمر الزهور؟ أم إلى نبوغه الشعري المبكِّر؟ أم إلى قوّة بيانه وغنى أبياته الحكمية التي تجاوزت الحدود والأعصر، فبدت لنا اليوم، وكأنَّ قائلها واحدٌ من كبار شعرائنا المعاصرين؟
أسئلة لا بدّ من طرحها، لعلّنا نُقارب الجدار الذي يحجب عنّا الأسرار!

هو‭ ‬واحد‭ ‬من‭ ‬خمسة‭ ‬سمّوا‭ ‬أو‭ ‬لقِّبوا‭ ‬طَرَفة،‭ ‬وهم‭:‬

طرَفَة‭ ‬بن‭ ‬أَلاَه‭ ‬بن‭ ‬نَضْلة‭ ‬الفَلَتان‭... ‬من‭ ‬بني‭ ‬نهْشل‭ ‬من‭ ‬دارم‭.‬

وطَرَفة‭ ‬الخُزيميّ‭ ‬أحد‭ ‬بني‭ ‬خزيمة‭ ‬بن‭ ‬رواحة،‭ ‬من‭ ‬بني‭ ‬بغيض‭. ‬الشاعر‭ ‬الفارس‭.‬

وطَرَفة‭ ‬بن‭ ‬عَرْفجة‭ ‬التميمي‭ (‬الصحابيّ‭).‬

وطَرَفة‭ ‬بن‭ ‬العبد‭ ‬الذي‭ ‬ندرُس‭...‬

وهو‭ ‬عمرو‭ ‬بن‭ ‬العَبْد‭ ‬بن‭ ‬سفيان‭ ‬بن‭ ‬بكر‭ ‬بن‭ ‬وائل‭. ‬لقِّب‭ ‬بطَرَفة،‭ ‬لبيتٍ‭ ‬شعريّ‭ ‬قاله،‭ ‬وهو‭:‬

 

لا‭ ‬تَعْجَلا‭ ‬بالبكاء،‭ ‬اليومَ‭ ‬مُطَّرَفا

ولا‭ ‬أميرَيْكما،‭ ‬بالدار‭ ‬إذ‭ ‬وقَفَا

 

ومعناه‭: ‬لا‭ ‬يطلبنَّ‭ ‬أحدٌ‭ ‬منّي‭ ‬البكاء‭ ‬على‭ ‬الدار،‭ ‬فعندي‭ ‬من‭ ‬دوافع‭ ‬البكاء‭ ‬والحزن‭ ‬ما‭ ‬يكفيني،‭ ‬كالذي‭ ‬طُرفَتْ‭ ‬عينُه‭... ‬وهنالك‭ ‬تفسيرٌ‭ ‬آخر‭ ‬لمعنى‭ ‬لقبه،‭ ‬وهو‭ ‬الطَّرْفة‭: ‬شجرة،‭ ‬وقيل‭ ‬شجرٌ،‭ ‬واحدتُها‭ ‬طَرْفاء،‭ ‬وهي‭ ‬نوع‭ ‬من‭ ‬الشجر‭ ‬المستقيم،‭ ‬يُعمَّر‭ ‬طويلًا‭.‬

ومن‭ ‬غريب‭ ‬المصادفات،‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬هذا‭ ‬الشجر‭ ‬من‭ ‬النباتات‭ ‬الطويلة‭ ‬العمر،‭ ‬بينما‭ ‬قُطفَ‭ ‬عُمْرُ‭ ‬طرفة‭ ‬وهو‭ ‬في‭ ‬مطلع‭ ‬حياته‭.‬

وُلد‭ ‬طرفة‭ ‬في‭ ‬بادية‭ ‬البحرين،‭ ‬في‭ ‬بيت‭ ‬عربي‭ ‬من‭ ‬سادات‭ ‬قومه‭ ‬البكريين‭. ‬ولم‭ ‬يعرف‭ ‬تاريخ‭ ‬ميلاده‭ ‬المتراوح‭ ‬بين‭ ‬533م‭ ‬و543م‭. ‬ومثل‭ ‬ذلك‭ ‬جرى‭ ‬في‭ ‬وفاته‭ ‬التي‭ ‬قيل‭ ‬إنها‭ ‬564‭ ‬أو‭ ‬568‭ ‬أو‭ ‬569م،‭ ‬فيكون‭ ‬عمره‭ ‬ما‭ ‬بين‭ ‬العشرين‭ ‬إلى‭ ‬الستة‭ ‬والعشرين‭ ‬سنة‭.‬

 

من‭ ‬الشخصيات‭ ‬المؤثرة‭ ‬في‭ ‬حياته

عمُّه،‭ ‬المرقّش‭ ‬الأصغر،‭ ‬وعمُّ‭ ‬أبيه‭ ‬المرقّش‭ ‬الأكبر،‭ ‬وخاله‭ ‬جرير‭ ‬بن‭ ‬عبدالمسيح،‭ ‬الملقب‭ ‬‮«‬المتلمّس‮»‬،‭ ‬وأخته‭ ‬الخِرْنِق‭ ‬بنت‭ ‬هفّان،‭ ‬وأمُّه‭ ‬وردة‭ ‬بنت‭ ‬عبدالمسيح،‭ ‬وأخوه‭ ‬معبد‭.‬

وهناك‭ ‬رجال‭ ‬آخرون،‭ ‬تعاظَم‭ ‬دورُهم‭ ‬حتى‭ ‬بلغ‭ ‬الذروة‭ ‬في‭ ‬الخطورة،‭ ‬وفي‭ ‬مقدمتهم‭ ‬ملِك‭ ‬الحيرة،‭ ‬عمرو‭ ‬بن‭ ‬هند،‭ ‬اتّصف‭ ‬بالعنف‭ ‬والجبروت،‭ ‬ولقّب‭ ‬المحرِّق‭ ‬لأنه‭ ‬أحرق‭ ‬من‭ ‬بني‭ ‬تميم‭ ‬مئة‭ ‬رجل‭.‬

وتندرج‭ ‬حياته‭ ‬في‭ ‬سباقٍ‭ ‬تعاقبي‭ ‬متواصل‭: ‬يومٌ‭ ‬يصيد‭ ‬فيه،‭ ‬ويوم‭ ‬يشرب‭.‬

 

طَرَفة‭ ‬وفصول‭ ‬المأساة

كانت‭ ‬البداية‭ ‬في‭ ‬الصغر‭. ‬فقد‭ ‬خرج‭ ‬مع‭ ‬عمّه‭ ‬في‭ ‬سَفر‭ ‬وهو‭ ‬في‭ ‬السابعة‭ ‬من‭ ‬عمره،‭ ‬فنـزلوا‭ ‬على‭ ‬ماء،‭ ‬فذهب‭ ‬طرفة‭ ‬إلى‭ ‬مكان‭ ‬يسمّى‭ ‬مَعْمر،‭ ‬فنصب‭ ‬فيه‭ ‬فخًّا‭ ‬للقنابر،‭ ‬وبقي‭ ‬ينتظر‭ ‬صيده‭ ‬حتى‭ ‬المساء،‭ ‬ولمّا‭ ‬لم‭ ‬يصد‭ ‬شيئًا‭ ‬حمل‭ ‬فخّه‭ ‬وعاد‭ ‬إلى‭ ‬عمه‭. ‬وفي‭ ‬أثناء‭ ‬ارتحاله‭ ‬عن‭ ‬المكان،‭ ‬التفت‭ ‬إلى‭ ‬الموضع‭ ‬الذي‭ ‬نصب‭ ‬فيه‭ ‬الفخّ،‭ ‬فرأى‭ ‬القبّرات‭ ‬يلتقطن‭ ‬ما‭ ‬نثر‭ ‬لهنّ‭ ‬من‭ ‬حَبّ،‭ ‬فتحسّر‭ ‬لذلك،‭ ‬وأنشد‭ ‬شعرًا،‭ ‬منه‭:‬

 

يا‭ ‬لكِ‭ ‬من‭ ‬قُبَّرةٍ‭ ‬بمَعْمَرِ

قدْ‭ ‬رُفع‭ ‬الفخُّ‭ ‬فماذا‭ ‬تَحْذري؟

قد‭ ‬ذهبَ‭ ‬الصياد‭ ‬عنكِ‭ ‬فابْشِري

خَلا‭ ‬لكِ‭ ‬الجوُّ‭ ‬فبيضي‭ ‬واصْفري

ونقِّري‭ ‬ما‭ ‬شئتِ‭ ‬أن‭ ‬تُنقِّري

لا‭ ‬بُدَّ‭ ‬من‭ ‬أخْذِك‭ ‬يومًا‭ ‬فاحذري

في‭ ‬هذه‭ ‬المرحلة‭ ‬توفي‭ ‬والده‭. ‬وبدأت‭ ‬معركة‭ ‬حصر‭ ‬الإرث‭ ‬الذي‭ ‬وضع‭ ‬أعمامه‭ ‬اليد‭ ‬عليه‭ ‬لصغر‭ ‬سنّه‭. ‬فوقع‭ ‬الخلاف‭ ‬الشديد،‭ ‬بسبب‭ ‬طمع‭ ‬الأعمام‭ ‬بالثروة‭ ‬واستشعار‭ ‬طرفة‭ ‬بالظلم‭. ‬فقال‭ ‬بيته‭ ‬الشعري‭ ‬الخالد‭ ‬الذي‭ ‬يتردّد‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬الأزمنة‭ ‬والعصور،‭ ‬على‭ ‬معظم‭ ‬الشفاه‭ ‬والألسنة‭:‬

 

وظلْمُ‭ ‬ذوي‭ ‬القربى‭ ‬أشدُّ‭ ‬مضاضةً

على‭ ‬المرء‭ ‬من‭ ‬وقْع‭ ‬الحسام‭ ‬المهنَّدِ

‭ ‬

في‭ ‬المرحلة‭ ‬الثالثة،‭ ‬ينطلق‭ ‬طرفة،‭ ‬بما‭ ‬يملك‭ ‬من‭ ‬مال‭ ‬وجاه‭ ‬وشباب،‭ ‬وخصال‭ ‬عربية‭ ‬عالية،‭ ‬إلى‭ ‬مرابع‭ ‬اللهو‭ ‬واللذّة،‭ ‬مع‭ ‬رفاقه‭ ‬وأصدقائه‭ ‬الذين‭ ‬شاركوه‭ ‬بلا‭ ‬حساب،‭ ‬ولا‭ ‬مسؤولية،‭ ‬حتى‭ ‬أفرغ‭ ‬كل‭ ‬ما‭ ‬في‭ ‬حوزته؛‭ ‬فاتّجه‭ ‬إلى‭ ‬أهله،‭ ‬فلم‭ ‬يُنجدوه،‭ ‬فزادوه‭ ‬حقدًا‭ ‬على‭ ‬حقد‭.‬

فالتفتَ‭ ‬إلى‭ ‬أخيه‭ ‬معبد‭ ‬الذي‭ ‬كان‭ ‬مولجًا‭ ‬برعاية‭ ‬إبل‭ ‬لهما،‭ ‬ورغب‭ ‬في‭ ‬أن‭ ‬يشاركه‭ ‬برعْيها،‭ ‬فقبل‭ ‬معبد،‭ ‬لكنّ‭ ‬طرفة‭ ‬أخلَّ‭ ‬بالرّعي‭ ‬وتواكل‭ ‬في‭ ‬أمرها،‭ ‬فضلّت‭ ‬الإبل،‭ ‬وأخذها‭ ‬أناس‭ ‬من‭ ‬مضر‭.‬

فسأل‭ ‬طرفة‭ ‬ابن‭ ‬عمه‭ ‬مالكًا‭ ‬أن‭ ‬يُعينه‭ ‬في‭ ‬طلبها،‭ ‬فلامه‭ ‬وقال‭: ‬فرَّطتَ‭ ‬فيها‭ ‬وجئتَ‭ ‬تتعب‭ ‬في‭ ‬طلبها،‭ ‬وكان‭ ‬ذلك‭ ‬السبب‭ ‬المباشر‭ ‬لنظم‭ ‬معلّقته‭ ‬التي‭ ‬ذاعت‭ ‬شهرتها،‭ ‬فحفظها‭ ‬الرواة‭ ‬وطبَّقت‭ ‬الآفاق‭.‬

 

صدى‭ ‬إيجابيّ

‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬المعلّقة‭ ‬يمتدح‭ ‬كلًاّ‭ ‬من‭ ‬قيس‭ ‬بن‭ ‬خالد،‭ ‬وعمرو‭ ‬بن‭ ‬مرثد‭ ‬اللذين‭ ‬هبّا‭ ‬لنجدة‭ ‬الشاعر،‭ ‬فأعاد‭ ‬الإبل‭ ‬إلى‭ ‬أخيه‭ ‬وعاد‭ ‬إلى‭ ‬سابق‭ ‬عهده‭ ‬بالإنفاق‭ ‬واللهو؛‭ ‬وكان‭ ‬سبب‭ ‬النجدة‭ ‬وباعثها‭ ‬المباشر،‭ ‬قول‭ ‬طرفة‭:‬

 

فلو‭ ‬شاء‭ ‬ربي‭ ‬كنتُ‭ ‬قيسَ‭ ‬بنَ‭ ‬خالدٍ

ولو‭ ‬شاء‭ ‬ربي‭ ‬كنتُ‭ ‬عمرو‭ ‬بن‭ ‬مرثدِ

 

وكان‭ ‬قيس‭ ‬وعمرو‭ ‬من‭ ‬أجواد‭ ‬العرب‭. ‬يضرب‭ ‬بهما‭ ‬المثل‭ ‬في‭ ‬كرم‭ ‬الأولاد‭ ‬السّادة‭ ‬الفرسان‭. ‬كان‭ ‬لموقفهما‭ ‬صدى‭ ‬إيجابيّ‭ ‬بعيد،‭ ‬عوّضه‭ ‬عن‭ ‬إعراض‭ ‬أخيه‭ ‬معبد،‭ ‬فكانت‭ ‬الالتفاتة‭ ‬الأخيرة‭ ‬نحو‭ ‬الملك‭ ‬عمرو‭ ‬بن‭ ‬هند،‭ ‬حيث‭ ‬الآمال‭ ‬العريضة،‭ ‬وصراع‭ ‬البقاء،‭ ‬وترقّب‭ ‬السيادة‭ ‬والحريّة‭.‬

لهذا‭ ‬طالت‭ ‬هذه‭ ‬المرحلة‭ ‬الزمانية‭ ‬واتّسعت‭ ‬الرقعة‭ ‬المكانية‭ ‬بين‭ ‬شمالي‭ ‬شبه‭ ‬الجزيرة‭ ‬العربية،‭ ‬وبين‭ ‬أواسط‭ ‬الجزيرة‭ ‬في‭ ‬البحرين‭. ‬وفي‭ ‬هذه‭ ‬المرحلة،‭ ‬كانت‭ ‬نهاية‭ ‬المطاف،‭ ‬وآخر‭ ‬الدرب‭ ‬المأساوي‭ ‬الطويل‭.‬

كان‭ ‬بلاط‭ ‬ابن‭ ‬هند‭ ‬موئلًا‭ ‬للشعراء‭ ‬يأتونه‭ ‬من‭ ‬كل‭ ‬الأمصار‭ ‬والأصقاع،‭ ‬فوفد‭ ‬عليه‭ ‬طرفة‭ ‬والمتلمّس،‭ ‬فوجدا‭ ‬عنده‭ ‬الشاعر‭ ‬المسيَّب‭ ‬بن‭ ‬عُلَس،‭ ‬خال‭ ‬الأعشى‭ ‬الكبير،‭ ‬فقال‭ ‬فيه‭ ‬شعرًا‭ ‬لا‭ ‬يقال‭ ‬إلّا‭ ‬للناقة،‭ ‬فقال‭ ‬طرفة‭ ‬قولًا‭ ‬مشهورًا‭ ‬ومأثورًا‭ ‬لا‭ ‬يزال‭ ‬يردَّد‭ ‬إلى‭ ‬اليوم،‭ ‬وهو‭ ‬‮«‬استنوق‭ ‬الجمل‮»‬‭.‬

لم‭ ‬يطُل‭ ‬الأمر‭ ‬حتى‭ ‬أصبح‭ ‬طرفة‭ ‬والمتلمّس‭ ‬من‭ ‬ندماء‭ ‬الملك‭ ‬عمرو‭ ‬بن‭ ‬هند،‭ ‬وشقيقه‭ ‬قابوس‭ ‬بن‭ ‬هند‭.‬

وبينما‭ ‬كان‭ ‬طرفة‭ ‬يشرب‭ ‬يومًا،‭ ‬بين‭ ‬يدي‭ ‬الملك،‭ ‬لاحت‭ ‬في‭ ‬المجلس‭ ‬أخت‭ ‬الملك،‭ ‬وكانت‭ ‬على‭ ‬جانب‭ ‬كبير‭ ‬من‭ ‬الجمال،‭ ‬فرآها‭ ‬طرفة،‭ ‬وتأثّر‭ ‬وقال‭ ‬فيها‭ ‬شعرًا‭ ‬أغضب‭ ‬الملك،‭ ‬فنظر‭ ‬إليه‭ ‬نظرة‭ ‬كادت‭ ‬تقتلعه‭ ‬من‭ ‬مجلسه‭. ‬وكان‭ ‬عمرو‭ ‬لا‭ ‬يبتسم‭ ‬ولا‭ ‬يضحك،‭ ‬وكانت‭ ‬العرب‭ ‬تسمِّيه‭ ‬‮«‬مَضرط‭ ‬الحجارة‮»‬‭ ‬لشدته‭ ‬وصرامته‭.‬

 

المرحلة‭ ‬الأخيرة

كان‭ ‬قابوس‭ ‬يومًا‭ ‬على‭ ‬الشراب،‭ ‬فوقف‭ ‬المتلمّس‭ ‬وطرفة‭ ‬ببابه‭ ‬النهار‭ ‬كلّه،‭ ‬ولم‭ ‬يصلا‭ ‬إليه،‭ ‬فضجر‭ ‬طرفة‭ ‬وقال‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬شعرًا‭ ‬يغمز‭ ‬فيه‭ ‬من‭ ‬قناة‭ ‬عمرو‭ ‬وأخيه،‭ ‬ويهجوهما‭ ‬هجاءً‭ ‬مبطّنًا‭ ‬فيه‭ ‬نقد‭ ‬شديد‭ ‬لسلوكٍ‭ ‬لا‭ ‬يميّز‭ ‬بين‭ ‬الخير‭ ‬والشر،‭ ‬ولا‭ ‬يضع‭ ‬الأمور‭ ‬في‭ ‬نصابها،‭ ‬ومما‭ ‬قاله‭:‬

 

فليتَ‭ ‬لنا‭ ‬مكانَ‭ ‬المَلْكِ‭ ‬عمروٍ

رَغُوثًا‭ ‬حول‭ ‬قبَّتنا‭ ‬تَخُورُ

 

‭(‬الرغوث‭: ‬كل‭ ‬مرضعة‭. ‬وقصد‭ ‬بها‭ ‬النعجة‭)‬

 

يتمنى‭ ‬الشاعر‭ ‬لو‭ ‬كان‭ ‬هناك‭ ‬مكان‭ ‬عمرو‭ ‬بن‭ ‬هند،‭ ‬نعجةٌ‭ ‬مرضع‭ ‬ترفع‭ ‬صوتها‭ ‬بالخوار‭. ‬فإنّها‭ ‬على‭ ‬الرغم‭ ‬من‭ ‬خوارها،‭ ‬أفضل‭ ‬من‭ ‬عمرو‭ ‬بن‭ ‬هند‭ ‬الذي‭ ‬لا‭ ‬خير‭ ‬فيه‭ ‬ولا‭ ‬نفع‭ ‬يُرجى‭ ‬منه‭.‬

هكذا‭ ‬هي‭ ‬حال‭ ‬طرفة؛‭ ‬لا‭ ‬يصبر‭ ‬على‭ ‬ضيم‭ ‬ولا‭ ‬يُخفي‭ ‬مشاعره‭ ‬الداكنة،‭ ‬فيطلقها‭ ‬مع‭ ‬زفرات‭ ‬ملتهبة‭ ‬غيظًا‭ ‬وحقدًا،‭ ‬وهذا‭ ‬ما‭ ‬يزيد‭ ‬في‭ ‬سوء‭ ‬طالعه،‭ ‬لدى‭ ‬أهل‭ ‬النعمة‭ ‬والنفوذ‭ ‬الذين‭ ‬ينحازون‭ ‬إلى‭ ‬من‭ ‬يمالئهم‭ ‬ويُزيّن‭ ‬لهم‭ ‬صنائعهم،‭ ‬ويحقدون‭ ‬على‭ ‬من‭ ‬يفضح‭ ‬عوراتهم‭ ‬ويكشف‭ ‬عيوبهم‭.‬

تلك‭ ‬كانت‭ ‬الشرارة‭ ‬الثانية‭ ‬التي‭ ‬أشعلت‭ ‬فتيل‭ ‬الموت‭ ‬لطرفة،‭ ‬كانت‭ ‬الشرارة‭ ‬الأولى‭ ‬غزل‭ ‬هذا‭ ‬الأخير‭ ‬بأخت‭ ‬الملك‭.‬

فسكت‭ ‬عمرو‭ ‬بن‭ ‬هند‭ ‬على‭ ‬ما‭ ‬وَقر‭ ‬في‭ ‬نفسه،‭ ‬وكره‭ ‬أن‭ ‬يُعجِّل‭ ‬عليه،‭ ‬لمكانة‭ ‬قومه‭.‬

وكان‭ ‬المتلمّس‭ ‬قد‭ ‬هجا‭ ‬الملك‭ ‬بقصيدة‭ ‬قافيّة،‭ ‬أورد‭ ‬منها‭ ‬ابن‭ ‬الأنباري‭ ‬بيتًا‭ ‬واحدًا‭ ‬هو‭:‬

 

ولكَ‭ ‬السَّدير‭ ‬وبارقٌ

ومُبايضٌ‭ ‬ولك‭ ‬الخَوَرْنقْ

 

فغضب‭ ‬الملك‭ ‬على‭ ‬المتلمّس‭ ‬وتريّث‭ ‬في‭ ‬الانتقام،‭ ‬حتى‭ ‬كان‭ ‬يوم‭ ‬قدم‭ ‬فيه‭ ‬طرفةُ‭ ‬والمتلمّس‭ ‬على‭ ‬عمرو‭ ‬بن‭ ‬هند‭ ‬يتعرّضان‭ ‬لفضله‭ ‬ومعروفه،‭ ‬فقال‭ ‬لهما‭: ‬لعلكما‭ ‬اشتقتما‭ ‬إلى‭ ‬أهلكما،‭ ‬وسَرّكما‭ ‬أن‭ ‬تنصرفا؟‭ ‬قالا‭: ‬نعم،‭ ‬فكتب‭ ‬إلى‭ ‬عامله‭ ‬في‭ ‬البحرين‭ ‬واسمه‭ ‬ربيعة‭ ‬بن‭ ‬الحارث‭ ‬العبدي،‭ ‬كتابين‭ ‬مستقلّين،‭ ‬قائلًا‭ ‬لهما‭: ‬انطلقا‭ ‬إليه‭ ‬واقبضا‭ ‬جوائزكما‭ ‬منه‭. ‬وقيل‭ ‬إن‭ ‬عامل‭ ‬البحرين‭ ‬هو‭ ‬المكعبر‭. ‬

 

‭ ‬أغرب‭ ‬من‭ ‬الخيال

انطلق‭ ‬الرجلان‭ ‬إلى‭ ‬حيث‭ ‬أرسلا‭ ‬في‭ ‬مهمة‭ ‬أغرب‭ ‬من‭ ‬الخيال،‭ ‬وأعجب‭ ‬من‭ ‬التمثيل‭ ‬الذي‭ ‬كان‭ ‬سندًا‭ ‬واقعيًا‭ ‬له‭.‬

وفي‭ ‬الطريق،‭ ‬وهما‭ ‬في‭ ‬النجف،‭ ‬توقّف‭ ‬المتلمّس‭ ‬برهة‭ ‬يفكر‭ ‬في‭ ‬أمر‭ ‬الكتابين‭ ‬اللذين‭ ‬يحملان،‭ ‬فقال‭ ‬لطرفة‭: ‬يا‭ ‬طرفة،‭ ‬إنك‭ ‬غلام‭ ‬غِرٌّ‭ ‬حديث‭ ‬السنّ‭... ‬فهلُمّ‭ ‬ننظر‭ ‬في‭ ‬كتابينا،‭ ‬فإن‭ ‬يكن‭ ‬أمر‭ ‬لنا‭ ‬بخير،‭ ‬مضينا‭ ‬فيه،‭ ‬وإن‭ ‬يكن‭ ‬قد‭ ‬أمر‭ ‬فينا‭ ‬بغير‭ ‬ذلك‭ ‬لم‭ ‬نُهلك‭ ‬أنفسنا‭! ‬فأبى‭ ‬طرفة‭ ‬أن‭ ‬يفكّ‭ ‬خاتم‭ ‬الملك‭. ‬وعدل‭ ‬المتلمّس‭ ‬إلى‭ ‬غلام‭ ‬من‭ ‬غلمان‭ ‬الحيرة،‭ ‬نصرانيّ‭ ‬يُحسن‭ ‬القراءة،‭ ‬فأعطاه‭ ‬الصحيفة،‭ ‬فقرأها‭. ‬فإذا‭ ‬به‭ ‬يصيح‭ ‬قائلًا‭/ ‬ثكِلَت‭ ‬المتلمس‭ ‬أمّه‭: ‬‮«‬باسمك‭ ‬اللهم‭... ‬من‭ ‬عمرو‭ ‬بن‭ ‬هند،‭ ‬إلى‭ ‬المكعبر،‭ ‬إذا‭ ‬أتاك‭ ‬كتابي‭ ‬هذا‭ ‬من‭ ‬المتلمّس،‭ ‬فاقطع‭ ‬يديه‭ ‬ورجليه،‭ ‬وادْفنه‭ ‬حيًّا‭!‬‮»‬

فانتزع‭ ‬المتلمس‭ ‬الصحيفة‭ ‬من‭ ‬يدي‭ ‬الغلام،‭ ‬وألقاها‭ ‬في‭ ‬النهر،‭ ‬ونادى‭ ‬طرفة‭ ‬أن‭ ‬يفعل‭ ‬فعله،‭ ‬فامتنع‭ ‬هذا‭ ‬الأخير،‭ ‬وقال‭: ‬‮«‬كلاّ،‭ ‬ما‭ ‬كان‭ ‬ليكتب‭ ‬لي‭ ‬مثل‭ ‬ذلك‮»‬‭. ‬ومنذ‭ ‬ذلك‭ ‬الحين‭ ‬ذاع‭ ‬خبر‭ ‬‮«‬صحيفة‭ ‬المتلمّس‮»‬‭ ‬حتى‭ ‬اليوم‭. ‬وسار‭ ‬طرفة‭ ‬إلى‭ ‬البحرين،‭ ‬واتجه‭ ‬المتلمس‭ ‬إلى‭ ‬الشام،‭ ‬ولم‭ ‬يعبأ‭ ‬طرفة‭ ‬بنصح‭ ‬المتلمّس‭ ‬له‭ ‬محتسبًا‭ ‬أنّ‭ ‬أحدًا‭ ‬لا‭ ‬يجرؤ‭ ‬على‭ ‬فعلٍ‭ ‬لا‭ ‬تُحمد‭ ‬عقباه،‭ ‬وأنه‭ ‬أقوى‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬يتجرّأ‭ ‬الملك‭ ‬على‭ ‬قتله‭.‬

 

ثقة‭ ‬واعتداد‭ ‬بالنفس

وصل‭ ‬طرفة‭ ‬إلى‭ ‬البحرين،‭ ‬واتجه‭ ‬إلى‭ ‬عاملها‭ ‬بهَجَر،‭ ‬وهي‭ ‬قرية‭ ‬حصينة‭. ‬فدفع‭ ‬إليه‭ ‬كتاب‭ ‬عمرو‭ ‬بن‭ ‬هند،‭ ‬فقرأه‭ ‬والتفت‭ ‬إلى‭ ‬طرفة،‭ ‬مندهشًا،‭ ‬قائلًا‭: ‬هل‭ ‬تعلم‭ ‬ما‭ ‬أمرت‭ ‬فيك؟‭ ‬قال‭ ‬طرفة‭: ‬نعم،‭ ‬أمرتَ‭ ‬أن‭ ‬تُجيزني‭ ‬وتُحسن‭ ‬إليّ‭. ‬قال‭ ‬العامل‭: ‬إنّ‭ ‬بيني‭ ‬وبينك‭ ‬خؤولة،‭ ‬أنا‭ ‬لها‭ ‬حافظٌ‭ ‬راع‭. ‬فاهرب‭ ‬من‭ ‬ليلتك‭ ‬هذه،‭ ‬فإني‭ ‬أُمرتُ‭ ‬بقتلك‭. ‬فاخرج‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬ينجلي‭ ‬النهار،‭ ‬ويعلم‭ ‬الناس‭ ‬بك‭.‬

فقال‭ ‬طرفة،‭ ‬بلغة‭ ‬العتاب‭ ‬والاستهجان‭: ‬قد‭ ‬اشتدّت‭ ‬عليك‭ ‬جائزتي،‭ ‬فأحببت‭ ‬أن‭ ‬أهرب‭... ‬والله‭ ‬لا‭ ‬أفعل‭ ‬ذلك‭ ‬أبدًا‭. ‬فلما‭ ‬أصبح،‭ ‬أمر‭ ‬بحبسه‭.‬

ويتساءل‭ ‬المرء‭: ‬ألهذه‭ ‬الدرجة‭ ‬يعلو‭ ‬منسوب‭ ‬الثقة‭ ‬والاعتداد‭ ‬النفسي‭ ‬ببعض‭ ‬النفوس،‭ ‬فيَعْشوشَي‭ ‬العقل‭ ‬وتتعطل‭ ‬محرِّكات‭ ‬البصيرة؟

وهل‭ ‬للعبقرية‭ ‬والنبوغ‭ ‬المبكِّرين‭ ‬أثر‭ ‬في‭ ‬ثني‭ ‬العقل‭ ‬عن‭ ‬التفكير‭ ‬والإدراك‭ ‬في‭ ‬عواقب‭ ‬الأمور،‭ ‬باتجاه‭ ‬هدف‭ ‬واحد‭ ‬وسبيل‭ ‬واحد‭: ‬تفجيرُ‭ ‬كوامن‭ ‬الإبداع،‭ ‬ولا‭ ‬شيء‭ ‬غير‭ ‬ذلك؟

وتختلف‭ ‬الروايات‭ ‬والأخبار‭ ‬حول‭ ‬مقتل‭ ‬طرفة،‭ ‬وقاتله،‭ ‬وكيفية‭ ‬التنفيذ،‭ ‬لأن‭ ‬الأمور‭ ‬جرت‭ ‬مسرعة،‭ ‬فكان‭ ‬لعشيرة‭ ‬طرفة‭ ‬البكريين‭ ‬دور‭ ‬في‭ ‬تأخير‭ ‬مقتله،‭ ‬وكذلك‭ ‬اعتذار‭ ‬عامل‭ ‬البحرين‭ ‬عن‭ ‬ذلك،‭ ‬وقيام‭ ‬عامل‭ ‬آخر‭ ‬بالمهمة‭. ‬

وقيل‭ ‬إن‭ ‬العامل‭ ‬الجديد،‭ ‬ويدعى‭ ‬مَعْضِد‭ ‬بن‭ ‬عمرو،‭ ‬قد‭ ‬خيَّر‭ ‬طرفة‭ ‬في‭ ‬ميتته،‭ ‬فرجاه‭ ‬هذا‭ ‬الأخير‭ ‬أن‭ ‬يسقيه‭ ‬الخمر،‭ ‬ثم‭ ‬يفصد‭ ‬أكْحِلَه،‭ ‬ففعل‭.‬

وسواء‭ ‬أكان‭ ‬مقتله‭ ‬بهذه‭ ‬الطريقة‭ ‬أم‭ ‬بتلك،‭ ‬كالصَّلْب،‭ ‬أو‭ ‬القتل‭ ‬أثناء‭ ‬الطريق،‭ ‬أم‭ ‬بفِصاد‭ ‬وريد‭ ‬الذراع،‭ ‬فإن‭ ‬نهاية‭ ‬مأساوية‭ ‬لحقتْ‭ ‬بطرفة،‭ ‬وإن‭ ‬حياته‭ ‬كانت‭ ‬أشبه‭ ‬بالفصل‭ ‬المسرحي‭ ‬الذي‭ ‬لم‭ ‬يطُل‭ ‬كثيرًا‭ ‬على‭ ‬خشبة‭ ‬المسرح،‭ ‬بل‭ ‬كانت‭ ‬عبورًا‭ ‬خاطفًا،‭ ‬لكنّه‭ ‬ترك‭ ‬دويًّا‭ ‬لا‭ ‬يزال‭ ‬يترامى‭ ‬إلى‭ ‬آذاننا‭ ‬حتى‭ ‬اليوم،‭ ‬وسيبقى‭ ‬كذلك‭ ‬إلى‭ ‬ما‭ ‬شاء‭ ‬اللّه‭.‬

بعد‭ ‬إسدال‭ ‬الستار

تفيد‭ ‬بعض‭ ‬الأخبار‭ - ‬والكثير‭ ‬منها‭ ‬مشكوك‭ ‬في‭ ‬صحته‭ - ‬أنه‭ ‬تمّ‭ ‬إدخال‭ ‬جارية‭ ‬تدعى‭ ‬خولة،‭ ‬على‭ ‬طرفة‭ ‬في‭ ‬سجنه،‭ ‬لإيناسه‭ ‬وتخفيف‭ ‬وقع‭ ‬الموت‭ ‬المنتظر‭ ‬عليه،‭ ‬وأن‭ ‬الخِرْنق‭ ‬بنت‭ ‬هفّان،‭ ‬أخت‭ ‬طرفة،‭ ‬هجت‭ ‬زوجها‭ ‬عبد‭ ‬عمرو‭ ‬لأنه‭ ‬هو‭ ‬الذي‭ ‬وشى‭ ‬بطرفة‭ ‬لدى‭ ‬عمرو‭ ‬بن‭ ‬هند،‭ ‬فقالت‭ ‬بلغة‭ ‬الهازئ‭:‬

 

ألا‭ ‬ثَكِلَتْكَ‭ ‬أمُك‭ ‬عبْدَ‭ ‬عمرو

همُ‭ ‬دَحُّوكَ‭ ‬للْوَرِكَيْن‭ ‬دَحًّا

أبا‭ ‬الخرباتِ‭ ‬آخَيْتَ‭ ‬الملوكا؟

ولَوْ‭ ‬سألوا‭ ‬لأعطوْكَ‭ ‬البُرُوكا

 

أي‭: ‬فُجعت‭ ‬بك‭ ‬أمّك‭ ‬يا‭ ‬عبد‭ ‬عمرو،‭ ‬لأنك‭ ‬عقدتَ‭ ‬صلاتٍ‭ ‬مشبوهة‭ ‬مع‭ ‬الملوك،‭ ‬فاقترفت‭ ‬الجرائم‭ (‬الخربات‭) ‬لتحقيق‭ ‬هذه‭ ‬الصلة‭ ‬المخزية‭. ‬فقد‭ ‬دحّوكَ‭: ‬ألقوك‭ ‬ودفعوك‭. ‬فبركت‭ ‬على‭ ‬أربع‭ ‬كما‭ ‬يبرك‭ ‬الحيوان‭.‬

وقالت،‭ ‬في‭ ‬موضع‭ ‬آخر‭ ‬ترثيه،‭ ‬محدِّدة‭ ‬سنيّ‭ ‬حياته،‭ ‬واصفةً‭ ‬إياه‭ ‬بالكمال‭ ‬عند‭ ‬بلوغه‭ ‬نهايته‭:‬

 

عدَدْنا‭ ‬له‭ ‬ستًّا‭ ‬وعشرين‭ ‬حِجَّةً

فُجِعنا‭ ‬به‭ ‬لمّا‭ ‬رجونا‭ ‬إيابه

 

فلمّا‭ ‬توفّاها‭ ‬استوى‭ ‬سيّدًا‭ ‬ضخْما

على‭ ‬خير‭ ‬حالٍ،‭ ‬لا‭ ‬وليدًا‭ ‬ولا‭ ‬قَحْما

‭(‬قحما‭: ‬أي‭ ‬مسنّا‭)‬

إن‭ ‬ما‭ ‬أعقب‭ ‬موت‭ ‬الشاعر‭ ‬المبكر‭ ‬والمأساوي،‭ ‬من‭ ‬نتائج‭ ‬وأصداء،‭ ‬لا‭ ‬يقلّ‭ ‬أثرًا‭ ‬عمّا‭ ‬وافق‭ ‬حياته‭ ‬من‭ ‬أحداث‭ ‬وتحولات‭.‬

فالموت‭ ‬أقوى‭ ‬تأثيرًا‭ ‬من‭ ‬الحياة،‭ ‬فكم‭ ‬بالحريّ،‭ ‬الموت‭ ‬الدرامي‭ ‬بفصوله‭ ‬المتلاحقة،‭ ‬المشحونة‭ ‬بالمشاهد‭ ‬السريعة؟‭!‬

 

لحظة‭ ‬تأمُّل

عرفتْ‭ ‬حياة‭ ‬طرفة‭ ‬القصيرة‭ ‬من‭ ‬صنوف‭ ‬الأحداث‭ ‬والتحولات،‭ ‬ما‭ ‬ناء‭ ‬به‭ ‬كاهله‭ ‬الرخص‭.‬

وكان‭ ‬موته،‭ ‬في‭ ‬خاتمة‭ ‬المطاف،‭ ‬لغزًا‭ ‬ووجعًا‭ ‬صارخًا‭ ‬في‭ ‬ضمير‭ ‬التاريخ‭. ‬كأنّ‭ ‬ما‭ ‬لقيه‭ ‬من‭ ‬أشكال‭ ‬الحرمان‭ ‬والتشرد،‭ ‬وما‭ ‬شربه‭ ‬من‭ ‬خمر‭ ‬الليالي،‭ ‬لم‭ ‬تكفه،‭ ‬حتى‭ ‬كان‭ ‬الموت‭ ‬المأساويّ‭ ‬الغامض‭ ‬والمحيِّر،‭ ‬فإذا‭ ‬به‭ ‬يُترع‭ ‬كأسه‭ ‬الأخيرة،‭ ‬ويُسدل‭ ‬على‭ ‬نفسه‭ ‬الستار،‭ ‬والمشاهدون‭ ‬لابثون‭ ‬في‭ ‬مقاعدهم‭ ‬ينتظرون‭ ‬المشهد‭ ‬أو‭ ‬الفصل‭ ‬التالي،‭ ‬ولا‭ ‬يصدّقون‭ ‬أنّ‭ ‬المسرحية‭ ‬قد‭ ‬انتهت‭ ‬فصولها‭ ‬ومشاهدها،‭ ‬وما‭ ‬عليهم‭ ‬إلّا‭ ‬رسم‭ ‬ما‭ ‬كانوا‭ ‬يتوقعونه،‭ ‬واستكمال‭ ‬فصول‭ ‬حياته‭ ‬
كما‭ ‬يشتهون،‭ ‬فيصلحون‭ ‬الخلل‭ ‬ويصوّبون‭ ‬
المسار،‭ ‬ويستعيد‭ ‬الشاعر‭ ‬القتيل‭ ‬بعض‭ ‬ما‭ ‬
أمّله‭ ‬في‭ ‬حياته‭ ‬وسعى‭ ‬إليه‭ ‬بكل‭ ‬جوارحه‭ ‬ومشاعره‭.‬

فكم‭ ‬نحن‭ ‬بحاجة‭ ‬إلى‭ ‬تمثُّل‭ ‬حيوات‭ ‬تَقصّفَها‭ ‬الموت،‭ ‬وهـــي‭ ‬في‭ ‬غمـــار‭ ‬مواعيــدها‭ ‬ومحاصيلــها؟‭! ‬