«في الإيقاع واللغة» كتاب يؤسس لإيقاع شعري عالمي

«في الإيقاع واللغة»  كتاب يؤسس لإيقاع شعري عالمي

يمثل‭ ‬الإيقاع‭ ‬أحد‭ ‬أكثر‭ ‬إشكاليات‭ ‬الحداثة‭ ‬الشعرية‭ ‬تعقيدًا،‭ ‬وخاصة‭ ‬في‭ ‬القرن‭ ‬العشرين،‭ ‬وقد‭ ‬تناوله‭ ‬بالدراسة‭ ‬والتحليل‭ ‬عدد‭ ‬من‭ ‬الدارسين،‭ ‬وأمام‭ ‬الجدل‭ ‬الدائر‭ ‬بين‭ ‬نقاد‭ ‬الشعر،‭ ‬سواء‭ ‬العربي‭ ‬أو‭ ‬غيره‭ ‬من‭ ‬الشعر‭ ‬العالمي،‭ ‬يأتي‭ ‬إسهام‭ ‬بعض‭ ‬الباحثين‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬المجال‭ ‬تنظيرًا‭ ‬وتأسيسًا‭ ‬لرؤية‭ ‬جديدة،‭ ‬تنهل‭ ‬من‭ ‬انفتاح‭ ‬المثقفين‭ ‬العرب‭ ‬على‭ ‬مختلف‭ ‬الثقافات‭ ‬الإنسانية‭ ‬المعاصرة،‭ ‬فضلا‭ ‬عن‭ ‬عمق‭ ‬قراءاتهم‭ ‬للتراث‭ ‬العربي‭.‬

ضمن‭ ‬هذا‭ ‬السياق،‭ ‬أصدر‭ ‬الباحث‭ ‬الأكاديمي‭ ‬المغربي‭ ‬محمد‭ ‬العلمي‭ ‬كتابًا‭ ‬جديدًا‭ ‬يحمل‭ ‬عنوان‭ ‬‮«‬في‭ ‬الإيقاع‭ ‬واللغة‮»‬،‭ ‬وصدر‭ ‬عن‭ ‬منشورات‭ ‬المركز‭ ‬الأكاديمي‭ ‬للثقافة‭ ‬والدراسات‭ ‬المغاربية‭ ‬والشرق‭ ‬أوسطية‭ ‬والخليجية،‭ ‬ومقره‭ ‬بمدينة‭ ‬فاس،‭ ‬العاصمة‭ ‬العلمية‭ ‬للمغرب،‭ ‬نهاية‭ ‬عام‭ ‬2018،‭ ‬وسنخصص‭ ‬له‭ ‬هذه‭ ‬القراءة‭.‬

والعلمي‭ ‬من‭ ‬مواليد‭ ‬فاس‭ ‬عام‭ ‬1944،‭ ‬وقد‭ ‬أغنى‭ ‬المكتبة‭ ‬العربية‭ ‬بعدد‭ ‬من‭ ‬المؤلفات‭ ‬العلمية‭ ‬التي‭ ‬توزعت‭ ‬بين‭ ‬الكتابة‭ ‬الشعرية‭ ‬والدراسات‭ ‬النقدية‭ ‬والتحقيق‭ ‬والترجمة،‭ ‬فضلًا‭ ‬عن‭ ‬مشاركاته‭ ‬المتعددة‭ ‬في‭ ‬الندوات‭ ‬والمؤتمرات‭ ‬العلمية،‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬إشرافه‭ ‬على‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬البحوث‭ ‬الجامعية‭ ‬في‭ ‬الدراسات‭ ‬العليا،‭ ‬عندما‭ ‬عمل‭ ‬أستاذًا‭ ‬جامعيًّا‭ ‬بجامعة‭ ‬فاس،‭ ‬ومن‭ ‬أشهر‭ ‬مؤلفاته‭ ‬كتاب‭ ‬‮«‬العروض‭ ‬والقافية‭... ‬دراسة‭ ‬في‭ ‬التأسيس‭ ‬والاستدراك‮»‬،‭ ‬صدر‭ ‬عام‭ ‬1983،‭ ‬وتحقيق‭ ‬كتاب‭ ‬‮«‬عروض‭ ‬الورقة‮»‬‭ ‬لإسماعيل‭ ‬بن‭ ‬حماد‭ ‬الجوهري،‭ ‬وصدر‭ ‬سنة‭ ‬1984‭.‬

وجاء‭ ‬كتابه‭ ‬الجديد‭ ‬‮«‬في‭ ‬الإيقاع‭ ‬واللغة‮»‬،‭ ‬في‭ ‬حوالي‭ ‬140‭ ‬صفحة،‭ ‬ويضم‭ ‬مقالات‭ ‬ودراسات‭ ‬نظرية‭ ‬وتطبيقية،‭ ‬حول‭ ‬قضايا‭ ‬مرتبطة‭ ‬باللغة‭ ‬والإيقاع‭ ‬في‭ ‬الشعر‭ ‬عمومًا،‭ ‬والعربي‭ ‬خصوصًا،‭ ‬وذلك‭ ‬محاولة‭ ‬من‭ ‬المؤلف‭ ‬للإسهام‭ ‬في‭ ‬البحث‭ ‬العلمي‭ ‬الجاد،‭ ‬في‭ ‬مجال‭ ‬بحثي‭ ‬دقيق،‭ ‬لا‭ ‬يزال‭ ‬محل‭ ‬جدل‭ ‬ونقاش‭ ‬بين‭ ‬الباحثين‭ ‬وضمن‭ ‬حساسيات‭ ‬نقدية‭ ‬متباينة‭.‬

افتتح‭ ‬هذا‭ ‬الكتاب‭ ‬بعد‭ ‬الاستهلال،‭ ‬بترجمة‭ ‬لمقال‭ ‬Pierre‭ ‬Guiraud‭ ‬عنوانه‭ ‬‮«‬ثوابت‭ ‬الشعر‮»‬،‭ ‬يقدم‭ ‬تحليلًا‭ ‬للبيت‭ ‬الشعري،‭ ‬بالعودة‭ ‬إلى‭ ‬أصوله‭ ‬اللاتينية،‭ ‬حيث‭ ‬يرجع‭ ‬في‭ ‬منطلقه‭ ‬إلى‭ ‬خطوط‭ ‬متساوية‭ ‬وموزونة،‭ ‬وهو‭ ‬يناقض‭ ‬النثر‭ ‬أو‭ ‬الكلام‭ ‬الذي‭ ‬يتجه‭ ‬إلى‭ ‬الأمام‭ ‬مستقيمًا‭.‬

‭ ‬ويحاول‭ ‬المقال‭ ‬أيضًا‭ ‬التمييز‭ ‬بين‭ ‬النثر‭ ‬الإيقاعي‭ ‬والشعر؛‭ ‬حيث‭ ‬إن‭ ‬إيقاع‭ ‬الشعر‭ ‬ووزنه‭ ‬طريقتان‭ ‬لتقسيم‭ ‬الحديث‭ ‬إلى‭ ‬أقسام‭ ‬متناسبة،‭ ‬بينما‭ ‬لا‭ ‬توجد‭ ‬في‭ ‬النثر‭ ‬الشائع‭ ‬تناسبات‭.‬

 

توازيات‭ ‬إيقاعية

‭ ‬ويقدم‭ ‬صاحب‭ ‬المقال‭ ‬تحليلًا‭ ‬لنماذج‭ ‬من‭ ‬الشعر‭ ‬الفرنسي‭ ‬القديم،‭ ‬للوقوف‭ ‬على‭ ‬ما‭ ‬يميّز‭ ‬الشعر‭ ‬من‭ ‬توازيات‭ ‬إيقاعية‭ ‬وتركيبيـة،‭ ‬ويخلص‭ ‬من‭ ‬ذلك‭ ‬إلى‭ ‬بعض‭ ‬النتائج؛‭ ‬منها‭ ‬أنَّ‭ ‬الشاعر‭ ‬يتلاعب‭ ‬بالنحو‭ (‬معجمًا‭ ‬وتركيبًا‭)‬،‭ ‬وبالمقاطع‭ ‬والرّنّات،‭ ‬والوقفات،‭ ‬ونبرات‭ ‬الكمية‭ ‬والشدّة‭ ‬والعلوّ،‭ ‬وهي‭ ‬ثوابت‭ ‬كل‭ ‬عروض،‭ ‬وموجودة‭ ‬في‭ ‬عروض‭ ‬كل‭ ‬اللغات،‭ ‬على‭ ‬الرغم‭ ‬من‭ ‬تنوعها‭ ‬في‭ ‬بعض‭ ‬الحالات،‭ ‬حسب‭ ‬طبيعة‭ ‬كل‭ ‬لغة‭ ‬وخصوصياتها‭. ‬

بعد‭ ‬هذا‭ ‬التأصيل‭ ‬للعروض‭ ‬في‭ ‬مختلف‭ ‬اللغات،‭ ‬يستحضر‭ ‬صاحب‭ ‬المقال‭ ‬بعض‭ ‬الأنظمة‭ ‬العروضية‭ ‬الأساسية،‭ ‬ويتعلق‭ ‬الأمر‭ ‬بالعروض‭ ‬الإغريقي‭ ‬اللاتيني،‭ ‬والعروض‭ ‬الجرماني،‭ ‬والعروض‭ ‬الصيني،‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬العروض‭ ‬الهندي‭ ‬والعبري،‭ ‬حيث‭ ‬يبرز‭ ‬خصوصيات‭ ‬كل‭ ‬نظام،‭ ‬محددًا‭ ‬ثوابت‭ ‬الشعر،‭ ‬وخاصة‭ ‬المقطع‭ ‬الذي‭ ‬يعدّ‭ ‬الوحدة‭ ‬الأساسية‭ ‬للسلسلة‭ ‬الكلامية،‭ ‬والمنتج‭ ‬للنّبر؛‭ ‬حيث‭ ‬إن‭ ‬لكل‭ ‬صوت‭ ‬مدته‭ ‬وعُلوه‭ ‬وشدّته‭ ‬الخاصة‭ ‬به،‭ ‬التي‭ ‬تحدّد‭ ‬رنّته‭ ‬وجرسه‭ ‬وتُميّزُه،‭ ‬وتبعًا‭ ‬لذلك‭ ‬ستنقسم‭ ‬الأصناف‭ ‬العروضية‭ ‬إلى‭ ‬شعر‭ ‬نبريّ،‭ ‬وكمّي،‭ ‬ومقطعي،‭ ‬ولما‭ ‬كانت‭ ‬بعض‭ ‬الآلات‭ ‬العصرية‭ ‬نجحت‭ ‬في‭ ‬الفصل‭ ‬بين‭ ‬التردّد‭ ‬والسَّعة‭ ‬والمدّة،‭ ‬فقد‭ ‬فتح‭ ‬ذلك‭ ‬باب‭ ‬الأمل‭ ‬لتدقيق‭ ‬الإيقاع‭ ‬في‭ ‬الشعر،‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬العروض‭ ‬التجريبي‭ ‬الذي‭ ‬يوظّف‭ ‬التحليل‭ ‬الآلي،‭ ‬غير‭ ‬أنَّ‭ ‬هذا‭ ‬التحليل‭ ‬ما‭ ‬دام‭ ‬لا‭ ‬يميّز‭ ‬بين‭ ‬الشكل‭ ‬والوظيفة؛‭ ‬فالصور‭ ‬الصوتية‭ ‬التي‭ ‬تحدد‭ ‬الوزن‭ ‬دلائلُ‭ ‬فونيمات‭ ‬لا‭ ‬أصوات،‭ ‬كلماتٌ‭ ‬حاملةٌ‭ ‬لمعنى‭ ‬لا‭ ‬أشكالٌ‭ ‬فارغةٌ،‭ ‬ولا‭ ‬يمكن‭ ‬بناء‭ ‬على‭ ‬ذلك‭ ‬أن‭ ‬ندرسها‭ ‬بعيدًا‭ ‬عن‭ ‬وظيفتها‭.‬

 

قيم‭ ‬لغوية

من‭ ‬الدراسات‭ ‬التي‭ ‬تضمنها‭ ‬الكتاب‭ ‬أيضًا،‭ ‬بعض‭ ‬المداخلات‭ ‬العلمية‭ ‬التي‭ ‬شارك‭ ‬بها‭ ‬العلمي‭ ‬في‭ ‬مؤتمرات‭ ‬علمية،‭ ‬حول‭ ‬الشعر،‭ ‬أو‭ ‬بمناسبة‭ ‬تكريم‭ ‬رواد‭ ‬نقد‭ ‬الشعر،‭ ‬ويتعلق‭ ‬الأمر‭ ‬ببحث‭ ‬‮«‬الأسباب‭ ‬والأوتاد‭ ‬والفواصل‭ ‬بين‭ ‬المقطع‭ ‬والحركة‭ ‬والسكون‮»‬،‭ ‬استعرض‭ ‬فيه‭ ‬آراء‭ ‬الأقدمين،‭ ‬عروضيين‭ ‬ونحاة‭ ‬ولغويين،‭ ‬وقارنها‭ ‬بعمل‭ ‬المحدثين‭ ‬من‭ ‬علماء‭ ‬الأصوات‭ ‬الوظيفية،‭ ‬مستحضرًا‭ ‬بعض‭ ‬الظواهر‭ ‬الــــتي‭ ‬تميّزت‭ ‬بها‭ ‬اللغة‭ ‬العربية‭ ‬مقارنة‭ ‬مع‭ ‬اللغات‭ ‬الأجنبية‭ ‬الأخرى،‭ ‬فعلى‭ ‬سبيل‭ ‬المثال‭ ‬ليس‭ ‬هناك‭ ‬في‭ ‬العربية‭ ‬كلمة‭ ‬تبدأ‭ ‬بصائت،‭ ‬بينما‭ ‬في‭ ‬الفرنسية‭ ‬كلمات‭ ‬هي‭ ‬عبارة‭ ‬عن‭ ‬صائت‭. ‬

وأيضًا‭ ‬بذل‭ ‬المؤلف‭ ‬جهدًا‭ ‬واضحًا‭ ‬في‭ ‬رصد‭ ‬أسباب‭ ‬اختلاف‭ ‬الحركات‭ ‬في‭ ‬العربية،‭ ‬وعلاقتها‭ ‬ببعض‭ ‬الحروف،‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬السكون‭ ‬الذي‭ ‬وإن‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬جزءًا‭ ‬من‭ ‬نظام‭ ‬الحركات‭ ‬في‭ ‬العربية،‭ ‬فإن‭ ‬القــدماء‭ ‬أولوه‭ ‬عناية‭ ‬كبيرة،‭ ‬لما‭ ‬يحمله‭ ‬من‭ ‬قيم‭ ‬لغوية،‭ ‬تظهر‭ ‬في‭ ‬الجانب‭ ‬الصوتي‭ ‬الوظيفي،‭ ‬والصرفي،‭ ‬والنحوي،‭ ‬ليخلص‭ ‬من‭ ‬ذلك‭ ‬إلى‭ ‬فكرة‭ ‬جوهرية‭ ‬مفادها‭ ‬إمكانية‭ ‬الاعتماد‭ ‬على‭ ‬مفهوم‭ ‬الحركة‭ ‬والسكون،‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬بناء‭ ‬نظام‭ ‬للمقاطع‭ ‬في‭ ‬اللغة‭ ‬العربية،‭ ‬وهذه‭ ‬الفكرة‭ ‬هي‭ ‬التي‭ ‬سينطلق‭ ‬منها‭ ‬الباحث‭ ‬محمــــد‭ ‬العلمي‭ ‬لمقاربة‭ ‬مقاطع‭ ‬العروض،‭ ‬أي‭ ‬الأسباب‭ ‬والأوتــــاد‭ ‬والفواصــــل،‭ ‬نظرًا‭ ‬لقيــــام‭ ‬هذه‭ ‬المقاطع‭ ‬على‭ ‬مفهـــومي‭ ‬المتحــــرك‭ ‬والساكن‭.‬

أما‭ ‬بحث‭ ‬‮«‬أبو‭ ‬العتاهية‭ ‬والعروض‮»‬،‭ ‬فقد‭  ‬ناقش‭ ‬فيه‭ ‬الحكم‭ ‬النقدي‭ ‬الذي‭ ‬نَظر‭ ‬لشعره‭ ‬باعتباره‭ ‬‮«‬أكبر‭ ‬من‭ ‬العروض،‭ ‬وله‭ ‬أوزان‭ ‬لا‭ ‬تدخل‭ ‬في‭ ‬العروض‮»‬،‭ ‬حيث‭ ‬كان‭ ‬أبو‭ ‬العتاهية‭ ‬يلعب‭ ‬بالشعر‭ ‬لعبًا،‭ ‬ويأخذ‭ ‬كيف‭ ‬يشاء،‭ ‬لتمكّنه‭ ‬من‭ ‬صنعة‭ ‬الشعر،‭ ‬وامتلاك‭ ‬ناصية‭ ‬اللغة،‭ ‬وقد‭ ‬استدل‭ ‬الباحث‭ ‬على‭ ‬ذلك‭ ‬بنماذج‭ ‬من‭ ‬شعره‭ ‬وآرائه،‭ ‬ثم‭ ‬استحضار‭ ‬آراء‭ ‬القدماء‭ ‬حول‭ ‬هذه‭ ‬المسألة،‭ ‬مع‭ ‬التركيز‭ ‬على‭ ‬الأفكار‭ ‬ذات‭ ‬الجانب‭ ‬الإحصائي‭ ‬وأيضًا‭ ‬ذات‭ ‬الجانب‭ ‬العروضي‭ ‬المحض،‭ ‬لمعرفة‭ ‬ما‭ ‬يدخل‭ ‬من‭ ‬شعر‭ ‬الرجل‭ ‬في‭ ‬عروض‭ ‬الشعر‭ ‬العربي،‭ ‬وما‭ ‬لا‭ ‬يدخل،‭ ‬ومدى‭ ‬استقامة‭ ‬هذه‭ ‬الأوزان،‭ ‬حيث‭ ‬أثبت‭ ‬خلو‭ ‬شعره‭ ‬من‭ ‬أي‭ ‬سقطات‭ ‬عروضية،‭ ‬مما‭ ‬يرجّح‭ ‬صدق‭ ‬الحكم‭ ‬النقدي‭ ‬‮«‬أن‭ ‬يكون‭ ‬أبو‭ ‬العتاهية‭ ‬أكبر‭ ‬من‭ ‬العروض‮»‬‭. ‬

 

3‭ ‬دراسات

خصّص‭ ‬العلمي‭ ‬بعض‭ ‬الدراسات‭ ‬لمعاصريه‭ ‬من‭ ‬الأدباء‭ ‬والنقاد،‭ ‬مغاربة‭ ‬ومشارقة،‭ ‬ويدخل‭ ‬ضمن‭ ‬ذلك‭ ‬ثلاث‭ ‬دراسات‭:‬

الأولى‭ ‬بعنوان‭ ‬‮«‬جمالية‭ ‬القوافي‭ ‬في‭ ‬الدرس‭ ‬العروضي‭ ‬عند‭ ‬المرحوم‭ ‬محمد‭ ‬الدناي‮»‬،‭ ‬وهو‭ ‬أحد‭ ‬رواد‭ ‬البحث‭ ‬الأكاديمي‭ ‬الجامعي‭ ‬في‭ ‬المغرب،‭ ‬سلّط‭ ‬فيها‭ ‬الضوء‭ ‬على‭ ‬جهود‭ ‬د‭. ‬الدناي‭ ‬في‭ ‬خدمة‭ ‬العروض،‭ ‬وخاصة‭ ‬مبحث‭ ‬جمالية‭ ‬القافية،‭ ‬الذي‭ ‬كانت‭ ‬له‭ ‬فيه‭ ‬إضافــة‭ ‬نوعــــية؛‭ ‬سواء‭ ‬في‭ ‬إبداع‭ ‬مصطلحات‭ ‬نقدية‭ ‬جديدة،‭ ‬أو‭ ‬تقريب‭ ‬معرفة‭ ‬عروضية‭ ‬دقيقة،‭ ‬بألفاظ‭ ‬جامعة‭ ‬مانعة‭.‬

والدراسة‭ ‬الثانية‭ ‬حملت‭ ‬عنوان‭ ‬‮«‬مقدمة‭ ‬في‭ ‬اللغة‭ ‬والإيقاع‭ ‬في‭ ‬شعر‭ ‬أحمد‭ ‬مفدي‮»‬،‭ ‬رصد‭ ‬فيها‭ ‬خصوصيات‭ ‬القصيدة‭ ‬عند‭ ‬هذا‭ ‬الشاعر‭ ‬المغربي‭ ‬الفذ؛‭ ‬مثل‭ ‬طابع‭ ‬الاستمرارية‭ ‬وخاصية‭ ‬الجزالة،‭ ‬وما‭ ‬طبع‭ ‬اللغة‭ ‬من‭ ‬تنوع‭ ‬وثراء؛‭ ‬حيث‭ ‬يحضر‭ ‬المعجم‭ ‬القرآني،‭ ‬والمعجم‭ ‬الجاهلي‭ ‬والصحراوي،‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬ما‭ ‬تميّزت‭ ‬به‭ ‬قصائد‭ ‬هذا‭ ‬الشاعر‭ ‬من‭ ‬إيقاع،‭ ‬وخاصة‭ ‬ولعه‭ ‬بالمتدارك‭.‬

أما‭ ‬الدراسة‭ ‬الثالثة‭ ‬فقد‭ ‬خصّصها‭ ‬للشاعر‭ ‬الإماراتي‭ ‬سلطان‭ ‬العويس،‭ ‬حملت‭ ‬عنوان‭: ‬‮«‬الإيقاع‭ ‬العروضي‭ ‬في‭ ‬شعر‭ ‬سلطـــان‭ ‬الــعـــويس‭... ‬دراســة‭ ‬إحصائية‭ ‬وصفية‮»‬،‭ ‬تتبّع‭ ‬فيها‭ ‬الإيقاع‭ ‬العروضي‭ ‬للأشعار‭ ‬التي‭ ‬تضمنها‭ ‬ديوان‭ ‬هذا‭ ‬الشاعر،‭ ‬المنشور‭ ‬في‭ ‬أعماله‭ ‬الشعرية‭ ‬الكاملة،‭ ‬مركّزًا‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬الدراسة‭ ‬على‭ ‬جملة‭ ‬من‭ ‬النقاط؛‭ ‬وهي‭ ‬توزيع‭ ‬القصائد‭ ‬على‭ ‬البحور،‭ ‬وتحديد‭ ‬البحور‭ ‬التي‭ ‬لم‭ ‬ينظم‭ ‬عليها،‭ ‬ثم‭ ‬رصد‭ ‬ظواهر‭ ‬عروضية‭ ‬طبعت‭ ‬شعره؛‭ ‬ومنها‭ ‬ما‭ ‬له‭ ‬صلة‭ ‬بالشعر‭ ‬القديم،‭ ‬وما‭ ‬له‭ ‬علاقة‭ ‬بروح‭ ‬التجديد‭ ‬والتطوير‭ ‬التي‭ ‬ميّزت‭ ‬بعض‭ ‬قصائده‭.‬

 

تعزيز‭ ‬الحوار‭ ‬العلمي

اختتم‭ ‬الباحث‭ ‬العلمي‭ ‬كتابه‭ ‬‮«‬في‭ ‬الإيقاع‭ ‬واللغة‮»‬‭ ‬بدراستين؛‭ ‬الأولى‭ ‬بعنوان‭: ‬‮«‬محاولة‭ ‬في‭ ‬ضبط‭ ‬إيقاع‭ ‬بعض‭ ‬أزجال‭ ‬الطرب‭ ‬الأندلسي‮»‬،‭ ‬علمًا‭ ‬بأن‭ ‬هذا‭ ‬الموضوع‭ ‬تقف‭ ‬دونه‭ ‬عوائق،‭ ‬من‭ ‬أهمها‭ ‬أن‭ ‬لهجة‭ ‬أهل‭ ‬الأندلس‭ ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬مستعملة،‭ ‬ولتجاوز‭ ‬هذه‭ ‬الصعوبة‭ ‬اعتمد‭ ‬المؤلف‭ ‬ما‭ ‬وصل‭ ‬إليه‭ ‬كل‭ ‬من‭ ‬الباحثين‭ ‬فدريكو‭ ‬كوريينتي،‭ ‬وخاصة‭ ‬تحقيقه‭ ‬لديوان‭ ‬ابن‭ ‬قزمان،‭ ‬ومحمد‭ ‬بنشريفة‭ ‬في‭ ‬كتابه‭ ‬‮«‬تاريخ‭ ‬الأمثال‭ ‬والأزجال‭ ‬في‭ ‬المغرب‭ ‬والأندلس‮»‬،‭ ‬معتبرًا‭ ‬ما‭ ‬توصلا‭ ‬إليه‭ ‬الأساس‭ ‬النظري‭ ‬الذي‭ ‬انطلق‭ ‬منه‭ ‬لمحاولة‭ ‬تحديد‭ ‬إيقاع‭ ‬بعض‭ ‬الأزجال‭ ‬الأندلسية،‭ ‬مما‭ ‬ساعده‭ ‬على‭ ‬استخلاص‭ ‬جملة‭ ‬من‭ ‬النتائج‭ ‬منها‭: ‬أنَّ‭ ‬البنية‭ ‬الخارجية‭ ‬لبعض‭ ‬الأزجال‭ ‬الأندلسية‭ ‬تتبنى‭ ‬هيئة‭ ‬الموشّح؛‭ ‬حيث‭ ‬يكون‭ ‬البيت‭ ‬مشطورًا،‭ ‬ومزدوجًا،‭ ‬وذا‭ ‬أغصان‭ ‬متعددة،‭ ‬كما‭ ‬هو‭ ‬شائع‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬من‭ ‬الموشح‭ ‬والزجل‭. ‬

ويضاف‭ ‬إلى‭ ‬ذلك‭ ‬تنوع‭ ‬البنى‭ ‬الإيقاعية‭ ‬بين‭ ‬بعض‭ ‬الأبحر‭ ‬الخليلية‭ ‬كالمجتث،‭ ‬وبعض‭ ‬الصور‭ ‬المألوفة‭ ‬في‭ ‬الموشح،‭ ‬حيث‭ ‬خرج‭ ‬الوشاحون‭ ‬عن‭ ‬نمط‭ ‬الأبحر‭ ‬المعروفة‭ ‬إلى‭ ‬أبحر‭ ‬مشتقة‭ ‬منها‭.‬

وكانت‭ ‬الدراسة‭ ‬الثانية‭ ‬التي‭ ‬اختتم‭ ‬بها‭ ‬الكتاب،‭ ‬مسك‭ ‬الختام‭ ‬بحقّ،‭ ‬حيث‭ ‬نقلت‭ ‬الاهتمام‭ ‬من‭ ‬الشعر‭ ‬العربي‭ ‬ومن‭ ‬اللغة‭ ‬العربية‭ ‬إلى‭ ‬لغات‭ ‬أخرى‭ ‬غير‭ ‬العربية،‭ ‬وذلك‭ ‬في‭ ‬سياق‭ ‬تعزيــز‭ ‬الحوار‭ ‬العلمي‭ ‬بين‭ ‬الباحثين‭ ‬في‭ ‬اللغة،‭ ‬وتأكيد‭ ‬دور‭ ‬البحث‭ ‬اللغوي‭ ‬في‭ ‬ترسيخ‭ ‬هذا‭ ‬الحوار‭.‬

وقد‭ ‬عنون‭ ‬المؤلف‭ ‬دراسته‭ ‬بـ‭ ‬‮«‬نظرة‭ ‬عن‭ ‬الهمزة‭ ‬في‭ ‬غير‭ ‬العربية‮»‬،‭ ‬ركّز‭ ‬فيها‭ ‬على‭ ‬اللغة‭ ‬الفرنسية‭ ‬تحديدًا،‭ ‬ومستحضرًا‭ ‬نماذج‭ ‬من‭ ‬الكلمات،‭ ‬ليخلص‭ ‬إلى‭ ‬نتيجة‭ ‬مفادها‭ ‬أنَّ‭ ‬الهمزة‭ ‬لا‭ ‬توجد‭ ‬في‭ ‬الفرنسية‭ ‬إلا‭ ‬في‭ ‬أوّل‭ ‬الكلمة،‭ ‬بينما‭ ‬توجد‭ ‬في‭ ‬العربية‭ ‬في‭ ‬أول‭ ‬الكلمة‭ ‬وفي‭ ‬وسطها،‭ ‬وفي‭ ‬آخرها،‭ ‬مقترحًا‭ ‬ضرورة‭ ‬إدماج‭ ‬رمز‭ ‬كتابي‭ ‬جديد‭ ‬يُضاف‭ ‬إلى‭ ‬الفرنسية،‭ ‬ويُرمز‭ ‬به‭ ‬إلى‭ ‬الهمزة،‭ ‬مما‭ ‬ينتج‭ ‬عنه‭ ‬تغيير‭ ‬في‭ ‬أنواع‭ ‬المقاطع‭ ‬وعددها‭ ‬في‭ ‬الفرنسية،‭ ‬والأكيد‭ ‬أنَّ‭ ‬هذه‭ ‬النظرة‭ ‬الجديدة،‭ ‬على‭ ‬الرغم‭ ‬من‭ ‬خروجها‭ ‬عن‭ ‬التقليد‭ ‬الفونولوجي‭ ‬الشائع‭ ‬حتى‭ ‬الآن،‭ ‬يعتبره‭ ‬العلمي‭ ‬محاولة‭ ‬في‭ ‬الطريق‭ ‬نحو‭ ‬حوار‭ ‬لسانيّ‭ ‬جديد،‭ ‬يسهم‭ ‬في‭ ‬حوار‭ ‬الحضارات‭ ‬المنشود‭.‬

إن‭ ‬كتاب‭ ‬‮«‬في‭ ‬الإيقاع‭ ‬واللـغة‮»‬‭ ‬لمؤلفـــه‭ ‬العلمي،‭ ‬بتناوله‭ ‬جوانب‭ ‬وثيــــقة‭ ‬الصّلة‭ ‬بالإيقاع‭ ‬في‭ ‬الشعر،‭ ‬تدل‭ ‬على‭ ‬اهتمام‭ ‬صاحبها‭ ‬بالتأصيل‭ ‬لعلم‭ ‬العروض‭ ‬والقافية،‭ ‬عبر‭ ‬الانفتاح‭ ‬على‭ ‬لغات‭ ‬غير‭ ‬العربية،‭ ‬وعقد‭ ‬مقارنات‭ ‬بين‭ ‬ما‭ ‬هو‭ ‬موجود‭ ‬في‭ ‬الشعر‭ ‬العربي‭ ‬وغيره‭ ‬من‭ ‬الشعر‭ ‬في‭ ‬اللغات‭ ‬الأخرى،‭ ‬وذلك‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬الوقوف‭ ‬على‭ ‬المؤتلف‭ ‬والمختلف،‭ ‬في‭ ‬قضايا‭ ‬لغوية‭ ‬ولسانية‭ ‬ما‭ ‬تزال‭ ‬محل‭ ‬اختلاف‭ ‬بين‭ ‬الدارسين،‭ ‬لكنها‭ ‬مع‭ ‬ذلك‭ ‬تعكس‭ ‬نضج‭ ‬البحث‭ ‬اللساني‭ ‬عند‭ ‬العرب‭ ‬المعاصرين‭ ‬ويقظتهم‭ ‬وأهليتهــــم‭ ‬للإضافة‭ ‬العلمية‭ ‬والنوعية‭ ‬في‭ ‬مثل‭ ‬هذه‭ ‬الحقول‭ ‬المعرفية‭ ‬الدقيقة‭ .‬