الترجمة وغواية الآخر الاستشراقي

الترجمة وغواية الآخر الاستشراقي

في‭ ‬السنوات‭ ‬الأخيرة‭ ‬بعد‭ ‬نهاية‭ ‬الألفية‭ ‬الثانية،‭ ‬ازداد‭ ‬الاهتمام‭ ‬في‭ ‬الدول‭ ‬المتقدمة‭ ‬بتاريخ‭ ‬الشعوب‭ ‬التي‭ ‬كانت‭ ‬خاضعة‭ ‬للاستعمار،‭ ‬خاصة‭ ‬في‭ ‬المراكز‭ ‬العلمية‭ ‬الغربية‭ ‬وفي‭ ‬الجامعات‭ ‬الأمريكية،‭ ‬التي‭ ‬أنشأت‭ ‬شُعبًا‭ ‬علمية‭ ‬لدراسة‭ ‬ثقافات‭ ‬وحضارة‭ ‬الشعوب‭ ‬التي‭ ‬تنتمي‭ ‬إلى‭ ‬المناطق‭ ‬الشرق‭ - ‬أوسطية‭ ‬والإفريقية‭ ‬والآسيوية‭.‬

لقد‭ ‬ساهم‭ ‬في‭ ‬إبراز‭ ‬الاهتمام‭ ‬العلمي‭ ‬بهذه‭ ‬الشعوب‭ ‬ظاهرة‭ ‬العولمة‭ ‬الاقتصادية‭ ‬التي‭ ‬اخترقت‭ ‬الأسواق‭ ‬المحلية،‭ ‬وعملت‭ ‬على‭ ‬تدويل‭ ‬ثقافة‭ ‬العالم‭ ‬الثالث‭ ‬بواسطة‭ ‬حركات‭ ‬الهجرة‭ ‬التي‭ ‬قامت‭ ‬بها‭ ‬النخب‭ ‬الوافدة‭ ‬إلى‭ ‬البلدان‭ ‬المتقدمة‭ ‬من‭ ‬دول‭ ‬الجنوب‭.‬

عجّل‭ ‬تصاعد‭ ‬العنف‭ ‬الإرهابي‭ ‬الذي‭ ‬ألصقت‭ ‬تهمته‭ ‬بالمسلمين‭ ‬كذريعة‭ ‬للتدخل‭ ‬في‭ ‬شؤون‭ ‬شعوب‭ ‬المنطقة‭ ‬العربية‭ ‬بعد‭ ‬أحداث‭ ‬الحادي‭ ‬عشر‭ ‬من‭ ‬سبتمبر‭ ‬السوداء،‭ ‬بعودة‭ ‬الاستعمار‭ ‬القديم‭ ‬إلى‭ ‬ممارسة‭ ‬الاحتلال‭ ‬المباشر،‭ ‬كما‭ ‬هو‭ ‬الشأن‭ ‬في‭ ‬أفغانستان‭ ‬والعراق‭.‬

وقد‭ ‬أدى‭ ‬هذا‭ ‬الصدام‭ ‬الحضاري‭ ‬بين‭ ‬المسلمين‭ ‬والغرب‭ ‬إلى‭ ‬إيجاد‭ ‬نوع‭ ‬من‭ ‬التواصل‭ ‬غير‭ ‬المتوازن‭ ‬بين‭ ‬دول‭ ‬الشمال‭ ‬والجنوب،‭ ‬تجلّى‭ ‬عبر‭ ‬الترجمة‭ ‬كآلية‭ ‬لتمثيل‭ ‬الآخر‭ ‬من‭ ‬منظور‭ ‬جهاز‭ ‬مفاهيمي‭ ‬يتكون‭ ‬في‭ ‬الغالب‭ ‬من‭ ‬‮«‬أساطير‭ ‬بيضاء‮»‬،‭ ‬وأحكام‭ ‬نمطية‭ ‬تضع‭ ‬الآخر‭ ‬في‭ ‬مرتبة‭ ‬دونية،‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬شرعنة‭ ‬العلاقة‭ ‬التراتبية‭ ‬بين‭ ‬السيّد‭ ‬والعبد،‭ ‬ونعته‭ ‬بأحكام‭ ‬تحقيرية‭ ‬كالبدائي‭ ‬المتوحش،‭ ‬والمسلم‭ ‬الإرهابي‭.‬

لقد‭ ‬ترسخت‭ ‬هذه‭ ‬العلاقة‭ ‬الاستعمارية‭ ‬غير‭ ‬المتكافئة‭ ‬مع‭ ‬قدوم‭ ‬الطلائع‭ ‬الأولى‭ ‬من‭ ‬المترجمين‭ ‬والرحالة‭ ‬المكتشفين‭ ‬ورسل‭ ‬البعثات‭ ‬التبشيرية،‭ ‬الذين‭ ‬مهّدوا‭ ‬الطريق‭ ‬أمام‭ ‬قوات‭ ‬الاحتلال‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬تطأ‭ ‬قدما‭ ‬المستعمر‭ ‬أراضي‭ ‬المستعمرات،‭ ‬هكذا‭ ‬يثمن‭ ‬دورهم‭ ‬الباحث‭. ‬ف‭. ‬أو‭. ‬ماتيسين،‭ ‬قائلاً‭: ‬إن‭ ‬‮«‬عمل‭ ‬المترجم‭ ‬هو‭ ‬ضرب‭ ‬من‭ ‬ضروب‭ ‬الوطنية،‭ ‬فهو،‭ ‬أيضًا،‭ ‬مثل‭ ‬الرحّالة‭ ‬والتاجر،‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يفعل‭ ‬خيرًا‭ ‬لبلاده،‭ ‬حيث‭ ‬يؤمن‭ ‬أن‭ ‬لتلك‭ ‬الكتب‭ ‬الأجنبية‭ ‬أهمية‭ ‬بالنسبة‭ ‬إلى‭ ‬مصير‭ ‬إنجلترا،‭ ‬تضاهي‭ ‬أهمية‭ ‬اكتشافات‭ ‬البحارة،‭ ‬فيجلبها‭ ‬إلى‭ ‬لغته‭ ‬الأصلية‭ ‬بكل‭ ‬الحماس‭ ‬الذي‭ ‬نجده‭ ‬في‭ ‬الفتح‮»‬‭.‬

 

مثال‭ ‬دالّ

في‭ ‬هذا‭ ‬السياق‭ ‬يقول‭ ‬المؤرخ‭ ‬شارل‭ ‬أندري‭ ‬جوليان‭ ‬‮«‬إن‭ ‬المترجمين‭ ‬الفرنسيين‭ ‬في‭ ‬الجزائر‭ ‬إبان‭ ‬استعمارها‭ ‬كانوا‭ ‬يحملون‭ ‬رتبًا‭ ‬عسكرية،‭ ‬وكانوا‭ ‬يعملون‭ ‬بالتعاون‭ ‬مع‭ ‬الإدارات‭ ‬التابعة‭ ‬للجيش‭ ‬الفرنسي‮»‬‭.‬

كما‭ ‬أن‭ ‬الباحث‭ ‬الفرنسي‭ ‬في‭ ‬الترجميات‭ ‬ريشارد‭ ‬جاكمون‭ ‬قدّم‭ ‬مثالاً‭ ‬دالاً‭ ‬على‭ ‬هذه‭ ‬العلاقة‭ ‬غير‭ ‬المتساوية‭ ‬بين‭ ‬الغرب‭ ‬والعرب،‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬فعل‭ ‬الترجمة‭ ‬وتباينات‭ ‬القوة‭ ‬التي‭ ‬تنتج‭ ‬عنها،‭ ‬وعدم‭ ‬التعادل‭ ‬في‭ ‬التبادل‭ ‬الثقافي‭ ‬عمومًا‭ ‬والترجمة‭ ‬تحديدًا‭ ‬بين‭ ‬فرنسا‭ ‬ومصر،‭ ‬حيث‭ ‬يلاحظ‭ ‬هذا‭ ‬الباحث‭ ‬أن‭ ‬الترجمة‭ ‬من‭ ‬العربية‭ ‬إلى‭ ‬الفرنسية‭ ‬تفسح‭ ‬المجال‭ ‬للثقافة‭ ‬المهيمنة‭ ‬‮«‬التي‭ ‬لا‭ ‬تترجم‭ ‬من‭ ‬أعمال‭ ‬الكتاب‭ ‬والمؤلفين‭  ‬في‭ ‬الثقافة‭ ‬المسيطر‭ ‬عليها،‭ ‬سوى‭ ‬تلك‭ ‬التي‭ ‬تلائم‭ ‬تصورات‭ ‬الثقافة‭ ‬الأولى،‭ ‬ومن‭ ‬الناحية‭ ‬الكمية‭ ‬فإن‭ ‬ما‭ ‬تترجمه‭ ‬الثقافة‭ ‬المسيطر‭ ‬عليها‭ ‬من‭ ‬الثقافة‭ ‬المهيمنة‭ (‬بكسر‭ ‬الميم‭) ‬أكثر‭ ‬بكثير‭ ‬مما‭ ‬تترجم‭ ‬هذه‭ ‬الأخيرة‭ ‬من‭ ‬الأولى‮»‬،‭ ‬والملاحظ‭ ‬أن‭ ‬هذه‭ ‬العلاقة‭ ‬الترجمية‭ ‬غير‭ ‬المتكافئة‭ ‬من‭ ‬العربية‭ ‬إلى‭ ‬الفرنسية،‭ ‬تجعل‭ ‬كتّاب‭ ‬الثقافة‭ ‬المسيطر‭ ‬عليها،‭ ‬يعتريهم‭ ‬نوع‭ ‬من‭ ‬الاعتقاد‭ ‬الواهم‭ ‬بأن‭ ‬ترجمتهم‭ ‬إلى‭ ‬اللغة‭ ‬الفرنسية‭ ‬ستساعد‭ ‬على‭ ‬ترويج‭ ‬أعمالهم‭ ‬وقراءتها‭ ‬في‭ ‬اللغة‭ ‬المهيمنة‭ (‬وهذا‭ ‬يتطلب‭ ‬منهم‭ ‬قدرًا‭ ‬من‭ ‬الانصياع‭ ‬للصور‭ ‬النمطية‭ ‬والامتثال‭ ‬لها‭) ‬والاستجابة‭ ‬لإملاءات‭ ‬الذائقة‭ ‬الجمالية‭ ‬الاستشراقية‭ ‬والنزعة‭ ‬الاثنو‭ - ‬مركزية‭.‬

 

حيلة‭ ‬تسويقية

‭ ‬كنموذج‭ ‬عن‭ ‬النصب‭ ‬والاحتيال‭ ‬الترجمي‭ ‬المتبع‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬نيل‭ ‬مرضاة‭ ‬القارئ‭ ‬الغربي،‭ ‬ما‭ ‬يُحكى‭ ‬عن‭ ‬الكاتبة‭ ‬نوال‭ ‬السعداوي‭ ‬التي‭ ‬تعرف‭ ‬كتبها‭ ‬إقبالاً‭ ‬كبيرًا‭ ‬في‭ ‬الغرب،‭ ‬نتيجة‭ ‬للحيلة‭ ‬التسويقية‭ ‬التي‭ ‬انتهجتها‭ ‬المؤلفة‭ ‬مع‭ ‬دور‭ ‬النشر‭ ‬الأمريكية‭ ‬لقد‭ ‬قامت‭ ‬بحذف‭ ‬وإضافة‭ ‬بعض‭ ‬الفصول‭ ‬والفقرات‭ ‬من‭ ‬كتبها،‭ ‬فحذفت‭ ‬على‭ ‬سبيل‭ ‬المثال‭ ‬من‭ ‬الطبعة‭ ‬الأمريكية‭ ‬لكتابها‭ ‬‮«‬الوجه‭ ‬العاري‭ ‬للمرأة‭ ‬العربية‮»‬،‭ ‬تلك‭ ‬الفقرات‭ ‬التي‭ ‬تقارن‭ ‬بين‭ ‬المرأة‭ ‬العربية‭ ‬والغربية‭ ‬الأوروبية والأمريكية،‭ ‬والتي‭ ‬تخلص‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬المرأة‭ ‬الغربية‭ ‬تعاني‭ ‬اضطهادًا‭ ‬لا‭ ‬يقل‭ ‬عن‭ ‬المرأة‭ ‬العربية،‭ ‬بينما‭ ‬أضافت‭ ‬إليه‭ ‬فصل‭ ‬الختان،‭ ‬الذي‭ ‬يعد‭ ‬من‭ ‬أهم‭ ‬الفصول‭ ‬شيوعًا‭ ‬واستخدامًا‭ ‬في‭ ‬مناهج‭ ‬الجامعات‭ ‬الأمريكية‭ ‬عند‭ ‬تدريسها‭ ‬قضايا‭ ‬المرأة‭ ‬العربية‭.

هكذا‭ ‬تتعدد‭ ‬الأمثلة‭ ‬على‭ ‬تباينات‭ ‬القوة‭ ‬والهيمنة‭ ‬بين‭ ‬الغالب‭ ‬والمغلوب،‭ ‬أو‭ ‬علاقة ‭ ‬الإنسان‭ ‬التابع بالمستعمر،‭ ‬حسب‭ ‬تعبير‭ ‬منظّري‭ ‬ما‭ ‬بعد‭ ‬الكولونيالية،‭ ‬الذي‭ ‬مازال‭ ‬يستلذ‭ ‬القابلية‭ ‬للاستعمار‭ ‬والتبعية‭ ‬له،‭ ‬كما‭ ‬شخصها‭ ‬الناقد‭ ‬عبدالفتاح‭ ‬كليطو‭ ‬في‭ ‬كتابه‭ ‬‮«‬لن‭ ‬تتكلم‭ ‬لغتي‮»‬‭ ‬‮«‬لقد‭ ‬أبدعنا‭ ‬نحن‭ ‬العرب،‭ ‬منذ‭ ‬فارس‭ ‬الشدياق،‭ ‬طريقة‭ ‬خاصة‭ ‬في‭ ‬القراءة،‭ ‬نقرأ‭ ‬نصًا‭ ‬عربيًّا،‭ ‬وفي‭ ‬ذهننا‭ ‬احتمال‭ ‬نقله‭ ‬أو‭ ‬تحويله‭ ‬إلى‭ ‬لغة‭ ‬أوربية‮»‬‭.‬

 

وعي‭ ‬بشروط‭ ‬التلقي

أما‭ ‬المفكر‭ ‬عبدالله‭ ‬العروي،‭ ‬فقد‭ ‬عاش‭ ‬هذه‭ ‬التجربة‭ ‬التابعة‭ ‬منذ‭ ‬صدور‭ ‬كتابه‭ ‬الأول‭ ‬‮«‬الأيديولوجية‭ ‬العربية‭ ‬المعاصرة‮»‬،‭ ‬الذي‭ ‬فضّل‭ ‬أن‭ ‬يؤلفه‭ ‬باللغة‭ ‬الفرنسية،‭ ‬لأنه‭ ‬كان‭ ‬واعيًا‭ ‬بشروط‭ ‬التلقي‭ ‬عند‭ ‬المثقف‭ ‬العربي،‭ ‬الذي‭ ‬ينبهر‭ ‬بالكتاب‭ ‬القادم‭ ‬من‭ ‬الغرب‭ ‬أو‭ ‬عندما‭ ‬يكون‭ ‬مترجمًا‭.‬

في‭ ‬هذا‭ ‬السياق،‭ ‬يحكي‭ ‬العروي‭ ‬في‭ ‬كتابه‭ ‬‮«‬خواطر‭ ‬الصباح‮»‬‭ ‬عن‭ ‬الشروط‭ ‬السياقية‭ ‬المصاحبة‭ ‬لترجمة‭ ‬كتابه‭ (‬في‭ ‬الوقت‭ ‬نفسه،‭ ‬وصلت‭ ‬رسالتان‭ ‬من‭ ‬بيروت‭ ‬تحملان‭ ‬الطلب‭ ‬نفسه،‭ ‬الترخيص‭ ‬بنقل‭ ‬‮«‬الأيديولوجية‭ ‬العربية‭ ‬المعاصرة‮»‬‭ ‬إلى‭ ‬العربية،‭ ‬ماذا‭ ‬كان‭ ‬يكون‭ ‬رد‭ ‬القارئ‭ ‬المشرقي‭ ‬لو‭ ‬ألّفت‭ ‬الكتاب‭ ‬أصلًا‭ ‬بالعربية‭ ‬كما‭ ‬كانت‭ ‬نيتي‭ ‬أول‭ ‬الأمر؟‭ ‬الإهمال‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬شك،‭ ‬كل‭ ‬اتصال‭ ‬بين‭ ‬المغاربة‭ ‬أو‭ ‬العرب‭ ‬أو‭ ‬المسلمين‭ ‬يمر‭ ‬عن‭ ‬طريق‭ ‬الغرب‭).‬

أي‭ ‬أن‭ ‬قيمة‭ ‬الكتاب‭ ‬الثقافية‭ ‬والعلمية‭ ‬عندما‭ ‬يكون‭ ‬مؤلفه‭ ‬عربيًّا‭ ‬لا‭ ‬تتحدد‭ ‬في‭ ‬ذاتيته،‭ ‬بل‭ ‬عبر‭ ‬وسيط‭ ‬اللغة‭ ‬الأجنبية‭ ‬التي‭ ‬كتب‭ ‬بها،‭ ‬فلو‭ ‬ألّف‭ ‬العروي‭ ‬كتاب‭ ‬‮«‬الأيديولوجية‭ ‬العربية‭ ‬المعاصرة‮»‬‭ ‬كما‭ ‬كان‭ ‬يريد‭ ‬صاحبه‭ ‬باللغة‭ ‬العربية،‭ ‬لما‭ ‬كان‭ ‬له‭ ‬الصدى‭ ‬الكبير‭ ‬نفسه‭ ‬الذي‭ ‬حظي‭ ‬به،‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬ترجم‭ ‬من‭ ‬اللغة‭ ‬الفرنسية‭ ‬إلى‭ ‬العربية‭.‬

إن‭ ‬التوصيف‭ ‬التطوري‭ ‬لمسارات‭ ‬الدراسات‭ ‬الترجمية،‭ ‬تؤرخ‭ ‬له‭ ‬مجموعة‭ ‬من‭ ‬المنعطفات‭ ‬المفصلية‭ ‬الكبرى،‭ ‬التي‭ ‬تم‭ ‬التعبير‭ ‬عنها‭ ‬عبر‭ ‬صيغ‭ ‬من‭ ‬المجازات‭ ‬الأسطورية‭ ‬والصور‭ ‬الاستعارية،‭ ‬التقطها‭ ‬أنطوان‭ ‬برمان‭ ‬بذكاء‭ ‬متميز،‭ (‬بقدر‭ ‬ما‭ ‬تقل‭ ‬التحديدات‭ ‬المفهومية‭ ‬للترجمة‭ ‬وتكرر‭ ‬نفسها،‭ ‬نجد‭ ‬أن‭ ‬التحديدات‭ ‬الاستعارية‭ ‬متكاثرة،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬لاحظه‭ ‬جورج‭ ‬مونان‭ ‬في‭ ‬عمله‭ ‬المعنون‭ ‬الخائنات‭ ‬الجميلات‭).‬

في‭ ‬هذا‭ ‬السياق‭ ‬يجمع‭ ‬جل‭ ‬الباحثين‭ ‬أن‭ ‬قصة‭ ‬‮«‬برج‭ ‬أو‭ ‬أبراج‭ ‬بابل‮»‬‭ ‬كانت‭ ‬المبحث‭ ‬الأول‭ ‬حول‭ ‬أصل‭ ‬اللغة‭ ‬التي‭ ‬تكلم‭ ‬بها‭ ‬آدم،‭ ‬وبداية‭ ‬الانفتاح‭ ‬على‭ ‬الترجمة‭ ‬والتعدد‭ ‬اللغوي‭.‬

 

أسطورة‭ ‬برج‭ ‬بابل

جاء‭ ‬ذكر‭ ‬موضوع‭ ‬هذه‭ ‬القصة‭ ‬في‭ ‬الكتب‭ ‬السماوية‭ ‬وعند‭ ‬كثير‭ ‬من‭ ‬الحضارات‭ ‬القديمة،‭ ‬ذلك‭ ‬لأن‭ ‬أسطورة‭ ‬برج‭ ‬بابل‭ ‬تعود‭ ‬إلى‭ ‬أبناء‭ ‬سام‭ ‬بن‭ ‬نوح‭ ‬الذين‭ ‬نزلوا‭ ‬بعد‭ ‬الطوفان‭ ‬أرضًا‭ ‬بين‭ ‬النهرين،‭ ‬فأقاموا‭ ‬بها‭ ‬في‭ ‬مدينة‭ ‬يزيّنها‭ ‬برج‭ ‬عال‭ ‬أرادوا‭ ‬أن‭ ‬يشق‭ ‬عنان‭ ‬السماء،‭ ‬فعاقبهم‭ ‬الإله‭ ‬على‭ ‬ما‭ ‬صنعوه‭ ‬بأن‭ ‬أحبط‭ ‬أعمالهم‭ ‬وفرّق‭ ‬شملهم،‭ ‬ولبس‭ ‬عليهم‭ ‬لسانهم،‭ ‬حتى‭ ‬أضحوا‭ ‬لا‭ ‬يدركون‭ ‬مقاصدهم‭ ‬ولا‭ ‬مصالحهم،‭ ‬ولهذا‭ ‬أصبحت‭ ‬قصة‭ ‬برج‭ ‬بابل‭ ‬أو‭ ‬أبراجها،‭ ‬كما‭ ‬في‭ ‬بعض‭ ‬الكتابات‭ ‬الفلسفية‭ ‬المعاصرة‭ ‬عند‭ ‬جاك‭ ‬دريدا،‭ ‬رمزًا‭ ‬لاختلاط‭ ‬الألسنة‭ ‬وتعدد‭ ‬اللغات‭.‬

هناك‭ ‬تنوع‭ ‬وتعدد‭ ‬في‭ ‬قراءات‭ ‬أسطورة‭ ‬بابل‭ ‬من‭ ‬قبل‭ ‬الفلاسفة‭ ‬والمفكرين‭ ‬والمبدعين،‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬السياق،‭ ‬ذاعت‭ ‬وانتشرت‭ ‬آراء‭ ‬رجال‭ ‬الدين‭ ‬أصحاب‭ ‬الكتب‭ ‬السماوية‭ (‬اليهودية‭ ‬والمسيحية‭ ‬والإسلام‭) ‬الذين‭ ‬نظروا‭ ‬إلى‭ ‬هذه‭ ‬القصة‭ ‬كدلالة‭ ‬على‭ ‬ارتكاب‭ ‬الخطيئة‭ ‬واللعنة‭ ‬التي‭ ‬أصابت‭ ‬سكان‭ ‬برج‭ ‬بابل،‭ ‬عندما‭ ‬أرادوا‭ ‬الوصول‭ ‬إلى‭ ‬قبة‭ ‬السماء،‭ ‬في‭ ‬تحد‭ ‬كافر‭ ‬للإله،‭ ‬وكانت‭ ‬اللعنة‭ ‬الربانية‭ ‬التي‭ ‬لحقت‭ ‬بهم،‭ ‬أن‭ ‬بلبل‭ ‬الله‭ ‬ألسنتهم‭ ‬وعدّد‭ ‬لغاتهم‭.‬

لقد‭ ‬تدارس‭ ‬علماء‭ ‬اللغة‭ ‬العرب‭ ‬في‭ ‬القديم،‭ ‬السؤال‭ ‬المتعلق‭ ‬بماهية‭ ‬لغة‭ ‬الجنة‭ ‬واللسان‭ ‬الذي‭ ‬تكلم‭ ‬به‭ ‬آدم،‭ ‬واعتبروا‭ ‬أنها‭ ‬هي‭ ‬اللغة‭ ‬العربية،‭ ‬لأن‭ (‬اللغة‭ ‬العربية‭ ‬هي‭ ‬اللغة‭ ‬الأولى‭ ‬التي‭ ‬تكلمها‭ ‬آدم،‭ ‬وبهذه‭ ‬الصفة‭ ‬تحظى‭ ‬بالأولوية‭ ‬الزمنية‭ ‬والسيادة‭ ‬الأنطلوجية،‭ ‬أضاعها‭ ‬آدم،‭ ‬فعثر‭ ‬عليها‭ ‬يعرب‭ ‬الذي‭ ‬كان‭ ‬يتكلم‭ ‬سلفًا‭ ‬السريانية‭). ‬وإذا‭ ‬كانت‭ ‬هذه‭ ‬القصة‭ ‬عن‭ ‬برج‭ ‬بابل‭ ‬تحيل‭ ‬إلى‭ ‬تعدد‭ ‬اللغات،‭ ‬فإنها‭ ‬تعكس‭ ‬مقدار‭ ‬الصعوبات‭ ‬التي‭ ‬تعترض‭ ‬البشر،‭ ‬لأنهم‭ ‬إذا‭ ‬تشبثوا‭ ‬بلغتهم‭ ‬الأولى،‭ ‬فإنهم‭ ‬لن‭ ‬يستطيعوا‭ ‬أن‭ ‬يصلوا‭ ‬إلى‭ ‬تحقيق‭ ‬التفاهم‭ ‬والتواصل،‭ ‬كما‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬نفهم‭ ‬دلالة‭ ‬هذه‭ ‬الأسطورة‭ ‬البابلية،‭ ‬كخطر‭ ‬يتهدد‭ ‬كل‭ ‬من‭ ‬يريد‭ ‬أن‭ ‬يمتلك‭ ‬المعرفة‭ ‬المطلقة،‭ ‬بدل‭ ‬الاكتفاء‭ ‬بممكنات‭ ‬نسبية‭ ‬الحقيقة‭ ‬التي‭ ‬نجدها‭ ‬مسرودة‭ ‬بقلم‭ ‬الكاتب‭ ‬الكبير‭ ‬خورخي‭ ‬لويس‭ ‬بورخيس،‭ ‬في‭ ‬قصته‭ ‬الشهيرة‭ ‬بعنوان‭ ‬‮«‬مكتبة‭ ‬بابل‮»‬‭.‬

 

نظرية‭ ‬لسانية‭ ‬للترجمة

بالنسبة‭ ‬للباحثين‭ ‬اللسانيين‭ ‬أنصار‭ ‬المنعطف‭ ‬اللساني‭‬  يعتبر‭ ‬العالم‭ ‬اللغوي‭ ‬جورج‭ ‬مونان‭ ‬من‭ ‬العلماء‭ ‬اللسانيين‭ ‬المرموقين‭ ‬الذين‭ ‬حاولوا‭ ‬تأسيس‭ ‬نظرية‭ ‬لسانية‭ ‬للترجمة،‭ ‬معتبرًا‭ ‬أن‭ ‬فعل‭ ‬الترجمة‭ ‬ ليس‭ ‬مجرد‭ ‬صيرورة‭ ‬لسانية،‭ ‬بل‭ ‬هو‭ ‬كذلك‭ ‬عملية‭ ‬تقوم‭ ‬على‭ ‬أفعال‭ ‬ترتبط‭ ‬بسياق‭ ‬ثقافي‭ ‬وبالتالي‭ ‬على‭ ‬المترجم‭ ‬ألا‭ ‬يكتفي‭ ‬بمعرفة‭ ‬اللغة‭ ‬الأجنبية‭ ‬وحدها،‭ ‬بل‭ ‬أن‭ ‬يبحث‭ ‬في‭ ‬علم‭ ‬الإثنوغرافيا‭ ‬الذي‭ ‬يتعلق‭ ‬بالجماعة‭ ‬المتكلمة‭ ‬لهذه‭ ‬اللغة،‭ ‬لأن‭ ‬من‭ ‬واجب‭ ‬المترجم‭ ‬أن‭ ‬يهتم‭ ‬بالقضايا‭ ‬الشكلية‭ ‬للغة،‭ ‬وأن‭ ‬يكون‭ ‬في‭ ‬الوقت‭ ‬نفسه،‭ ‬ذلك‭ ‬العالم‭ ‬الإثنوغرافي‭ ‬والفيلولوجي‭ .‬

لقد‭ ‬حاول‭ ‬مونان‭ ‬أن‭ ‬يرد‭ ‬الاعتبار‭ ‬للدرس‭ ‬الترجمي،‭ ‬وذلك‭ ‬بدحض‭ ‬الفرضيات‭ ‬السائدة‭ ‬في‭ ‬اللسانيات‭ ‬العامة،‭ ‬التي‭ ‬كانت‭ ‬تعتبر‭ ‬أن‭ ‬الترجمة‭ ‬بين‭ ‬اللغات‭ ‬المختلفة‭ ‬شبه‭ ‬مستحيلة،‭ ‬لكنه‭ ‬عمل‭ ‬في‭ ‬أبحاثه‭ ‬اللسانية‭ ‬على‭ ‬التصدي‭ ‬لمثل‭ ‬هذه‭ ‬الرؤية‭ ‬‮«‬العدمية‮»‬‭ ‬للترجمة،‭ ‬مؤكدًا‭ ‬‮«‬أن‭ ‬موضوع‭ ‬الترجمة‭ ‬يطرح‭ ‬إشكالاً‭ ‬نظريًا‭ ‬أمام‭ ‬اللسانيات‭ ‬المعاصرة‭. ‬فإذا‭ ‬قبلنا‭ ‬بصحة‭ ‬الفرضية‭ ‬المتداولة‭ ‬حول‭ ‬البنيات‭ ‬المعجمية‭ ‬والصرفية‭ ‬والتركيبية،‭ ‬فإننا‭ ‬نصل‭ ‬إلى‭ ‬النتيجة‭ ‬التالية،‭ ‬أن‭ ‬الترجمة‭ ‬تعتبر‭ ‬عملاً‭ ‬مستحيلاً،‭ ‬لكن‭ ‬واقع‭ ‬الممارسة‭ ‬والتجربة‭ ‬يؤكد‭ ‬بالملموس‭ ‬وجود‭ ‬المترجمين،‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬إنتاجهم‭ ‬الترجمي‭ ‬الذي‭ ‬نستفيد‭ ‬منه‭. ‬ولهذا‭ ‬يمكن‭ ‬القول‭ ‬أمام‭ ‬هذه‭ ‬المفارقة‭ ‬إن‭ ‬إشكالية‭ ‬الترجمة‭ ‬تمثل‭ ‬تحديًّا‭ ‬فاضحًا‭ ‬بالنسبة‭ ‬للسانيات‭ ‬المعاصرة‮»‬‭.‬

 

مخطط‭ ‬تصنيفي

كما‭ ‬وسّع‭ ‬العالم‭ ‬اللساني‭ ‬رومان‭ ‬جاكبسون‭ ‬مجال‭ ‬المقاربة‭ ‬اللسانية،‭ ‬معتبرًا‭ ‬أن‭ ‬موضوع‭ ‬الترجمة‭ ‬يتجاوز‭ ‬الاقتصار‭ ‬على‭ ‬الترجمة‭ ‬اللغوية‭ ‬وحدها‭. ‬ليحتضن‭ ‬ضمن‭ ‬مكوناته‭ ‬البعد‭ ‬الثقافي‭. ‬ففي‭ ‬كتابه‭ ‬‮«‬أبحاث‭ ‬في‭ ‬اللسانيات‭ ‬العامة‮»‬‭ ‬ قدّم‭ ‬مخططًا‭ ‬تصنيفيًّا‭ ‬لأنواع‭ ‬الترجمة‭.‬

‭-  ‬الترجمة‭ ‬الداخلية‭ ‬بين‭ ‬اللغات‭ ‬التي‭ ‬تؤوّل‭ ‬العلامات‭ ‬اللغوية‭ ‬عبر‭ ‬وساطة‭ ‬علامات‭ ‬لغوية‭ ‬تنتمي‭ ‬إلى‭ ‬اللغة‭ ‬نفسها،‭ ‬كمثال‭ ‬على‭ ‬ذلك‭ ‬عندما‭ ‬نمارس‭ ‬نقد‭ ‬النقد‭ ‬أو‭ ‬نثر‭ ‬قصيدة‭ ‬شعرية‭.‬

‭- ‬هناك‭ ‬الترجمة‭ ‬التفاعلية‭ ‬بين‭ ‬اللغات‭ ‬أو‭ ‬الترجمة‭ ‬الحرفية،‭ ‬التي‭ ‬تعتمد‭ ‬على‭ ‬تأويل‭ ‬العلامات‭ ‬اللغوية‭ ‬عن‭ ‬طريق‭ ‬لغة‭ ‬أخرى‭.‬

‭- ‬هناك‭ ‬الترجمة‭ ‬الما‭ ‬بين‭ ‬سيميائية،‭ ‬وهي‭ ‬تقابل‭ ‬التوصيل‭ ‬الذي‭ ‬يؤول‭ ‬العلامات‭ ‬اللغوية‭ ‬بواسطة‭ ‬علامات‭ ‬غير‭ ‬لغوية،‭ ‬ومثاله‭ ‬عندما‭ ‬نحوّل‭ ‬قصيدة‭ ‬إلى‭ ‬لوحة‭ ‬تشكيلية‭ ‬أو‭ ‬رواية‭ ‬إلى‭ ‬سيناريو‭ ‬سينمائي‭.‬

‭- ‬إن‭ ‬الملاحظ‭ ‬على‭ ‬هذا‭ ‬الرسيم،‭ ‬أن‭ ‬الصنفين‭ ‬الأوّلين‭ ‬يندرجان‭ ‬داخل‭ ‬الحقل‭ ‬اللساني،‭ ‬أما‭ ‬الصنف‭ ‬الثالث،‭ ‬فإنه‭ ‬يرتبط‭ ‬بالبعد‭ ‬السيميائي‭ ‬غير‭ ‬اللغوي‭ ‬داخل‭ ‬الفعل‭ ‬الترجمي‭.‬

بينما‭ ‬نجد‭ ‬أن‭ ‬علماء‭ ‬الإثنولوجيا‭ ‬اللغوية‭ ‬أمثال‭ ‬وورف‮ ‬يعتبرون‭ ‬أن‭ ‬اللغة‭ ‬لا‭ ‬تمثل‭ ‬أداة‭ ‬ناقلة‭ ‬للإبلاغ،‭ ‬بل‭ ‬هي‭ ‬عامل‭ ‬على‭ ‬تشكيل‭ ‬رؤيتنا‭ ‬للعالم‭ ‬ومنظورنا‭ ‬للوجود،‭ ‬لأن ‭ ‬كل‭ ‬لغة‭ - ‬كما‭ ‬يقول‭ ‬وورف‭ - ‬تعيد‭ ‬بطريقة‭ ‬مختلفة‭ ‬تقطيع‭ ‬مجال‭ ‬الواقع‭ ‬،‭ ‬وذلك‭ ‬بإخضاعه‭ ‬إلى‭ ‬نظامها‭ ‬الخاص‭.‬

 

أمانة‭ ‬الترجمة

يعتبر‭ ‬أنصار‭ ‬النسبية‭ ‬اللغوية‭ ‬أن‭ ‬الوجود‭ ‬الإنساني‭ ‬يتماهى‭ ‬مع‭ ‬اللغة،‭ ‬فاللغة‭ ‬لا‭ ‬تكتفي‭ ‬بالتعبير‭ ‬عن‭ ‬الأفكار‭ ‬فقط،‭ ‬بل‭ ‬إنها‭ ‬تعمل‭ ‬على‭ ‬تشكيلها‭ ‬وهيكلتها،‭ ‬بينما‭ ‬قامت‭ ‬أطروحة‭ ‬التكافؤ‭ ‬والترادف‭ ‬على‭ ‬بعد‭ ‬إتيقي‭ - ‬أخلاقي،‭ ‬لأن‭ ‬هذه‭ ‬النظرية‭ ‬اقترنت‭ ‬دائمًا‭ ‬بالبحث‭ ‬عن‭ ‬‮«‬أمانة‮»‬‭ ‬الترجمة‭ ‬أو‭ ‬خيانتها،‭ ‬التي‭ ‬تم‭ ‬التعبير‭ ‬عنها‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬الصورة‭ ‬الرمزية‭ ‬الشهيرة‭ ‬التي‭ ‬أطلقها‭ ‬جورج‭ ‬مورنان،‭ ‬ناعتًا‭ ‬الترجمات‭ ‬غير‭ ‬الأمينة‭ ‬بـ‭ ‬‮«‬الجميلات‭ ‬الخائنات‮»‬‭.‬

فالمترجم‭ ‬مهما‭ ‬كان‭ ‬ضليعًا‭ ‬بالاختلافات‭ ‬التي‭ ‬تعرفها‭ ‬اللغات‭ ‬من‭ ‬ناحية‭ ‬المفردات‭ ‬والقواعد‭ ‬التركيبية‭ ‬والصوتية‭ ‬والصرفية‭ ‬والمعجمية،‭ ‬يبقى‭ ‬في‭ ‬حاجة‭ ‬إلى‭ ‬معرفة‭ ‬أدق‭ ‬بتفاصيل‭ ‬النص‭ ‬المصدر‭ ‬والثقافة‭ ‬التي‭ ‬يجسدها‭.‬

في‭ ‬هذا‭ ‬السياق‭ ‬يذكر‭ ‬الباحث‭ ‬السيميائي‭ ‬أمبرتو‭ ‬إيكو،‭ ‬الذي‭ ‬بالرغم‭ ‬من‭ ‬اعترافه‭ ‬بدور‭ ‬العرب‭ ‬في‭ ‬ميدان‭ ‬الترجمة‭ ‬العالمية،‭ ‬فإنه‭ ‬يستحضر‭ ‬مثالاً‭ ‬عن‭ ‬الصعوبات‭ ‬المنهجية‭ ‬ذات‭ ‬الطبيعة‭ ‬المرتبطة‭ ‬بضرورة‭ ‬معرفة‭ ‬السياق‭ ‬الثقافي‭ ‬والحضاري‭ ‬للنص‭ ‬المترجم،‭ ‬التي‭ ‬واجهها‭ ‬ابن‭ ‬رشد‭ ‬نتيجة‭ ‬لإغفاله‭ ‬للسياق‭ ‬التداولي،‭ ‬عندما‭ ‬أراد‭ ‬أن‭ ‬يترجم‭ ‬كلمتي‭ ‬تراجيديا‭ ‬وكوميديا‭ ‬الدخيلتين‭ ‬إلى‭ ‬اللغة‭ ‬العربية‭.‬

‭‬في‭ ‬الترجمة‭ ‬الأولى‭ ‬إلى‭ ‬العربية‭ ‬لكتابي‭ ‬البويتيقا‭ ‬والريتوريقا‭ ‬لأرسطو‭ ‬من‭ ‬قبل‭ ‬ابن‭ ‬رشد،‭ ‬الذي‭ ‬كان‭ ‬يجهل‭ ‬الإغريقية،‭ ‬ولم‭ ‬يكن‭ ‬يعرف‭ ‬إلا‭ ‬قليلاً‭ ‬من‭ ‬السريانية،‭ ‬يقرأ‭ ‬أرسطو‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬ترجمة‭ ‬عربية‭ ‬من‭ ‬القرن‭ ‬العاشر،‭ ‬تعود‭ ‬بدورها‭ ‬إلى‭ ‬نسخة‭ ‬مترجمة‭ ‬إلى‭ ‬السريانية‭ ‬المعتمدة‭ ‬كذلك‭ ‬على‭ ‬نسخة‭ ‬يقال‭ ‬إن‭ ‬أصلها‭ ‬إغريقي‭. ‬ لقد‭ ‬كان‭ ‬نص‭ ‬أرسطو‭ ‬يمتلئ‭ ‬بكثير‭ ‬من‭ ‬الإحالات‭ ‬إلى‭ ‬المسرح‭ ‬الإغريقي،‭ ‬مقرونة‭ ‬بأمثلة‭ ‬شعرية،‭ ‬هنا‭ ‬يستحضر‭ ‬إيكو‭ ‬القصة‭ ‬الشهيرة‭ ‬التي‭ ‬كتبها‭ ‬الأرجنتيني‭ ‬بورخيس‭ ‬بعنوان‭ ‬‮«‬البحث‭ ‬عن‭ ‬ابن‭ ‬رشد‮»‬،‭ ‬المنشورة‭ ‬في‭ ‬مجموعته‭ ‬القصصية‭ ‬‮«‬ألف‮»‬‭.‬

 

أوراد‭ ‬سرمدية

يتخيل‭ ‬الكاتب‭ ‬الأرجنتيني‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬القصة‭ ‬مقدار‭ ‬الصعوبة‭ ‬التي‭ ‬واجهها‭ ‬أبو‭ ‬الوليد‭ ‬بن‭ ‬محمد‭ ‬بن‭ ‬رشد،‭ ‬المعروف‭ ‬في‭ ‬الغرب‭ ‬بأبيروييس‭ ‬مع‭ ‬كلمتي‭ ‬الكوميديا‭ ‬والتراجيديا،‭ ‬لأنهما‭ ‬كانتا‭ ‬مجهولتين‭ ‬في‭ ‬التراث‭ ‬العربي،‭ ‬حيث‭ ‬سيكتفي‭ ‬عند‭ ‬ترجمتهما‭ ‬بالعودة‭ ‬إلى‭ ‬مخزون‭ ‬الثقافة‭ ‬العربية،‭ ‬هذا‭ ‬ما‭ ‬تخيّله‭ ‬بورخيس‭ ‬في‭ ‬قصته‭ ‬التي‭ (‬يصور‭ ‬فيها‭ ‬الفيلسوف‭ ‬ابن‭ ‬رشد‭ ‬وهو‭ ‬يعمل‭ ‬على‭ ‬شرحه‭ ‬لأرسطو‭ ‬في‭ ‬منزله‭ ‬بالأندلس،‭ ‬مبلبلًا‭ ‬بباعث‭ ‬من‭ ‬مفردتين‭ ‬لا‭ ‬يهتدي‭ ‬إلى‭ ‬فهم‭ ‬معنييهما،‭ ‬ولا‭ ‬تعينه‭ ‬المصادر‭ ‬المتوافرة‭ ‬لديه‭ ‬على‭ ‬ذلك،‭ ‬ألا‭ ‬وهما‭ ‬التراجيديا‭ ‬والكوميديا‭.‬

من‭ ‬نافذة‭ ‬بيته‭ ‬يلمح‭ ‬في‭ ‬تلك‭ ‬الأثناء‭ ‬صغارًا‭ ‬يقلدون‭ ‬المؤذن‭ ‬داعيًا‭ ‬إلى‭ ‬الصلاة،‭ ‬لدى‭ ‬اقتراب‭ ‬المساء‭ ‬يذهب‭ ‬لزيارة‭ ‬صديقه‭ ‬فرج،‭ ‬وهناك‭ ‬يستمع‭ ‬إلى‭ ‬جاره‭ ‬أبي‭ ‬القاسم‭ ‬يصف‭ ‬ما‭ ‬شاهده‭ ‬في‭ ‬الصين،‭ ‬في‭ ‬مزيج‭ ‬من‭ ‬الخيال‭ ‬والحقيقة،‭ ‬يتحدث‭ ‬الرحالة‭ ‬عن‭ ‬أوراد‭ ‬سرمدية‭ ‬النمو،‭ ‬تحمل‭ ‬على‭ ‬أوراقها‭ ‬اسمي‭ ‬الله‭ ‬ونبي‭ ‬الإسلام،‭ ‬وعن‭ ‬شجرة‭ ‬ثمارها‭ ‬طيور‭ ‬خضر،‭ ‬وعن‭ ‬أشخاص‭ ‬يحملون‭ ‬أقنعة‭ ‬قرمزية‭ ‬ويكونون‭ ‬سجناء،‭ ‬لكن‭ ‬لا‭ ‬أحد‭ ‬يرى‭ ‬قضبان‭ ‬سجنهم‭ ‬ويحاربون‭ ‬بسيوف‭ ‬من‭ ‬قصب‭ ‬ويموتون‭ ‬ثم‭ ‬ينهضون‭ ‬من‭ ‬على‭ ‬الأرض‭ ‬من‭ ‬جديد،‭ ‬لدى‭ ‬عودته‭ ‬إلى‭ ‬منزله‭ ‬يخط‭ ‬ابن‭ ‬رشد‭ ‬في‭ ‬أوراقه‭ ‬أن‭ ‬التراجيديا‭ ‬هي‭ ‬فن‭ ‬المديح،‭ ‬والكوميديا‭ ‬هي‭ ‬فن‭ ‬الهجاء‭. ‬

تفصح‭ ‬دلالة‭ ‬هذا‭ ‬المحكي‭ ‬التخييلي،‭ ‬على‭ ‬حدود‭ ‬الاعتماد‭ ‬على‭ ‬الترجمة‭ ‬المعجمية،‭ ‬لأن‭ ‬الترجمة‭ ‬ليست‭ ‬هي‭ ‬النقل‭ ‬اللغوي‭ ‬لنص‭ ‬من‭ ‬لغة‭ ‬إلى‭ ‬أخرى،‭ ‬بل‭ ‬هي‭ ‬علاقة‭ ‬امتلاك‭ ‬للآخر،‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬التفاعل‭ ‬مع‭ ‬محيطه‭ ‬الثقافي‭ ‬وسياقات‭ ‬عالمه‭ ‬المعرفي‭ ‬والحضاري‭. ‬كما‭ ‬أن‭ ‬تضمين‭ ‬المكون‭ ‬الثقافي‭ ‬في‭ ‬العمل‭ ‬المترجم،‭ ‬قد‭ ‬يساعد‭ ‬على‭ ‬تقريب‭ ‬مسافة‭ ‬التباعد‭ ‬بين‭ ‬النص‭ ‬المترجم‭ ‬والنص‭ ‬الأصلي،‭ ‬أو‭ ‬كما‭ ‬قال‭ ‬الباحث‭ ‬عبدالسلام‭ ‬بنعبدالعالي‭ ‬إن‭ ‬‮«‬مهمة‭ ‬الترجمة‭ ‬هي‭ ‬بالأساس‭ ‬توليد‭ ‬القرابة‭ ‬واستبعاد‭ ‬الغرابة‭ ‬في‭ ‬الآخر‮»‬‭ .‬