مجلّة الجِنان البيروتية 150 سنة على صدورها

مجلّة الجِنان البيروتية 150 سنة على صدورها

مجلة الجنان مجلَّة نصف شهرية أسسها في بيروت المعلّم بطرس البستاني في 1/1/1870م، وصدر منها 17 مجلدًا، إلى حين توقفها عن الصدور في 5 مارس 1886م. وقد حصل البستاني على إجازة بإصدارها من راشد باشا والي سورية يوم ذاك، وكانت أول مجلّة من نوعها باللغة العربيّة. وهي تشتمل على مواضيع وأبواب متنوعة، منها العلمية والسياسية والصناعية والزراعية والتجارية والطبية والتاريخية والأدبية والفكاهية، وإن كانت تتستر عن تناول المواضيع السياسية المباشرة. وقد اتخذ لها مؤسسها البستاني شعارًا هو: «حب الوطن من الإيمان»، وصدر العدد الأول منها بهذين البيتين:
إليكَ صحيفةٌ نُشرت حديثًا
فأغنت بالسماع عن العيانِ
كفردوسٍ حوى ثمرًا شهيًا
لذاك دعوتها باسم الجنانِ

 

 

في الافتتاحية التي يقدّم بها العدد الأول من مجلّته هذه، يقول البستاني:
«إنه قد تيسر بهمة هؤلاء الأمور العظام وجود عدة «كازتات» (جمع Gazette) في اللغة العربية لأجل نشر الأخبار والمجريات الداخلية والخارجية، ولم تزل لغتنا معدومة واسطة من الوسايط الكبرى لنشر المعارف العمومية من علمية وأدبية وتاريخية وصناعية وتجارية ومدنية، وغير ذلك من النبذ والمِلَح الأدبية مما هو جارٍ في البلدان الأجنبية، وقد ظهرت فوائده للخاص والعام، لأنه فضلًا أنه يكون وسيلة لتنشيط المعارف العمومية وتقوية أركانها بين الجمهور وتبادل ذلك بين قومٍ وقوم، وإحياء اللغة وتحسينها، والمحافظة على الاتفاق فيها بين أهلها، ومعاضدة ما وجد من العناصر الوطنية، في هذه الأبواب يفتح بابًا لأصحاب المعارف وميدانًا يجول فيه قلم المهرة من أصحاب القلم.
وبناءً على ما نراه من الاستعداد والميل من المتكلمين بلغتنا العربية الشريفة من أبناء وطن وأجانب، إلى الحصول على واسطة كهذه طالما جال في خاطرنا شدّة اضطرار لغتنا وأبناء وطننا إليها قد عزمنا بالاتكال على عنايته تعالى على إبراز المقصد المذكور من القوة إلى الفعل بإنشاء جريدة في اللغة العربية تسمى الجنان (جمع جنة) تحتوي على الفوائد المذكورة من قلمنا وقلم من يرغب أن يتحفنا بقطعٍ نفيسة من أصلية ومترجمة في الأبواب المار ذكرها».
أما ابنه سليم البستاني، الذي تولى رئاسة تحريرها والإشراف على سياستها، فيرسم لنا سياسة المجلة في افتتاحية تحت عنوان: «سياسة الجنان» ويقول فيها:
«وطالما اشتهر الجنان بالمحاماة عن الحقوق الوطنية والاتحاد العثماني وبترويج أسباب إنهاض الأمة ماديًا وأدبيًا بنشر الفوائد المثقفة العقول والدافعة الأوهام والموطدة أركان الألفة والاتحاد بين الشعوب لتقوية العناصر الوطنية، بحيث تصبح قادرة على احتمال المؤثرات الخارجية دون أن تغير أحوالها، ولا أن تمسّ استقلالها.
ومن المحقق أن للدول العظمى صوالح في البلاد الشرقية تراعيها وتصونها، وقد جعل كل منها لنفسه سياسة بالنظر إليها يسلك سبل ترويجها في كل حال».
ويقول في مكانٍ آخر:
«غرض الجنان إنما هو عدم الغرض. فيا أبناء الوطن انصرفوا في الحكم واعلموا أن غرض الجنان هو الحق وإن شطّ فعن قصد. إنه خادم أمين يخدم وطنه المحبوب وإن شرد في سبيل خدمته عن المطلوب فلا تلوموه، بل عاملوه باللطف والرفق، لأن ذلك من شيم الكرام الذين نفخر بأن نحسبكم من أولهم».
وهذا ما يعترف له به أحد كبار المستشرقين الألمان في القرن التاسع عشر هو الأستاذ الدكتور هنريش فلايشر  (1801-1888) في رسالة أرسلها من ليبسيك في 6/4/1871 يقول فيها:
«أرجو أن تتأكدوا بأنني أتلقى جرنالكم (الجنان) بالاعتبار الواجب له من كل وجهة، وعلى الخصوص لما فيه من الاستقامة وخلو الميل وعدم التعصب في وقائع الحرب التي حدثت أخيرًا بين ألمانيا وفرنسا...».

أهداف «الجنان»
يمكننا تلخيص أهداف مجلة الجنان بالعناوين التالية:
أولًا: محبة الوطن. وهو الشعار الذي اتخذته المجلة كما أسلفنا.
ثانيًا: محاربة الطائفية والتعصب الديني.
ثالثًا: الدعوة إلى الاتحاد والألفة والتضامن بين البلدان العربية.
رابعًا: نشر ثمرات العلوم والاكتشافات والاختراعات العلمية بين الناس. وأحيانًا تلجأ إلى وضع الرسوم البيانية والصور الإيضاحية لتبيان ذلك.
خامسًا: توخي الموضوعية والتحقق من صحة الأخبار قبل نشرها.
وقد ظلت مجلة الجنان بوجه عام متمسكة بهذه الأبواب والمواضيع، لكنها كانت في بعض الأحيان ولأسباب طارئة تستغني عن بعضها أو تختصر قسمًا من المواضيع، وخاصةً عندما كانت تهتم بنقل الأخبار والأحداث العالمية الطارئة، مثل الحروب التي كانت تنشب في أوربا بين دولة وأخرى أو بين إحدى الدول الأوربية والدولة العثمانية، وتبيان انعكاساتها على مجريات الأحداث في بلادنا.
وبالإضافة إلى هذه المواضيع المتنوعة التي تحظى باهتمامات القراء، كانت المجلة تنشر الروايات المتسلسلة الموضوعة أصلًا باللغة العربية أو المترجمة عن إحدى اللغات الأوربية، وخاصة عن الفرنسية. وهي تهدف من نشر هذه الروايات، إلى جانب التسلية، الإصلاح الاجتماعي والأخلاقي.
وتتراوح صفحات كل عدد من أعداد المجلة ما بين 32 و36 صفحة وكان يشتمل على:
ــ افتتاحية أو ما يسمى «جملة سياسية».
ــ أخبار متنوعة.
ــ مقالات علمية تتناول مواضيع زراعية وصناعية وتجارية طبية.
ــ مقالات أدبية من شعر وألغاز.
- مواضيع تاريخية، تدور حول التاريخ القديم والحديث، وخاصة تاريخ المشرق العربي، وبالأخص شؤون الديار المصرية في ظل حكم الخديوي إسماعيل (1863 – 1879) وتوفيق (1879 – 1892)، وأحداث البلدان الأوربية وخاصة فرنسا وإنجلترا وروسيا وألمانيا وإسبانيا وإيطاليا والنمسا، وخاصة الحرب الروسية ــ العثمانية (1877 – 1878)، ومعاهدة برلين (1878)، واحتلال فرنسا لتونس (1880)، وبريطانيا لمصر (1881) وللسودان (1883).
ــ ترجمة القوانين التي كانت السلطنة العثمانية تصدرها ونشر القوانين الدولية.
ــ باب الفكاهات والنوادر والمِلَح، ومن ضمنه الروايات المتسلسلة والقصص التي كان يؤلفها سليم البستاني أو يترجمها عن الفرنسية.
ونلقي الآن الضوء على هذه الأبواب والمواضيع التي كانت تنشرها المجلة:

المقالات العلمية
تتناول العلوم المعروفة في ذلك العصر من طب ورياضيات ومسائل حسابية وكيمياء وفيزياء وفلك وعلم أحياء، وما إلى ذلك، لأن المجلة كانت تؤمن بالمعرفة وبأنها أساس التقدم والقوة والنجاح من أجل مواكبة تطور العصر ومجاراة أوربا في تقدمها العلمي والصناعي، وأخذ ما تنتجه من مبتكرات وما تتوصل إليه من اكتشافات وأبحاث تصب كلها في مصلحة الإنسان وإسعاده، واستخدام الآلات الصناعية الحديثة لتحقيق التقدم الصناعي المرجو، داعية إلى إرسال الشبان للتخصص في الجامعات الأوربية في هذه الحقول والعودة إلى بلادهم لخدمتها وتطويرها.
إن معظم المقالات العلمية المنشورة في «الجنان» هي من إسهام أطباء أجانب على رأسهم الدكتور كورنيليوس فان ديك (1818 – 1895)، والدكتور جورج بوست  (1838 – 1909) صاحب مجلة «الطبيب»، من أساتذة الكلية السورية الإنجيلية (الجامعة الأميركية في بيروت فيما بعد)، ومن الوطنيين أمثال الدكتور شبلي الشميّل (1850 – 1917)، والدكتور خليل سعادة (1857 – 1934) وغيرهما، بالإضافة إلى المقالات التي كان يدبجها أحيانًا سليم البستاني أو كانت تترجم عن اللغات الأجنبية أو تنقل عن دائرة المعارف التي باشر في وضعها المعلم بطرس البستاني بمؤازرة ابنه سليم، أو كانت تنقل عن بعض المجلات والجرائد.

المقالات الأدبية
كانت المقالات الأدبية المثبوتة في المجلة تعتمد اللغة العربية المبسطة والسهلة التي يمكن أن تصل إلى أكبر عدد من الناس والتي تهدف إلى مخاطبة الفئة المثقفة من القراء والتي ترضى بها الخاصة وتفهمها العامة.

المقالات التاريخية
ترى مجلة الجنان أن الاهتمام بالتاريخ القديم أمر ضروري ومفيد، لأنه السبيل إلى معرفة الأحداث الغابرة وأخذ العبرة منها. ولهذا أفسحت المجال في صفحاتها أمام نشر تاريخ الحضارات القديمة، أمثال بابل وفينيقيا وبيزنطة، وكذلك كانت تهتم بالتاريخ الحديث، وخاصة بتاريخ فرنسا الحديث ولا سيما نابليون والثورة الفرنسية واستنتاج العبر من هذه الثورة العظيمة والاستفادة من المبادئ التي دعت إليها كالحرية والديمقراطية والمساواة والمطالبة بتطبيقها تدريجيًا وتوعية الشعب على مثل هذه المفاهيم التي كان لها تأثير كبير على البشرية جمعاء. وكذلك كانت تنشر أخبار حرب فرنسا وألمانيا التي جرت سنة 1970، وتهتم بتاريخ الدولة الروسية وسواها من دول أوربا الكبرى والمهمة في ذلك الحين.

المقالات الفكاهية
أفسحت مجلة الجنان في الصفحات الأخيرة من أعدادها بابًا تنشر فيه الروايات المسلسلة الموضوعة أو المترجمة أغلبها بقلم سليم البستاني، والقصص الشعبية والمِلَح والنوادر تحت عنوان «فكاهات».
والهدف من نشر هذه الروايات والقصص هو الموعظة وأخذ العبرة والإصلاح الاجتماعي الذي كان سليم البستاني يسعى إلى تحقيقه. وهي تجمع بين التسلية والترفيه والترويح عن النفس والفائدة، والغاية منها تربوية وتعليمية وتثقيفية، وبعض هذه الروايات كانت تنشر على مدى سنة كاملة في كل عدد من أعدادها. فقد نشرت المجلة في سنتها الأولى (1970) رواية «الهيام في جنان الشام» من تأليف سليم البستاني. وفي سنتها الثانية (1871) نشرت رواية «زنوبيا»، و«حاذر وليلى»، و«نجيب ولطيفة» و«زفاف فريد»، وهي كذلك من تأليفه. وفي سنتها الثالثة (1982) بدأت بنشر رواية «بُدُور» مسلسلة.
وإلى ذلك كانت تنشر بعض الأخبار الطريفة والنوادر المسلية التي تلقى اهتمامًا عند القراء.
وكان سليم البستاني وهو أحد البساتنة أصحاب المِكن على النهضة في لبنان والبلدان العربية يؤمن بأنه من واجب الإنسان السعي إلى إدراك المعرفة وتحصيل العلم والتطور، فالناس متساوون، ولكن الذي يميّز الواحد عن الآخر هو ما يحصّله من علم وما يجنيه من المعارف، وكل ذلك يجب أن يصب في تطور المجتمع البشري وتوعيته ورفع الظلم والتسلط والاستبداد.
وقد صدر من مجلة الجنان 388 عددًا من أول سنة 1870 وحتى 5 مارس 1886 حين توقفت عن الصدور ■