شوقي بزيع: ما عشناه هو النثر والشعر دائماً طي الرغبة والحلم

شوقي بزيع: ما عشناه هو النثر والشعر دائماً طي الرغبة والحلم

لا يمكن أن نرسم خريطة للشعر اللبناني الحديث إلا ويبرز اسم شوقي بزيع بحضوره فوق هذه المنمنمة التي احتضنته وكوكبة من الشعراء ممن أطلِق عليهم اسم «شعراء الجنوب» في أواخر سبعينيات القرن الماضي، ضمن مجموعة كان عليها أن تترك شموس آبائها في القرى وتصطدم بالحداثة الشعرية، وبالمدينة، بيروت التي كانت، رغم الحرب، تتنفس الحرية بملء رئتيها.

من طفولة غنية في مرج زبقين المفتوح على فلسطين وبحر صور وموجات الغجر الرُّحّل، إلى مقاعد كلية التربية في الجامعة اللبنانية التي احتضنت رواد الحداثة الشعرية أساتذةً وطلاباً، شقّ بزيع طريقه إلى الشعر، في مسيرة امتدت على صفحات سبعة عشر ديواناً ابتدأت 
بـ «عناوين سريعة لوطن مقتول» عام 1978، ووصلت إلى «الحياة كما لم تحدث» (2017)، حياة يقول بزيع، الذي نال حديثاً جائزة سلطان العويس للشعر العربي، إن الفن والحب قادران على ردم تجاويفها الكثيرة.

طفولة برية
• قلت أكثر من مرة إن طفولتك كانت طفولة ملونة أو طفولة حواس، ماذا تقصد بذلك؟
- أستعيد مقولة باشلار حول «أن لا شعر غنياً بلا طفولة غنية»، ومقولة مارغريت دوراس بأن الشعر هو ذلك «الصراخ الوحشي للحيوانات الليلية»، لأقول إن الأحاديث عن الشعر لطالما أشارت إلى العودة لطفولة البشر الجمعية والكهوف الأولى وزمن البراءة.
كانت طفولتي مزيجاً معقداً من السعادة والشقاء. السعادة متصلة بالفضاء الواسع لهذه الطفولة، لأنني كنت أمشي على دروب لا تنتهي وجغرافيا شاسعة متنوعة من الهضاب المتقاطعة، والتي تفصل بينها وديان مثلومة بأكثر من ينبوع.
كانت طفولة بريّة بامتياز، غنية بالمشاهد، أي طفولة حواس مفتوحة على مصراعيها، حيث لكل شيء لون وطعم ورائحة: لون الأرض تحت الشتوة الأولى، وروائح القمح الأخضر وقمح الحصاد، رائحة التبغ ومذاقه المر.
لا أنكر أنني أتحدر من أسرة فلاحية، كنا نعيش كفقراء حقيقيين في أسرة مؤلفة من تسعة أولاد، والطعام الذي يوضع كان بالكاد يكفينا. أطرف الأشياء التي أتذكرها هنا هو أنني سُرِقت من قِبَل الغجر. 
كان الغجر الرُّحّل يمرون في القرى اللبنانية وينصبون خِيماً ويضرمون النار، وينشغلون ببعض الصناعات الخفيفة، أو بالتبصير والتنجيم والرقص والغناء. طلَبَت الغجرية الجائعة من أمي أن تأتي لها بعدد من الأرغفة، وحين ذهبت أمي إلى البيت لتلبي طلبها، سرقتني، ولم يُعثر عليّ إلا على بعد كيلومتر بعيداً من القرية. لو فازت تلك الغجرية بي لوفَّرَت عليّ أن أكتب الشعر. أعي الآن جيداً لماذا استخدم خليل حاوي رمز الغجرية ورمز البدوية السمراء والبصّارة والعرافة في شعره، وكذلك لوركا الذي أهدى مجموعة كاملة من شعره إلى الغجر.

هروب من الفصحى
• هل هناك من علامات معيّنة وجّهتك في طريق الشعر، وكيف تلمست خطواتك الأولى إليه؟
- أحسست بأعراض الكتابة واللغة الموزونة في وقت مبكر لا يتجاوز السادسة أو السابعة من العمر. ولأنني لم أكن أتقن اللغة الفصحى بعد، فقد بدأت بكتابة الأزجال والأغاني من «الدلعونا» والتعبيرات المحكية التي تستخدم حتى الآن في الريف اللبناني. لا أعرف السر الذي جعلني أمتلك موهبة الإيقاع أو الوزن العروضي منذ نعومة أظفاري، وأن أعرف بالسليقة النظام الإيقاعي للشعر. 
كنت أشكو من اللغة الفصحى، ومن النحو والصرف، ولذلك هربت إلى القصيدة المحكية. وحين أحسست بأني بدأت أُلمِّ بالفصحى دون أن أتمكن منها، غالباً ما كنت أستعمل الهاء المفتوحة في القوافي بكلمات من نسق (رماها، محاها، تلاها). أبي في حينها كان يظن أن ما أنشده أمامه وأمام الآخرين مسروق من شعراء لم يقرأ لهم قَط. لقد سمّاني شوقي تيمناً بأحمد شوقي، وكان يرغب في أن ألازم القصيدة العمودية، لأنه تربى على هذا النوع من الشعر.
تجرعت الكثير من المرارات لكي يقتنع بي شاعراً، خاصة بعد أن ذهبت إلى الجامعة وبدأت أكتب قصيدة التفعيلة، وانفَتَحت على الحداثة. الناس في القرى لم تكن معتادة على هذا النوع من الكتابة، ولذلك كان يشعر بخيبة أمل في البداية، لكن بعد أن تكرست شاعراً عاد واقتنع بي.
• لو ترسم لنا خطاً معيّناً تصاعدت من خلاله تجربتك في الأسلوب والمعنى منذ المجموعة الأولى «عناوين سريعة لوطن مقتول»، وصولاً إلى «الحياة كما لم تحدث».
- في المجموعات الأربع الأولى، هناك محاولة للمواءمة بين المعنى وشكل التعبير عنه، بين العناصر المعرفية والغنائية في الكتابة، بين الاستسلام للغة وترويض اللغة. 
في البدايات كنت أشعر بأنني أخطئ أحياناً في هذه الخلطة السحرية التي يجب توافرها للشاعر لكي ينتج عملاً ناجحاً، بحيث تطغى الأيديولوجيا على اللغة، أو البلاغة على المعنى. لكن ثمة قصائد في الأعمال الأولى مازلت أعتبرها من أفضل ما كتبت.
يبدو أن الشاعر لا ينمو في خط بياني بالضرورة، لكن التجربة تتجه بشكل لولبي نحو مصيرها: أحياناً تتراجع وأحياناً تتقدم، ولذلك الشعراء هم مجموعة من القصائد الناجحة وسط كمّ وافر من الإخفاقات، والقصائد التي تنجح هي أشبه الثمرة التي قُطفت في لحظة نضوجها تماماً.
على مستوى المساحة الشعرية، كانت المساحة الشعرية في المجموعات الأولى أضيق وموزعة نسبياً بين قطبين: المرأة والمكان بامتداداته المتصلة بالمقاومة والحنين إلى الأرض. بالنسبة إلى الديوان الأول، فقد تأخر إلى عام 1978، بعد أن غربلت كثيراً من كتاباتي، وحذفت ما لم أكن راضياً عنه. 

قصيدة الحب
• سبع سنين عجاف من الصمت، انتهت بمجموعة «وردة الندم» عام ١٩٩٠. هل الصمت ضروري في التجربة الشعرية، كما هي الفواصل الصامتة الملازمة للموسيقى؟
- قصائد وردة الندم صدرت عام 1990، لكنها كُتبت عام 1983، ولم تُنشَر لشدة وطأة الحروب التي أحاطت بالوطن في تلك الفترة، حروب قادتني إلى الإحساس بلا جدوى الشعر من جهة، والإحساس، من جهة ثانية، بأن قصائد الحب لم تكن في أوانها، وبأن كثيرين سيتبرمون من ديوان حب في زمن قاتم. كان عليّ أن أنشر المجموعة في أوانها، لأن قصيدة الحب هي شكل من أشكال المقاومة ضد اليأس والعزلة والموت. 
العودة الحقيقية تمت مع «مرثية الغبار» التي فازت بجائزة عكاظ للشعر العربي، وتُرجمت إلى اللغة الألمانية، حيث تشعبت القصائد، وبدت الموضوعات مختلفة تماماً عما سبق. كنت يومها قد قرأت «جماليات المكان» لباشلار، فكتبت قصيدة «البيوت» متأثراً بهذا الكتاب، وكتبت عن أسلاف وقرى وأماكن وأشخاص مغمورين ورعاة في الجنوب.
الصمت جزء من فلسفة الوجود والشعر، الإنسان يحتاج إلى تنفّس، النبات يحتاج إلى تنفس، والقصيدة تحتاج لأن تتنفس وكذلك الصوت. من أسرار الشعرية العالية هو أن يعرف الشاعر تماماً مساحات الصــــمت ومساحــــات الـــــكــــلام، وهذا يظهر في قصيدة التفعيلة بالمناسبة بشكل إشكالي، إذ تكاد هذه القصيدة تتحول إلى نمط جاهز مستهلك ومكرر. 
يجب على كل شاعر أن يمتلك القدرة على تحويل لغته إلى لغة جديدة. على مستوى البحر الشعري، هناك من يقول إن أوزان الخليل ضيقة، وإنها لا تتجاوز الستة عشر بحراً.
كل من يعرف أسرار الإيقاع والوزن، يعلم أن هناك أكثر من ستة عشر ألف بحر شعري، وكل بحر يملك كمّاً هائلاً من الاحتمالات والإمكانات الصوتية المتعلقة بالحذف والإشباع ونظام النبر. إن كل استخدام لبحر شعري هو إعادة إنتاج لهذا البحر، لذلك ترى البحر الكامل عند امرئ القيس غيره عند المتنبي، وغيره عند السياب أو محمود درويش أو أدونيس. 

مقاربة مختلفة
• هل الديوان الأخير «الحياة كما لم تحدث» يشكل قطيعة مع ما قبله؟ هل يستطيع الشاعر أن يقوم بانقلابات دراماتيكية على تجربته؟
- في التجربة هناك فجوات حقيقية، إذ ليس هناك الكثير من أوجه الشبه بين «سراب المثنى» و«صراخ الأشجار»، أو بين «الرحيل إلى شمس يثرب» وبين «مرثية الغبار» و«قمصان يوسف». تعجبني فكرة الإنسان - النهر الذي هو نفسه وخلافه في آن، صحيح أن الأسلوب هو الرَجُل، الهوية هي شيء متحول نصنعه باستمرار، كما يصنع النهر هويته بالمعنى الهيراقليطي. 
في كل مجموعة جديدة أشعر بأنني أمام مقاربة مختلفة للأشياء واللغة وفكرة مختلفة عن الشعر. هناك أشياء تُخزَّن منذ زمن صباي الأول وأعود إلى كتابتها، لا أعرف كيف تحضر في ساعة التجلي، وهذه اللحظة تستمر ستة أو سبعة أشهر متواصلة أحياناً، فأنا أفرغ من كتابة قصيدة، وأبدأ بسواها، لأني أكون محتقناً بعدد من الأسئلة والمكابدات.
الديوان الأخير هو محاولة للقول إن الفن في عمقه هو الحياة المتخيلة، الحياة التي لم نعشها، وأن ما عشناه هو النثر، هو المتحقق والواقعي، ولكن ما يظل دائماً طي الرغبة وطي الحلم هو الشعر. هذا الذي لم يحدث، لا يحدث غالباً إلا في دواخلنا ومتخيلنا.

محاولة لخلق الجمال 
• يقال إن الفلاحين المكسيكيين يدخرون المال لمدة عام كامل ليصرفوه على شراء أقنعة في عيد فولكلوري معيّن. لقد أكثرت من الاستخدام الأسطوري والرمزي في شعرك، واستحضرت رموزاً دينية وأسطورية كثيرة، هل هو نوع من الأقنعة التي يختبئ خلفها الشاعر ليرصد الوجود؟
- الأسطورة هي عنصر أساسي وفاعل من عناصر الشعر، واللغة ذاتها تشتمل على بُعد أسطوري تخرج العالم من واقعيته إلى شيء ميتا - واقعي، أو ما بعد واقعي، ولذلك يسمى المجاز مجازاً، لأنه تجاوز لنظام الدلالة وخروج من النفق الضيق للغة القاموسية باتجاه قذفها في المطلق الدلالي الذي يتكثف في الأسطورة والرمز.
هناك شعراء ذهبوا باتجاه إعادة كتابة الأساطير كتابة أخرى وهناك شعراء وظفوا هذه الأساطير في إطار رمزي. بالنسبة إليّ، استخدمت كلا المفهومين وحاولت إعادة إنتاج الرمز بشكل مختلف بالنفاذ إلى الطبيعة الداخلية لهذا الرمز وعيش تمزقات الداخل، وأنسنة المقدس، وإعادة إنتاج الشخصية بواسطة تقمصها. بدا القناع في كثير من التجارب الشعرية العربية محاولة لإخفاء الأنا الحقيقية، أو الأنا الشاعرة، نتيجة ظلم معيّن أو استبداد. في بيروت المفتوحة الرئتين على الحرية، لم تكن بنا حاجة إلى التلظي وراء الرمز كقناع. 
في حالتي هناك نوع من التماهي الكامل بيني وبين الرمز، فيوسف هو حالة من أحوالي في لحظة مواجهة الكيد الأنثوي الذي مثّلته زليخة، وفكرة الجمال ليست منجزاً فطرياً وبدئياً بقدر ما هي محاولة لخلق الجمال عبر المكابدة والمشقات، ولذلك بدت قمصان يوسف تجليات لشخصية يوسف المختلفة، وكذلك قصيدة مريم التي تقمصت فيها الشخصية الأنثوية الإنسانية للصدّيقة وصرختها أمام الوجود: لماذا الخطيئة الأولى ترتكبها حواء، وعليّ أنا أن أدفع الثمن؟ لماذا أنا من أُذبح مرتين؛ مرة على مذبح الأنوثة ومرة على مذبح الأمومة؟
الأمر يتجلى أيضاً في رقصة سالومي حين حوّلتها إلى عاشقة ليوحنا المعمدان، عاشقة مقموعة تحاول أن تنتقم لكرامتها الجريحة بخلقها لمعادلة الرأس/ الرقص.

شعراء الجنوب
• غالباً ما تتم الإشارة إليك كواحد من «شعراء الجنوب»، هل «شعراء الجنوب» حركة شعرية منظمة كتلك المجموعات التي كانت تبرز في الغرب من وقت لآخر؟
- لم يكن لنا أي دور بشأن التسمية، تصادف أن هناك كوكبة من الأشخاص الموهوبين الذين خرجوا تحديداً في بداية السبعينيات وأنهم يكتبون الشعر، تبلورت التسمية لأن هؤلاء الشعراء ينتمون إلى الجنوب اللبناني، ولأن الجنوب كان في الواجهة على المستوى السياسي والإعلامي مع تكرر الاعتداءات الإسرائيلية وظهور المقاومة الفلسطينية ومن ثم اللبنانية.
هذه الظاهرة لا تشبه كثيراً الظواهر التي عرفها الغرب، لأن الأخيرة كانت تقوم على مدارس فلسفية وأدبية وإبداعية لها عصب معيّن وطريقة في التعبير والكتابة كالدادائية والتكعيبية والسوريالية والرمزية وما سوى ذلك. 
كانت لهؤلاء الشعراء سمات مشتركة فهم لم ينتموا إلى الجنوب على المستوى الجغرافي فقط، بل جمعتهم خصائص لها علاقة بالحساسية اللغوية، باعتبار أن معظمهم نشأ في بيوت دينية، حيث اللغة تدرس مع علوم الدين، وهناك بُعد تراثي متصل بالتاريخ. كانت حداثة هذه المجموعة مرتبطة بجذور أصيلة معيّنة، لم يكن هناك تغريب في القصيدة، حيث إن تلقف الشعر الغربي كان يتم بشكل أساسي عبر الترجمات، وهناك طبعاً علاقة بالطبيعة مميزة، هناك أيضاً وجع ناجم عن المعاناة المشتركة التي عشناها معاً. هذا يصح في المرحلة الأولى، حتى نهاية الثمانينيات، بعد ذلك، انحسرت التسمية بدءاً من مطالع التسعينيات، وذهب شعراؤها مذاهب شتّى.

الواقع والجذور
• هل كان القسم الأكبر من النتاج الذي كتبتموه مرحلياً في تلك الفترة، بمعنى أنه كان متصلاً بالأيديولوجيا والسياسة، وبالتالي فقد قيمته بمرور الزمن؟
- نتاج أي كاتب يتصل بشكل أو بآخر بالواقع الذي يعيشه وباللحظة التي ينبثق عنها نصه، دون أن يكون الأدب في حد ذاته أدباً مرحلياً. الأهم هو أن ينطلق الأدب من لحظته ومكانه لكي يعانق المطلق واللانهائي. لسنا كائنات منفصلة عن ترابنا الخاص، وجذور الشعر والتجربة لا تنبت في الهواء، لكنها تتغذى من نسغ الحياة اليومية، لذلك كان جزء من مجموعاتي الثلاث الأولى متصلاً بالمعاناة التي عشتها كشخص وجيل في أثناء الحرب الأهلية اللبنانية وفي أثناء الاحتلال.
لا يحاسَب الإنسان المتألم على صرخته، وهكذا بدت قصائدنا وكأنها دفاع عن حقنا في الوجود والاعتراض. واجهتنا في تلك الفترة معضلة طرحها مفهوم الالتزام في الأدب، بخاصة نحن الذين نشرنا قصائدنا الأولى على صفحات مجلة الآداب، حيث كان سهيل إدريس، وهو من ترجم سارتر، متأثراً بالأدب الملتزم، معضلة يضاف إليها الانتماء الماركسي لبعض الشعراء، حيث كانت الواقعية الاشتراكية في ذروتها في تلك الفترة. 
تنازعتنا رغبة الحداثة التي تدفع باتجاه البحث عن لغة جديدة وخيارات أوسع في الكتابة، وتهتم بالمغامرة الإبداعية والجمالية في حد ذاتها، ورغبة توظيف الشعر في المجالين السياسي والاجتماعي.
قصيدة الحب لم تصعد وتهبط مع بورصة الحروب، لأنها عاطفة كونية مختلفة. هذا الصراع أدى بي سريعاً إلى ترك التنظيم الماركسي الذي كنت أنتمي إليه نتيجة إحساسي بأنني لن أبرح مكاني ما دمت خاضعاً لهذا الابتزاز المفهومي، والانتقال باتجاه تجارب مختلفة بدت طلائعها في «وردة الندم» الذي كان عبارة عن ديوان حب كامل وبعده المجموعات اللاحقة. 

معايير إبداعية
• ما هو موقفك من حركة الحداثة الشعرية العربية التي بدأت طلائعها في خمسينيات القرن الماضي مع مجلة شعر وغيرها، وانفتاح شكل القصيدة ومعانيها على مروحة متنوعة من الأشكال والمضامين؟
- الحداثة لا زمنية في جوهرها، هي تحمل منطقها الخاص القائم على معايير جمالية وإبداعية، ولا علاقة لها بالتقدم في الزمن أو عكسه. الحداثة بهذا التعريف ليست محصورة بالغرب في القرن التاسع عشر، ولا هي حداثة الشعراء التموزيين في الخمسينيات، بل هي حداثة مستمرة بدأت مع فجر الشعر العربي واستمرت حتى الآن، فقد يكون نص لامرئ القيس أو المتنبي أكثر حداثة من شعراء يعيشون بيننا اليوم.
لا شك في أن الشعراء الروّاد أمثال بدر شاكر السياب وأدونيس وصلاح عبدالصبور ومحمد الماغوط ومحمود درويش قدموا إنجازات كبرى، باعتبار أنهم أول من خاض المغامرة بالانتقال من شكل إلى آخر ومن بنية أسلوبية وتعبيرية ورؤية للوجود باتجاه رؤية أخرى أكثر إيغالاً في الداخل الإنساني، ومعالجة لِما كان يصنف خارج خانة الشعرية في السابق، لم تعد لغة المعاجم مقياساً للقيمة الشعرية، بل التأمل في المعنى الإنساني والنبش في خراب الداخل بعيداً عن القوالب الجاهزة.
الأجيال اللاحقة على جيل الروّاد كانت لها إضافتها في إغناء الشعر العربي ليس فقط في تنويع التفعيلة التي اعتمدت التدوير أكثر من التسجيع المباشر أو النمطي، وكذلك في إضافة أبعاد درامية جديدة وشد عصب الكتابة بالمزيد من التوتر ودمج الشعر بالفنون الأخرى، كالمسرح والرواية والموسيقى والفن التشكيلي.
الميزة الأساسية لحداثة الجيل اللاحق كانت في الاقتراب من الحياة المعيشة، وليس فقط المفاهيم المجردة، بما نسميه شعر اليومي أو شعرية التفاصيل، أو «شعر البيت»، كما كانت تسمى موسيقى الحجرة بأمريكا في حقبة معينة.
ظهرَ تهافتٌ ما في بعض النصوص، وقدر كبير من التجريب والمجانية، ولكن كان لابد من ذلك لكي تحصل بعدها عملية غربلة تفصل ذهب الشعر عن الرمال والمعادن، كما يحصل في المناجم. 

بين الحب والفن
• يقول الشاعر الفرنسي يوجين غيفيك إن الشعر هو «امتلاء الفارغ وفراغ الممتلئ»، هل توافق على هذا التعريف؟
- أوافق غيفيك الرأي، مع تعديل بسيط يتعلق بالنقصان لا بالفراغ. أعتقد بأننا نكتب لأننا مصابون بالنقصان، من اللحظة الأولى للعيش تبدأ الحياة بالتناقص، هي لا تكون كاملة إلا قبل أن نولد، هذا النقصان لا يمكن أن يُردَم وأن يُسَدّ فراغه إلا بالكتابة. 
كل ما نخسره نحوله إلى لغة، من أوطان وحبيبات وحرية. فرضية الامتلاء لا تكتمل، فإذا كان الشاعر لاعب نرد على ما يقول مالارميه، فهو باستمرار عرضة لأن يخطئ ويصيب. والمصادفات اللانهائية التي تقوم بين الكلمات التي يستخدمها الشعراء وبين الحروف جزء من معادلة رياضية تفتحها اللغة. نحن نشغل أنفسنا بوهم الامتلاء الذي يضلل فكرة الموت ويضلل النقصان نفسه. ننشغل عن النقصان بمعالجته ومقاربته، وليس مهمّاً في أي حال أن نصل إلى شيء: الأهم هي الرحلة وليس الهدف. نتذكر قسطنطين كافافيس في قصيدته «الطريق إلى إيثاكا»، حيث الوصول إلى إيثاكا هو ضرب من الوهم، لأن عوليس سيعثر على مدينة مدمرة، ولكن أجمل ما في الأمر هو الرحلة. هناك نوع من الفراغ الوجودي إن لم يحتله الفن أو الحب سيحتله الموت، لذلك نحن نشاغل أنفسنا بطريقتين: عبر الحب وعبر الفن.

حياة موازية 
• في فيلم «ساعي البريد»، يغير بابلو نيرودا حياة ساعي البريد الذي كان يحمل له الرسائل في منفاه الإيطالي، ويعلمه أن ينظر بطريقة جديدة إلى الكون، وأن ينظم الأشعار لحبيبته. هل تؤمن بقدرة الشعر على إحداث فارق في حياة أحدهم؟
- هو لا يحدث فرقاً فحسب، هو حياة موازية. إذا تحدثنا عن الشعراء الحقيقيين، الذين حققوا إنجازات كبرى على مستوى المغامرة الشعرية، لقد جازف هؤلاء بكل شيء من أجل الشعر، وكذلك لم يذهبوا إلى الرهبنة أو العزلة، لأن الشعر لا يتغذى فقط من قراءة الكتب أو الإخلاد إلى النفس، ولكن من الارتطام بالحياة. علينا أن نقذف أنفسنا في الأتون، أن نقع فيما نخاف منه، وأن نخلق هذه المعادلة الحاذقة جداً والصعبة بين أن نعيش الحياة وبين أن نكتبها. 
في «فراشات لابتسامات بوذا»، تمثلت حالة بوذا الذي لم يصل إلى الحقيقة من خلال التنسك، لأنه حين ذهب مع البراهمة في عملية خلع الجسد بالكامل وعملية تعذيب النفس شعر بأنه لا يصل إلى الحقيقة، وأن اللذات التي يحاول تفاديها توقعه في أسرها. كانت تتراءى لبوذا نساء جميلات ومغويات، وكان يريد أن يطردهن، ولكن عبثاً، فذهب إلى انتهاك الحياة وقطف كل أشكال اللذة لكي يصفو. بعد أن تخلص من عبء وضغط الملذات عاد إلى المصالحة بين النفس وبين العالَم.

الشعر لا يموت
• هل للشعر من أفق في العالم اليوم في ظل منافسة الرواية وقلة اهتمام القراء بقراءته؟ وما رأيك بمقولة موت الشعر؟
- سيكون من غير المنصف ألا نرى الآن إلا المشهد الروائي بوصفه المشهد الذي يتصدر حركة النشر واهتمام القراء في العالم المعاصر. لو التفتنا إلى الوراء، سنرى أن هناك أنواعاً من الفنون تتقدم في حقبة من الحقب وتتراجع في حقب أخرى تبعاً لحساسيات العصور المتنوعة وللمراحل التي تمر بها البشرية سلماً أو حرباً، توتراً أو هدوءاً.
أحياناً يتقدم الرسم والنحت على ما سواه، أو الموسيقى أو الشعر، وأحياناً يتقدم هذا الفن في قارة أو مساحة جغرافية ويتراجع في أخرى. تقدُّم الرواية ناجم بشكل أساسي عن تعب البشرية من الحروب التي خاضتها، والأيديولوجيات التي حكمتها، إلى حد الاختناق وحاجتها في مرحلة الاستراحة إلى السرد والتذكر. 
هذه البشرية المتعبة تمثّل لها الرواية حياة موازية تمكّنها من الاستقالة من حياتها الأولى والإقامة في حياة الآخرين أو في حياة سابقة متخيلة، بشكل يشبه السينما أو السفر. الشعر لا يوفر هذه الطمأنينة، بل يضعنا وجهاً لوجه أمام ذواتنا، لغة الشعر أكثر صعوبة وكثافة. 
أريد أن أطرح سؤالاً على من يقولون بنهاية الشعر. كيف يمكن للشعر أن ينتهي إذا كان قد رافق البشرية منذ فجرها الأول وحتى اليوم، وإذا كانت المسائل الكبرى التي يتصدى لها الشعر في الحياة والموت والحب والكراهية والزمن والمرض لا تنتهي؟ هناك مسائل كونية وجودية من الصعب مقاربتها بفنون أخرى غير الشعر.
وأيضاً، كم مرة نستطيع إعادة قراءة إحدى الروايات؟ مرة أو اثنتين على الأكثر، في حين أنه يمكننا إعادة قراءة قصيدة عشرات المرات في لغة لا تُسلم قيادها إلى أحد، ملغزة وتتفتح لنا كوى باتجاه التأويل وإعادة التأويل. الشعر مصنوع من مادة لا تنفد، والشعرية لا تنتهي، لأن كل الفنون تحتاج إلى الشعر، وهي من دونه مسحوبة العصب وجافة ومتخثرة. 

مصباح ديوجين
• صِف لنا لقاءك الأول بالمدينة، مررت بصور قبل أن تصل إلى بيروت. ماذا كانت انطباعاتك حول المدينتين؟
- كنت أدرس في صور، في السنة الأخيرة، لم أكن أذهب كثيراً إلى القرية التي تقع في تلة مشرفة على هذه المدينة. طلبت من ابن خالي الذي كان زميلي بالمدرسة في حينها، ولم تكن الكهرباء قد وصلت إلى القرية، أن يحمل ما يسمى «اللوكس»، وهو عبارة عن مصباح قوي جداً، وأن يقف على سطح منزله ويلوّح لي، وصعدت أنا على سطح الغرفة الصغيرة التي أسكنها في حي الرمل، ورأيت المصباح قبالتي تماماً، ولم أشعر إلا بالدموع على مقلتيّ. هذا المصباح صار بالنسبة إليّ أشبه بمصباح ديوجين، رمزاً لكل ما يشع من مسقط الرأس من جمالات.
أول ما لفتني في بيروت هو مشهد الأشجار التي تعود إلى الوراء كلما كنت أتقدم باتجاه الشمال، كنت أظن لوهلة أنها تعود إلى حيث كنت، إلى حيث أقمت، لكي تحرس مسقط رأسي. لفتتني الأبراج الشاهقة والواجهات اللماعة التي تغشى العيون. كنت أشعر بأن عينيّ طازجتان، كأن الألوان كانت أكثر عمقاً، الأخضر كان أكثر اخضراراً، والأزرق والأحمر كذلك. 
الاصطدام ببيروت لم أعبِّر عنه شعراً وعلـى طول مسيرتي الشعرية التي تضمنت سبعة عشر ديواناً، لم أكتب قصيدة واحدة عن بيروت. جمعت كتاباً عنها بعنوان «بيروت في قصائد الشعراء» كنوع من التكفير عن الذنب، لم أكتب عنها ليس لأنني لا أحبها، ولكن لأنني بالعمق شاعر ريفي، شاعر طبيعة ومقتلع من الريف حتى ولو لم تكن الطبيعة موضوعاً لشعري، ولذلك ترى كمّاً من الأنهار والينابيع والكواكب والرعاة في شعري، ويبدو أن الشعر هو من طبيعة ريفية. 

حافز للعطاء
• حصلت أخيراً على جائزة العويس للشعر العربي. كيف تلقيت الخبر؟
- سأكون مجافياً للحقيقة إذا قلت إنني لا آبه إلى الجوائز ولا أفرح بها، شأني شأن أي كاتب أو شاعر على وجه الأرض. حين يكتب الشاعر الحقيقي يسدل الستائر من خلفه وأمامه، بحيث لا يرى شيئاً يتعلق بأناه السطحية المتعلقة بالحصول على جائزة من هنا ومن هناك، أو على المنبرية والمهرجانية. الإبداع يتم في العتمة الكاملة، وبالتالي تأتي الجوائز محصلة طبيعية لمشقات عُمر بأكمله ولا تُتقصّد لِذاتها. فرحت كثيراً بما نلته من جوائز على الصعيدين المعنوي والمادي، وهذا الأخير يحجب عن الكتّاب شبح العوز والفقر والجوع، وهو نوع من ضمان الشيخوخة بشكل أو بآخر، خاصة في ظل انعدام القراءة وعدم مقدرة الكتّاب العرب على العيش من مبيعات كتبهم.
الجوائز على أهميتها ليست معياراً وحيداً في الحكم على جودة ما يكتبه المبدعون، بدليل أن عدداً غير قليل منهم وممن أحدثوا ثورات على مستوى لغاتهم وشعوبهم لم يحصلوا على «نوبل»، أمثال تولستوي وبروست وكافكا وكونديرا وكاداريه. 
على الكاتب أن ينتبه إلى أن الجائزة ليست نقطة على آخر السطر الإبداعي، بل يجب أن تشكّل حافزاً له للاستمرار والعطاء■