الشِّعر والفلسفة

الشِّعر والفلسفة

بدا المسلمون في العصر  العباسيّ مبهورين بالفلسفة، وقد شرع متفلسفوهم ونَقَلتهم في نشاطهم التأليفيّ بترجمة الكتب اليونانيّة وتفسيرها، وبصورة خاصّة كتب أَرِسطو أو المنحولة عليه، وبصورة أخصّ كتابه في الشعر؛ ومعروف أنّهم سمّوه المعلم الأوّل  وتتلمذ بعضهم لمترجم كتبه أبي بِشر مَتّى بن يونس القُنّائيّ (ت 328 هـ).

 لكنّ النظرة إلى هؤلاء كانت نظرة ارتياب، فاضطُهد أوّلهم وأكبرهم، نعني يعقوب بن إسحاق الكِنْديّ (ت نحو 260 هـ) لقربه من المعتزلة، وأودع تلميذه أبو العبّاس السَّرْخَسيّ (ت 286 هـ) في المطامير - وهي حفر عميقة - حتّى مات، لاتّهامه بالإلحاد، وغضب فقهاء قرطبة على 
مُحَمَّد بن عبدالله الجبليّ وأحرقت كتبه، ومَنع المتوكّل على الله العبّاسيّ (حكم: 232 - 247 هـ) النظر والجدل وأمر الناس بالتقليد؛ حتى إذا استولى البُوَيْهيّون على السلطة في بغداد، ابتداء من سنة 334 هـ، ظهر إخوان الصفاء ذوو الميول الأفلاطونيّة. فلا غرو أن تكون نظرة النقّاد القدماء إلى الفلسفة نظرة سلبيّة، وأن يؤكد بعضهم العداوة بين الشعر والفلسفة، مثل الآمِديّ (ت 370 هـ) الّذي رأى أنّ الفلسفة نقيض الشعر والبلاغة العربيّة، مجافية لهما، وتحطّ من قدر الشعر إذا تضمّن معانيها؛ ومثل القاضي عليّ الجُرْجانيّ (ت 392 هـ) وأبي منصور الثَّعالبيّ (ت 429) وابن رَشيق القَيْروانيّ (ت 456 هـ) الّذين رأوا أن الدخول في الفلسفة خروج عن رسم الشعر وجناية عليه؛ ومثل ابن بسام الأندلسيّ (ت 542 هـ) الذي استهجن استعمال الشعراء للمعاني الفلسفيّة. وفي المقابل عَدّ الفيلسوف يحيى بن عَدِيّ (364 هـ) الشعرَ من قشور الحكمة. ولم يسغ الفلسفة في الشعر إلاّ الحاتِميّ (ت 388 هـ) الّذي أوحى أنّ الشعر الفلسفيّ عند المتنبّي (ت 354 هـ) يفوق الفلسفة، وكذلك أُعجب أبو العَلاء المَعَرّيّ (ت 449 هـ) بمعاني المتنبّي الفلسفيّة. لكنّ الفلسفة الّتي يتحدّثون عنها هي بمعنى الحكمة وليس بالمعنى الاصطلاحي لها.
 وظلّ العرب والمسلمون، حتى في القرن العشرين، مبهورين بالفلسفة، من غير أن يُخرجوا فلاسفة كباراً، مع ذلك، لأنّ الفلسفة بدت كالتكنولوجيا، بضاعة مستوردة قلّما يصنع مثلَها عربٌ، إما قدماء مشبعون بنقاء الفكر الديني، أو محدثون خاضعون بصورة مباشرة أو غير مباشرة لسلطة الغرب السياسيّة والاقتصادية والفكريّة، ومتخلّفون باستمرار عن التطوّر العلميّ والتكنولوجيّ والصناعيّ في الغرب، حتى إنّ ما ينتجونه ليبدو، غالباً، كالثمر الّذي نَصِفُه اليوم بالرجعيّ لخروجه بعد موسمه. وليست تلك تهمة بل هي نتيجة لطبيعة الفكر العربي، ولتكوين النظام الدولي الخاضع لهيمنة الدول الكبرى.

التوحيد بين الشعر والفلسفة
وأمين الرَّيْحانيّ (1876 - 1940م)، المهاجر اللبنانيّ، من أولئك المأخوذين بالفلسفة، فهو يكاد يوحّد بينها وبين الشعر، فيؤكّد أنّ لكبار الشعراء والفلاسفة فلسفة «هي الشعر، وشعراً هو الفلسفة»، ناسباً السموّ إلى الشعر الفلسفيّ، والجمال إلى معاني الفلسفة الشعريّة. وهذا يعني أنّ الشعر، عنده، يكتسب سموّه من الفلسفة؛ فالفلسفة فكر سامٍ. ويعني كذلك أنّ الفلسفة تستمدّ جمالها من الشعر؛ فالشعر عمل جميل. وهو لا يكاد يفرّق بين الشاعر والفيلسوف، رائياً في الوقت نفسه أنّ عملهما متكامل: «يدرك الفيلسوف بالعلم والاستقراء ما يفتح للشاعر أبواباً للوحي جديدة؛ ويدرك الشاعر بالحسّ والتصوّر ما ينبه الفيلسوف لجادّة في البحث مجهولة، ويوسّع لديه نظاق الفكر والاكتشاف». كما يشير إلى الحقيقة العلميّة والحقيقة الشعورية، فيرى أن الأولى يدركها الشاعر بحسّه الدقيق، وأن الثانية يدركها الفيلسوف بعقله المحيط. لكنّ هذا التكامل الّذي يلحظه الرَّيْحانيّ هو في الواقع دليل اختلاف، لأنّه يخص الفيلسوف بالعلم والدرس، وكأنّه يلمح إلى الفلسفة الشعريّة النظريّة، ويخصّ الشاعر بالحسّ الدقيق والتصوّر؛ ومتى كانت وسائل الإدراك مختلفة، كان الإدراك نفسه مختلفاً، والمدركون أيضاً مختلفين. والرَّيْحانيّ في سعيه إلى التوحيد بين الشاعر والفيلسوف ينسب إليهما مزيّة خلقيّة مشتركة هي النزاهة: فهما في رأيه أخَوان مفكّران منزّهان «عن الأغراض الشخصيّة والمآرب النفسيّة كلّها»، ولذلك ينبغي لهما ألاّ يختلفا في الحقائق الأساسيّة للحياة. وهو يحاول أن يجد علاقة موضوعيّة بين ما يصفه بالشعر الكونيّ الروحيّ و«الفلسفة الّتي تقرن المادة بالروح»، ويرجع هذه العلاقة إلى فلاسفة اليونان القدماء، مؤكّداً «أنّ في فلسفة أفلاطون شعراً صافياً، وفي شعر هوميروس فلسفة سامية». والشعريّة التي يتحدّث عنها ليست النظم بل الروح الشعريّ، على الأرجح، الّذي نُلفيه في فلسفة أفلاطون؛ لكن فلسفة أفلاطون ليست شعراً صافياً، وليس شعر هوميروس بالفلسفيّ. حتى إذا بلغ الرَّيْحانيّ الشعر العربيّ العبّاسيّ، وصف أبا العَلاء المَعَرّيّ بشاعر الفلاسفة وفيلسوفِ الشعراء، وابن الفارِض (577 - 632 هـ) بشاعر التصوّف والفلسفة الإلهيّة، مادحاً قصيدة ابن سِينا (ت 428 هـ) في النفس الّتي تخترق، في رأيه، ستائر المادّة، ثم يبلغ الشعراء الغربيّين في العصور الحديثة فيمدح عمق الفلسفة في شعر غوته (1749 - 1832) ووُضزوُرْث (وُرْدزْوُرْث)
 (1770 - 1850) وكذلك في شعر شكسبير 
(1564 - 1616) الذي أحاطت به «طبقات النفس والفكر» و«آفاق الخيال والتصوّر» و«جوامع الأدب والفلسفة». إنّه توحيد صوريّ يقوم على أحكام قيميّة، وعلى التعميم؛ فالتكامل يصبح وحدة، والروح الفلسفيّ يصبح فلسفة، والروح الشعريّ يصبح شعراً؛ كما يقوم على مثاليّة أخلاقية لا سند لها، إذ ليس كلّ فيلسوف ولا كل شاعر نزيهاً؛ والناحية الموضوعيّة الوحيدة التي كاد الرَّيْحانيّ يقاربها هي الاشتراك بين ما سمّاه الشعر الكونيّ الروحيّ وما سمّاه الفلسفة التي تقرن المادة بالروح، ففي هذين خليط من الشعر والفلسفة، لكن الشواهد عليهما استثنائيّة وفيها نظر. 
 وقد أعلن مصطفى صادِق الرَّافِعيّ 
(1880 - 1937 م) أنّه كان في كتاب رسائل الأحزان شاعراً متفلسفاً، مع أنّ الكتاب نثريّ، وأنّ كتابه ذاك وكتاباه: السحاب الأحمر وأوراق الورد بعده، إنّما هي ديوان رسائل بثّ فيه آراءه في فلسفة الجمال والحب، وأن الرسائل في أوراق الورد لِـ «شاعر فيلسوف رُوحانيّ، وشاعرة فيلسوفة رُوحانيّة، كلاهما يحب صاحبه (...) باعتبار عقليّ»، كما يقول ابن سِينا، ففيه «فلسفة حبّهما». ولقد سمّى نفسه «الأستاذ الفيلسوف». بل هو يتحدّث عن «الفلسفة الشعريّة»، ومعناها عنده «أن يحلّ في الشاعر الملهَم ذلك السرّ الجميل الجاذب والمنجذب معاً، المستقرّ والمتحوّل جميعاً، الباطن والظاهر في وقت، فيكتنه الشاعر ما لا يدركه غيره، فيقف على الجمال والحسن والرقّة، ويلهَم الحكمة والبصيرة، ويتناول الأغراض بالتحليل والتركيب، ويؤتى التعبير عن كلّ ذلك في طريقة خاصّة هي أسلوبه». وهذا يوحي أنّ الفلسفة الشعريّة عمل عقليّ علميّ منهجيّ، يعوَّل فيه على التحليل والتركيب، وإن كان مصدره الإلهام وذلك السرُّ الغامض الّذي لم يسمه الرَّافِعيّ. إنّ كلام الرَّافِعيّ هذا أشبه بالكلام على الفلسفة عامّة لا الشعر.
ويتحدّث الرَّافِعيّ، في الوقت نفسه، عن فلسفة البلاغة الّتي تبدو قسماً من الفلسفة الشعريّة، فيوجبها على الشاعر، ويوحي أنّ مفهومها يتلخّص في أن يكون للشاعر رأي في الأسلوب. 
ومن أقسام الفلسفة الشعريّة، عنده، المعاني الفلسفيّة وتدقيق النظر «في أسرار الأشياء». ويجد ضالّته الشعريّة الفلسفيّة في شعر عليّ محمود طه (1903 - 1949م) حيث ثورة الروح الإِنسانيّة ومعركتها الكبرى مع الوجود كائنة «في الهدوء الشعريّ للروح المتأمّلة، ذلك الهدوء الّذي يجعل الطبيعة نفسها تبتسم بكلام الشاعر كما تبتسم بأزهارها ونجومها، ويجعل الشاعر أداة طبيعيّة متَّخذة لكشف الحكمة وتغطيتها معاً». وفي هذا ضرب من التفريق بين الفلسفة الشعريّة والفلسفة العامّة، ففي الفلسفة الشعريّة حكمة لكن خفية، وفي الفلسفة العامّة حكمة ظاهرة، لكن ذلك يجافي قوله بالتحليل والتركيب، لأنّ هدف هذين الإفضاء إلى الوضوح والدقّة.

تجربة حقيقية
 ومن أقسام الفلسفة الشعريّة، عنده، المعرفة، وهي تحصل بـ «تحويل الشعور الإِنسانيّ إلى معرفة إِنسانيّة»، وذلك سرٌّ أدركه المتنبّي، في رأيه، حين عوّض من ضعفه في الجمال والحبّ حكمةً وأوصافاً، وجعل الفضائل والرذائل في كمالها الفنّيّ تماثيل بارعة الجمال، فخلد شعره. ولا ندري أيقصد الرَّافِعيّ هنا بالجمال وصف الجمال نفسه، ولاسيّما وصف المرأة الجميلة، أم يعني به جمال الفنّ والعبارة؛ علماً بأنّ المتنبّي قال في الحبّ شعراً يَعجِز كبار الغزليين عن مثله، ولا يجيز اتّهامه بالضعف من هذه الناحية، وحسبك قوله: 
وعَذَلْتُ أَهْلَ العِشْقِ حَتَّى ذُقْتُهُ
فَعَجِبْتُ كَيْفَ يَموتُ مَنْ لا يَعْشَقُ
وَعَذَرْتُهُمْ، وَعَرَفْتُ ذَنْبي أَنَّني
عَيَّرْتُـهُمْ، فَلَقِيتُ فِيهِ مـا لَقُـوا
ولا يهم أن يقول ذلك وأمثالَه في قصائد غزليّة مستقلّة أو في مقدمّات غزليّة، بل المهمّ التعبير الشعريّ وإيحاءاته، وإشعارنا أنّه يصدر عن تجربة حقيقيّة، ولا أحد يعرف طوايا النفوس. لكنّ المهمّ أن الرَّافِعيّ لا يجعل الحكمة بذاتها تعويضاً من الضعف في الحبّ، بل ينسب الأمر إلى الكمال الفنّيّ الّذي تظهر فيه معاني الحكمة. ونستنتج من ذلك أنّ الفلسفة لا تُخرج القصيدة من حيّز الشعر، في رأي الرَّافِعيّ، ما دام الفنّ الشعريّ مستوفى. والدليل على ذلك أنّه لا يقرّ الحقيقة المعرفيّة المجرّدة في الشعر، وإلاّ دخلت في حيّز العلم والفلسفة الخالصين، لكنّه يطلب إلى الشاعر تصوير خصائص الجمال الكامنة في الفكرة بدقّة ولطافة، وبالطريقة الّتي تتحوّل فيها في ذهنه، ويلوّنها فنّه بألوانه، ويُعنى بأسرارها. فالذي يهمّ الشاعر من الحكمة جمالها وأسرارها، لا محتواها الفكريّ الصرف، وهو يخضعها، من أجل ذلك، لتصفية فنّيّة تجعلها شيئاً غير العلم والفلسفة، إذ يرسل الفكرة لإيجاد العلم والذوق معاً، وليس لإيجاد العلم وحده. ومن هنا جاء مدح الرَّافِعيّ لحافظ إبراهيم في تعويله على إحساسه لا على فكره، وفي نحوه نحو المطبوعين.
   ويعتقد أحمد زكي أبو شادي (1892 - 1955 م) أنّ الشعر يتحوّل في النفس إلى صورة مكوَّنة من عواطف وفلسفة، وأنّ منظومه يجمع بأوزانه بين فلسفة الحياة وبعض تموّجاتها فيطربنا. وكلام أبي شادي هذا يوحي أنّ الفلسفة عنصر أساسيّ من عناصر الصورة الشعريّة، أو أنّ الشعر يتحوّل في نفس المتلقّي إلى تلك الصورة الفلسفيّة، وهذا يخالف تعريف أبي شادي نفسه للشعر بأنّه تعبير الحنان بين الحواسّ والطبيعة، وأنّه تفاعل بين الحواسّ ومؤثّرات تلك الطبيعة؛ وإذا كانت العاطفة على صلة قرابة بالحنان، فليس للفلسفة أيّ صلة به.
 ويقرّر إلياس أبو شَبَكة (1903 - 1947م) أنّ الشعر يوافق وجوه التفكير جميعاً «فالشاعر قد يطرق باب الفلسفة ولا ينحطّ عن الشعر»، على ألاّ يكون في عمله إقحام للفلسفة على الشعر، كما فعل المَعَرّيّ حين ناقش كالمعلّم العالم ولم يلزم المزاج الفنّيّ. لكنّه حين يصف طريقة أبي العَلاء يوحي أنّ أبا العلاء كان يعرض الفلسفة بأسلوب شعري «فيُلمع إلى الفكرة التي تبدو له، بتعبير» رمزيّ بلاغيّ «بحيث يحدث التأثير النفسيّ المنشود». رأي ملتبس، لكنّ المهمّ فيه أنّه لا يعيّن مواضيع الشعر الفكريّة، بل يمنحه صفة شموليّة، حتى إنه ليسمح فيه بطَرْق باب الزراعة على طريقة فِرجيل (نحو 70 - 19 ق.م)، موحياً أنّ شرط ذلك كلّه هو الحفاظ على الموسيقى والحنان وروعة الوصف. فللشعر عنده عناصر لا بدّ من رعايتها، ولا ضير بعد ذلك من تناول أيّ موضوع؛ واثنان من تلك العناصر واضحان هما الموسيقى وتحاشي الجفاف، أمّا العنصر الثالث، أي روعة الوصف، فمبهم لأنّه نسبيّ أوّلاً، ولأنّ طريقته غير موصوفة ثانياً. وباختصار فإنّ أبا شبكة يقبل الفلسفة في الشعر شرط ألاّ يتكلّفها الشاعر ويعرضها بأسلوب علميّ جافّ.   
 ويجعل أبوالقاسم الشابّيّ (1906 - 1934م) الخيال خيالين: الخيال الفنّيّ أو الشعريّ، والخيال الصناعي أو المجازيّ، أمّا الأوّل فهو الّذي اتّخذه الإنسان «ليتفهّم به سرائر النفس وخفايا الوجود» ومن خلفه نلمح «ملامح الفلسفة وأسرار الفكر» وهو فنّ «تندمج فيه الفلسفة بالشعر، ويزدوج فيه الفكر بالخيال» وتنطبع فيه «النظرة الفنّيّة الّتي يلقيها الإنسان على هذا العالم»، و«يضرب بجذوره إلى أبعد غور في صميم الشعور». وأمّا الثاني فهو «ضرب من الصناعات اللفظيّة». فالخيال الفنّيّ عنده هو الخيال الفلسفيّ الشعريّ، في وقت معاً، لاجتماع الفكر والخيال والفنّ والشعور فيه. وهذا يوحي أنّ الشعر والفلسفة متلازمان، ويقودهما خيال واحد، وإن كان من المحتمل أنّ المقصود بالشعر هنا معناه العامّ، وليس معنى النظم.
 
التباس بين الشعر والفلسفة
 وتتناقض آراء سيّد قُطْب (1906 - 1967 م) في الشعر والفلسفة، مع أنّها معروضة في كتاب واحد أصله محاضرة؛ فصاحبنا يشترط على الشاعر أن تكون له فلسفة في الحياة خاصّة به، تنشأ عن إحساسه الشخصيّ، ويفسّر الحياة على ضوئها. وهو لا يرى الفلسفة بمعزل عن الشعور، بل يراهما متداخليّن متفاعلين لكن «بمقادير وكيفيّات غير مضبوطة ولا دقيقة». ولبّ الشعر الصحيح، عند قُطْب، هو احتواء أبياته لنظرة «شاعر شديد الحساسيّة»، يجنح إلى فلسفة «الحياة النابضة» و«الشعور المتحفّز المتعمق». والشاعر الممتاز هو الّذي يمدنا بفلسفة مختلفة في الحياة. وإحساس الشاعر بالطبيعة ينبئنا بجانب من فلسفته. فالشاعر فيلسوف عند سيّد قُطْب، لكن فلسفته تنشأ عن شعوره لا عن عقله، والشعور لا يجافي الفلسفة، عنده، على كلّ حال.
 لكن قُطْباً يردّ على من يعتقد أنّ الشعر المعبّر عن الحقيقة قد يعرى من شاعريته وموسيقاه ويصبح فلسفة جافّة، بأنّ الحقائق الّتي يعبّر الشعر عنها تختلف عن تلك الّتي تعنى بها الفلسفة، لأنّها حقائق الإحساس الخفيّ. بيد أنّه لا يصف الحقائق الّتي تتناولها الفلسفة. وهو في ردّه هذا يكاد ينفي كلّ نظريّته في القرابة بين الشعر والفلسفة، لأنّه يعترف بالاختلاف بين الحقائق الشعريّة والفلسفيّة، لا بين وسائل الوصول إليها، وهذا يعني أنّ الشاعر لا يمكن أن يكون فيلسوفاً.
أمّا الفَيْتوريّ (المولود سنة 1930م) فلا يتكلّم على الفلسفة بصورة صريحة، بل بصورة ضمنيّة؛ فهو يشير إلى أنّ القصيدة مزيج موسيقيّ فكريّ، عازياً الأصالة في الشعر إلى الفكر والعاطفة والإبداع، رائياً أنّ الضحالة الفكريّة والنفسيّة سبب انهيار الشعر الحديث، وأنّ الجدّة منوطة بالرؤية الإِنسانيّة الجديدة، فحديث الفَيْتوريّ عن الفكر والرؤية حديث فلسفيّ، لكنّه ليس فلسفيّاً خالصاً لأنّه مشوب بالكلام على العاطفة والموسيقى، وهما خاصيّتان شعريّتان، وكأنّه يريد التفريق بين الفلسفة والفكر في الشعر بهاتين الخاصيّتين.

الفصل بين الشعر والفلسفة
أمّا يوسف الخال (1917 - 1987م) فيرى أنّ الشعر يواجه الحياة بكامل وجودها، فيعطينا ضرباً من المعرفة لا يتعالى، ولا يتجرّد من علم الخبرة المحسوس، ويعجز عنه العلم أو الفلسفة؛ ذلك لأنّه «يصفّي خبرتنا ويبلورها ويجعل متشابكاتها أكثر معنى في الشعر منه في الحياة، حتى ليمكن القول إنّ الشعر يساوي الحياة مع شيء آخر (...) هو الجزئيّ صار بالكلمة كليّاً». والعلم والفلسفة يعوّلان على المنطق العقليّ في نظريّات كلية تتّصل بالخبرة، على حين ينظم الشعر الخبرة «في دفقها وانسِيابها الأول» معوّلاً على عَفويّة الكلمة التي ترتفع إلى مستوى الرؤيا. ويوحي الخال أنّ على الشاعر بعد الخروج من مخاض اللغة والأسلوب أن يؤدي شعراً سويّاً لا فلسفة ولا علماً. إن حديث الخال عن الفلسفة والعلم والشعر حديث شعريّ غامض، مع أنه من أوضح الشعراء تعبيراً عن النظريّة الشعرية الحديثة، وهو يقاسم أدونيس، وكلاهما من جماعة مجلّة شعر، من حيث قوله بأنّ المعرفة التي يمدنا بها الشعر تفوق تلك التي يمدّنا بها العلم والفلسفة. 
 ويعلّل الخال تعبير شعرنا العربيّ المباشر عن الخوارق والآراء والأفكار، وظهور القصيدة بمحاور متعدّدة ومتفرّعة، فاقدة لعضويّتها وموضوعيّتها، ومستحيلة إلى «بضع قصائد زائفة في قصيدة واحدة أشدّ زيفاً»، في رأيه، بأنّ الشاعر العربيّ لايزال، على الرغم من النهضة الشعرية الحديثة، «يهبط من الكليّ والشامل ــ وهذا من شأن العقل الفلسفيّ والعلميّ ــ إلى الجزئيّ والخاصّ ــ وهما من شأن المخيّلة الفنّيّة والشعرية ــ». ولا يوضّح الخال كيفية هذا الهبوط ولا عناصره، بل هو يحقّر المخيّلة الفنيّة عامّة، ويعلي العقل الفلسفيّ والعلميّ، وكأنّ على العربيّ أن يكون فيلسوفاً أو عالماً لا شاعراً، وإلا فهو مزيّف، وهذا يعني أنّ الشعر كله زيف، عربيّاً كان أو غير عربيّ. 
ويرفض عبدالرحمن شُكري (1886 - 1958م) تكلّف الحكمة والتزام مذهب فلسفيّ في الشعر، ويطلب التعبير عن التجارب و«الخواطر التي ينضجها الشعور والتفكير»، ذاهباً إلى أنّ المذاهب الفلسفيّة مجرّد «أزياء تأتي وتروح مثل أزياء باريس»؛ يعني، على الأرجح، أنّها كالدارج من الثياب الذي يتبدّل باستمرار. أي أنّه لا يمكن التزام مذهب فلسفيّ لأنّ أيّ مذهب لا يعتّم أن يتبدّل. 
 ويــــجــــــعل عبدالصَّبور (1931 - 1981م) الرؤية الشعريّة في مقابل الرأي الفلسفيّ؛ فهو ينتقد، ابتداء، من يُخرجون أبا تمّام 
(ت نحو 188 - 231 هـ) والمتنبّي (303 - 354 هـ) وأبا العَلاء المَعَرّيّ (ت 449 هـ) من دائرة الشعر إلى دائرة الحكمة، وينتقد في الوقت نفسه من يشتطّون من شعراء العصر الحديث بتهافتهم على تضمين الشعر أفكاراً فلسفيّة، كالرُّصافيّ 
(1877 - 1945م) والزَّهاويّ (1863 - 1936م) والعَقّاد 
(1889-1971م)، حتى ليقترب بعضهم من نظم الفلسفة والعلم التطبيقيّ؛ وينتقد بالتالي أولئك الطامحين إلى مرتبة الشاعر الفيلسوف، الّذين يظنّون أنّها أعلى من مرتبة الشاعر المغنّي؛ ويقصر علاقة الشعر بالفكر على اتخاذ الشاعر موقفاً سلوكيّاً وحياتيّاً من القضايا الفكريّة «بحيث يتمثّل هذا الموقف بشكل عَفويّ في ما يكتبه»، موجباً عليه أن يتمثّل أفكارَه وأن يحوّلها «في نفسه إلى رؤى وصور (...) فالشاعر لا يعرض آراء، بل يعرض رؤية». 

صناعة عقلية
العَفويّة والصورة والرؤية الشعريّة هي، إذن، ما يشترطه عبدالصَّبور في الفكر الّذي يعرضه الشاعر، وهذا يعني استنتاجاً أنّ الفلسفة صناعة عقليّة تخلو من الصور الخياليّة والمؤثرات النفسيّة، وأنّ الحكمة في شعر كبار الشعراء ليست عملاً ذهنيّاً صرفاً، بل هي تصوير شعريّ لما اختمر في نفس الشاعر من أفكار لا تعمّل فيها. وهذا صحيح، فحين يقول أبو تمّام:
السَّيْفُ أَصْدَقُ إنْباءً مِنَ الكُتُبِ 
في حَدِّهِ الحَدُّ بَيْنَ الجِدِّ واللَعِبِ
فإنما يعرض فكرته بأسلوب فنّيّ يقوم على التقسيم الموسيقيّ البارع، فكأنه ضابط إيقاع، مع وضوح في الدلالة من غير تصريح. واجتماع هذه الأمور قلّما يتم في عمل فلسفيّ؛ فالفيلسوف لا يلجأ عادة إلى فنون البيان والبديع، ولا إلى الإيقاع الموسيقيّ، وإذا كان في بعض آراء الفلاسفة غموض، فذلك ناجم عن الطريقة المنطقيّة في عرض الأفكار وإلى كثافة الأفكار نفسها واتّساعها، لا إلى الإيجاز والأساليب الفنّيّة والخياليّة. أمّا الحكمة غير الشعريّة فهي تلك الّتي تأتي خلواً من الصور والبراعة الفنّيّة، كقول ابن الورديّ (ت 749 هـ)، في لاميّته المشهورة:
لا تَقُلْ أَصْلي وفَصْلي أَبَداً
إنَّما أَصْلُ الفتى ما قدْ حَصَلْ
ولقد يصحّ أن نسمي تلك اللاميّة منظومة فلسفيّة، لكن لا يصح أبداً أن ننسبها إلى الشعر، فهي كالمنظومات التعليميّة، وأشهرها ألفية ابن مالك في النحو.
 ولا غرو من بعد أن يفرّق عبدالصَّبور بين الشعر والفلسفة بالمنهج؛ فهو يذهب إلى احتمال أن يكون للفلاسفة رؤية مرتّبة للكون، ومنهج مرتّب، ونظريّات مرتّبة، على حين أنّ سبيل الشعراء هي الانفعال والوجدان، وأنّ أثر الصورة الشعريّة أعمق من أثر التعبير باللغة المجرّدة، وأنّ التعليم والنصح مقيتان، لكنّ كثيراً من الفلاسفة لاحظوا أثر الشعر فاصطنعوا في أعمالهم منهج الشعراء، فكان في أعمال عظامهم قبس شعريّ. ويصف الفلاسفة الّذين يؤثّرون في الوجدان البشريّ «بفلاسفة الروح، الّذين تصطبغ فلسفتهم بالشعر، ويغمسون قلمهم في دماء القلب» وهم عنده قلّة، منهم، وربّما على رأسهم، نيتشه.  
فالترتيب، ويعني به التنظيم، هو ميزة الفلسفة من الشعر؛ وذلك يعني أنّ المنهج الشعريّ غير منظّم، وهو كذلك حقّاً، لكن الافتقار إلى التنظيم يراوح بين العَفويّة والفوضى وحتّى اللاوعي، لكنه عند 
عبدالصَّبور يقف عند العَفويّة، على ما سبق من كلامه. وفي المقابل تبدو الصورة المؤثّرة خصوصيّة شعريّة، عنده، واللغة المجرّدة خصوصيّة فلسفيّة، لكنّ الفيلسوف قد يقتبس تلك الخصوصيّة الشعريّة. بيد أنّ صاحبنا كاد يتورّط في نسبة الرؤية إلى الفلسفة، مع أنّه جعلها خصوصيّة شعريّة، وربّما شفع له في هذا التناقض أنّه وسم الرؤية الفلسفيّة بالترتيب. ويبدو أنّه يدخل الشعر التعليمي في الفلسفة فيراه مقيتاً، إلاّ إذا كان ذلك من تداعي الأفكار، إذ استدعى الوجهُ الفكريّ للفلسفة وجهاً فكريّاً آخر هو ما يكون في الشعر التعليميّ. لكن عبدالصَّبور كاد يوحد بين الشعر والفلسفة فيمن سماهم فلاسفة الروح كنيتشه، ولعلّه اقتبس ذلك عن أمين الرَّيْحانيّ الّذي تحدّث عن اقتران المادّة بالروح في فلسفة بعضهم وفي الشعر الكوني.

الخلاصة
وخلاصة القول أن العرب في العصر الحديث بدوا مبهورين بالفلسفة كانبهار جدودهم بها في العصور العباسية، لكن النظرة إلى الفلسفة دينياً كانت نظرة سلبية وكان السلوك بإزائها متشدداً في الماضي، ولعل هذا سبب قول أكثر النقاد بالعداوة بين الشعر والفلسفة، وإعجاب أقلهم بالمعاني الفلسفية في الشعر، وإن قصدوا بها المعاني الحكمية. ومع أن العصور العربية الحديثة لم تعرف فلاسفة كباراً، فإن بعض الشعراء بدوا مأخوذين بالفلسفة، وكاد بعضهم يوحد بينها وبين الشعر، لكن آخرين وجدوا اختلافاً بينهما من غير أن يجعلوا بعضهما عدوّاً لبعض■