تايلاند بهجةُ الأنظارِ في أرضِ «الأحرار»

تايلاند بهجةُ الأنظارِ في أرضِ «الأحرار»

إنّها‭ ‬بلادٌ‭ ‬تجمعُ‭ ‬المتناقضاتِ‭ ‬وتصهرُها‭ ‬في‭ ‬بوتقةٍ‭ ‬منسجمةٍ‭ ‬وروحٍ‭ ‬متناغمةٍ‭. ‬إنّها‭ ‬بلادٌ‭ ‬تحتفي‭ ‬باللونِ‭ ‬ولا‭ ‬تتحرجُ‭ ‬من‭ ‬استخدامِ‭ ‬الصارخِ‭ ‬مِنْهُ‭ ‬في‭ ‬طلاءِ‭ ‬بيوتِها‭ ‬وأبنيتِها‭ ‬مع‭ ‬أولويةٍ‭ ‬للونِ‭ ‬البرتقالي‭. ‬بَلْ‭ ‬هي‭ ‬بلادُ‭ ‬الأحياءِ‭ ‬فاحشةَ‭ ‬الثراءِ‭ ‬والمراكزِ‭ ‬التجاريةِ‭ ‬المتطاولة،‭ ‬وهي،‭ ‬مع‭ ‬ذلك،‭ ‬بلادُ‭ ‬الأحياءِ‭ ‬العشوائيةِ‭ ‬المنتشرةِ‭ ‬على‭ ‬أطرافِ‭ ‬القنواتِ‭ ‬المائيةِ‭ ‬والأسواقِ‭ ‬القديمةِ‭ ‬أو‭ ‬الشعبيةِ‭ ‬أو‭ ‬حتى‭ ‬تلكَ‭ ‬العرباتِ‭ ‬الصغيرةِ‭ ‬التي‭ ‬تسكنُ‭ ‬أرصفةَ‭ ‬الشوارعِ‭. ‬

إنها‭ ‬بلدُ‭ ‬التاريخِ‭ ‬ومعقلُ‭ ‬الديانةِ‭ ‬البوذيةِ‭ ‬والمعابدِ‭ ‬العتيقةِ،‭ ‬ومع‭ ‬ذلك،‭ ‬هي‭ ‬بلادٌ،‭ ‬في‭ ‬أجزاءٍ‭ ‬أخرى‭ ‬منها،‭ ‬تكادُ‭ ‬تفقدُ‭ ‬هويتَها‭ ‬تحت‭ ‬ضغطِ‭ ‬العمرانِ‭ ‬الحديثِ‭ ‬الذي‭ ‬يتشابهُ‭ ‬في‭ ‬جميعِ‭ ‬المُدنِ‭ ‬الرأسمالية‭. ‬وهي،‭ ‬كما‭ ‬قد‭ ‬تسّمت،‭ ‬أرضُ‭ ‬الأحرارِ،‭ ‬إذ‭ ‬لمْ‭ ‬تخضعْ‭ ‬في‭ ‬تاريخِها‭ ‬لمحتلٍ‭ ‬أو‭ ‬مستعمرٍ‭... ‬إنّها‭ ‬تايلاند‭ ‬بلدُ‭ ‬العجائب‭. ‬

بعد‭ ‬رحلة‭ ‬استغرقت‭ ‬سبع‭ ‬ساعات‭ ‬أو‭ ‬تزيد‭ ‬ونحن‭ ‬في‭ ‬جو‭ ‬السماء،‭ ‬بدأنا‭ ‬بالهبوط‭ ‬أخيرًا‭ ‬في‭ ‬مطار‭ ‬بانكوك‭ ‬الدولي‭ ‬الجديد‭ ‬أو‭ ‬مطار‭ ‬سوفارنابومي‭ ‬الدولي،‭ ‬حيث‭ ‬أكد‭ ‬قائد‭ ‬الطائرة‭ ‬أهمية‭ ‬الالتزام‭ ‬بالمقاعد‭ ‬حتى‭ ‬ترسو‭ ‬الطائرة‭ ‬بالقرب‭ ‬من‭ ‬بوابة‭ ‬المطار‭. ‬ولحسن‭ ‬الطالع‭ ‬كان‭ ‬جسر‭ ‬الركاب،‭ ‬الشبيه‭ ‬بخرطوم‭ ‬الفيل،‭ ‬في‭ ‬استقبالنا،‭ ‬فلم‭ ‬نكن‭ ‬بحاجة‭ ‬إلى‭ ‬مزيد‭ ‬من‭ ‬التعب‭ ‬والتزاحم‭ ‬في‭ ‬حافلات‭ ‬النقل‭ ‬التي‭ ‬تقل‭ ‬المسافرين‭ ‬من‭ ‬الطائرة‭ ‬إلى‭ ‬قاعة‭ ‬المطار‭. ‬يبدو‭ ‬المطار‭ ‬جميلاً،‭ ‬أنيقًا،‭ ‬نظيفًا،‭ ‬وواسعًا،‭ ‬ولكن‭ ‬كالعادة‭ ‬يهرع‭ ‬المسافرون‭ ‬من‭ ‬بوابة‭ ‬الطائرة‭ ‬إلى‭ ‬ختم‭ ‬الجوازات‭ ‬ثم‭ ‬إلى‭ ‬تسلم‭ ‬الأمتعة‭ ‬والحقائب‭ ‬دون‭ ‬أي‭ ‬التفاتة‭ ‬أو‭ ‬تأمل‭.‬

‭ ‬كان‭ ‬أصحاب‭ ‬الجنب‭ ‬في‭ ‬الطائرة‭ ‬يسرعون‭ ‬الخطى‭ ‬ويتعجلون‭ ‬منذ‭ ‬وقوف‭ ‬الطائرة‭ ‬وقبل‭ ‬أن‭ ‬تُفتح‭ ‬الأبواب‭. ‬

لطالما‭ ‬كنت‭ ‬أتساءل‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬رحلة‭: ‬ما‭ ‬الذي‭ ‬يدفع‭ ‬المسافرين‭ ‬للوقوف‭ ‬قبل‭ ‬فتح‭ ‬الطائرة‭ ‬أبوابها‭ ‬إذ‭ ‬يستغرق‭ ‬الأمر‭ ‬بعض‭ ‬الوقت‭ ‬وهم‭ ‬يعلمون‭ ‬ذلك‭ ‬ومع‭ ‬هذا‭ ‬يقفون‭ ‬بلا‭ ‬جدوى؟‭! ‬

 

الشعبُ‭ ‬المبتسمُ

إجراءات‭ ‬السفر‭ ‬جرت‭ ‬بيسر‭ ‬وسلاسة،‭ ‬وسرعان‭ ‬ما‭ ‬وجدنا‭ ‬أنفسنا‭ ‬خارج‭ ‬المطار‭ ‬نبحث‭ ‬عن‭ ‬سيارة‭ ‬أجرة‭. ‬فبادر‭ ‬إلينا‭ ‬رجل‭ ‬لطيف‭ ‬المحيا‭ ‬بوجه‭ ‬مبتسم،‭ ‬ولاحقًا‭ ‬سنكتشف‭ ‬أن‭ ‬الابتسام‭ ‬هو‭ ‬رسم‭ ‬الإنسان‭ ‬التايلاندي‭ ‬رغم‭ ‬شظف‭ ‬العيش‭ ‬أحيانا‭. ‬

وأشار‭ ‬إلى‭ ‬أجهزة‭ ‬التذاكر‭ ‬التي‭ ‬تنتصب‭ ‬قليلاً‭ ‬من‭ ‬بوابة‭ ‬الخروج‭ ‬من‭ ‬المطار‭. ‬وهناك،‭ ‬حيث‭ ‬سيارات‭ ‬الأجرة‭ ‬تقف‭ ‬في‭ ‬انتظام‭ ‬والمواقف‭ ‬مرقّمة‭ ‬لا‭ ‬تسمع‭ ‬لصياح‭ ‬سائقي‭ ‬التاكسي‭ ‬المعتادة،‭ ‬فكل‭ ‬ينتظر‭ ‬دوره‭ ‬عبر‭ ‬الورقة‭ ‬التي‭ ‬يأخذها‭ ‬من‭ ‬الجهاز‭. ‬

كان‭ ‬السائق‭ ‬الذي‭ ‬أقلّنا‭ ‬إلى‭ ‬الفندق‭ ‬يرحب‭ ‬بِنَا،‭ ‬هو‭ ‬رجل‭ ‬قصير‭ ‬القامة‭ ‬غائر‭ ‬العينين‭ ‬ذو‭ ‬بطن‭ ‬مترامٍ،‭ ‬كان‭ ‬لطيفًا‭ ‬ومهذبًا‭ ‬وبدأ‭ ‬الرحلة‭ ‬التي‭ ‬قاربت‭ ‬الساعة‭ ‬من‭ ‬الزمن‭ ‬بما‭ ‬كان‭ ‬قد‭ ‬أنهاها‭ ‬به؛‭ ‬الحديث‭ ‬عن‭ ‬لذة‭ ‬وحلاوة‭ ‬أطباق‭ ‬المائدة‭ ‬التايلاندية‭. ‬وقد‭ ‬عدد‭ ‬لنا‭ ‬كثيرًا‭ ‬من‭ ‬الأطباق‭ ‬التي‭ ‬كانت‭ ‬في‭ ‬معظمها‭ ‬من‭ ‬صيد‭ ‬البحر،‭ ‬إلا‭ ‬أنه‭ ‬حذرنا‭ ‬من‭ ‬التوابل‭ ‬الحارة‭: ‬

‭- ‬«أنتم‭ ‬لا‭ ‬تحبون‭ ‬التوابل‭ ‬الحارة،‭ ‬لذلك‭ ‬لن‭ ‬يعجبكم‭ ‬طعامنا»‭.‬

‭- ‬«من‭ ‬قال‭ ‬ذلك؟‭ ‬نحن‭ ‬من‭ ‬عشاق‭ ‬التوابل‭ ‬الحارة»‭.‬

‭- ‬«حقا‭! ‬من‭ ‬تجربتي‭ ‬في‭ ‬توصيل‭ ‬السياح،‭ ‬قليل‭ ‬منهم‭ ‬من‭ ‬يطيق‭ ‬حدة‭ ‬التوابل‭ ‬الحارة‭ ‬التي‭ ‬نصنع‭ ‬بها‭ ‬طعامنا‭ ‬حتى‭ ‬لو‭ ‬كانوا‭ ‬من‭ ‬عشاق‭ ‬التوابل‭. ‬إن‭ ‬الأمر‭ ‬يكمن‭ ‬في‭ ‬درجة‭ ‬الفلفل‭ ‬الحار»‭.‬

‭- ‬«لا‭ ‬عليك‭. ‬إننا‭ ‬عليه‭ ‬قادرون‭ ‬ولأفق‭ ‬تجارب‭ ‬الحياة‭ ‬الواسع‭ ‬متعطشون»‭.‬

رمانا‭ ‬بابتسامة‭ ‬ساخرة‭ ‬لكنها‭ ‬ضاحكة،‭ ‬قائلًا‭: ‬«سترون»‭.‬

‭ ‬كان‭ ‬حديثه‭ ‬مسليًا،‭ ‬ولاسيما‭ ‬أننا‭ ‬دخلنا‭ ‬بانكوك‭ ‬ليلا،‭ ‬فلم‭ ‬نكن‭ ‬نرى‭ ‬تفاصيل‭ ‬المكان‭ ‬إلا‭ ‬من‭ ‬هذا‭ ‬الرجل‭. ‬

 

جولةٌ‭ ‬في‭ ‬دامنيون‭ ‬سدواك

في‭ ‬صباح‭ ‬اليوم‭ ‬التالي‭ ‬خرجنا‭ ‬لا‭ ‬نلوي‭ ‬على‭ ‬شيء،‭ ‬مقصدنا‭ ‬موقع‭ ‬سياحي‭ ‬شهير،‭ ‬بل‭ ‬إنه‭ ‬سمة‭ ‬من‭ ‬سمات‭ ‬تايلاند‭ ‬وذكرى‭ ‬يحملها‭ ‬معه‭ ‬زائر‭ ‬هذه‭ ‬البلاد،‭ ‬حيث‭ ‬أضحى‭ ‬جزءًا‭ ‬من‭ ‬السوفينيرات‭ ‬أو‭ ‬القطع‭ ‬التذكارية‭. ‬

نتحدث‭ ‬عن‭ ‬السوق‭ ‬العائم،‭ ‬دامنيون‭ ‬سدواك‭ ‬تحديدا،‭ ‬الذي‭ ‬يبعد‭ ‬عن‭ ‬مركز‭ ‬العاصمة‭ ‬بانكوك‭ ‬قرابة‭ ‬الساعة‭ ‬من‭ ‬الزمن‭. ‬ولدى‭ ‬خطونا‭ ‬خطوات‭ ‬قليلة‭ ‬بعيدًا‭ ‬عن‭ ‬نُزلنا‭ ‬المطل‭ ‬على‭ ‬نهر‭ ‬تشاو‭ ‬فرايا‭ ‬الساحر،‭ ‬وجدنا‭ ‬سائق‭ ‬تاكسي‭ ‬يقف‭ ‬على‭ ‬ناصية‭ ‬الطريق،‭ ‬وما‭ ‬إن‭ ‬رآنا‭ ‬حتى‭ ‬أقبل‭ ‬بوجه‭ ‬ضاحك‭ ‬وثياب‭ ‬رثة‭: ‬االوجهة‭ ‬التي‭ ‬تريدون‭ ‬بالسعر‭ ‬المناسب،‭ ‬وسيارتي‭ ‬كما‭ ‬ترون‭ ‬جيدة‭ ‬وواسعة‭ ‬تسع‭ ‬محمولاتكمب‭. ‬

كانت‭ ‬ملامحه‭ ‬ساذجة‭ ‬وشعره‭ ‬أشعث‭ ‬أغبر،‭ ‬لكنه‭ ‬كان‭ ‬صادقًا،‭ ‬فالسيارة‭ ‬كانت‭ ‬بالفعل‭ ‬جيدة‭ ‬من‭ ‬جهة‭ ‬الحجم‭ ‬والطراز‭. ‬مضينا‭ ‬معه‭ ‬في‭ ‬طريق‭ ‬أطال‭ ‬من‭ ‬مدته‭ ‬الازدحام‭ ‬الشديد‭ ‬في‭ ‬الطرق‭ ‬المؤدية‭ ‬إلى‭ ‬خارج‭ ‬مركز‭ ‬المدينة‭. ‬هناك‭ ‬أسواق‭ ‬عائمة‭ ‬كثيرة‭ ‬في‭ ‬بانكوك‭ ‬صغيرة‭ ‬الحجم،‭ ‬غير‭ ‬أن‭ ‬هذا‭ ‬السوق‭ ‬الذي‭ ‬نقصده‭ ‬هو‭ ‬الأكبر‭ ‬والأكثر‭ ‬شهرة‭.‬

مر‭ ‬الوقت‭ ‬بين‭ ‬حديث‭ ‬مع‭ ‬السائق‭ ‬وتأمل‭ ‬تفاصيل‭ ‬المدينة‭ ‬وطرقها‭ ‬ووجوه‭ ‬أهلها‭. ‬لفت‭ ‬انتباهنا‭ ‬في‭ ‬السيارة‭ ‬تلك‭ ‬التماثيل‭ ‬الصغيرة‭ ‬لبوذا‭ ‬والزهور‭ ‬صفراء‭ ‬اللون‭ ‬المعلقة‭ ‬على‭ ‬مرآة‭ ‬السيارة‭ ‬الأمامية،‭ ‬وانحناءة‭ ‬صديقنا‭ ‬السائق‭ ‬عند‭ ‬العبور‭ ‬على‭ ‬كل‭ ‬معبد‭ ‬من‭ ‬المعابد‭ ‬البوذية‭ ‬ذات‭ ‬المعمار‭ ‬الواحد‭ ‬والألوان‭ ‬الموحدة‭ ‬حتى‭ ‬وهو‭ ‬يقود،‭ ‬إذ‭ ‬يطبق‭ ‬راحتي‭ ‬كفيه‭ ‬على‭ ‬بعضهما‭ ‬ليضعهما‭ ‬أسفل‭ ‬ذقنه‭ ‬مع‭ ‬حركة‭ ‬سريعة‭ ‬لوجهه‭ ‬من‭ ‬أعلى‭ ‬إلى‭ ‬أسفل‭ ‬موجهًا‭ ‬رأسه‭ ‬نحو‭ ‬المعبد‭. ‬وهي‭ ‬بالمناسبة‭ ‬رسم‭ ‬تحية‭ ‬أهل‭ ‬هذه‭ ‬البلاد‭. ‬وكان‭ ‬من‭ ‬نصائحه‭ ‬لنا‭ ‬عدم‭ ‬الشراء‭ ‬من‭ ‬هذا‭ ‬السوق‭ ‬فهو‭ ‬غال‭ ‬الثمن،‭ ‬نظرًا‭ ‬لكونه‭ ‬موقعًا‭ ‬سياحيًا‭ ‬كما‭ ‬هو‭ ‬الشأن‭ ‬في‭ ‬جميع‭ ‬المواقع‭ ‬السياحية‭.‬

 

بضائعٌ‭ ‬على‭ ‬أرصفةِ‭ ‬القناةِ

عندما‭ ‬وصلنا‭ ‬إلى‭ ‬السوق‭ ‬العائم،‭ ‬سردت‭ ‬لنا‭ ‬امرأة‭ ‬أربعينية،‭ ‬كما‭ ‬يبدو،‭ ‬تعمل‭ ‬في‭ ‬موقع‭ ‬سدواك‭ ‬مقدمة‭ ‬سريعة‭ ‬عن‭ ‬السوق،‭ ‬موضحة‭ ‬برنامج‭ ‬الرحلة‭ ‬منذ‭ ‬الركوب‭ ‬في‭ ‬الزورق‭ ‬وحتى‭ ‬تجربة‭ ‬ركوب‭ ‬الفيل،‭ ‬مرورًا‭ ‬بعرض‭ ‬التماسيح‭ ‬الذي‭ ‬يحبس‭ ‬الأنفاس‭. ‬اقتربنا‭ ‬من‭ ‬الزورق‭ ‬فإذا‭ ‬هو‭ ‬خشبي‭ ‬طويل‭ ‬كأنه‭ ‬سمكة‭ ‬طويلة،‭ ‬وعليه‭ ‬مظلة‭ ‬قماشية‭ ‬لا‭ ‬تسمح‭ ‬للراكب‭ ‬بالوقوف‭ ‬إلا‭ ‬وهو‭ ‬محني‭ ‬الرأس،‭ ‬أما‭ ‬لونه‭ ‬فقريب‭ ‬من‭ ‬ألوان‭ ‬الفاكهة‭ ‬الاستوائية،‭ ‬أصفر‭ ‬وأخضر‭ ‬وأحمر‭. ‬

هممنا‭ ‬بالركوب‭ ‬متكئين‭ ‬على‭ ‬يدي‭ ‬صديقنا‭ ‬الآخر‭ ‬قائد‭ ‬الزورق،‭ ‬التايلانديون‭ ‬شعب‭ ‬يشعرك‭ ‬بأن‭ ‬الصداقة‭ ‬قد‭ ‬تكون‭ ‬أسرع‭ ‬مما‭ ‬تصور،‭ ‬وما‭ ‬إن‭ ‬أخذنا‭ ‬أماكننا‭ ‬حتى‭ ‬انطلق‭ ‬بِنَا‭ ‬سريعًا‭ ‬يمخر‭ ‬القناة‭ ‬لكي‭ ‬نصل‭ ‬إلى‭ ‬مضائق‭ ‬القنوات‭ ‬الفرعية‭ ‬التي‭ ‬تسكن‭ ‬أطرافها‭ ‬محلات‭ ‬تبيع‭ ‬بضائع‭ ‬مختلفة‭. ‬

وقد‭ ‬مررنا‭ ‬على‭ ‬معبد‭ ‬لهم‭ ‬على‭ ‬ضفة‭ ‬القناة،‭ ‬فتوقف‭ ‬الزورق‭ ‬أمامه‭ ‬لننزل‭ ‬فنقع‭ ‬على‭ ‬بعض‭ ‬الطقوس‭ ‬الدينية‭ ‬المقامة‭ ‬فيه‭.‬

  ‬إن‭ ‬سوق‭ ‬دامنيون‭ ‬سدواك‭ ‬هذا‭ ‬يقع‭ ‬في‭ ‬بلدة‭ ‬سدواك‭ ‬من‭ ‬إقليم‭ ‬راتشابوري‭ ‬إلى‭ ‬الجنوب‭ ‬الغربي‭ ‬من‭ ‬بانكوك،‭ ‬وما‭ ‬يميزه‭ ‬هو‭ ‬كون‭ ‬جل‭ ‬الباعة‭ ‬من‭ ‬النساء‭ ‬اللاتي‭ ‬تتنوع‭ ‬بضائعهن‭ ‬من‭ ‬الثياب‭ ‬والقطع‭ ‬التذكارية‭ ‬إلى‭ ‬الطعام‭ ‬والفاكهة‭ ‬الاستوائية،‭ ‬مرورًا‭ ‬باللوحات‭ ‬المزيفة‭ ‬وغيرها‭. ‬

السوق‭ ‬عبارة‭ ‬عن‭ ‬قناة‭ ‬مائية‭ ‬جرى‭ ‬حفرها‭ ‬في‭ ‬عهد‭ ‬الملك‭ ‬راما‭ ‬الرابع‭ ‬في‭ ‬النصف‭ ‬الثاني‭ ‬من‭ ‬القرن‭ ‬التاسع‭ ‬عشر‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬أن‭ ‬تصل‭ ‬دفتي‭ ‬نهر‭ ‬ماي‭ ‬كلونغ‭ ‬ونهر‭ ‬تاتشين‭ ‬ببعضهما‭. ‬ويسكن‭ ‬ضفتي‭ ‬القناة‭ ‬اليوم‭ ‬جموع‭ ‬كثيفة‭ ‬من‭ ‬السكان‭ ‬تعمل‭ ‬على‭ ‬زراعة‭ ‬الفواكه‭ ‬وبيع‭ ‬الثمار‭ ‬والخضار،‭ ‬كما‭ ‬يضج‭ ‬السوق‭ ‬منذ‭ ‬الصباح‭ ‬الباكر‭ ‬بعشرات‭ ‬الباعة‭ ‬الجائلين‭ ‬في‭ ‬زوارقهم‭ ‬الصغيرة‭ ‬ليعرضوا‭ ‬ما‭ ‬لذ‭ ‬وطاب‭ ‬مما‭ ‬تنبت‭ ‬هذه‭ ‬الأرض‭ ‬الغنية‭ ‬بخيرات‭ ‬الطبيعة‭. ‬فابتعنا‭ ‬قطعا‭ ‬قليلة‭ ‬من‭ ‬المانجو‭ ‬من‭ ‬بائعة‭ ‬المانجو؛‭ ‬كانت‭ ‬لذيذة‭ ‬ومنعشة‭.‬

 

فيلةٌ‭ ‬وتماسيح

توقف‭ ‬بِنَا‭ ‬الزورق‭ ‬عند‭ ‬المخرج‭ ‬المؤدي‭ ‬إلى‭ ‬مدخل‭ ‬لموقع‭ ‬سدواك‭ ‬السياحي،‭ ‬وعندها‭ ‬كان‭ ‬الوقت‭ ‬قد‭ ‬حان‭ ‬لعرض‭ ‬التماسيح‭ ‬الذي‭ ‬بدأ‭ ‬بعرض‭ ‬سريع‭ ‬لصبي‭ ‬قمحي‭ ‬اللون،‭ ‬حيث‭ ‬راح‭ ‬يستعرض‭ ‬مهارته‭ ‬في‭ ‬التعامل‭ ‬مع‭ ‬هذا‭ ‬الحيوان‭ ‬المفترس‭. ‬ومن‭ ‬أخطر‭ ‬الحركات‭ ‬التي‭ ‬قدمها‭ ‬تقبيله‭ ‬فم‭ ‬التمساح‭ ‬المرعب‭ ‬بثغره‭ ‬الصغير‭. ‬غير‭ ‬أن‭ ‬الأعجب‭ ‬مما‭ ‬قام‭ ‬به‭ ‬الصبي،‭ ‬تلك‭ ‬الفتاة‭ ‬الجميلة‭ ‬التي‭ ‬افترشت‭ ‬الأرض‭ ‬لتضع‭ ‬رأسها‭ ‬بين‭ ‬فكي‭ ‬التمساح‭ ‬الكبير‭.‬

والفيلة‭ ‬كان‭ ‬لها‭ ‬نصيب‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬الجولة،‭ ‬إذ‭ ‬طاف‭ ‬بِنَا‭ ‬فيل‭ ‬في‭ ‬جولة‭ ‬على‭ ‬ظهره‭ ‬في‭ ‬أنحاء‭ ‬المكان،‭ ‬بل‭ ‬وأنزلنا‭ ‬معه‭ ‬في‭ ‬الماء‭. ‬وكنا‭ ‬قد‭ ‬اشترينا‭ ‬عنقود‭ ‬موز‭ ‬لنهديه‭ ‬إلى‭ ‬الفيل‭ ‬إكرامًا‭ ‬له‭ ‬على‭ ‬هذه‭ ‬الجولة،‭ ‬فما‭ ‬كان‭ ‬منه‭ ‬إلا‭ ‬أن‭ ‬أمال‭ ‬خرطومه‭ ‬إلى‭ ‬الأعلى‭ ‬باتجاهنا‭ ‬فأمسك‭ ‬العقد‭ ‬ليرمي‭ ‬به‭ ‬في‭ ‬فمه‭ ‬دفعة‭ ‬واحدة‭. ‬

وبعد‭ ‬ذلك‭ ‬كانت‭ ‬النمور‭ ‬بانتظار‭ ‬من‭ ‬يريد‭ ‬التصوير‭ ‬معها،‭ ‬لكننا‭ ‬آثرنا‭ ‬السلامة‭ ‬من‭ ‬الجلوس‭ ‬مع‭ ‬حيوان‭ ‬مفترس‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬أي‭ ‬قيد‭ ‬أو‭ ‬حاجز‭. ‬والعرض‭ ‬الأخير‭ ‬هو‭ ‬لقردة‭ ‬فعلت‭ ‬الأعاجيب‭ ‬التي‭ ‬منها‭ ‬الترنم‭ ‬والتمايل‭ ‬وتمثيل‭ ‬الغناء‭ ‬على‭ ‬صوت‭ ‬أغنية‭ ‬كلاسيكية‭. ‬

لقد‭ ‬أنهكتنا‭ ‬هذه‭ ‬الرحلة‭ ‬العجيبة،‭ ‬فانصرفنا‭ ‬من‭ ‬موقع‭ ‬سدواك،‭ ‬قافلين‭ ‬إلى‭ ‬نزلنا‭ ‬على‭ ‬أنغام‭ ‬موسيقى‭ ‬شوبان‭ ‬Chopin‭ ‬واضعين‭ ‬سماعات‭ ‬الهاتف‭ ‬الذكي‭ ‬في‭ ‬آذاننا،‭ ‬لتلتقي‭ ‬بهجة‭ ‬النظر‭ ‬مع‭ ‬روعة‭ ‬النغم‭ ‬الهادئ،‭ ‬فلمقطوعات‭ ‬هذا‭ ‬الموسيقي،‭ ‬الفرنسي‭ ‬الجنسية‭ ‬البولندي‭ ‬الأصل،‭ ‬أثر‭ ‬جلي‭ ‬على‭ ‬طمأنينة‭ ‬الروح‭ ‬وسكونها‭ ‬يعرفه‭ ‬عشاقه‭. ‬

وإذ‭ ‬وصلنا‭ ‬مع‭ ‬مغيب‭ ‬الشمس،‭ ‬لم‭ ‬نسمع‭ ‬لصاحبنا‭ ‬سائق‭ ‬التاكسي‭ ‬الذي‭ ‬عرض‭ ‬علينا‭ ‬استثمار‭ ‬ما‭ ‬تبقى‭ ‬من‭ ‬اليوم‭ ‬لزيارة‭ ‬موقع‭ ‬آخر،‭ ‬بيد‭ ‬أننا‭ ‬أخذنا‭ ‬بكلامه‭ ‬ووافقنا‭ ‬على‭ ‬عرضه‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬معنا‭ ‬في‭ ‬بانكوك‭ ‬ليقدم‭ ‬لنا‭ ‬وجبة‭ ‬سياحية‭ ‬مثالية‭ ‬المقادير‭ ‬لأيام‭ ‬رحلتنا‭ ‬القليلة‭. ‬كان‭ ‬الاتفاق‭ ‬ينص‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬ننتظره‭ ‬في‭ ‬الغد‭ ‬في‭ ‬بهو‭ ‬الفندق‭ ‬عند‭ ‬الساعة‭ ‬الثامنة‭ ‬والنصف‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬ننطلق‭ ‬في‭ ‬الرحلة‭ ‬اليومية‭ ‬تمام‭ ‬التاسعة،‭ ‬وهذا‭ ‬ما‭ ‬كان‭.‬

 

القصرُ‭ ‬الكبيرُ

الوجهة‭ ‬اليوم‭ ‬هي‭ ‬لموقع‭ ‬يقع‭ ‬في‭ ‬قلب‭ ‬العاصمة‭ ‬بانكوك؛‭ ‬معلم‭ ‬لا‭ ‬تخطئه‭ ‬عين‭ ‬راءٍ،‭ ‬بل‭ ‬إن‭ ‬زيارته‭ ‬ناقصة‭ ‬ومنقوصة‭ ‬لمن‭ ‬زار‭ ‬بانكوك‭ ‬ولم‭ ‬يزره؛‭ ‬إنه‭ ‬القصر‭ ‬الكبير،‭ ‬وله‭ ‬من‭ ‬اسمه‭ ‬نصيب‭ ‬وافر،‭ ‬حيث‭ ‬يشغل‭ ‬مساحة‭ ‬218.400‭ ‬متر‭ ‬مربع‭. ‬

إن‭ ‬هذا‭ ‬الموقع‭ ‬السياحي‭ ‬البهيج‭ ‬بمعماره‭ ‬الفاتن،‭ ‬الذي‭ ‬يحمل‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬جزء‭ ‬منه‭ ‬دلالة‭ ‬رمزية‭ ‬دينية‭ ‬أو‭ ‬سياسية،‭ ‬كان‭ ‬المقر‭ ‬الرسمي‭ ‬لإقامة‭ ‬ملوك‭ ‬مملكة‭ ‬تايلاند‭ ‬منذ‭ ‬القرن‭ ‬الثامن‭ ‬عشر‭ ‬وحتى‭ ‬مطالع‭ ‬القرن‭ ‬العشرين‭. ‬وقد‭ ‬بني‭ ‬في‭ ‬عهد‭ ‬الملك‭ ‬راما‭ ‬الأول‭ ‬عام‭ ‬1782،‭ ‬حين‭ ‬أصبحت‭ ‬بانكوك‭ ‬عاصمة‭ ‬تايلاند‭ ‬بدلا‭ ‬من‭ ‬العاصمة‭ ‬القديمة‭ ‬ثورنبوري‭.‬

في‭ ‬الغابر‭ ‬من‭ ‬الزمان‭ ‬كانت‭ ‬تقام‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬القصر‭ ‬الكبير‭ ‬المراسم‭ ‬الملكية‭ ‬والاحتفالات‭ ‬الرسمية،‭ ‬إلا‭ ‬أنه‭ ‬لا‭ ‬يزال‭ ‬موقعًا‭ ‬لاستقبال‭ ‬ضيوف‭ ‬الملك،‭ ‬كما‭ ‬لا‭ ‬تزال‭ ‬تجرى‭ ‬فيه‭ ‬المراسم‭ ‬الجنائزية‭ ‬عند‭ ‬موت‭ ‬الملك‭. ‬كما‭ ‬حدث‭ ‬مع‭ ‬الملك‭ ‬السابق‭ ‬بوميبول‭ ‬أدولياديج‭ (‬1927‭ - ‬2016‭) ‬الذي‭ ‬وافاه‭ ‬الأجل‭ ‬في‭ ‬شهر‭ ‬أكتوبر،‭ ‬حيث‭ ‬أديت‭ ‬الطقوس‭ ‬البوذية‭ ‬لجنازته‭ ‬في‭ ‬القصر‭ ‬الكبير‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬يحرق‭ ‬جثمانه‭ ‬في‭ ‬المحرقة‭ ‬الملكية‭ ‬بعد‭ ‬عام‭ ‬من‭ ‬وفاته‭. ‬

يذكر‭ ‬أن‭ ‬أدولياديج‭ ‬كان‭ ‬قد‭ ‬حكم‭ ‬البلاد‭ ‬قرابة‭ ‬70‭ ‬عاما‭.‬

 

قصرٌ‭ ‬منيف

القصر‭ ‬يتكون‭ ‬من‭ ‬عدد‭ ‬من‭ ‬المباني‭ ‬الملكية‭ ‬البديعة‭ ‬التي‭ ‬كانت‭ ‬سكنًا‭ ‬للعائلة‭ ‬المالكة،‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬معبد‭ ‬بوذا‭ ‬الزمردي‭ ‬الباذخ‭ ‬الجمال،‭ ‬الذي‭ ‬تغشاه‭ ‬الزخارف‭ ‬من‭ ‬كل‭ ‬مكان‭ ‬وفي‭ ‬كل‭ ‬تفصيلة‭ ‬من‭ ‬تفاصيله‭. ‬وفي‭ ‬القصر‭ ‬ساحات‭ ‬ثلاث‭ ‬واسعة؛‭ ‬خارجية‭ ‬ووسطى‭ ‬وداخلية‭. ‬وتحيط‭ ‬بها‭ ‬الأسوار‭ ‬البيضاء‭ ‬العالية‭ ‬الضخمة‭ ‬وتشقها‭ ‬الممرات‭ ‬المتصلة،‭ ‬وكل‭ ‬ساحة‭ ‬تتحدد‭ ‬بالنظر‭ ‬إلى‭ ‬الوظيفة‭ ‬التي‭ ‬تقوم‭ ‬بها‭ ‬والأشخاص‭ ‬الذين‭ ‬يقطنونها‭. ‬

أما‭ ‬الساحة‭ ‬الخارجية‭ ‬وتقع‭ ‬إلى‭ ‬الشمال‭ ‬من‭ ‬القصر،‭ ‬فهي‭ ‬بمنزلة‭ ‬مقر‭ ‬للحكم‭ ‬الإداري،‭ ‬حيث‭ ‬يدير‭ ‬الملك‭ ‬حكمه‭ ‬مع‭ ‬مستشاريه‭ ‬ووزرائه،‭ ‬وهنا‭ ‬أيضًا‭ ‬مقر‭ ‬الخزينة‭ ‬الملكية‭ ‬وحراس‭ ‬القصر‭.‬

الساحة‭ ‬الوسطى‭ ‬الرئيسة‭ ‬تعتبر‭ ‬الجزء‭ ‬الأهم‭ ‬من‭ ‬القصر‭ ‬بوصفها‭ ‬مركز‭ ‬الحكم‭ ‬السياسي‭ ‬ومقر‭ ‬إقامة‭ ‬الملك،‭ ‬وفيها‭ ‬تقام‭ ‬المراسم‭ ‬الملكية‭ ‬ويُستقبل‭ ‬ضيوف‭ ‬الملك‭ ‬والسفراء‭ ‬وكبار‭ ‬الشخصيات‭. ‬ولا‭ ‬يمكن‭ ‬الدخول‭ ‬إلى‭ ‬المباني‭ ‬الملكية‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬الساحة،‭ ‬ما‭ ‬عدا‭ ‬قاعتين‭ ‬تفتحان‭ ‬أبوابهما‭ ‬للزوار‭ ‬يومين‭ ‬في‭ ‬الأسبوع‭. ‬

وخلف‭ ‬هذه‭ ‬الساحة‭ ‬تقع‭ ‬الساحة‭ ‬الداخلية‭ ‬المخصصة‭ ‬لزوجات‭ ‬الملك‭ ‬وبناته‭ ‬والصبية‭ ‬دون‭ ‬سن‭ ‬البلوغ،‭ ‬وكذلك‭ ‬الحراس‭ ‬والخدم‭ ‬الذين‭ ‬كانوا‭ ‬جميعاً‭ ‬من‭ ‬النساء‭. ‬وكذلك،‭ ‬يوجد‭ ‬متحف‭ ‬صغير‭ ‬للمقتنيات‭ ‬الملكية‭ ‬كالمجوهرات‭ ‬والسيوف‭ ‬والأوسمة‭ ‬والقطع‭ ‬النقدية‭ ‬التايلاندية‭ ‬وغيرها‭ ‬من‭ ‬المقتنيات‭ ‬النفيسة‭ ‬والنادرة‭.‬

 

معبدُ‭ ‬بوذا‭ ‬الزمردي‭ ‬

للقصر‭ ‬مساحات‭ ‬خضراء‭ ‬تسر‭ ‬العين،‭ ‬ويقع‭ ‬معبد‭ ‬بوذا‭ ‬الزمردي،‭ ‬أو‭ ‬«وات‭ ‬فرا‭ ‬كيو»‭ ‬كما‭ ‬يعرف‭ ‬باللغة‭ ‬التايلاندية‭ ‬في‭ ‬إحدى‭ ‬زوايا‭ ‬القصر‭ ‬الكبير،‭ ‬بجوار‭ ‬الساحة‭ ‬الخارجية‭.‬

وكان‭ ‬مجمع‭ ‬المعبد‭ ‬قد‭ ‬بني‭ ‬ليحتضن‭ ‬تمثال‭ ‬بوذا‭ ‬الأكثر‭ ‬قداسة‭ ‬في‭ ‬تايلاند‭ ‬والمنحوت‭ ‬من‭ ‬قطعة‭ ‬واحدة‭ ‬من‭ ‬حجر‭ ‬الجاديت‭ ‬أو‭ ‬الزمرد‭ ‬أخضر‭ ‬اللون،‭ ‬أحد‭ ‬أنقى‭ ‬أحجار‭ ‬اليشم‭ ‬الكريمة‭. ‬والتمثال‭ ‬صغير‭ ‬الحجم‭ ‬إذ‭ ‬يبلغ‭ ‬طوله‭ ‬66‭ ‬سم‭. ‬

وحسبما‭ ‬تذكر‭ ‬المصادر‭ ‬التاريخية،‭ ‬جلب‭ ‬الملك‭ ‬راما‭ ‬الأول‭ ‬تمثال‭ ‬بوذا‭ ‬الزمردي‭ ‬من‭ ‬مدينة‭ ‬فيينتيان‭ ‬إبان‭ ‬استيلائه‭ ‬على‭ ‬هذه‭ ‬المدينة‭ ‬عام‭ ‬1778‭. ‬وهذا‭ ‬المعبد‭ ‬لا‭ ‬يسكنه‭ ‬الرهبان‭ ‬كما‭ ‬هي‭ ‬الحال‭ ‬مع‭ ‬بقية‭ ‬المعابد‭ ‬البوذية،‭ ‬لكونه‭ ‬معبدا‭ ‬خاصا‭ ‬بالعائلة‭ ‬المالكة‭. ‬ومن‭ ‬عادتهم‭ ‬أن‭ ‬يقوم‭ ‬الملك‭ ‬وأولاده‭ ‬بتغيير‭ ‬اللباس‭ ‬الذهبي‭ ‬الذي‭ ‬يرتديه‭ ‬التمثال‭ ‬موسميا‭. ‬

ويشتمل‭ ‬المجمع‭ ‬على‭ ‬البناء‭ ‬الذي‭ ‬يسكنه‭ ‬تمثال‭ ‬بوذا‭ ‬الزمردي‭ ‬ويعرف‭ ‬بـ‭ ‬Ubosot‭ ‬وهو‭ ‬مكان‭ ‬الصلاة،‭ ‬كما‭ ‬يحتوي‭ ‬على‭ ‬عدد‭ ‬من‭ ‬المباني‭ ‬الدينية‭ ‬والأبراج‭ ‬الملونة‭ ‬المسماة‭ ‬بالبرانجس‭ ‬Prangs‭ ‬التي‭ ‬تعد‭ ‬من‭ ‬السمات‭ ‬المعمارية‭ ‬للمعبد‭ ‬البوذي‭. ‬

وكانت‭ ‬مداخل‭ ‬المجمع‭ ‬بديعة‭ ‬وجدرانه‭ ‬الداخلية‭ ‬تزينها‭ ‬اللوحات‭ ‬الجدارية‭ ‬التي‭ ‬تحكي‭ ‬انتصار‭ ‬الخير‭ ‬على‭ ‬الشر‭ ‬في‭ ‬النسخة‭ ‬التايلاندية‭ ‬من‭ ‬الملحمة‭ ‬الهندية‭ ‬القديمة‭ ‬الرامايانا‭. ‬

أما‭ ‬في‭ ‬منتصف‭ ‬الباحة‭ ‬الداخلية‭ ‬لمجمع‭ ‬المعبد‭ ‬المرتفعة‭ ‬عن‭ ‬الأرض،‭ ‬فتقف‭ ‬عليها‭ ‬ثلاثة‭ ‬مبانٍ‭ ‬كبيرة؛‭ ‬هي‭ ‬مبنى‭ ‬فرا‭ ‬سي‭ ‬راتانا‭ ‬شيدي‭ ‬Phra Si Ratana Chedi،‭ ‬أو‭ ‬كما‭ ‬يسمى‭ ‬أيضًا‭ ‬بالاستوبا‭ ‬Stupa،‭ ‬وهو‭ ‬بناء‭ ‬ذهبي‭ ‬على‭ ‬شكل‭ ‬جرس‭ ‬ضخم‭ ‬ويحتوي‭ ‬على‭ ‬الآثار‭ ‬البوذية‭. ‬

أما‭ ‬المبنى‭ ‬الثاني‭ ‬فهو‭ ‬مبنى‭ ‬المكتبة‭ ‬أو‭ ‬الموندوب‭ ‬Mondop‭ ‬كما‭ ‬يسمى‭ ‬هنا،‭ ‬المنحوتة‭ ‬واجهاته‭ ‬الأربع‭ ‬بفسيفساء‭ ‬مذهبة‭ ‬دقيقة‭ ‬ومتقنة،‭ ‬وبداخله‭ ‬الكتب‭ ‬البوذية‭ ‬المقدسة،‭ ‬علمًا‭ ‬بأن‭ ‬المكتبة‭ ‬غير‭ ‬مفتوحة‭ ‬للزوار‭ ‬ويمنع‭ ‬الدخول‭ ‬إليها‭. ‬

وثالث‭ ‬المباني‭ ‬هو‭ ‬البانثيون‭ ‬الملكي‭ ‬The Royal Pantheon،‭ ‬ويتضمن‭ ‬تماثيل‭ ‬للملوك‭ ‬من‭ ‬سلالة‭ ‬شاكري‭. ‬وفي‭ ‬الناحية‭ ‬المقابلة،‭ ‬أمام‭ ‬هذه‭ ‬المباني‭ ‬الثلاثة،‭ ‬هناك‭ ‬مبانٍ‭ ‬ثلاثة‭ ‬أخرى‭ ‬صغيرة‭ ‬الحجم‭ ‬نسبيًا‭ ‬ولكل‭ ‬منها‭ ‬وظيفة‭ ‬خاصة‭.  ‬وكان‭ ‬الزوار‭ ‬يتزاحمون‭ ‬لالتقاط‭ ‬الصور‭ ‬التذكارية،‭ ‬إلا‭ ‬أن‭ ‬سائحة‭ ‬جميلة‭ ‬انتحت‭ ‬في‭ ‬زاوية‭ ‬لم‭ ‬يكتشفها‭ ‬أحد‭ ‬وراح‭ ‬رفيقها‭ ‬يلتقط‭ ‬لها‭ ‬الصور‭ ‬التذكارية‭ ‬لربما‭ ‬تعود‭ ‬إليها‭ ‬بعد‭ ‬ردح‭ ‬من‭ ‬الزمن‭ ‬فتنشط‭ ‬الذاكرة‭ ‬على‭ ‬استعادة‭ ‬لحظة‭ ‬سعيدة‭ ‬أمام‭ ‬البناء‭ ‬ذي‭ ‬الزخرفة‭ ‬البديعة‭.‬

 

كاميرا‭ ‬تسترقُ‭ ‬الصور

معبد‭ ‬بوذا‭ ‬الزمردي‭ ‬هو‭ ‬المعبد‭ ‬الأكثر‭ ‬قداسة‭ ‬في‭ ‬تايلاند‭ ‬كما‭ ‬أسلفنا،‭ ‬وعند‭ ‬الدخول‭ ‬إلى‭ ‬المعبد‭ ‬يتعين‭ ‬عليك‭ ‬أن‭ ‬تخلع‭ ‬نعليك‭ ‬وأن‭ ‬تكون‭ ‬ثيابك‭ ‬ملائمة‭ ‬لقدسية‭ ‬المكان،‭ ‬كما‭ ‬أن‭ ‬التصوير‭ ‬ممنوع‭ ‬داخل‭ ‬المعبد‭. ‬لكننا‭ ‬استطعنا‭ ‬أن‭ ‬نضغط‭ ‬على‭ ‬زر‭ ‬الغالق‭ ‬للكاميرا‭ ‬بحركة‭ ‬سريعة‭ ‬ونسترق‭ ‬صورة‭ ‬تبقى‭ ‬في‭ ‬الذاكرة‭ ‬وتحفظها‭ ‬من‭ ‬مكر‭ ‬النسيان،‭ ‬يظهر‭ ‬فيها‭ ‬التمثال‭ ‬عاليا‭ ‬وعدد‭ ‬من‭ ‬الرهبان‭ ‬يقيمون‭ ‬طقوسهم‭ ‬أسفله‭.‬

مضى‭ ‬الوقت‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬نشعر‭ ‬ونحن‭ ‬نتأمل‭ ‬في‭ ‬أسرار‭ ‬العمارة‭ ‬التايلاندية‭ ‬ونعيد‭ ‬النظر‭ ‬مرة‭ ‬تلو‭ ‬الأخرى‭ ‬من‭ ‬بناء‭ ‬إلى‭ ‬آخر‭ ‬ومن‭ ‬لون‭ ‬إلى‭ ‬لون‭ ‬مختلف‭. ‬إنه‭ ‬مشهد‭ ‬تسكنه‭ ‬الألوان‭ ‬بجميع‭ ‬أطيافها‭. ‬وإن‭ ‬أراد‭ ‬الزائر‭ ‬التمعن‭ ‬في‭ ‬تفاصيل‭ ‬المكان‭ ‬جماليًا‭ ‬ومعرفيًا‭ ‬وتاريخيًا‭ ‬وروحيًا‭ ‬كذلك،‭ ‬فلن‭ ‬يسعه‭ ‬إلا‭ ‬أن‭ ‬يمضي‭ ‬يوما‭ ‬بأكمله‭ ‬في‭ ‬القصر،‭ ‬ولا‭ ‬أظنه‭ ‬يفي‭ ‬بالمطلوب،‭ ‬وما‭ ‬قد‭ ‬ذكرناه‭ ‬هنا‭ ‬ليس‭ ‬سوى‭ ‬غيض‭ ‬من‭ ‬فيض‭ ‬تاريخ‭ ‬هذا‭ ‬المكان،‭ ‬وقد‭ ‬تجاوزنا‭ ‬عن‭ ‬كثير‭ ‬لضيق‭ ‬المقام‭ ‬عن‭ ‬التفاصيل‭ ‬التي‭ ‬نترك‭ ‬للقارئ‭ ‬أن‭ ‬يستكشفها‭ ‬بنفسه‭ ‬حال‭ ‬زيارته‭.‬

 

التمثال‭ ‬المتكئ‭ ‬

لمّا‭ ‬انتهت‭ ‬جولتنا‭ ‬في‭ ‬القصر‭ ‬الكبير‭ ‬خرجنا‭ ‬من‭ ‬بوابة‭ ‬المعبد،‭ ‬فرحنا‭ ‬نسير‭ ‬باتجاه‭ ‬الجنوب‭ ‬على‭ ‬طول‭ ‬سور‭ ‬القصر،‭ ‬فوجدنا‭ ‬أنفسنا‭ ‬في‭ ‬معبد‭ ‬بوذا‭ ‬المتكئ‭ ‬أو‭ ‬وات‭ ‬أبو‭ ‬Wat Pho،‭ ‬بعدما‭ ‬عبرنا‭ ‬شارعا‭ ‬يفصل‭ ‬بين‭ ‬المعبد‭ ‬والقصر‭. ‬وكلمة‭ ‬اواتب‭ ‬تعني‭ ‬بالتايلاندية‭ ‬المعبد‭. ‬

دلفنا‭ ‬إلى‭ ‬مجمع‭ ‬المعبد‭ ‬فرأينا‭ ‬عددًا‭ ‬من‭ ‬المباني‭ ‬المتواترة‭ ‬في‭ ‬المعابد‭ ‬البوذية‭ ‬بها‭ ‬كثير‭ ‬من‭ ‬التماثيل،‭ ‬وبالطبع‭ ‬كان‭ ‬أبرزها‭ ‬مبنى‭ ‬وارن‭ ‬Wiharn‭ ‬المشتمل‭ ‬على‭ ‬تمثال‭ ‬بوذا‭ ‬المتكئ‭ ‬هائل‭ ‬الحجم‭ ‬برجليه‭ ‬الضخمتين،‭ ‬إذ‭ ‬تبلغ‭ ‬المسافة‭ ‬بين‭ ‬رأس‭ ‬التمثال‭ ‬ورجليه‭ ‬43‭ ‬مترا‭. ‬وحول‭ ‬التمثال‭ ‬توضع‭ ‬أوعية‭ ‬برونزية‭ ‬لجمع‭ ‬القطع‭ ‬المعدنية‭ ‬التي‭ ‬يرميها‭ ‬الزوار‭ ‬طلبًا‭ ‬للطالع‭ ‬السعيد‭ ‬والحظوظ‭ ‬الوافرة،‭ ‬وهي‭ ‬قطع‭ ‬بإمكان‭ ‬الزائر‭ ‬أن‭ ‬يشتريها‭ ‬في‭ ‬الموقع‭ ‬نفسه‭. ‬وقد‭ ‬انتبهنا‭ ‬إلى‭ ‬صوت‭ ‬ارتطام‭ ‬القطعة‭ ‬المعدنية‭ ‬التي‭ ‬رماها‭ ‬أحد‭ ‬الرهبان‭ ‬بلباسه‭ ‬البرتقالي‭ - ‬اللباس‭ ‬عبارة‭ ‬عن‭ ‬قطعة‭ ‬قماش‭ ‬برتقالية‭ ‬اللون‭ ‬تغطي‭ ‬جسد‭ ‬الراهب،‭ ‬والبعض‭ ‬منهم‭ ‬يكشف‭ ‬عن‭ ‬كتفه‭ ‬اليمنى‭ - ‬في‭ ‬قعر‭ ‬الوعاء،‭ ‬فقرع‭ ‬صوت‭ ‬بدأ‭ ‬قويًا‭ ‬ثم‭ ‬أخذ‭ ‬في‭ ‬التلاشي‭ ‬شيئًا‭ ‬فشيئًا‭.‬

 

التمثالُ‭ ‬الذهبي‭ ‬

هناك،‭ ‬على‭ ‬أطراف‭ ‬الحي‭ ‬الصيني،‭ ‬يقبع‭ ‬تمثال‭ ‬بوذا‭ ‬الذهبي،‭ ‬وهو‭ ‬أكبر‭ ‬تمثال‭ ‬لبوذا‭ ‬مصنوع‭ ‬من‭ ‬الذهب‭ ‬الخالص‭ ‬ويزن‭ ‬ما‭ ‬يقارب‭ ‬خمسة‭ ‬أطنان‭ ‬ونصف‭ ‬الطن‭ ‬ويرتفع‭ ‬15‭ ‬قدما‭. ‬إنه‭ ‬معبد‭ ‬وات‭ ‬تريميت‭ ‬Wat Traimit،‭ ‬أو‭ ‬كما‭ ‬يشتهر‭ ‬معبد‭ ‬بوذا‭ ‬الذهبي‭. ‬

وحين‭ ‬مضينا‭ ‬إليه‭ ‬تراءى‭ ‬لنا‭ ‬بناؤه‭ ‬عاليا‭ ‬فأخذنا‭ ‬بصعود‭ ‬درجاته‭ ‬حتى‭ ‬وصلنا‭ ‬إلى‭ ‬طابقه‭ ‬العلوي‭ ‬الذي‭ ‬يوفر‭ ‬للناظر‭ ‬صورة‭ ‬بانورامية‭ ‬للأحياء‭ ‬والشوارع‭ ‬القريبة‭ ‬منه،‭ ‬فرحنا‭ ‬نلتقط‭ ‬بعض‭ ‬الصور‭. ‬ثم‭ ‬أكملنا‭ ‬طريقنا‭ ‬لدخول‭ ‬المعبد،‭ ‬حيث‭ ‬كان‭ ‬هناك،‭ ‬قبل‭ ‬مدخل‭ ‬المعبد،‭ ‬طاولة‭ ‬تباع‭ ‬عليها‭ ‬زهور‭ ‬القطيفة‭ ‬البرتقالية‭ ‬وأعواد‭ ‬البخور‭ ‬لإشعالها‭ ‬كأحد‭ ‬الطقوس‭ ‬الأساسية‭. ‬نفذنا‭ ‬إليه‭ ‬فكان‭ ‬التمثال‭ ‬الذهبي‭ ‬متربعًا‭ ‬في‭ ‬وسطه،‭ ‬في‭ ‬حين‭ ‬يجلس‭ ‬الزائرون‭ ‬على‭ ‬الأرض‭ ‬مستقبلين‭ ‬وجه‭ ‬التمثال‭ ‬ومشعلين‭ ‬أعواد‭ ‬البخور‭.‬

 

إلى‭ ‬وات‭ ‬آرون

«إلى‭ ‬أين‭ ‬وجهتنا‭ ‬القادمة؟»‭... ‬سألنا‭ ‬صديقنا‭ ‬السائق‭ ‬حين‭ ‬وافانا،‭ ‬بطاقته‭ ‬المرحة‭ ‬المبهجة،‭ ‬عند‭ ‬مدخل‭ ‬المعبد‭. ‬فأجاب‭ ‬«إلى‭ ‬معبد‭ ‬وات‭ ‬آرون،‭ ‬فهيا‭ ‬بِنَا»‭. ‬فانطلق‭ ‬بنا‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬توقف‭ ‬أمام‭ ‬محطة‭ ‬قريبة‭ ‬من‭ ‬النهر‭ ‬فقال‭: ‬«الآن،‭ ‬وقد‭ ‬أكملتم‭ ‬هذه‭ ‬الزيارات‭ ‬المختصرة‭ ‬لهذه‭ ‬المواقع‭ ‬التاريخية‭ ‬من‭ ‬تايلاند‭ ‬القديمة‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬الضفة‭ ‬من‭ ‬نهر‭ ‬تشاو‭ ‬فرايا،‭ ‬فثمة‭ ‬معبد‭ ‬الفجر‭ ‬الرائع‭ ‬الرابض‭ ‬في‭ ‬الضفة‭ ‬المقابلة‭ ‬للنهر،‭ ‬وعليكم‭ ‬أن‭ ‬تستأجروا‭ ‬قاربًا‭ ‬للوصول،‭ ‬أما‭ ‬أنا‭ ‬فقد‭ ‬انتهت‭ ‬مهمتي‭ ‬لهذا‭ ‬اليوم»،‭ ‬فودعناه‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬نلتقي‭ ‬غدًا‭ ‬صباحًا‭. ‬

كان‭ ‬أحد‭ ‬القوارب‭ ‬يقف‭ ‬على‭ ‬صفحة‭ ‬النهر‭ ‬ينتظر‭ ‬الزبائن،‭ ‬فركبنا‭ ‬فيه،‭ ‬نسمات‭ ‬هواء‭ ‬رطبة‭ ‬لامست‭ ‬أجسامنا‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬يضربنا‭ ‬الهواء‭ ‬المعاكس‭ ‬لاتجاه‭ ‬المركب‭ ‬نتيجة‭ ‬انطلاقه‭ ‬بسرعة‭ ‬عالية‭. ‬معالم‭ ‬المعبد‭ ‬بدأت‭ ‬تلوح‭ ‬لنا‭. ‬اقتربنا‭ ‬أكثر‭ ‬فبدا‭ ‬وجه‭ ‬المعبد‭ ‬جميلا‭ ‬من‭ ‬على‭ ‬النهر،‭ ‬حيث‭ ‬يتكون‭ ‬من‭ ‬برج‭ ‬أساسي‭ ‬شاهق،‭ ‬وهو‭ ‬البرانجس‭ ‬الشكل‭ ‬المعماري‭ ‬الذي‭ ‬أتينا‭ ‬على‭ ‬ذكره‭ ‬آنفًا،‭ ‬والذي‭ ‬يرمز‭ ‬هنا‭ ‬إلى‭ ‬جبل‭ ‬ميرو‭ ‬موطن‭ ‬الآلهة‭ ‬بحسب‭ ‬المعتقد‭ ‬البوذي‭. ‬ويتخذ‭ ‬المعبد‭ ‬تشكيلًا‭ ‬معماريًا‭ ‬جذابًا،‭ ‬ولاسيما‭ ‬لو‭ ‬انتبهنا‭ ‬إلى‭ ‬تلك‭ ‬التمثيل‭ ‬الصغيرة‭ ‬أسفله‭ ‬التي‭ ‬تبدو‭ ‬ظاهريًا‭ ‬وكأنها‭ ‬تحمل‭ ‬المعبد‭ ‬على‭ ‬ظهرها‭. ‬

وفي‭ ‬الزوايا‭ ‬المحيطة‭ ‬بالبرج،‭ ‬تقبع‭ ‬أبراج‭ ‬أخرى‭ ‬تصغره‭ ‬حجمًا‭ ‬ولا‭ ‬تضاهيه‭ ‬جمالًا‭. ‬ومعبد‭ ‬الفجر‭ ‬هذا‭ ‬أو‭ ‬وات‭ ‬آرون‭ ‬بناه‭ ‬راما‭ ‬الثاني‭ ‬في‭ ‬بدايات‭ ‬القرن‭ ‬التاسع‭ ‬عشر،‭ ‬وأتمّ‭ ‬بناءه‭ ‬خلفه‭ ‬راما‭ ‬الثالث‭. ‬

وللمعبد‭ ‬أروقة‭ ‬مسقوفة‭ ‬تحيط‭ ‬ساحاته‭ ‬الداخلية،‭ ‬تتوالى‭ ‬فيها‭ ‬تماثيل‭ ‬ذهبية‭ ‬صغيرة‭ ‬متشابهة‭ ‬لبوذا‭. ‬

وعندما‭ ‬دخلنا‭ ‬إحدى‭ ‬حجرات‭ ‬المعبد،‭ ‬كان‭ ‬هناك‭ ‬راهب‭ ‬يجلس‭ ‬إلى‭ ‬اليسار‭ ‬من‭ ‬تمثال‭ ‬لبوذا،‭ ‬يقدم‭ ‬البركة‭ ‬لمن‭ ‬يريد‭ ‬نظير‭ ‬بضع‭ ‬قطع‭ ‬نقدية‭. ‬وإلى‭ ‬اليمين‭ ‬يقف‭ ‬رجل‭ ‬يتدبر‭ ‬أمر‭ ‬المكان‭. ‬فسألنا‭ ‬إن‭ ‬كنّا‭ ‬نريد‭ ‬الحصول‭ ‬على‭ ‬البركة،‭ ‬فأجبنا‭ ‬أننا‭ ‬نقصد‭ ‬تصوير‭ ‬الطقس‭ ‬الديني،‭ ‬إن‭ ‬كان‭ ‬ذلك‭ ‬مسموحًا،‭ ‬فأومأ‭ ‬موافقا،‭ ‬فرأينا‭ ‬سائحًا‭ ‬تبدو‭ ‬ملامحه‭ ‬غربية‭ ‬جلس‭ ‬أمام‭ ‬الراهب‭ ‬مادّاً‭ ‬يده‭ ‬ليربط‭ ‬الراهب‭ ‬على‭ ‬معصمه‭ ‬بخيط‭ ‬يجلب‭ ‬البركة،‭ ‬حسبما‭ ‬يعتقدون‭. ‬

خرجنا‭ ‬إلى‭ ‬حدائق‭ ‬المعبد‭ ‬لنعود‭ ‬إلى‭ ‬المركب‭ ‬الذي‭ ‬أخبرنا‭ ‬قائده‭ ‬بأنه‭ ‬لن‭ ‬يعيدنا‭ ‬إلى‭ ‬مسكننا،‭ ‬إذ‭ ‬يتبقى‭ ‬علينا‭ ‬قبل‭ ‬ذلك‭ ‬أن‭ ‬نأخذ‭ ‬جولة‭ ‬نهرية‭ ‬لنستكشف‭ ‬المدينة‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬القنوات‭ ‬المائية‭ ‬المتفرعة‭ ‬عن‭ ‬نهر‭ ‬تشاو‭ ‬فرايا،‭ ‬فلم‭ ‬نعترض،‭ ‬رغم‭ ‬أن‭ ‬التعب‭ ‬قد‭ ‬بلغ‭ ‬منا‭ ‬مبلغه‭. ‬وكانت‭ ‬جولة‭ ‬تستحق‭ ‬العناء،‭ ‬فهذه‭ ‬القنوات‭ ‬كانت‭ ‬في‭ ‬الماضي‭ ‬وسيلة‭ ‬التنقل‭ ‬الوحيدة‭ ‬عبر‭ ‬المدينة‭. ‬ورأينا‭ ‬راهبين‭ ‬صغيرين‭ ‬يجلسان‭ ‬على‭ ‬إحدى‭ ‬ضفتي‭ ‬القناة‭ ‬بابتسامة‭ ‬طفولية‭ ‬مرحة‭ ‬تعلو‭ ‬محياهما‭ ‬ونظرة‭ ‬شقية‭ ‬تبتعد‭ ‬عن‭ ‬ثوب‭ ‬الرهبنة‭ ‬الذي‭ ‬يرتديانه‭.‬

 

‭ ‬فتيةُ‭ ‬الكهفِ

نظرًا‭ ‬لكثافة‭ ‬الأمطار‭ ‬التي‭ ‬صاحبتها‭ ‬رياح‭ ‬شديدة‭ ‬لم‭ ‬نتمكن‭ ‬من‭ ‬الخروج‭ ‬هذا‭ ‬اليوم،‭ ‬فقضينا‭ ‬ساعات‭ ‬النهار‭ ‬بين‭ ‬قراءة‭ ‬كتاب‭ ‬توثيقي‭ ‬اشتريناه‭ ‬من‭ ‬أحد‭ ‬المحال‭ ‬يتحدث‭ ‬عن‭ ‬القصر‭ ‬الكبير،‭ ‬ومشاهدة‭ ‬قنوات‭ ‬التلفزة‭ ‬الإخبارية،‭ ‬حيث‭ ‬انشغلت‭ ‬لأيام‭ ‬بما‭ ‬كان‭ ‬قد‭ ‬شغل‭ ‬التايلانديين‭ ‬آنذاك،‭ ‬أعني‭ ‬حدث‭ ‬ارتهان‭ ‬فريق‭ ‬كرة‭ ‬قدم‭ ‬مكون‭ ‬من‭ ‬فتية‭ ‬تتراوح‭ ‬أعمارهم‭ ‬بين‭ ‬11‭ ‬و16‭ ‬عاما‭ ‬مع‭ ‬مدربهم‭ ‬في‭ ‬كهف‭ ‬يقع‭ ‬شمال‭ ‬البلاد،‭ ‬كانوا‭ ‬قد‭ ‬ذهبوا‭ ‬إليه‭ ‬في‭ ‬رحلة‭ ‬استكشافية،‭ ‬وذلك‭ ‬نتيجة‭ ‬فيضانات‭ ‬ضربت‭ ‬المنطقة‭. ‬فكنا‭ ‬رهينتين‭ ‬لمحبسين‭ ‬مختلفين؛‭ ‬كهف‭ ‬غارق‭ ‬في‭ ‬المياه‭ ‬وفندق‭ ‬يشرف‭ ‬على‭ ‬نهر‭. ‬ولحسن‭ ‬الحظ‭ ‬كنّا‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬المحبس‭ ‬الأخير،‭ ‬رغم‭ ‬انشغال‭ ‬البال‭ ‬بهؤلاء‭ ‬الفتية‭ ‬المساكين‭.‬

توقف‭ ‬المطر‭ ‬أخيرا‭ ‬ليفرج‭ ‬عنا،‭ ‬فقررنا‭ ‬الخروج‭ ‬والمشي‭ ‬قليلا‭ ‬بمحاذاة‭ ‬نهر‭ ‬تشاو‭ ‬فرايا‭ ‬وفي‭ ‬الشوارع‭ ‬الداخلية‭ ‬لنقع‭ ‬على‭ ‬شيء‭ ‬من‭ ‬الحياة‭ ‬اليومية‭ ‬العادية،‭ ‬والعادي‭ ‬من‭ ‬الأحداث‭ ‬التي‭ ‬تحدث‭ ‬مصادفة،‭ ‬أو‭ ‬كيفما‭ ‬اتفق،‭ ‬ربما‭ ‬تكون‭ ‬كاشفة‭ ‬وتقدم‭ ‬إشارات‭ ‬لا‭ ‬تقولها‭ ‬الكتب‭ ‬ولا‭ ‬تراها‭ ‬في‭ ‬المواقع‭ ‬السياحية‭ ‬الشهيرة،‭ ‬التي‭ ‬يقصدها‭ ‬جماهير‭ ‬السياح،‭ ‬ويسلكون‭ ‬المسلك‭ ‬ذاته‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬موقع‭ ‬أو‭ ‬أثر‭ ‬وكأنهم‭ ‬روبوتات‭ ‬آلية‭. ‬وإذ‭ ‬سلكنا‭ ‬طريقًا‭ ‬مكتظًا،‭ ‬كان‭ ‬في‭ ‬الجانب‭ ‬الآخر‭ ‬من‭ ‬الشارع‭ ‬عربات‭ ‬تبيع‭ ‬الفاكهة،‭ ‬البابايا‭ ‬والجوافة‭ ‬والمانجو‭ ‬التي‭ ‬لم‭ ‬نرَ‭ ‬أكثر‭ ‬منها‭ ‬في‭ ‬بانكوك‭.‬

ومن‭ ‬عجيب‭ ‬شأنهم‭ ‬أنهم‭ ‬لا‭ ‬يفوتون‭ ‬فرصة‭ ‬سانحة‭ ‬لأخذ‭ ‬قسط‭ ‬راحة‭ ‬والتنعم‭ ‬بتمسيد‭ ‬القدم‭ ‬والجسد‭ ‬طلبًا‭ ‬للاسترخاء‭ ‬إلا‭ ‬وانتهزوها‭. ‬ومن‭ ‬ذلك‭ ‬الانتشار‭ ‬الواسع‭ ‬لمحلات‭ ‬التدليك‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬طريق‭ ‬وزقاق‭ ‬وفي‭ ‬المجمعات‭ ‬التجارية،‭ ‬بل‭ ‬وحتى‭ ‬في‭ ‬المطار،‭ ‬وربما‭ ‬يكون‭ ‬هذا‭ ‬هو‭ ‬السر‭ ‬في‭ ‬السكينة‭ ‬التي‭ ‬تجدها‭ ‬على‭ ‬وجوه‭ ‬التايلانديين‭.‬

 

العجلة‭ ‬العملاقة

واصلنا‭ ‬المسير‭ ‬حتى‭ ‬بدأت‭ ‬تتضح‭ ‬ملامح‭ ‬عجلة‭ ‬بيضاء‭ ‬عملاقة‭ ‬تحمل‭ ‬مركبات‭ ‬فاتجهنا‭ ‬ناحيتها‭. ‬فإذا‭ ‬نحن‭ ‬أمام‭ ‬سوق‭ ‬جميل‭ ‬يدعى‭ ‬آسياتك،‭ ‬فيه‭ ‬ساحة‭ ‬تزدحم‭ ‬بالزوار‭ ‬وتحوي‭ ‬كثيرا‭ ‬من‭ ‬الفعاليات‭ ‬والأكشاك‭ ‬التي‭ ‬تبيع‭ ‬أصنافًا‭ ‬من‭ ‬الطعام‭ ‬التايلاندي‭ ‬والفاكهة‭ ‬الاستوائية‭ ‬طيبة‭ ‬المذاق،‭ ‬ويوفر‭ ‬هذا‭ ‬المركز‭ ‬التجاري‭ ‬إطلالة‭ ‬رائعة‭ ‬على‭ ‬نهر‭ ‬تشاو‭ ‬فرايا‭. ‬

وقفنا‭ ‬على‭ ‬النهر‭ ‬نحدق‭ ‬في‭ ‬المراكب‭ ‬السيارة،‭ ‬ثم‭ ‬حولنا‭ ‬النظر‭ ‬إلى‭ ‬العجلة‭ ‬العملاقة‭ ‬في‭ ‬الجوار‭ ‬التي‭ ‬تشابه‭ ‬تلك‭ ‬العجلة‭ ‬القائمة‭ ‬في‭ ‬العاصمة‭ ‬البريطانية‭ ‬والمسماة‭ ‬بعين‭ ‬لندن‭. ‬

الطريف‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬المركز‭ ‬التجاري،‭ ‬الذي‭ ‬لا‭ ‬يفتح‭ ‬أبوابه‭ ‬إلا‭ ‬بعد‭ ‬الخامسة‭ ‬مساءً،‭ ‬والذي‭ ‬يمزج‭ ‬بين‭ ‬الشكل‭ ‬العصري‭ ‬للمجمعات‭ ‬التجارية‭ ‬والبازار‭ ‬الليلي‭ ‬الشائع‭ ‬في‭ ‬تايلاند،‭ ‬نقول‭ ‬إن‭ ‬الطريف‭ ‬فيه‭ ‬أنه‭ ‬كان‭ ‬في‭ ‬الماضي‭ ‬ميناء‭ ‬تجاريا‭ ‬يضم‭ ‬بعض‭ ‬المباني‭ ‬التاريخية‭ ‬التي‭ ‬تعود‭ ‬إلى‭ ‬نهايات‭ ‬القرن‭ ‬التاسع‭ ‬عشر‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬يتحول‭ ‬إلى‭ ‬ما‭ ‬هو‭ ‬عليه‭ ‬اليوم‭. ‬كانت‭ ‬هذه‭ ‬ليلة‭ ‬مليحة‭ ‬ليست‭ ‬ضمن‭ ‬المخطط‭ ‬الذي‭ ‬رسمه‭ ‬لنا‭ ‬صديقنا‭ ‬سائق‭ ‬التاكسي‭.‬

 

بضعةُ‭ ‬أيامٍ‭ ‬في‭ ‬بوكيت

حان‭ ‬وقت‭ ‬الرحيل‭ ‬المؤقت‭ ‬عن‭ ‬بانكوك،‭ ‬حيث‭ ‬نتوجه‭ ‬إلى‭ ‬أشهر‭ ‬الجزر‭ ‬التايلاندية‭ ‬وأكبرها‭ ‬حجمًا،‭ ‬وربما‭ ‬أكثرها‭ ‬جمالا،‭ ‬أعني‭ ‬جزيرة‭ ‬بوكيت‭. ‬ونقول‭ ‬هنا‭ ‬رحيلاً‭ ‬مؤقتًا‭ ‬لأن‭ ‬الرحلة‭ ‬تبلغ‭ ‬ثلاث‭ ‬ليال‭ ‬فقط‭ ‬أردناها‭ ‬للراحة‭ ‬والاستجمام‭ ‬في‭ ‬شاطئ‭ ‬بديع‭ ‬يدعى‭ ‬كمالا،‭ ‬حيث‭ ‬يوجد‭ ‬الفندق‭ ‬الذي‭ ‬سنقيم‭ ‬فيه‭ ‬لنعود‭ ‬بعد‭ ‬ذلك‭ ‬إلى‭ ‬بانكوك،‭ ‬لنقضي‭ ‬الأيام‭ ‬الأخيرة‭ ‬من‭ ‬هذه‭ ‬الرحلة‭ ‬المثيرة‭ ‬في‭ ‬بلد‭ ‬العجائب‭.‬

حطَّت‭ ‬بِنَا‭ ‬الطائرة‭ ‬في‭ ‬مطار‭ ‬بوكيت‭ ‬الدولي،‭ ‬فقمنا‭ ‬بما‭ ‬يقوم‭ ‬به‭ ‬المسافرون‭ ‬من‭ ‬الإجراءات‭ ‬المعتادة‭. ‬ولدى‭ ‬اقترابنا‭ ‬من‭ ‬بوابة‭ ‬الخروج،‭ ‬حيث‭ ‬سيارات‭ ‬الأجرة،‭ ‬راودنا‭ ‬خاطر‭ ‬تجربة‭ ‬القيادة‭ ‬في‭ ‬جزيرة‭ ‬تشكل‭ ‬الجبال‭ ‬ما‭ ‬نسبته‭ ‬70‭ ‬بالمئة‭ ‬من‭ ‬مساحتها،‭ ‬كما‭ ‬أن‭ ‬مقود‭ ‬السيارة‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬البلد‭ ‬هو‭ ‬إلى‭ ‬اليمين‭ ‬لا‭ ‬إلى‭ ‬اليسار‭. ‬أطعنا‭ ‬هذا‭ ‬الخاطر‭ ‬واستأجرنا‭ ‬سيارة‭ ‬صغيرة‭ ‬الحجم‭ ‬لننطلق‭ ‬في‭ ‬الشوارع‭ ‬الضيقة‭ ‬التي‭ ‬تشق‭ ‬خضرة‭ ‬الغابات‭ ‬الكثيفة‭. ‬

كانت‭ ‬الراحة‭ ‬والاسترخاء‭ ‬في‭ ‬شواطئ‭ ‬الجزيرة‭ ‬غايتنا‭. ‬قضينا‭ ‬معظم‭ ‬الوقت‭ ‬معتكفين‭ ‬في‭ ‬الفندق‭ ‬القريب‭ ‬من‭ ‬الشاطئ‭ ‬نقرأ‭ ‬في‭ ‬رواية‭ ‬لم‭ ‬نتمها‭ ‬بعد،‭ ‬هي‭ ‬رواية‭ ‬جديدة‭ ‬للروائي‭ ‬العالمي‭ ‬الشهير‭ ‬دان‭ ‬براون‭ ‬عنوانها‭ ‬«الأصل»‭. ‬ونعاود‭ ‬قراءة‭ ‬بعض‭ ‬الصفحات‭ ‬من‭ ‬كتاب‭ ‬«المقابسات»‭ ‬لأبي‭ ‬حيّان‭ ‬التوحيدي،‭ ‬الكتاب‭ ‬الذي‭ ‬لا‭ ‬يفارقنا‭ ‬عبر‭ ‬الجهاز‭ ‬اللوحي‭ )‬الآيباد)‭ . ‬وكنا‭ ‬بين‭ ‬الحين‭ ‬والآخر‭ ‬نتابع‭ ‬أخبار‭ ‬فتية‭ ‬الكهف‭ ‬الذين‭ ‬تم‭ ‬بالفعل‭ ‬إنقاذ‭ ‬بعضهم،‭ ‬لكن‭ ‬البعض‭ ‬الآخر‭ ‬لايزال‭ ‬عالقا‭. ‬بيد‭ ‬أننا‭ ‬لم‭ ‬نستطع‭ ‬أن‭ ‬نقاوم‭ ‬إغراء‭ ‬استكشاف‭ ‬الجزيرة‭.‬

‭ ‬وَمِمَّا‭ ‬جذبنا‭ ‬فيها‭ ‬ذلك‭ ‬الموقع‭ ‬السياحي‭ ‬الضخم‭ ‬المسمى‭ ‬بفانتازي،‭ ‬وهو‭ ‬عرض‭ ‬مسرحي‭ ‬أسطوري‭ ‬رائع‭ ‬يشارك‭ ‬في‭ ‬أدائه‭ ‬مئات‭ ‬الممثلين‭ ‬والفيلة‭ ‬وحيوانات‭ ‬أخرى‭. ‬ويحكي‭ ‬تاريخ‭ ‬تايلاند‭ ‬بكيفية‭ ‬شائقة‭ ‬أخاذة‭. ‬

وكنا‭ ‬نأمل‭ ‬أن‭ ‬ننقل‭ ‬للقارئ‭ ‬بعض‭ ‬الصور،‭ ‬لولا‭ ‬أن‭ ‬التصوير‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬العرض‭ ‬ممنوع،‭ ‬إذ‭ ‬يتعين‭ ‬على‭ ‬الداخل‭ ‬إلى‭ ‬العرض‭ ‬تسليم‭ ‬الكاميرا،‭ ‬بل‭ ‬وحتى‭ ‬الهواتف‭ ‬المحمولة‭. ‬

في‭ ‬الكرسي‭ ‬الذي‭ ‬أمامنا‭ ‬مباشرة‭ ‬كانت‭ ‬هناك‭ ‬امرأة‭ ‬أدخلت‭ ‬هاتفها‭ ‬خلسة،‭ ‬فما‭ ‬كان‭ ‬منها‭ ‬إلا‭ ‬أن‭ ‬أخرجت‭ ‬الهاتف،‭ ‬مع‭ ‬بداية‭ ‬العرض،‭ ‬لتبدأ‭ ‬بالتصوير،‭ ‬وما‭ ‬هي‭ ‬إلا‭ ‬لحظات‭ ‬حتى‭ ‬سقط‭ ‬على‭ ‬رأسها‭ ‬ضوء‭ ‬شق‭ ‬ظلمة‭ ‬المسرح‭ ‬الضخم‭ ‬قادمًا‭ ‬من‭ ‬أعلى،‭ ‬إشارة‭ ‬إلى‭ ‬العاملين‭ ‬المنتشرين‭ ‬في‭ ‬جانب‭ ‬المسرح‭ ‬ليأخذوا‭ ‬الهاتف،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬كان‭.‬

ولعل‭ ‬من‭ ‬المواقع‭ ‬التي‭ ‬تلفت‭ ‬الزائر‭ ‬للجزيرة‭ ‬ذلك‭ ‬البيت‭ ‬المقلوب،‭ ‬فقد‭ ‬كان‭ ‬تصميمه‭ ‬على‭ ‬شكل‭ ‬بيت‭ ‬مقلوب‭ ‬بكل‭ ‬تفاصيله‭ ‬من‭ ‬حجراته‭ ‬إلى‭ ‬مطبخه‭ ‬ومرآبه،‭ ‬بل‭ ‬وأثاثه‭ ‬ومشتملاته‭. ‬وقد‭ ‬أتينا‭ ‬صباحًا‭ ‬على‭ ‬حديقة‭ ‬مخصصة‭ ‬للطيور‭ ‬تحتوي‭ ‬على‭ ‬أجناس‭ ‬مختلفة‭ ‬من‭ ‬الطيور‭ ‬يكسوها‭ ‬ريش‭ ‬بتشكيلات‭ ‬لونية‭ ‬واسعة‭ ‬ومتباينة‭.‬

 

العودةُ‭ ‬إلى‭ ‬بانكوك

ها‭ ‬قد‭ ‬عدنا‭ ‬إلى‭ ‬بانكوك،‭ ‬وقررنا‭ ‬أن‭ ‬نقيم‭ ‬بفندق‭ ‬يقع‭ ‬في‭ ‬مركزها‭ ‬السياحي،‭ ‬حيث‭ ‬سهولة‭ ‬التنقل‭ ‬والحـــركة؛‭ ‬قنوات‭ ‬مائية‭ ‬بها‭ ‬قوارب‭ ‬تنقل‭ ‬من‭ ‬يشاء‭ ‬إلى‭ ‬حيث‭ ‬يشاء‭ ‬وتغني‭ ‬عن‭ ‬التاكسي،‭ ‬تجاورها‭ ‬الشوارع‭ ‬الغاصة‭ ‬بالســيارات‭ ‬والدراجات‭ ‬النارية‭ ‬والهوائية‭ ‬والعربات‭ ‬التي‭ ‬تجرها‭ ‬الدراجات‭ ‬النارية‭ )‬التوك‭ ‬توك)‭  . ‬تعلوها‭ ‬جسور‭ ‬مشــاة‭ ‬تشــــق‭ ‬الكتــــل‭ ‬المعــــمارية‭ ‬الضخـــــمة؛‭ ‬المراكز‭ ‬التجارية‭ ‬الصماء‭ ‬الشبيهة‭ ‬بأقرانها‭ ‬في‭ ‬المدن‭ ‬الرأسمالية،‭ ‬ولا‭ ‬تحمل‭ ‬أي‭ ‬نعت‭ ‬أو‭ ‬هوية‭ ‬تدل‭ ‬على‭ ‬السنوات‭ ‬الأولى‭ ‬للمكان،‭ ‬وتنام‭ ‬على‭ ‬حوائطها‭ ‬الإعلانات‭ ‬التجارية‭ ‬الداعية‭ ‬إلى‭ ‬مزيد‭ ‬من‭ ‬الاستهلاك‭ ‬والمحركة‭ ‬لدوافع‭ ‬خفية،‭ ‬لكنها‭ ‬زائفة‭ ‬وواهمة‭ ‬وواهية‭ ‬لحاجات‭ ‬ليست‭ ‬بحاجات‭ ‬ومطلوبات‭ ‬ليست‭ ‬بمتطلبات‭. ‬وفوق‭ ‬جسور‭ ‬المشاة‭ ‬هناك‭ ‬القطار‭ ‬المعلق‭ ‬المفضل‭ ‬لدى‭ ‬السياح‭. ‬

هكذا،‭ ‬تستطيع‭ ‬أن‭ ‬تتخيّر‭ ‬في‭ ‬بانكوك‭ ‬جميع‭ ‬وسائل‭ ‬المواصلات؛‭ ‬فكان‭ ‬أن‭ ‬وقع‭ ‬اختيارنا‭ ‬على‭ ‬السير‭ ‬راجلين‭ ‬فوق‭ ‬الجسور‭ ‬الممتدة‭ ‬التي‭ ‬تغني‭ ‬عن‭ ‬السير‭ ‬في‭ ‬الشوارع‭. ‬فذرعنا‭ ‬المنطقة‭ ‬بطولها‭ ‬وعرضها،‭ ‬ندخل‭ ‬في‭ ‬بطن‭ ‬مجمع‭ ‬تجاري‭ ‬لنخرج‭ ‬منه‭ ‬في‭ ‬الجهة‭ ‬الأخرى‭ ‬فندخل‭ ‬مجمعا‭ ‬آخر،‭ ‬ولا‭ ‬نلحظ‭ ‬أي‭ ‬فرق،‭ ‬أناس‭ ‬يمشون‭ ‬بهدف‭ ‬وبغير‭ ‬هدف؛‭ ‬شراء‭ ‬ما‭ ‬يلزم‭ ‬وشراء‭ ‬ما‭ ‬لا‭ ‬يلزم‭. ‬مقاهٍ‭ ‬ذات‭ ‬علامات‭ ‬تجارية‭ ‬عالمية،‭ ‬مطاعم‭ ‬تحمل‭ ‬ذات‭ ‬المذاق‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬بقاع‭ ‬العالم‭ ‬وثياب‭ ‬يرتديها‭ ‬أهل‭ ‬الشرق‭ ‬والغرب‭. ‬

لم‭ ‬نرَ‭ ‬ما‭ ‬يستحق‭ ‬الالتفات‭ ‬سوى‭ ‬مجموعة‭ ‬من‭ ‬الشباب‭ ‬والشابات‭ ‬يرتدون‭ ‬ملابس‭ ‬غريبة‭ ‬ويضعون‭ ‬على‭ ‬وجوههم‭ ‬مساحيق‭ ‬عجيبة‭ ‬المنظر‭ ‬تذكر‭ ‬بالرسوم‭ ‬المتحركة‭ ‬الآسيوية،‭ ‬ومعهم‭ ‬مصورون‭ ‬كثر‭ ‬بكاميراتهم‭ ‬عالية‭ ‬الجودة‭ ‬يلتقطون‭ ‬لهم‭ ‬الصور‭ ‬التذكارية‭. ‬اندسسنا‭ ‬بينهم‭ ‬وكأننا‭ ‬جزء‭ ‬من‭ ‬مصوريهم‭ ‬ولم‭ ‬يلحظوا‭ ‬هم‭ ‬ذلك‭. ‬فرحنا‭ ‬نلتقط‭ ‬صورًا‭ ‬ونوجه‭ ‬العارضات‭ ‬إلى‭ ‬تغيير‭ ‬وضعية‭ ‬الوقوف‭ ‬أو‭ ‬تعديل‭ ‬ميـــل‭ ‬الـــرأس‭ ‬إلى‭ ‬الأمام‭ ‬قليلا‭. ‬

قضينا‭ ‬بينهم‭ ‬بعض‭ ‬الوقت‭ ‬ثم‭ ‬انصرفنا‭ ‬عنهم‭ ‬وواصلنا‭ ‬السير‭ ‬على‭ ‬شبكة‭ ‬جسور‭ ‬المشاة‭ ‬دون‭ ‬هدف‭. ‬توقفنا‭ ‬قليلا‭ ‬فوق‭ ‬منتصف‭ ‬الشارع‭ ‬نتأمل‭ ‬موجودات‭ ‬المشهد؛‭ ‬إلى‭ ‬اليمين‭ ‬مجمع‭ ‬تجاري‭ ‬ضخم‭ ‬يدعى‭ ‬سنتـــرال‭ ‬وورلد،‭ ‬أمامه‭ ‬تمثالان؛‭ ‬الأول‭ ‬هو‭ ‬لإله‭ ‬النجاح‭ ‬والثاني‭ ‬لإله‭ ‬الحب،‭ ‬ويتقدمهما‭ ‬عدد‭ ‬من‭ ‬تماثــيل‭ ‬الفيلة‭. ‬وقفـــت‭ ‬فتــــاة‭ ‬أمـــام‭ ‬تمثال‭ ‬إله‭ ‬الحب‭ ‬مباشرة‭ ‬وأشعلت‭ ‬أعواد‭ ‬البخور‭ ‬ثم‭ ‬أسندت‭ ‬بعض‭ ‬الأزهار‭ ‬البرتقالية،‭ ‬لابد‭ ‬أنها‭ ‬قد‭ ‬اشترتها‭ ‬من‭ ‬البائع‭ ‬المتجول‭ ‬الجالس‭ ‬أسفل‭ ‬الجسر‭. ‬وإلى‭ ‬اليسار‭ ‬محال‭ ‬تصطف‭ ‬متلاصقة،‭ ‬يدخل‭ ‬الزبائن‭ ‬إليها‭ ‬ويخرجون‭ ‬باستمرار‭. ‬

أما‭ ‬تحتنا‭ ‬مباشرة‭ ‬فالشارع‭ ‬الغاص‭ ‬بزحام‭ ‬السيارات‭ ‬المختلف‭ ‬ألوانها‭ ‬وأنواعها‭ ‬ورائحة‭ ‬عوادم‭ ‬السيارات‭ ‬تتصاعد‭ ‬لتصل‭ ‬إلى‭ ‬أنوفنا‭. ‬هكذا‭ ‬قضينا‭ ‬الساعات‭ ‬الأخيرة‭ ‬في‭ ‬تايلاند‭.  ‬ومع‭ ‬نهاية‭ ‬هذه‭ ‬الرحلة‭ ‬كانت‭ ‬الفرحة‭ ‬تعمّ‭ ‬أهل‭ ‬هذه‭ ‬البلاد‭ ‬وتشملنا‭ ‬نحن‭ ‬كذلك،‭ ‬إذ‭ ‬أعلن‭ ‬عن‭ ‬نجاة‭ ‬كامل‭ ‬الفريق‭ ‬من‭ ‬فتية‭ ‬الكهف‭ ‬بعد‭ ‬إنقاذ‭ ‬آخر‭ ‬شخص‭ ‬فيه،‭ ‬في‭ ‬حدث‭ ‬شغل‭ ‬العالم‭ ‬وجسّد‭ ‬روح‭ ‬التعاطف‭ ‬والتكافل‭ ‬الإنساني‭.‬

ولعلها‭ ‬رحلة‭ ‬لا‭ ‬تنسى‭ ‬لأصحاب‭ ‬الكهف،‭ ‬ورحلة‭ ‬لن‭ ‬تنسى‭ ‬لنا‭ ‬نحن‭ ‬أيضًا‭ ■

 

يبدو‭ ‬مطار‭ ‬بانكوك‭ ‬الدولي‭ ‬الجديد‭ ‬في‭ ‬حلة‭ ‬أنيقة‭ ‬ويحمل،‭ ‬في‭ ‬تصميمه‭ ‬وزينته،‭ ‬علامات‭ ‬تدل‭ ‬على‭ ‬البلاد

 

الإعلانات‭ ‬التجارية‭ ‬الضخمة‭ ‬تغطي‭ ‬الكتل‭ ‬الخراسانية‭ ‬في‭ ‬الوجه‭ ‬الرأسمالي‭ ‬المعولم‭ ‬للمدينة

 

يقع‭ ‬سوق‭ ‬دامنيون‭ ‬سدواك‭ ‬العائم‭ ‬في‭ ‬بلدة‭ ‬سدواك‭ ‬من‭ ‬إقليم‭ ‬راتشابوري‭ ‬إلى‭ ‬الجنوب‭ ‬من‭ ‬بانكوك

 

للفيلة‭ ‬نصيب‭ ‬في‭ ‬موقع‭ ‬دامنيون‭ ‬سدواك‭ ‬السياحي

 

عروض‭ ‬التماسيح‭ ‬الخطيرة