من هاجس التنظير إلى إنجاز العرض .. «مظاهر الكتابة المسرحية بالمغرب»

من هاجس التنظير إلى إنجاز العرض .. «مظاهر الكتابة المسرحية بالمغرب»

يندرج‭ ‬كتاب‭ ‬الدكتور‭ ‬محمد‭ ‬صولة‭  ‬المعنون‭ ‬بـ‭ ‬امظاهر‭ ‬الكتابة‭ ‬المسرحية‭ ‬بالمغرب‭... ‬من‭ ‬هاجس‭ ‬التنظير‭ ‬إلى‭ ‬إنجاز‭ ‬العرضب‭ ‬ضمن‭ ‬اهتمامات‭ ‬الكاتب‭ ‬النقدية‭ ‬بالمسرح‭ ‬بشكل‭ ‬عام،‭ ‬والمسرح‭ ‬المغربي‭ ‬بشكل‭ ‬خاص،‭ ‬فقد‭ ‬قارب‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬الكتاب‭ ‬المتميز‭  ‬جملة‭ ‬من‭ ‬القضايا‭ ‬المهمة‭ ‬وفق‭ ‬منهج‭ ‬وصفي‭ ‬تحليلي‭. ‬ونرى‭ ‬أن‭ ‬أهمية‭ ‬الكتاب‭ ‬تكمن‭ ‬في‭ ‬تناوله‭ ‬للمسرح‭ ‬المغربي‭ ‬من‭ ‬ثلاث‭ ‬زوايا‭: ‬الأولى‭ ‬توثيقية،‭ ‬والثانية‭ ‬تنظيرية،‭ ‬والثالثة‭ ‬تطبيقية‭.‬

القسم الأول توثيقي لأنه يوثق للمسرح الإذاعي والتلفزي والمسرح الشعري بالمغرب.  فقد شكل المسرح الإذاعي والتلفزي، من وجهة نظر الناقد، الإرهاصات الأولى للمسرح الوسائطي، وهنا اضطلع عبدالله شقرون بدور بارز، إذ أسس فرقاً مسرحية اهتمت بالتمثيل الإذاعي والتلفزي، وتمكنت من استقطاب شرائح اجتماعية واسعة، لأنها ناقشت موضوعات اجتماعية يسيرة، وحدد سمات العروض التي قدمت تلفزياً في:  

- اختيار العناوين ذات الإثارة الشعبية.

- الاقتراب من المشاكل الاجتماعية بصورة محتشمة وأحياناً ساذجة.

- الاتكاء على الفرجة الساحرة والبحث عن إضحاك الناس بأي طريقة.

- الافتقار إلى المقومات الفنية على مستوى العرض المسرحي.

- التعارض بين المرأة والرجل والمدينة والبادية.

ويشكل المسرح الشعري، من وجهة نظر المؤلف، جزءا مهماًّ من تاريخ المسرح المغربي، إذ ارتبط الشعر بالدراما منذ بدايتها، بيد أن الغنائية استحوذت على الشعر العربي ومنعته من ارتياد الآفاق الدرامية، ومنذ الستينيات لاحت بوادر الارتباط بين الدرامي والشعري في المسرح المغربي، خاصة حين تمكن الشعراء المغاربة من الانعتاق من القيود العروضية والتحرر من قواعدها لتدشين حداثة شعرية ذات نفس حركي درامي. يقول صولة مؤكداً هذا المعطى: «كان من الضروري أن تؤشر الدراما الشعرية إلى انتقال نوعي من الغنائية إلى الدرامية، وتراهن بالأساس على تعميق الفرجة المسرحية من خلال التشكيل الجمالي لعناصر السينوغرافيا، وذلك بضبط التجسيد الفعلي للحدث والتموقع الحركي للشخصيات، إضافة إلى خلق شاعرية داخل فضاء العناصر المركبة للدراما الشعرية».

وإذا كان قسم الكتاب الأول قد نحا منحى التوثيق، فإن القسم الثاني قد اتجه صوب التنظير، فقد ناقش الناقد الاتجاهات المسرحية المغربية ممثلة في: الاحتفالية، ومسرح النقد والشهادة، والمسرح الثالث، ومسرح المرحلة. 

وضمن هذا المعطى يعتبر المؤلف أن التأصيل في المسرح الاحتفالي، في جوهره، محاولة للبحث عن بعض الأشكال الشعبية والتراثية والإنسانية، واستغلالها لبلورة مسرح يرتبط بالوجدان الشعبي العربي. ومن هنا كانت دعوة الاحتفالية إلى ربط الذاكرة الشعبية بما كانت تعرفه في الأسواق والساحات العمومية، مما يبرز خصوصية المجتمع العربي عامة، لأن الأساس في العملية الإبداعية هو الانطلاق من الأسئلة التالية: كيف نتواصل مع الآخر؟ وكيف نحقق اللقاء الحقيقي والحميمي؟

ولذلك تركز الاحتفالية على الجمهور بوصفه العنصر الأساسي الذي يمنح للنص حرارته، انطلاقاً من مساهمته وتلقائيته.

فقد شكل التراث لبنة أساسية لعملية التأصيل باعتباره ديواناً ناطقاً ومحركاً للوجدان الإنساني عبر التاريخ، إنه الشكل التعبيري الأب،  الذي عنه تولدت وتفرعت كل الأشكال التعبيرية المختلفة، فهو المصدر الأساسي الذي تولدت عنه كل الفنون، ولا تقارب الاحتفالية التراث في ماضويته، وإنما في رهنيته لقدرته على الإجابة عن القضايا المعاصرة بوعي تاريخي وجمالي.

يرى الدكتور صولة أن الرجوع إلى التراث هدفه استلهام تقنيات مسرحية تتيح إمكانية تجاوز الشكل المسرحي الأرسطي، ولذلك يلح عبدالكريم برشيد على أن الاحتفالية ليست مجرد شكل مسرحي قائم على أسس وتقنيات فنية مغايرة، بل هو بالأساس فلسفة تحمل تصوراً جديداً لوجود الإنسان والتاريخ والفن والأدب والسياسة والصراع. 

لقد سعت الاحتفالية - حسب وجهة نظر الناقد- إلى صياغة نظرية فكرية وجمالية وقواعد أساسية للكتابة المسرحية بوصفها نزعة فنية من خلال منطلقاتها وأسسها وأبعادها الإبداعية، لأن العمل من دون نظرية ليس إلا الكتابة على الرمل.

أما مسرح النقد والشهادة  فيهدف إلى خلق إنسان جديد، يساهم بفاعلية في إعادة إنتاج الواقع، وبحسب المؤلف فإن المسرحي محمد مسكين لا يرفض الاغتراف من التراث والنهل من ينابيعه، إذ شكل سمة واضحة في أعماله، لكنه يلاحظ أن الحوار مع الماضي، الذاكرة، التراث، يجب ألا يتحول ممارسة للخضوع... لأن عيب الكتابة المسرحية عندنا إلى الآن، هو سقوطها في نزعة استسلامية لشبح الماضي، لهذا فهي لا تخضعه وإنما تخضع له، وبذلك فهو ينتقد استنساخ الماضي بغية تعريته وتفكيكه ثم إعادة تركيبه.

وهكذا، يعتبر مسكين التراث تجربة إنسانية لزم ربطها حوارياً مع الماضي، وإماطة اللثام عن قداستها لتعانق الهموم الدنيوية بامتياز. ومن هذا المنطلق اهتم مسكين في التراث بمناقشة معاناة الإنسان ونكساته من وجهة نظر معاصرة، فمسرح النقد والشهادة في تعامله مع العلامة التراثية يستنطق مكبوتها، ويوضح الغامض فيها ويستحضر هذه العلامة كشهادة ووثيقة على طبيعة المجتمع العربي وتناقضاته الصارخة.

 

المسرح‭ ‬الثالث

ويعتبر الناقد محمد صولة أن التجريب لدى المسرح الثالث ليس من أجل تأسيس مسرح عربي لذاته، بل لتأسيس مسرح مسؤول يسعى إلى تغيير ذاته أولاً، ثم إلى تغيير الواقع ثانياً. فالمسرح الثالث بوصفه اختياراً، يأخذ بمفهوم الثقافة المسؤولية، لأن وضعنا واختيارنا الاقتصادي والسياسي والثقافي والمسرحي، لا يمكن أن يستقبل كل شيء ببراءة، كما أنه لن يستطيع أن ينوب عنه من يدعي المصلحة العامة والثقافة المرغوب فيها لتتحدد مسؤولية المسرح في ربط هذا الأخير بالواقع الاقتصادي والسياسي، مع العمل على تحقيق الوعي بالصراع المجتمعي، خاصة أن الثقافة المسؤولة والمسرح المسؤول لا يمكن أن يكونا بمعزل عن التوجه الحقيقي (...)، لأن المسرح لا يمكن أن يستقيم عن هذا الاختيار أو ذاك (...) الاختيار ليبرالي، اختيار اجتماعي اشتراكي. 

إن المسرح الثالث بهذا التحديد يعمل على ربط المسرح، باعتباره جزءاً من البنيان الفوقي، بنمط الإنتاج وبعلاقات الإنتاج المجتمعية، كما يقر بحقيقة الجدل بين لغة الفن والاقتصاد أو الجانب المادي.

وضمن رؤية المسرح الثالث، تتحدد هوية المكان كعنصر أساسي في مكونات الخطاب الفكري لهذا المسرح في امتدادها إلى ما لا نهاية، بدءاً مما هو مغربي، ومرورا بالمكان العربي والإسلامي والإفريقي، انتهاء بما هو عالمي، لأن منطلق المكان يفرض حداً أدنى للتفاهم والتعاون والتفاعل على صعيد الوجود الإنساني، ليبقى المسرح الثالث الوجه الحقيقي والامتداد الطبيعي للمكان العربي وللصراع ضد أشكال الاستعمار الفكري والاقتصادي، إنها دعوة لتصحيح العلاقة مع الآخر ولتثمين عملية المثاقفة، ولإنهاء التبعية والاحتواء أيضاً. وبذلك فالمكان في المسرح الثالث متحرر ومفتوح، إذ يتجاوز المحلية المغربية ليكتسب بعداً شمولياً يضمن له قدراً من التواصل والتفاهم والتناغم مع ما هو عالمي إنساني.

 

مسرح‭ ‬المرحلة

أما مسرح المرحلة لحوري حسين، فهو حسب الناقد مسرح يسترشد بحركة التاريخ،  ويحرص على أن يتحول الفعل المسرحي إلى صرخة لتمكين المتفرج من اتخاذ موقف تجاه الحياة بتركيبتها الاجتماعية المعقدة، وليتحرر من عقده وإحباطاته، فالمرحلة التاريخية تتسم بتفاقم الوضع السياسي والاجتماعي بشكل خاص، مما يتطلب نهوضاً فكرياً شاملاً، تسهم فيه كل مكونات الثقافة الوطنية بما في ذلك المسرح.

يصوغ مسرح المرحلة علاقته بالواقع من خلال طرح السؤالين التاليين: 

- ماذا نريد من المسرح؟

- ماذا يريد هذا المسرح؟

وهكذا ينطلق العمل المسرحي عند حوري حسين، من الواقع نظراً لكونه يقوم بوظيفة اجتماعية، ويبقى مسؤولاً كإبداع إنساني كي تسقط الأقنعة، التي توظف الأفكار المثالية في التعامل مع المسرح، مستغلة بأبواقها طمس مضمون الصراع الاجتماعي، لأن وظيفة العمل المسرحي بوضوح في هذه المرحلة تجعلنا نحدد التعامل معه كمسؤولية تاريخية لا كممارسة فلكلورية مجانية مسطحة أو فرجة تخلو من أي بعد.

وفي القسم الثالث قدم الناقد تحليلاً فاحصاً وجذاباً «لأيام العز» نصاً وعرضاً وفق قراءة تأويلية تأخذ بعين الاعتبار شروط التلقي ومستلزماته مادام الفعل المسرحي يتغيا الجمهور بوصفه جوهر اللعب المسرحي. وهنا قارب الناقد فعل المرور من الكتابة الدرامية إلى الكتابة المسرحية، مما استلزم الوقوف عند العناصر البنائية من قبيل اللغة والشخصيات والمكان والفضاء والزمن والإيقاع والحركة، كما تناول العرض من زاوية السينوغرافيا والملابس والديكور والموسيقى والمؤثرات الصوتية ومختلف اللغات الدرامية التي أثرت العرض وتحكمت في اشتغاله الجمالي. لقد هدف الناقد من تحليله لأيام العز إلى محاورة العناصر التالية:

< تحديد طبيعة الكتابة المسرحية.

< مناقشة البناء الدرامي وتعيين ما لحقه من انتهاك.

الاهتمام بما هو جمالي وفني، ومن ثم تجاوز القراءات التي بالغت في عنايتها بالمضمون الأيديولوجي

< الاهتمام بالممثل وتعبيره الجسدي وليس بالارتهان بالقصة المكتوبة.

وفي الأخير، نؤكد أن للكتاب رؤى رزينة وفاحصة للمسرح المغربي، اذ تتكامل فيه العناصر التوثيقية والتنظيرية والتطبيقية، كما أنه يكمل العوز الحاصل على مستوى التأريخ للمسرح المغربي، خاصة من زاوية اهتمام الناقد بالمسرح الإذاعي والتلفزي والمسرح الشعري، على اعتبار أن هذه الأنواع المسرحية نادراً ما تنال اهتمام الباحثين .

مشهد‭ ‬من‭ ‬مسرحية‭ ‬دارت‭ ‬بنا‭ ‬الدورة‭ ‬من‭ ‬إخراج‭ ‬حسن‭ ‬هموش