الشاعرة لميعة عباس عمارة

الشاعرة لميعة عباس عمارة

تُعرفنا‭ ‬الشاعرة‭ ‬العراقية‭ ‬لميعة‭ ‬عباس‭ ‬عمارة‭ ‬عن‭ ‬نفسها‭ ‬فتقول‭ ‬في‭ ‬ختام‭ ‬ديوانهــا‭ ‬‮«‬الزاوية‭ ‬الخالية‮»‬‭ (‬ص‭ ‬117‭-‬119‭): ‬‮«‬أنا‭ ‬لميعة‭ ‬عباس‭ ‬عمارة‭ - ‬وعمارة‭ ‬اسم‭ ‬جدي‭ - ‬وُلدت‭ ‬في‭ ‬بغداد‭ ‬بجانب‭ ‬الكرخ‭ ‬في‭ ‬سنة‭ ‬1929‭. ‬وكنت‭ ‬أول‭ ‬مولود‭ ‬لأب‭ ‬وحيد‭ ‬أبويه،‭ ‬وأمّ‭ ‬لم‭ ‬تتجاوز‭ ‬الخامسة‭ ‬عشرة‭. ‬أكملت‭ ‬الصف‭ ‬الأول‭ ‬الابتدائي‭ ‬في‭ ‬بغداد‭ ‬بمدرسة‭ ‬الشواكة،‭ ‬ثم‭ ‬انتقلت‭ ‬الأسرة‭ ‬إلى‭ ‬العمارة‭.‬

نظمت‭ ‬الشعر‭ ‬صغيرة‭ ‬بالعامية،‭ ‬وكان‭ ‬أكثره‭ ‬هجاء،‭ ‬وأول‭ ‬شعري‭ ‬الفصيح‭ ‬كان‭ ‬في‭ ‬الصف‭ ‬السادس‭ ‬الابتدائي،‭ ‬ولم‭ ‬أنشر‭ ‬قصيدة‭ ‬إلا‭ ‬في‭ ‬الرابعة‭ ‬عشرة‭ ‬من‭ ‬عمري،‭ ‬وكانت‭ ‬لإيليا‭ ‬أبي‭ ‬ماضي‭ ‬التي‭ ‬نُشرت‭ ‬في‭ ‬صفحة‭ ‬‮«‬السمير‮»‬‭ ‬الأولى‭ ‬سنة‭ ‬1944‭ ‬مع‭ ‬تعليق‭ ‬طويل‭ ‬لطيف‭ ‬بقــلم‭ ‬الشاعر‭.‬

عدتُ‭ ‬إلى‭ ‬بغداد‭ ‬لإتمام‭ ‬دراستي‭ ‬الثانوية،‭ ‬وحصلت‭ ‬على‭ ‬شهادة‭ ‬الخامس‭ ‬بتفوّق،‭ ‬فقدّمت‭ ‬طلباً‭ ‬للالتحاق‭ ‬بالبعثة‭ ‬العلمية،‭ ‬وفي‭ ‬ذلك‭ ‬الظرف‭ ‬توفي‭ ‬أبي‭ ‬في‭ ‬سبتمبر‭ ‬سنة‭ ‬1946،‭ ‬فالتحقت‭ ‬بدار‭ ‬المعلمين‭ ‬العالية‭ (‬كلية‭ ‬التربية‭) ‬وتخرجت‭ ‬فيها‭ ‬سنة‭ ‬1950‭ ‬وأنا‭ ‬الآن‭ ‬مدرّسة‭ ‬في‭ ‬دار‭ ‬المعلمات‭ ‬الابتدائية‭ ‬ببغداد‭.‬

تزوجت‭ ‬بعد‭ ‬سنة‭ ‬واحدة‭ ‬من‭ ‬تخرجي‭ ‬ورزقت‭ ‬بأربعة‭ ‬أطفال،‭ ‬فكان‭ ‬رزقاً‭ ‬فوق‭ ‬الطاقة،‭ ‬قطعني‭ ‬عن‭ ‬القراءة‭ ‬والكتابة‭ ‬فترة‭ ‬أراها‭ ‬طويلة،‭ ‬وكنتُ‭ ‬مضطرة‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬الفترة‭ ‬بالذات‭ ‬إلى‭ ‬إلقاء‭ ‬المحاضرات‭ ‬الإضافية‭ ‬في‭ ‬المساء‮»‬‭.‬

ولميعة‭ ‬عباس‭ ‬عمارة‭ ‬شاعرة‭ ‬عراقية‭ ‬محدثة،‭ ‬تعدّ‭ ‬محطة‭ ‬مهمة‭ ‬من‭ ‬محطات‭ ‬الشعر‭ ‬في‭ ‬العراق‭. ‬ولدت‭ ‬الشاعرة‭ ‬لعائلة‭ ‬صابئية‭ ‬عراقية‭ ‬في‭ ‬منطقة‭ ‬الكريمات،‭ ‬وهي‭ ‬منطقة‭ ‬تقع‭ ‬في‭ ‬قلب‭ ‬المنطقة‭ ‬القديمة‭ ‬من‭ ‬بغداد‭ ‬والمحصورة‭ ‬بين‭ ‬جسر‭ ‬الأحرار‭ ‬والسفارة‭ ‬البريطانية‭ ‬على‭ ‬ضفة‭ ‬نهر‭ ‬دجلة‭ ‬في‭ ‬جانب‭ ‬الكرخ‭. ‬

وهي‭ ‬ابنة‭ ‬خالة‭ ‬الشاعر‭ ‬العراقي‭ ‬عبدالرزاق‭ ‬عبدالواحد‭.‬

للرجل‭ ‬في‭ ‬شعرها‭ ‬مركز‭ ‬بارز،‭ ‬فهي‭ ‬تناجيه‭ ‬وتتودد‭ ‬إليه،‭ ‬وله‭ ‬مكانة‭ ‬مهمة‭ ‬في‭ ‬حياتها‭.‬

تقول‭ ‬في‭ ‬ذلك‭:‬

مازلت‭ ‬مولعة،‭ ‬تدري‭ ‬تولّعها

مشدودة‭ ‬لك‭ ‬من‭ ‬شَعري‭ ‬ومن‭ ‬هُدُبي

من‭ ‬دونك‭ ‬العيش‭ ‬لا‭ ‬عيش،‭ ‬وكثرته

دربٌ‭ ‬طويل،‭ ‬فما‭ ‬الجدوى‭ ‬من‭ ‬النَصب؟

وهي‭ ‬تُفصح‭ ‬عــــن‭ ‬هذا‭ ‬الغائب‭ ‬الحاضر‭ ‬الرجل،‭ ‬وهو‭ ‬هنا‭ ‬ربما‭ ‬كان‭ ‬حبيباً‭ ‬أو‭ ‬أباً‭ ‬لكنه‭ ‬الرجل‭:‬

عُد‭ ‬لي‭ ‬صديقاً،‭ ‬أخاً،‭ ‬طفلاً‭ ‬أدلله

عد‭ ‬لي‭ ‬الحبيب‭ ‬الذي‭ ‬كم‭ ‬جَدَّ‭ ‬في‭ ‬طلبي

عد‭ ‬سيدي،‭ ‬تلك‭ ‬دون‭ ‬الشمس‭ ‬منزلة

أحلى‭ ‬المناداة‭ ‬عندي‭ ‬سيدي‭ ‬وأبي

وفي‭ ‬تقديم‭ ‬ديوانها‭ ‬‮«‬لو‭ ‬أنبأني‭ ‬العرّاف‮»‬‭ ‬تقول‭:‬

كلُّ‭ ‬شِعري

قبلَ‭ ‬لُقياكَ‭ ‬سُدىً

وهباءٌ‭ ‬كلُّ‭ ‬ما‭ ‬كنتُ‭ ‬كتبتُ

اطوِ‭ ‬أشعاري

ودعها‭ ‬جانباً

وادنُ‭ ‬منّي

فأنا‭ ‬اليومَ‭ ‬بدأتُ

وفي‭ ‬الديوان‭ ‬ذاته‭ ‬تقول‭ (‬ص‭ ‬50‭):‬

أيُّها‭ ‬الطفلُ‭ ‬الذي‭ ‬أعشَقُهُ

أطِلِ‭ ‬اللهوَ

لتبقى‭ ‬ولدي،

عِشْ‭ ‬كما‭ ‬شئتَ

فراشاً،‭ ‬بلبلاً،‭ ‬نحلةً

أشرِكْ‭ ‬معي

أو‭ ‬وَحِّدِ‭...‬

أنا‭ ‬أهواك‭ ‬كما‭ ‬أنتَ‭...‬

استرِحْ

لا‭ ‬تبادرْني‭ ‬بِعُذرٍ‭ ‬في‭ ‬غدِ‭ (‬1978‭)‬

ترى‭ ‬لميعة‭ ‬في‭ ‬اللغة‭ ‬العربية‭ ‬الفصيحة‭ ‬وسيلتها‭ ‬الأوسع‭ ‬للتواصـــــل‭ ‬مع‭ ‬الآخرين،‭ ‬لكنها‭ ‬تجد‭ ‬في‭ ‬لهجتها‭ ‬العراقية‭ (‬العامية‭) ‬ما‭ ‬يقرّبها‭ ‬من‭ ‬جمهورها‭ ‬المحلي‭ ‬الذي‭ ‬استعذب‭ ‬قصائدها‭ ‬فتحوّل‭ ‬بعضها‭ ‬إلى‭ ‬أغنيات‭ ‬يردّدها‭ ‬الناس‭.‬

مَن‭ ‬يقرأ‭ ‬قصائد‭ ‬الشاعرة‭ ‬لميعة‭ ‬يتوقف‭ ‬عند‭ ‬ملمحين‭ ‬أساسيين،‭ ‬الأول‭ ‬سعيها‭ ‬للتعبير‭ ‬عن‭ ‬أنوثتها‭ ‬أمام‭ ‬الرجل‭ ‬بوصفه‭ ‬صنوها‭ ‬لا‭ ‬عدواً‭ ‬لها‭ ‬تحاول‭ ‬استفزاز‭ ‬رجولته‭ ‬وإثارته،‭ ‬والثاني‭ ‬هذا‭ ‬الاعتزار‭ ‬بانتمائها‭ ‬العراقي‭ ‬الواضح‭ ‬بعيداً‭ ‬عن‭ ‬المزايدات‭ ‬الوطنية،‭ ‬إنه‭ ‬التعبير‭ ‬عن‭ ‬ذلك‭ ‬الارتباط‭ ‬الروحي‭ ‬بأرض‭ ‬تعرف‭ ‬مدى‭ ‬عمقها‭ ‬الحضاري‭ ‬وأصالته،‭ ‬وكثيراً‭ ‬ما‭ ‬تغنّت‭ ‬ببغداد،‭ ‬فبغداد‭ ‬هي‭ ‬العراق،‭ ‬تقول‭:‬

لأن‭ ‬العراقة‭ ‬معنى‭ ‬العراق

ويعني‭ ‬التبغدد‭ ‬عزاً‭ ‬وجاها

 

بدر‭ ‬السيّاب‭ ‬ولميعة‭ ‬عمارة

تعرّف‭ ‬بدر‭ ‬على‭ ‬لميعة‭ ‬في‭ ‬العام‭ ‬الدراسي‭ ‬1946‭/‬1947‭ ‬وتوثقت‭ ‬صلة‭ ‬كل‭ ‬منهما‭ ‬بالآخر‭ ‬توثقاً‭ ‬حميماً‭ ‬في‭ ‬آخر‭ ‬سنة‭ ‬من‭ ‬سنوات‭ ‬الدراسة‭ ‬في‭ ‬ما‭ ‬يتعلق‭ ‬به،‭ ‬وفي‭ ‬السنة‭ ‬الثانية‭ ‬من‭ ‬سنوات‭ ‬الدراسة‭ ‬في‭ ‬ما‭ ‬يتعلق‭ ‬بها،‭ ‬سنة‭ ‬1947‭/‬1948‭ ‬الدراسية‭.‬

وتتلخص‭ ‬القصة‭ ‬في‭ ‬أن‭ ‬كلاً‭ ‬منهما‭ ‬كان‭ ‬يبحث‭ ‬عن‭ ‬الآخر،‭ ‬كانت‭ ‬هي‭ ‬تبحث‭ ‬بنوع‭ ‬من‭ ‬اللهفة‭ ‬المثالية‭ ‬عن‭ ‬الآخر،‭ ‬وقد‭ ‬أرهقها‭ ‬البحث‭ ‬عمن‭ ‬تريد‭ ‬لنفسها،‭ ‬فهي‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬الوقت‭ ‬راضية‭ ‬عن‭ ‬الناس‭. ‬وكان‭ ‬مما‭ ‬يزيد‭ ‬حنقها‭ ‬أنها‭ ‬رأت‭ ‬الآخرين‭ ‬من‭ ‬حولها‭ ‬لا‭ ‬يتعلقون‭ ‬إلا‭ ‬بالمظاهر‭ ‬والقشور‭:‬

إن‭ ‬ارتديتُ‭ ‬حريراً‭ ‬هلّلوا‭ ‬عجباً

وزاحمَ‭ ‬البعضُ‭ ‬بعضاً‭ ‬زلفة‭ ‬مني

وإن‭ ‬أتيتُ‭ ‬بثوبِ‭ ‬النسكِ‭ ‬أقصدهم

صدّوا‭ ‬سراعاً‭ ‬وولوا‭ ‬كلهم‭ ‬عني

وكان‭ ‬هو‭ ‬يبحث‭ ‬أيضاً‭ ‬عمن‭ ‬يريــد‭ ‬لنفسه،‭ ‬ولكن‭ ‬بحثه‭ ‬كان‭ ‬بحث‭ ‬الجريح‭ ‬الذي‭ ‬‮«‬تكسّرت‭ ‬النصال‭ ‬على‭ ‬النصال‮»‬‭ ‬في‭ ‬قلبه‭ ‬المعنّى،‭ ‬وأخذ‭ ‬يصوّر‭ ‬لروحه‭ ‬فتاة‭ ‬يلقاها‭ ‬مــــن‭ ‬بعـــد‭ ‬بحثه‭ ‬الطويل،‭ ‬وأطلق‭ ‬على‭ ‬تلك‭ ‬الفتاة‭ ‬المتخيّلة‭ ‬اسم‭ ‬‮«‬المنتظرة‮»‬‭:‬

يطول‭ ‬انتظاري‭ ‬لعلي‭ ‬أراكِ

لعلي‭ ‬أُلاقيكِ‭ ‬بين‭ ‬البشرِ

سألقاكِ‭... ‬لابد‭ ‬لي‭ ‬أن‭ ‬أراكِ

وإن‭ ‬كان‭ ‬بالناظر‭ ‬المحتضر

فديتُ‭ ‬التي‭ ‬صوّرتها‭ ‬مناي

فأضحت‭ ‬أماني‭ ‬تلك‭ ‬الصور

أطلّي‭ ‬على‭ ‬مَن‭ ‬حباك‭ ‬الحياة

فأصبحتِ‭ ‬حسناء‭ ‬ملء‭ ‬النظر

وإلى‭ ‬جانب‭ ‬هذه‭ ‬الرابطة‭ ‬كانت‭ ‬هناك‭ ‬رابطة‭ ‬سياسية‭ ‬قوية‭ ‬تقرّب‭ ‬كلا‭ ‬منهما‭ ‬إلى‭ ‬الآخر،‭ ‬فقد‭ ‬كانا‭ ‬عضوين‭ ‬في‭ ‬الحزب‭ ‬الشيوعي‭ ‬العراقي،‭ ‬مما‭ ‬يجعل‭ ‬لكل‭ ‬منهما‭ ‬أهدافاً‭ ‬واحدة‭ ‬مشتركة‭. ‬وكانت‭ ‬هناك‭ ‬رابطة‭ ‬أخرى‭ ‬على‭ ‬جانب‭ ‬كبير‭ ‬من‭ ‬الأهمية،‭ ‬تتمثل‭ ‬في‭ ‬أن‭ ‬كلا‭ ‬منهما‭ ‬كان‭ ‬يبحث‭ ‬عن‭ ‬الحنان‭ ‬الذي‭ ‬افتقده،‭ ‬فالشاعر‭ ‬رحلت‭ ‬عنه‭ ‬أمّه‭ ‬وخلفته‭ ‬يتيماً،‭ ‬فكان‭ ‬في‭ ‬ذهنه‭ ‬أن‭ ‬يبحث‭ ‬عمّن‭ ‬تعوّضه‭ ‬عن‭ ‬حنانها‭. ‬والشاعرة‭ ‬رحل‭ ‬عنها‭ ‬أبوها‭ ‬وخلّفها‭ ‬يتيمة،‭ ‬فكان‭ ‬في‭ ‬ذهنها‭ ‬أن‭ ‬تبحث‭ ‬عمن‭ ‬يعوّضها‭ ‬حنانه،‭ ‬ومَن‭ ‬يقرأ‭ ‬ديوانها‭ ‬‮«‬الزاوية‭ ‬الخالية‮»‬‭ ‬قراءة‭ ‬متأنية‭ ‬يجد‭ ‬أن‭ ‬لميعة‭ ‬تمزج‭ ‬بين‭ ‬حديثها‭ ‬عن‭ ‬أبيها‭ ‬الراحل‭ ‬وبين‭ ‬حديثها‭ ‬عن‭ ‬شاعرها‭ ‬الحنون‭.‬

أما‭ ‬القضايا‭ ‬التي‭ ‬كانت‭ ‬تعوق‭ ‬تآلفهما،‭ ‬فتتمثل‭ ‬في‭ ‬أن‭ ‬الشاعرة‭ ‬كانت‭ ‬تنتمي‭ ‬إلى‭ ‬الطبقة‭ ‬العليا‭ ‬أو‭ ‬‮«‬البرجوازية‭ ‬الكبيرة‮»‬،‭ ‬بينما‭ ‬ينتمي‭ ‬الشاعر‭ ‬إلى‭ ‬الطبقة‭ ‬المتوسطة‭ ‬أو‭ ‬‮«‬البرجوازية‭ ‬الصغيرة‮»‬،‭ ‬ولذا‭ ‬كان‭ ‬الشاعر‭ ‬يتهم‭ ‬الشاعرة‭ ‬بأنها‭ ‬‮«‬مترفة‮»‬،‭ ‬أو‭ ‬على‭ ‬حد‭ ‬تعبيرها‭ ‬هي‭:‬

‮«‬كان‭ ‬يتهمني‭ ‬بأني‭ ‬مترفة‭ ‬وهو‭ ‬جائع‭... ‬وبأني‭ ‬مرتاحة‭ ‬تقدّم‭ ‬النصائح‭ ‬لقلق‭ ‬معذب‮»‬،‭ ‬كما‭ ‬تتمثل‭ ‬القضايا‭ ‬التي‭ ‬كانت‭ ‬تعوق‭ ‬تآلفهما‭ ‬في‭ ‬أن‭ ‬كلاً‭ ‬منهما‭ ‬يعتنق‭ ‬ديناً‭ ‬مختلفاً‭ ‬عن‭ ‬دين‭ ‬الآخر،‭ ‬فالشاعر‭ ‬كان‭ ‬مسلماً‭ ‬سنياً،‭ ‬والشاعرة‭ ‬كانت‭ ‬صابئية‭.‬

وهذه‭ ‬العلاقة‭ ‬تظهر‭ ‬في‭ ‬ديوان‭ ‬بدر‭ ‬‮«‬أساطير‮»‬‭ ‬وديوان‭ ‬لميعة‭ ‬‮«‬الزاوية‭ ‬الخالية‮»‬‭.‬

وهو‭ ‬يعبّر‭ ‬عن‭ ‬حبّه‭ ‬لها‭ ‬في‭ ‬إحدى‭ ‬قصائده،‭ ‬حيث‭ ‬يقول‭:‬

وتلك؟‭ ‬وتلك‭ ‬شاعرتي‭ ‬التــــي‭ ‬كانــــت‭ ‬لي‭ ‬الدنيا‭ ‬وما‭ ‬فيها

شربت‭ ‬الشعر‭ ‬من‭ ‬أحداقها‭ ‬ونعست‭ ‬في‭ ‬أفياء

تنشرها‭ ‬قصائدها‭ ‬علي‭: ‬فكل‭ ‬ماضيها

وكل‭ ‬شبابها‭ ‬كان‭ ‬انتظاراً‭ ‬لي‭ ‬على‭ ‬شط‭ ‬يهوم‭ ‬فوقه‭ ‬القمر

وتنعس‭ ‬في‭ ‬حماه‭ ‬الطير‭ ‬رش‭ ‬نعاسها‭ ‬المطر

فنبهها‭ ‬فطارت‭ ‬تملأ‭ ‬الآفاق‭ ‬بالأصداء‭ ‬ناعسة

‭... ‬تؤج‭ ‬النور‭ ‬مرتعشاً‭ ‬قوادمها،‭ ‬وتخفق‭ ‬في‭ ‬خوافيها

ظلال‭ ‬الليل،‭. ‬أين‭ ‬أصيلنا‭ ‬الصيفي‭ ‬في‭ ‬جيكور؟

وسار‭ ‬بنا‭ ‬يوسوس‭ ‬زورق‭ ‬في‭ ‬مائه‭ ‬البلور

وأقرأ‭ ‬وهي‭ ‬تصغي‭ ‬والربى‭ ‬والنخل‭ ‬والأعناب‭ ‬تحلم‭ ‬في‭ ‬دواليها

تفرّقت‭ ‬الدروب‭ ‬بنا‭ ‬نسير‭ ‬لغير‭ ‬ما‭ ‬رجعة

فتذكرني‭ ‬وتبكي‭. ‬غير‭ ‬أني‭ ‬لست‭ ‬أبكيها

وهي‭ ‬تقول‭ ‬في‭ ‬مقابلة‭ ‬أجرتها‭ ‬معها‭ ‬‮«‬مجلة‭ ‬الحوادث‮»‬‭ (‬29‭/‬2‭/‬1980‭ ‬العدد‭ ‬1217‭):‬

‮«‬في‭ ‬هذا‭ ‬الجو‭ ‬غير‭ ‬المتكافئ‭ ‬التقيت‭ ‬ببدر‭. ‬جاء‭ ‬بدر‭ ‬من‭ ‬حرمان‭ ‬القرية‭ ‬إلى‭ ‬الانفتاح‭ ‬على‭ ‬أجمل‭ ‬بنات‭ ‬بغداد‭ ‬وأكثرهن‭ ‬ثقافة‭. ‬وبدر‭ ‬يحب‭ ‬المرأة،‭ ‬فكيف‭ ‬إذا‭ ‬كانــــت‭ ‬هــذه‭ ‬المرأة‭ ‬جميلة‭ ‬ومثقفة‭ ‬وذات‭ ‬شخصية‭ ‬متميزة؟‭ ‬لقد‭ ‬تغزّل‭ ‬بنا‭ ‬جميعاً‭. ‬

هذه‭ ‬بعينيها‭ ‬الزرقاوين،‭ ‬وتلك‭ ‬بعينيها‭ ‬اللتين‭ ‬لا‭ ‬لون‭ ‬لهما،‭ ‬وهذه‭ ‬بشعرها‭ ‬السجين‭ (‬سعاد‭ ‬كانت‭ ‬تلف‭ ‬شعرها‭). ‬كنت‭ ‬أحد‭ ‬المستمعين‭ ‬إلى‭ ‬بدر‭. ‬أستمع‭ ‬إلى‭ ‬غزله‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬الوجوه‭ ‬الجميلة‭ ‬وكنت‭ ‬أستعيد‭ ‬بعض‭ ‬قصائده‭.‬

في‭ ‬السنة‭ ‬الأولى‭ ‬بدار‭ ‬المعلمين‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬بيني‭ ‬وبين‭ ‬بدر‭ ‬أي‭ ‬حب‭. ‬ولكن‭ ‬في‭ ‬السنة‭ ‬الثانية‭ ‬ولكثرة‭ ‬اقترابي‭ ‬منه‭ ‬بدأت‭ ‬أشعر‭ ‬بحنو‭ ‬عجيب‭ ‬على‭ ‬هذا‭ ‬الإنسان‭ ‬العبقري‭ ‬الذي‭ ‬وجدته‭ ‬يومها‭ ‬مريضاً‭ ‬نفسياً،‭ ‬بل‭ ‬وأحسست‭ ‬بنوع‭ ‬من‭ ‬الأمومة‭ ‬تجاهه‭. ‬كنت‭ ‬في‭ ‬السابعة‭ ‬عشرة‭ ‬من‭ ‬عمري‭ ‬وكان‭ ‬بدر‭ ‬في‭ ‬العشرين‮»‬‭.‬

هذه‭ ‬هي‭ ‬الشاعرة‭ ‬العراقية‭ ‬لميعة‭ ‬عبّاس‭ ‬عمارة‭ ‬التي‭ ‬تعيش‭ ‬اليوم‭ ‬في‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬الأمريكية‭. ‬وهي‭ ‬والشاعر‭ ‬العراقي‭ ‬سعدي‭ ‬يوسف‭ ‬الذي‭ ‬يعيش‭ ‬في‭ ‬لندن‭ ‬يعتبران‭ ‬من‭ ‬شعراء‭ ‬العراق‭ ‬البارزين‭ ‬الذين‭ ‬يعيشون‭ ‬خارج‭ ‬العراق‭. ‬أما‭ ‬سائر‭ ‬الشعراء‭ ‬العراقيين‭ ‬الكبار‭ ‬فقد‭ ‬خرجوا‭ ‬من‭ ‬الدنيا‭.‬

ومما‭ ‬تجدر‭ ‬الإشارة‭ ‬إليه‭ ‬أن‭ ‬الشعراء‭ ‬بدر‭ ‬شاكر‭ ‬السياب‭ ‬وبلند‭ ‬الحيدري‭ ‬ومحمد‭ ‬مهدي‭ ‬الجواهري‭ ‬وعبدالوهاب‭ ‬البياتي‭ ‬والشـــاعرة‭ ‬نازك‭ ‬الملائكـــة‭ ‬قد‭ ‬توفـــوا‭ ‬جميعهم‭ ‬خــــارج‭ ‬أرض‭ ‬العراق‭ ‬