المفكّرون العَرب ورفْض سُلْطة «الماضي المؤبّد»

المفكّرون العَرب  ورفْض سُلْطة «الماضي المؤبّد»

مضى الغرب في مضمار التقدّم أشواطا بفضل نهضته المبكّرة، وإصلاحاته المتعدّدة في مجالي السياسة والدين، وظلّ العرب متعلّقين بالشروح وشرح الشروح والحواشي، لكنّ توقهم إلى الانبعاث واليقظة ظلّ كامنا في النفوس كمون النّار في الحجر، وقابليتهم للتحوّل والتبدّل متمكّنة من الأذهان، لكنّ التّاريخ شاء أن يؤجّل فعل ذينك التوق والقابليّة، إذ أحكم الطوق المكبّل الخانق على المجتمعات العربية بفعل هجمتين لا تقلّ الواحدة عن الأخرى شراسة. تتمثّل الأولى في الاستعمار التركي العثماني، والثانية في الاستعمار الغربي الّذي تولّى اقتسام العالم الغربي إلى مناطق نفوذ ومستعمرات. لذلك لم تعمّر النهضة الّتي حاولها العرب في بداية القرن التاسع عشر، تلك النهضة الّتي طال النقاش حول منجزها وفاعلها. فالاستشراق الكولونيالي يعزوها إلى حملة بونابرت الّتي يجعل منها اللّحظة الصفر لبداية تاريخ العرب الحديث ونهضته، حتّى لكأنّ هذه الحملة استحالت إلى يد سحريّة انتشلت هذا العالم من هوة سحيقة ظلّ فيها يغط في نوم عميق. ويكفي أن نذكر شاهدا واحدا على ذلك متمثّلا في قولة الفرنسي رجيس بلاشير الّتي يشدّد فيها على هذا المنحى الاختزالي لحضارة العرب وتاريخهم «في سنة 1798 دوّى الصوت المرعد المؤذن بحلول بونابرت بمصر. وتجلّى مشهد أولئك العلماء الفرنسيين وهم يحملون طرائق في البحث، دوّن الشيخ الجبرتي لمواطنيه مظهرها المثير. فإحداث مطبعة حكومية ببولاق سنة 1821 يقوم شاهدا على أنّ الخديوي قد أدرك الفائدة الّتي يمكن أن يجنيها من تجديد الثقّافة العربيّة في مواجهته اسطنبول. وأنّ إيفاد الإرساليات المصريّة إلى فرنسا على غرار ما حصل مع رفاعة الطهطاوي يشهد على تواضعه بأنّ التجديد لا يتحقّق دون مساعدة أوربا الغربيّة».

إنّ الاستمرارية بناء على ما سبق ذكره هي «حضور الماضي في الحاضر» وتصور للتاريخ والمجتمع قائم على التجانس التّام ليكون وحدة غير متغايرة ولا متمايزة، فيقع التماهي مثلا بين المجتمع الإسلامي والتاريخ الإسلامي، ويكون أيضا وحدة مستمرّة في التاريخ استمرارا جوهريا وكلّ ما يعتري هذه الوحدة من اختراقات يعد أمرا طارئا خارجا عن هذا الجوهر بمعنى أنّها لا تنصهر فيه ولا تندمج معه ولا يستوعبها.

يدقّق عزيز العظمة كلّ هذه المسائل في نصّ موجز يقول فيه: «يقوم تصوّر التاريخ والمجتمع هذا على افتراض وحدة غير متغايرة ولا متمايزة، متفرّدة تستمرّ في التاريخ استمرارا جوهريّا بالمعنى الفلسفي الأنطولوجي الصارم، وليس بالمعنى المجازي. ويسمح هذا الاستمرار الملزم لها بألاّ تكون فترات التحوّل فيها كالتّاريخ الحديث الّذي أحدث لدينا انقطاعات تاريخيّة تامّة وبالغة الأهميّة إلاّ شئونا طارئة وافدة خارجة عن إطار هذا الجوهر المستمرّ. فيشطر الزّمان إلى ما سبق الأثر الغربي وما تلاه، ولا يحدث الغرب فينا آثارا أصيلة، بل إنّ أثره فينا يطفح بالعرض على سفح الجوهر الأصلي المستمرّ ممّا قبل الواقعة الفرنسيّة، وليست علاقتنا بالغرب علاقة كونيّة رابطها التحوّل، بل ما هي إلاّ علاقة تجاور بين وحدتين منفصلتين في الجوهر قد تتعدّاه إلى شيء من الازدواج الدّاخلي، إلاّ أنّ هذا الازدواج لا يكون إلاّ موقعا هامشيّا داخل بوتقة الفرادة دون أن تتصف صلتنا بالغرب بما يتطلّب منها واقع الكونية من أنّ الغرب جزء بنيوي منّا ومن أنّ التحوّل الّذي طرأ على مجتمعاتنا ليس بالطّارئ بل أصيل كلّ الأصالة.

 

انقطاعات‭ ‬عن‭ ‬الثقافة

يقول العظمة متأثّرا تأثّرا بالغا بمقولات الاستشراق الكولونيالي: «دخل العرب الحداثة مع دخول العالم الحديث ديار العرب بجنوده وتجّاره وقناصله وإرساليّاته، وانتزع التاريخ الحديث العرب من استمرارية ثقافية وحضارية عاشوها على مدى قرون دافعا بهم إلى تحولات وانقطاعات طالت مجالات مجتمعاتهم وثقافاتهم وبناهم السياسية كافة». 

إنّ العظمة يجعل بقولته هذه الماضي حالة متجانسة من التخلّف الكلّي تواصلت حتّى اللّحظة الّتي حصل فيها اللقاء بالغرب والوعي بالهوة السحيقة الّتي تفصل العالمين. فلم السكوت عن اللحظة الرشدية والعقلانية الاعتزالية والفلسفة الخلدونية؟ أليست هذه اللحظات تعبيرا عن قطائع ابستيمولوجيّة وتجسيدا لمراحل فارقة من مراحل الفكر والتاريخ؟ لكن العظمة يعترف ببعضها؛ كإجازة محمد عبده منظومة الربا.

يوصّف العظمة هذا التيّار توصيفا تغلب عليه الوثوقية والإطلاقية، فيذكر ضمن ما يذكر: «جاءت (الإصلاحية الإسلامية) فكرا نفعيّا في أسسه، يراوغ أسسه المزعومة في تاريخ نزع عنه الزمان وجمد في لحظة بدايته القرآنية والمحمدية وفترة الخلفاء الراشدين بإلزامها مضامين لا يمكن أن تتحمّلها، ويراوغ ذلك الفكر الحاضر الكوني العلماني بردّه إلى بدايات مطلقة يدّعي لها التّاريخية والحضور معا».

لقد رصد العظمة كلّ استتباعات الاستمرارية ومتعلّقاتها الفكرية وأخطارها، وعبّر عن ذلك بنفس كفاحي لغايات يمكن أيديولوجية بالمعنى الإيجابي، إذا سلّمنا بأنّ العلمانية مفهوم عامّ شاسع يؤمن بالعقل والعلم ويرفض الإلحاد ولا يقصي الدين من دائرته، ولا يدعو إلى استئصاله وإقصائه من حياة الناس.

إنّ مفهوم الاستمرارية لم يكن بهذا الوضوح لدى مفكّر آخر هو «الجابري». فهو يقرنه بالوحدة جاعلا منه أحد أهداف الفكر الأوربي «لقد عرف الفكر الأوربي من خلال هذه الفترة - وهي ذات الفترة الّتي نشطت فيها الحركة الاستشراقية - نشاطا واسع النّطاق، يهدف إلى إعادة كتابة التاريخ الثقافي الأوربي بصورة تحقّق له الوحدة والاستمرارية من جهة وتجعل منه التاريخ العام للفكر الإنساني من جهة أخرى». 

وهو في هذا الموضع يجرّد الاستمرارية من الشّحنة السلبية التي حمّلها إيّاها العظمة. يبدو أنّ الجابري يجعل جانب الاستمرارية مرادفا للجانب الإنساني في التّراث العربي الإسلامي بما فيه من عناصر مشتركة بين الحضارات، وهنا تقترب الاستمرارية من الشمولية المحقّقة للكونية. إلاّ أنّنا وإن عدمنا المعنى الاصطلاحي للاستمرارية عند صاحب التراث والحداثة، فإنّنا لا نعدم لديه موقفنا، خصوصا من الماضي، وقد ربط بالتراث وهو موقف نفعي ذرائعي وظيفي يأخذ من السّابق الصالح دون الطالح من أجل مصلحة الأمّة و«ما يفيدها في حاضرها» فيهتمّ بذلك بما «يساعد على التقدّم ويدفع عملية التطوّر إلى الأمام».

وإذا كان الجابري يهتمّ في الماضي بما يأخذ منه من أجل خدمة الحاضر والمستقبل، فإنّ موقفه هذا قائم على نظرة «تاريخية تراثية» ترى وجوب مقاربة التّراث مقاربة تربط أبعاد الزمان الثلاثة بعضها البعض ربطا باحثا عن التضافر والتكامل بين حلقات التاريخ المختلفة... فهو لا يرفض السابق لكنّه يشرط قبوله بتحقيقه ودراسته، ويجعل لهذه الدراسة خطوات ومراحل أساسية يحدّدها بثلاث هي المعالجة البنيوية والتحليل التاريخي والطرح الأيديولوجي لغاية تحقيق الموضوعية، لكنّه وإن لم يرفض السّابقة رفضا كلّيا فإنّه يرفض فيه عديد المظاهر التي يتميّز بها نمط المعرفة الّذي كان سائدا فيه «إنّ التخلّف الّذي نعانيه فكريا هو التخلّف المرتبط باللاّعقلانية بالنظرة السحريّة إلى العالم والأشياء، بالنّظرة اللاّسببية». ومعلوم أنّ هذه خصائص فكرية لا يعاديها الفكر الداعي إلى الاستمرارية أو يطالب بتغييرها أو أقلّه بالنظر فيها. 

كما لا نعدم مواضع صريحة ينقد فيها محمّد عابد الجابري مباشرة هذا الفكر وخاصّة في مستوى تعامله مع التراث والماضي اللّذين يرفعهما شعارا له: «إنّ المنهج السلفي -بالمعنى الواسع لكلمة سلفية- منهج انتقائي يسعى إلى تأكيد الذات أكثر من سعيه إلى أيّ شيء آخر. وهو في الأعمّ الأغلب منهج خطابي يمجّد الماضي بمقدار ما يبكي الحاضر. ومن هنا تظلّ «الذّات» الّتي يريد تأكيدها هي «ذات» الماضي الّذي يعاد بناؤه بانفعال تحت ضغط «ويلات» الحاضر و«انحرافاته».

 

الثقافة‭ ‬الأصيلة

ويعرّف الجابري الثقافة الأصيلة باستدعاء صلتها بالحاضر والمستقبل والماضي الّذي ينفي بل يرفض الجابري أن تكون تلك الثقافة وجهته. وبهذا يضفي صاحبنا على الأصالة معنى خاصا يخرج بها عن المحجّات المألوفة الّتي تماهيها مع الماضي «الثقافة الأصيلة هي الّتي يجد فيها الحاضر مكانا فيما تحكيه عن الماضي»، وهذا التوق إلى المستقبل وتنكّب الماضي ظهريّا يبرز في أمرين: الأوّل متعلّق برفضه نقل صراعات الماضي إلى الحاضر وهو أمر نعيشه اليوم في عديد الأقطار العربيّة «ومع ذلك لابدّ من نظرة نقديّة واعية للتّراث تحترم عالميته في آن واحد وخصوصيته التاريخيّة. فلا يجوز مثلا أن ننقل صراعات الماضي إلى الحاضر. إنّ الصراعات الفقهية والكلامية والفلسفيّة كانت لها مبرّراتها في الماضي، ومن الغفلة نقلها إلى الحاضر... ولا شكّ أنّ في هذا المجموع التراثي عناصر قابلة للحياة والتطوير وأخرى انتهى أمرها بانتهاء لحظتها في سلسلة التطوّر».

الثاني مترتّب على الأوّل وإن بصفة غير مباشرة، إذ يتعلّق بتطبيق الشريعة الّذي يمثّل اليوم مثار جدل كبير في العديد من البلدان العربيّة وخاصّة في الّتي تسمّى افتراء ودجلا ببلدان الربيع العربي. «إنّ المناداة ب «تطبيق الشريعة» كان دائما شعار الحركات الإصلاحية في التاريخ الإسلامي، وكان يعبّر عنه بـ «الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر» وهو مبدأ إسلامي أصيل... أمّا اليوم فالأمر يختلف تماما، إنّ الحياة المعاصرة الاقتصادية والاجتماعية والسّياسية والثقافية، وبكلمة واحدة الحضارة الرّاهنة تختلف اختلافا جذريّا عن نمط حياة السلف، وبالتالي فالاحتكام إلى «الأشباه والنظائر» لا يكفي بل ربّما لا يجدي، لأنّ معطيات الحضارة المعاصرة لا أشباه لها ولا نظائر في الماضي...» ولم يقف الجابري عند هذا الحدّ بل يتجاوزه إلى الرّفض المباشر بلغة لا تخلو من التوتّر الّذي ينحو منحى سجاليا ينأى بالنصّ عن طابعه المعرفي التاريخي «شعار تطبيق الشريعة» قد تحوّل إلى شعار أيديولوجي يوظّف في معارك ظرفية غير واضحة المنطلق والمبتغى، لا يستبعد أن يكون كثير منها تحرّكه أيد غير نظيفة، أو جهات مشبوهة تستغلّ تطلّعات شبابنا وعواطف شعبنا».

 

أسطورة‭ ‬الاستشراق

يبدو أنّ المؤلّف متأثّر بأسطورة الاستشراق. وتقضي هذه الأسطورة بأنّ الحضارة الإنسانية بفلسفتها وعقلانيّتها مدينة في نشوئها وتطوّرها إلى الفلاسفة الإغريق. أمّا مؤدّى مفهوم التقدّم الرّئيس «في الحضارة العربيّة الإسلامية فيبقى هو التقدّم في معرفة الإنسان لله وارتقائه على سلّم الكمال تقرّبا من المثال الإلهي».

وقل الشيء نفسه بالنسبة إلى المعرفة الّتي هي في العقل اليوناني - الأوربي «معرفة الطبيعة» أمّا في العقل العربي الإسلامي فهي في المقام الأوّل معرفة «اللاّهوتي» ويلحّ المؤلّف على الطابع التأمّلي العرفاني اللاهوتي الّذي يطغى على كلّ مجالات النشاط الفكري في الحضارة العربية الإسلامية، مقارنة بالطابع العملي الإنتاجي الّذي يسم الحضارة اليونانية المتميّزة بعقلانيّتها وفلسفتها اللّتين تمثّلان القاعدة الثقافية الّتي تتأسّس عليها حضارة اليونان خاصّة وأوربا عامّة: لدى اليونان في البدء كانت الفلسفة وفي الحضارة العربيّة- الإسلاميّة كان الدين». إنّ هذه المقارنة الّتي تسكت عن الميثولوجيا الإغريقية وأساطيرها ودياناتها وآلهتها تروم بيان أسباب التخلّف العميقة الضاربة في أعماق التاريخ الّتي نحتت العقل العربي وجعلته أقرب إلى التأمّل منه إلى الإنجاز والفعل ما يبرّر رفض الاستمراريّة لبلوغ التقدّم. وهذه انتقائية تأكّدت في النصّ من خلال حصر العلم عند العرب في العلوم الدّينيّة مع تشديد على عصر التدوين وتغييب لمنجزات العقل العربي في مجالات الطبّ والصيدلة والبصريات والكيمياء وعلم التاريخ إلخ.. «فالعلم بالإضافة إلى العقل اليوناني الأوربي هو العلم بقوانين الطبيعة والنفس والاجتماع، على أنّ مصطلح «العلم» بالذّات ما كان يراد به في عصر التدوين الّذي هو الإطار المرجعي للعقل العربي الإسلامي سوى العلم بمعناه الديني» وهذا أمر مجانب للحقيقة وغير منصف! فلم السكوت عن البيروني وابن البيطار وابن الهيثم وابن سينا وغيرهم؟ 

ينبه الجابري إلى خطر السلفية المتمثّل في سلفيات:

< دينيّة تعتبر حضارة القرن العشرين جاهليّة «بتمامها، بقضّها وقضيضها، وهي جاهليّة جاوزت في جاهليتها كلّ جاهلية أخرى معروفة في التاريخ» ويمثّل على ذلك بمضمون كتاب محمّد قطب الموسوم بـ «جاهلية القرن العشرين».

< قوميّة يمثّلها زكّى الأرسوزي الّذي يرى «أنّ العصر الذهبي للأمّة كان الجاهلية وكلّ ما تلاه كان انحطاطا... فكان عصر الانحطاط العربي الكبير الّذي لا سبيل إلى فكّ الذات القوميّة من إساره إلاّ بالبعث أي بالعودة إلى صفاء الجاهلية الأولى».

< رومانسيّة جاءت لتقسم «البشريّة إلى حزبين كبيرين: حزب الماضي وحزب المستقبل وتنتصر للأوّل على الثاني انتصارا مطلقا غير مشروط وتطالب لا بالعودة إلى الماضي باعتباره «العصر الذهبي للحريّة والسعادة والحبّ والجمال ولكلّ ما هو إنساني في الإنسان» فحسب، بل كذلك «بتحطيم كلّ الآلات والمخترعات» ويعتبر توفيق الحكيم ممثّلا لهذه السلفية في كتابيه «عصفور من الشرق» و«رحلة إلى الغد».

والحلّ لتجاوز هذه الاستمراريات «أن يعيد العقل العربي - أو العقل العربي الإسلامي - النظر في معطياته ومحدّدات بنيته فيقف من نفسه موقفا نقديّا ويكتشف أو يعيد اكتشاف بعد الطبيعة ومقدرة الإنسان على تحويلها، فيقرن بين الإنسان الكامل والإنسان الصّانع ويزاوج بين «استكشاف السماء واستكشاف الأرض»... وبطبيعة الحال فإنّ ثورة عقلية كهذه هي من وظيفة الأنتلجنسيا» .