السّرد، الذات والمعرفة في رواية المرآة

السّرد، الذات والمعرفة  في رواية المرآة

تمثل‭ ‬‮«‬المرآة‭ ‬مسيرة‭ ‬الشمس‮»‬‭ ‬للروائية‭ ‬الكويتية‭ ‬هديل‭ ‬الحساوي‭ ‬سفراً‭ ‬سردياً‭ ‬في‭ ‬الذات‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬تقويض‭ ‬الهيمنة،‭ ‬والتخلص‭ ‬من‭ ‬ربق‭ ‬السلط‭ ‬المتعددة،‭ ‬والانعتاق‭ ‬من‭ ‬شرنقة‭ ‬الوصاية‭ ‬التي‭ ‬تهيمن‭ ‬على‭ ‬الفرد‭ - ‬المرأة‭ ‬تحديداً‭ ‬في‭ ‬المجتمعات‭ ‬المحافظة‭ - ‬فتشلّ‭ ‬فيه‭ ‬كل‭ ‬قدرة‭ ‬على‭ ‬الحلم‭ ‬والابتكار‭ ‬واختلاق‭ ‬الجمال‭ ‬في‭ ‬الحياة،‭ ‬وتكون‭ ‬حياته،‭ ‬بالتالي،‭ ‬مستلبة‭ ‬شبيهة‭ ‬بالسجن‭ ‬الرمزي‭ ‬الذي‭ ‬لا‭ ‬حدود‭ ‬له‭. ‬

انطلقت‭ ‬الرواية‭ ‬من‭ ‬نصوص‭ ‬أساسية‭ ‬للمحكي‭ ‬الصوفي،‭ ‬بتوقيع‭ ‬من‭ ‬رائد‭ ‬التصوُّف،‭ ‬الشيخ‭ ‬الأكبر،‭ ‬صاحب‭ ‬فصوص‭ ‬الحكم،‭ ‬وترجمان‭ ‬الأشواق،‭ ‬نظرا‭ ‬لما‭ ‬كانت‭ ‬تشكل‭ ‬الأنوثة‭ ‬في‭ ‬نظرته‭ ‬المتميزة‭ ‬للكون‭ ‬والحياة‭.‬‭ ‬وفي‭ ‬المناص؛‭ ‬يتحدث‭ ‬عن‭ ‬الصورة‭ ‬التي‭ ‬تعكسها‭ ‬المرآة،‭ ‬والسر‭ ‬في‭ ‬تعددها‭ ‬واختلافها،‭ ‬الذي‭ ‬لا‭ ‬يعود‭ ‬إليها،‭ ‬بقدر‭ ‬ما‭ ‬يعود‭ ‬لزاوية‭ ‬التموقع‭ ‬بالنسبة‭ ‬إلى‭ ‬الرائي‭ ‬أو‭ ‬الواقف‭ ‬أمامها‭. ‬وقد‭ ‬جعلت‭ ‬الروائية‭ ‬هذا‭ ‬النص‭ ‬المركزي‭ ‬مبتدأ‭ ‬المحكي‭ ‬ومنتهاه‭ ‬في‭ ‬تدليل‭ ‬على‭ ‬قصدية‭ ‬فنية‭ ‬توجه‭ ‬فعل‭ ‬التلقي،‭ ‬وتروم‭ ‬ترسيخ‭ ‬فكرة‭ ‬تحمّل‭ ‬الذات‭ ‬مسؤوليتها؛‭ ‬في‭ ‬تحلل‭ ‬من‭ ‬أي‭ ‬وصاية،‭ ‬مهما‭ ‬كانت‭ ‬ذرائعها‭. ‬

تشخّص‭ ‬الرواية،‭ ‬استناداً‭ ‬إلى‭ ‬هذا‭ ‬التقديم‭ ‬الفنيّ‭ ‬الجوهري،‭ ‬حالة‭ ‬إنسانية‭ ‬شائعة‭ ‬خاصة‭ ‬في‭ ‬المجتمعات‭ ‬التي‭ ‬تنعدم‭ ‬فيها‭ ‬تقاليد‭ ‬الديمقراطية،‭ ‬وحرية‭ ‬الفرد‭ ‬في‭ ‬تقرير‭ ‬مصيره،‭ ‬وممارسة‭ ‬حياته‭ ‬في‭ ‬كامل‭ ‬اختياراته،‭ ‬دون‭ ‬تدخل‭ ‬من‭ ‬أحد،‭ ‬وهو‭ ‬نقد‭ ‬مبطن‭ ‬توجهه‭ ‬الرواية‭ ‬لحالة‭ ‬المجتمعات‭ ‬العربية‭ ‬التي‭ ‬تهيمن‭ ‬فيها‭ ‬الأبيسية،‭ ‬والسلطة‭ ‬المرجعية،‭ ‬والهيمنة،‭ ‬والوصاية‭ ‬بداعي‭ ‬الحماية‭ ‬وحفظ‭ ‬الشرف،‭ ‬وغيرها‭ ‬من‭ ‬الذرائع‭ ‬الواهية‭.‬

وبما‭ ‬أن‭ ‬الحكاية‭ ‬التي‭ ‬تؤسس‭ ‬عليها‭ ‬الرواية‭ ‬مفارقة‭ ‬للواقع،‭ ‬ويستحيل‭ ‬تحققها‭ ‬بناء‭ ‬على‭ ‬سيادة‭ ‬نظم‭ ‬ثقافية‭ ‬مشبعة‭ ‬بالحدود‭ ‬والحصون‭ ‬العتيقة،‭ ‬فقد‭ ‬لاذت‭ ‬بالخيال‭ ‬الفني‭ ‬الجامح‭ ‬من‭ ‬جهة،‭ ‬واعتمدت‭ ‬من‭ ‬جهة‭ ‬أخرى‭ ‬على‭ ‬الفلسفة،‭ ‬وتغريب‭ ‬المحكي‭ ‬وتعجيبه،‭ ‬ليبدو‭ ‬قمة‭ ‬في‭ ‬الفانتاستيك‭ ‬والغرائبية،‭ ‬مستدرجة‭ ‬بذلك‭ ‬القراء‭ ‬صوب‭ ‬احتمالات‭ ‬قصوى‭ ‬للتخييل‭ ‬والتغريب،‭ ‬لأنهما‭ ‬الوحيدان‭ ‬اللذان‭ ‬بإمكانهما‭ ‬إفلات‭ ‬الوقائع‭ ‬والأفكار‭ ‬والمطامح‭ ‬والرغائب‭ ‬من‭ ‬أسيجتها‭ ‬الثقافية‭ ‬الفولاذية،‭ ‬وانعتاقها‭ ‬من‭ ‬كماشة‭ ‬التقاليد‭ ‬الفنية‭ ‬والاجتماعية،‭ ‬ناقلة‭ ‬إياه‭ ‬إلى‭ ‬مقامات‭ ‬قرائية‭ ‬قلما‭ ‬ارتادها‭ ‬في‭ ‬الرواية‭ ‬العربية‭ ‬الجديدة‭.‬

 

مركزية‭ ‬الذات

تنتصر‭ ‬الرواية‭ ‬في‭ ‬محكيّها‭ ‬لفكرة‭ ‬تسويد‭ ‬الذات‭ ‬في‭ ‬مباشرة‭ ‬اختياراتها،‭ ‬والتعرف‭ ‬على‭ ‬كينونتها،‭ ‬بوعي‭ ‬ومسؤولية،‭ ‬وتطرح‭ ‬سؤالاً‭ ‬فلسفياً‭ ‬جوهرياً‭ ‬يتعلق‭ ‬بماهية‭ ‬الأنا،‭ ‬وجوهرها،‭ ‬وقوتها‭ ‬وضعفها،‭ ‬في‭ ‬شتى‭ ‬تحولاتها،‭ ‬ثم‭ ‬تحاول‭ ‬الإجابة‭ ‬عنه‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬إطلاق‭ ‬العنان‭ ‬لشخصيتها‭ ‬الرئيسة‭ ‬في‭ ‬ممارسة‭ ‬قراراتها‭ ‬بكل‭ ‬تحدّ،‭ ‬وثقة‭ ‬عالية،‭ ‬وارتياد‭ ‬آفاق‭ ‬تحبل‭ ‬بأجواء‭ ‬المغامرة،‭ ‬وروح‭ ‬المبادرة،‭ ‬بلا‭ ‬خوف‭ ‬ولا‭ ‬قلق‭ ‬من‭ ‬سؤال‭ ‬المصير‭ ‬أو‭ ‬المستقبل،‭ ‬وتشرع‭ ‬لذات‭ ‬هاته‭ ‬الشخصية‭ ‬مسيرة‭ ‬مثل‭ ‬مسيرة‭ ‬الشمس‭ ‬لا‭ ‬قيد‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يكبح‭ ‬جماح‭ ‬انطلاقها،‭ ‬وانفلاتها،‭ ‬مسيرة‭ ‬كلها‭ ‬مخاطر‭ ‬وتجارب‭ ‬متنوعة‭ ‬ومطبات‭ ‬تتوزع‭ ‬بين‭ ‬الضياع‭ ‬والمحنة،‭ ‬والموت‭ ‬والحياة،‭ ‬وجغرافيا‭ ‬قاهرة‭ ‬مصمَّمة‭ ‬على‭ ‬إيقاع‭ ‬الاختبارات‭ ‬المتاهية‭ ‬المتتالية‭ ‬التي‭ ‬لا‭ ‬تستند‭ ‬البطلة،‭ ‬في‭ ‬حلها،‭ ‬سوى‭ ‬إلى‭ ‬قدراتها‭ ‬الذاتية‭ ‬الداخلية،‭ ‬وقراراتها‭ ‬المنبثقة‭ ‬عن‭ ‬قناعات‭ ‬فكرية‭ ‬وعقلية‭ ‬شخصية‭ ‬لا‭ ‬يتدخل‭ ‬فيها‭ ‬أحد‭: ‬اكوني‭ ‬شجاعة‭ ‬وجريئة،‭ ‬في‭ ‬نهاية‭ ‬هذا‭ ‬الدرب‭ ‬توجد‭ ‬المرآة‭ ‬التي‭ ‬تخصك،‭ ‬إذا‭ ‬وصلت‭ ‬إليها‭ ‬فستفهمين‭ ‬معنى‭ ‬رحلتك‭. ‬لا‭ ‬تفكري‭ ‬في‭ ‬شيء‭ ‬آخر‭ ‬عداها‭ ‬ولا‭ ‬ترغبي‭ ‬في‭ ‬شيء‭ ‬غيرها‭. ‬المرآة‭ ‬هدفك،‭ ‬كوني‭ ‬حذرة‭ ‬وسريعة،‭ ‬ومتفتحة‭ ‬الذهنب‭ (‬*)‭.‬

وفي‭ ‬كل‭ ‬مرة،‭ ‬كانت‭ ‬الفتاة‭ ‬البطلة،‭ ‬التي‭ ‬تمردت‭ ‬على‭ ‬وصية‭ ‬ذويها‭ ‬وأهلها‭ ‬فحلّت‭ ‬بها‭ ‬لعنة‭ ‬الفلسفة،‭ ‬لتنقلها‭ ‬في‭ ‬رحلة‭ ‬سرابية،‭ ‬كان‭ ‬المنطق‭ ‬الفلسفي‭ ‬إبانها،‭ ‬هو‭ ‬قائدها‭ ‬الرئيس‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬تحللت‭ ‬من‭ ‬أفكار‭ ‬الآخرين‭ ‬ووصايتهم‭ ‬وحمايتهم،‭ ‬وقيودهم،‭ ‬وشكلياتهم‭ ‬التقليدانية‭ ‬المعقدة،‭ ‬فباتت‭ ‬تسبح‭ ‬بحرية‭ ‬في‭ ‬أجواء‭ ‬خارج‭ ‬كل‭ ‬الثنائيات‭ ‬التي‭ ‬تعرفها‭ ‬حياة‭ ‬البشر‭ ‬المعتادة‭. ‬

‭ ‬وهنا‭ ‬تستعير‭ ‬الكاتبة‭ ‬كثافة‭ ‬فلسفية‭ ‬بشكل‭ ‬بارز‭ ‬في‭ ‬دلالة‭ ‬على‭ ‬دفاعها‭ ‬عن‭ ‬أطروحة‭ ‬توظيف‭ ‬العقل،‭ ‬والجنوح‭ ‬إلى‭ ‬مركزية‭ ‬السؤال‭ ‬الفلسفي‭ ‬حول‭ ‬جوهر‭ ‬الوجود،‭ ‬وتشكل‭ ‬المعنى،‭ ‬وجدوى‭ ‬الحياة‭ ‬في‭ ‬نأي‭ ‬عن‭ ‬تدخلات‭ ‬الآخرين‭ ‬الذين‭ ‬ينوبون،‭ ‬تحت‭ ‬ذريعة‭ ‬سياقات‭ ‬مختلفة‭ ‬ومتنوعة،‭ ‬عن‭ ‬الفرد‭ ‬في‭ ‬طرح‭ ‬هاته‭ ‬الأسئلة‭ ‬والإجابة‭ ‬عنها‭ ‬بالأسلوب‭ ‬الذي‭ ‬يرضي‭ ‬تمثلاتهم‭ ‬للكون‭ ‬والحياة،‭ ‬دون‭ ‬مراعاة‭ ‬لحرية‭ ‬الشخص‭ ‬في‭ ‬اختياراته‭ ‬وممارساته‭ ‬الحياتية‭ ‬والفكرية‭ ‬والاجتماعية‭. ‬هذه‭ ‬المصادرة‭ ‬القوية‭ ‬لحقِّ‭ ‬الفرد‭ ‬في‭ ‬التقرير‭ ‬والاختيار‭ ‬والممارسة‭ ‬الحياتية‭ ‬هي‭ ‬وازع‭ ‬الفعل‭ ‬السردي‭ ‬هنا،‭ ‬وغايته‭ ‬الفلسفية‭ ‬والفكرية‭.  

وقد‭ ‬استعارت‭ ‬الروائية‭ ‬هديل‭ ‬الحساوي‭ ‬في‭ ‬مسردها‭ ‬مقولتين‭ ‬أساسيتين‭ ‬لتبئير‭ ‬مركزية‭ ‬الذات‭ ‬وأناها‭ ‬الجوهرية‭ ‬الجوانية،‭ ‬انبثاقاً‭ ‬عن‭ ‬رؤية‭ ‬فلسفية‭ ‬للكون،‭ ‬وتمثيل‭ ‬عقلي‭ ‬باطني‭ ‬للحياة،‭ ‬ورغبات‭ ‬الفرد،‭ ‬وقدراته،‭ ‬وقواه‭ ‬الداخلية‭ ‬لفك‭ ‬القيود،‭ ‬وأسلاك‭ ‬الحصار‭ ‬المتعددة‭ ‬المفروضة‭ ‬عليه‭ ‬من‭ ‬قبل‭ ‬سياقات‭ ‬خارجية‭: ‬أولها‭ ‬المرآة،‭ ‬استناداً‭ ‬إلى‭ ‬مرجعية‭ ‬صوفية،‭ ‬تتجلى‭ ‬في‭ ‬استحضار‭ ‬الشيخ‭ ‬الأكبر‭ ‬وتصوره‭ ‬للمرآة‭ ‬العاكسة،‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬اختيار‭ ‬مقطع‭ ‬من‭ ‬مقولة،‭ ‬وجعله‭ ‬عتبة‭ ‬وقفلاً‭ ‬للمحكي‭ ‬الروائي‭. ‬

ولا‭ ‬تعدو‭ ‬هاته‭ ‬المقولة‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬استعارة‭ ‬كبرى،‭ ‬سواء‭ ‬في‭ ‬مقول‭ ‬ابن‭ ‬عربي،‭ ‬أو‭ ‬في‭ ‬مقول‭ ‬هديل‭ ‬الحساوي،‭ ‬فكلاهما‭ ‬يشير‭ ‬بها‭ ‬إلى‭ ‬معنى‭ ‬خفي،‭ ‬هو‭ ‬تمثل‭ ‬الذات‭ ‬البشرية‭ ‬لجوهرها‭ ‬الدفين،‭ ‬والنظر‭ ‬بوضوح‭ ‬إلى‭ ‬مكامن‭ ‬القوة‭ ‬والخلل‭ ‬فيها،‭ ‬وبناء‭ ‬القرارات‭ ‬والاختيارات؛‭ ‬تأسيساً‭ ‬على‭ ‬هذا‭ ‬التمثل‭ ‬الفلسفي‭ ‬لقوى‭ ‬الأنا‭ ‬وإمكاناتها‭ ‬ورغباتها‭ ‬في‭ ‬وضوح،‭ ‬دون‭ ‬مواربة‭ ‬أو‭ ‬تخوف‭ ‬أو‭ ‬إذعان،‭ ‬وبتحمل‭ ‬كليّ‭ ‬لمسؤولية‭ ‬تبعات‭ ‬تلك‭ ‬الاختيارات‭ ‬في‭ ‬إيجابياتها‭ ‬وسلبياتها،‭ ‬وهذا‭ ‬هو‭ ‬ما‭ ‬ينقص‭ ‬الفرد‭ ‬عموماً،‭ ‬وخاصة‭ ‬في‭ ‬العالم‭ ‬العربي،‭ ‬لبناء‭ ‬قناعاته،‭ ‬وتنمية‭ ‬ذاته،‭ ‬والمساهمة‭ ‬في‭ ‬تشييد‭ ‬صرح‭ ‬الحضارة‭ ‬البشرية‭. ‬

أما‭ ‬ثانية‭ ‬المقولتين؛‭ ‬فتتمثل‭ ‬في‭ ‬الشمس‭ ‬التي‭ ‬تشكل‭ ‬استعارة‭ ‬كبرى‭ ‬جسدت‭ ‬منذ‭ ‬القديم،‭ ‬فيما‭ ‬تركه‭ ‬الأولون‭ ‬من‭ ‬أساطير‭ ‬ومحكيات،‭ ‬العظمة‭ ‬والكشف‭ ‬والنور‭ ‬وقوة‭ ‬الله‭ ‬الكونية،‭ ‬مثلما‭ ‬شكلت‭ ‬معبوداً‭ ‬رئيساً‭ ‬عند‭ ‬المصريين‭ ‬القدامى‭ ‬على‭ ‬العهد‭ ‬الفرعوني‭ (‬رع‭)‬،‭ ‬وهي‭ ‬في‭ ‬الرواية‭ ‬القوة‭ ‬المشعة‭ ‬التي‭ ‬تدخل‭ ‬أقاصي‭ ‬الذات‭ ‬الأشد‭ ‬غوراً‭ ‬وتخفياً،‭ ‬فتضيئها‭ ‬وتبرزها،‭ ‬وتصقلها‭ ‬بنورها‭ ‬الوضاء‭. ‬ومن‭ ‬المعلوم‭ ‬أن‭ ‬الشمس‭ ‬بأشعتها‭ ‬القوية،‭ ‬تزداد‭ ‬توهجاً،‭ ‬وتهيجاً‭ ‬بانعكاسها‭ ‬على‭ ‬صفحة‭ ‬المرآة‭.‬

يشار‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬تجربة‭ ‬الكتابة‭ ‬لا‭ ‬تنفصل‭ ‬بشكل‭ ‬من‭ ‬الأشكال‭ ‬عن‭ ‬تجربة‭ ‬الذات،‭ ‬فعوالم‭ ‬الرواية،‭ ‬مهما‭ ‬اجتهد‭ ‬الروائي‭ ‬ليظل‭ ‬بعيدا‭ ‬عن‭ ‬أجوائها،‭ ‬فلابد‭ ‬أن‭ ‬يلفي‭ ‬ذاته‭ ‬متورطة‭ ‬في‭ ‬بعض‭ ‬الجزئيات‭ ‬السياقية،‭ ‬فالشخصيات‭ ‬التي‭ ‬يختارها‭ ‬تكون‭ ‬أقرب‭ ‬إليه‭ ‬من‭ ‬حبل‭ ‬الوريد،‭ ‬إن‭ ‬لم‭ ‬نقل‭ ‬إنها‭ ‬تنبث‭ ‬من‭ ‬ضلوعه،‭ ‬وترث‭ ‬جيناته،‭ ‬وعليه‭ ‬فهديل‭ ‬الحساوي‭ ‬تتقاسم‭ ‬تجربة‭ ‬المعرفة‭ ‬مع‭ ‬بطلتها‭ ‬المتعددة‭ ‬الأسامي،‭ ‬لأنها‭ ‬جزء‭ ‬من‭ ‬تفاصيلها،‭ ‬وهي‭ ‬نفسها‭ ‬تعبر‭ ‬عن‭ ‬ذلك‭ ‬بقولها‭: ‬ظروف‭ ‬كتابة‭ ‬االمرآة‭ ‬سيرة‭ ‬الشمسب‭ ‬والتحولات‭ ‬التي‭ ‬مرت‭ ‬بها‭ ‬البطلة،‭ ‬كانت‭ ‬تحولات‭ ‬ذاتية‭ ‬أيضا‭. ‬كما‭ ‬مرت‭ ‬البطلة‭ ‬في‭ ‬رحلتها‭ ‬الخاصة‭ ‬للكمال،‭ ‬كانت‭ ‬أيضا‭ ‬رحلتي‭ ‬للنضج‭ ‬والتغير‭.‬

 

تخييل‭ ‬غرائبي

تستند‭ ‬الرواية‭ ‬في‭ ‬نهل‭ ‬مادتها‭ ‬السردية‭ ‬إلى‭ ‬العجيب‭ ‬والغريب،‭ ‬ذاك‭ ‬المحكي‭ ‬المفارق‭ ‬للواقع،‭ ‬والمتعارف‭ ‬عليه،‭ ‬وهو‭ ‬سرد‭ ‬يتم‭ ‬اللجوء‭ ‬إليه‭ ‬للسخرية‭ ‬من‭ ‬نظام‭ ‬ثقافي‭ ‬مزيف‭ ‬يتأسس‭ ‬على‭ ‬الدوكسا‭ ‬والتقاليد‭ ‬البالية،‭ ‬أو‭ ‬لنقد‭ ‬وتجريح‭ ‬أضاليل‭ ‬تتفشى‭ ‬في‭ ‬المحيط‭ ‬الاجتماعي‭ ‬والسياسي،‭ ‬أو‭ ‬لكشف‭ ‬أخلال‭ ‬منظومة‭ ‬قيمية‭ ‬متعفنة‭ ‬في‭ ‬صورة‭ ‬كاريكاتورية‭ ‬معيبة،‭ ‬أو‭ ‬لتهويل‭ ‬أمر‭ ‬ما‭ ‬يجد‭ ‬في‭ ‬نفس‭ ‬الباث‭ ‬رجعاً‭ ‬منفّراً‭ ‬ومكدّراً‭.‬

‭ ‬ويأتي‭ ‬المحكي‭ ‬الغرائبي‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬الرواية؛‭ ‬ليجسد‭ ‬في‭ ‬حالات‭ ‬وتحولات‭ ‬مساره‭ ‬السردي‭ ‬عبر‭ ‬النص‭ ‬الروائي؛‭ ‬هذه‭ ‬العناصر‭ ‬كلها،‭ ‬بحكم‭ ‬أن‭ ‬الواقع‭ ‬المقوّض‭ ‬على‭ ‬مستوى‭ ‬الرؤية‭ ‬النصيّة‭ ‬من‭ ‬الصعب‭ ‬تفتيت‭ ‬قيوده‭ ‬وأقانيمه‭ ‬الضاربة‭ ‬بجذورها‭ ‬في‭ ‬العمق‭ ‬المجتمعي،‭ ‬وليس‭ ‬من‭ ‬سبيل‭ ‬إلى‭ ‬اختراقها‭ ‬إلا‭ ‬على‭ ‬سبيل‭ ‬التمثيل‭ ‬المفارق‭ ‬الذي‭ ‬يعبث‭ ‬بهذا‭ ‬العالم،‭ ‬ويمزق‭ ‬نظمه،‭ ‬ويخلخل‭ ‬ثوابته،‭ ‬ولو‭ ‬على‭ ‬مستوى‭ ‬التخييل‭ ‬الفني‭. ‬

يسرد‭ ‬المحكيّ‭ ‬الروائيّ‭ ‬قصّة‭ ‬فتاة‭ ‬تنتمي‭ ‬إلى‭ ‬قرية‭ ‬اداليوبب،‭ ‬ومنذ‭ ‬حداثة‭ ‬سنها،‭ ‬تخالجها‭ ‬أسئلة‭ ‬قلقة‭ ‬حول‭ ‬أصل‭ ‬تسمية‭ ‬قريتها،‭ ‬فتحرج‭ ‬الجد‭ ‬بأسئلتها‭ ‬واستفساراتها‭ ‬الذكية،‭ ‬هذا‭ ‬الأخير‭ ‬يحاول‭ ‬رفد‭ ‬خيالها‭ ‬بحكايات‭ ‬عدة‭ ‬وإجابة‭ ‬أشدّ‭ ‬غرابة‭ ‬تشكل‭ ‬وعي‭ ‬الطفلة،‭ ‬لكن‭ ‬البنت‭ ‬المجبولة‭ ‬على‭ ‬التمرد‭ ‬وحب‭ ‬الاستطلاع،‭ ‬لا‭ ‬تقنعها‭ ‬تلك‭ ‬الحكايا،‭ ‬وكلما‭ ‬كبرت،‭ ‬كبرت‭ ‬معها‭ ‬أسئلتها،‭ ‬وعلى‭ ‬الرغم‭ ‬من‭ ‬كون‭ ‬جدها‭ ‬أوصاها‭ ‬بعدم‭ ‬الخروج‭ ‬من‭ ‬القرية‭ ‬قبل‭ ‬رحيله،‭ ‬استجابة‭ ‬لرغبة‭ ‬ملحة‭ ‬تسكن‭ ‬ذهنها،‭ ‬بحثا‭ ‬عن‭ ‬والدها‭ ‬الذي‭ ‬قيل‭ ‬لها‭ ‬إنه‭ ‬خرج‭ ‬ذات‭ ‬يوم‭ ‬متأبطاً‭ ‬سيفه‭ ‬ولم‭ ‬يعد؛‭ ‬تقول‭ ‬الرواية‭ ‬على‭ ‬لسان‭ ‬الفتاة‭: ‬ايتصاعد‭ ‬عندي‭ ‬الحنين‭ ‬لترك‭ ‬المكان،‭ ‬كل‭ ‬ذرة‭ ‬فيّ‭ ‬تحلم‭ ‬وترغب‭ ‬في‭ ‬البدء‭ ‬من‭ ‬جديد‭ ‬بعيداً‭ ‬عن‭ ‬الوصاية،‭ ‬تزداد‭ ‬رغبتي‭ ‬بالسفر‭ ‬والحرب،‭ ‬والشعور‭ ‬من‭ ‬جديد‭ ‬بفرحة‭ ‬أسماها‭ ‬جدي‭ ‬الانتصار‭...‬ب‭. ‬

ركبت‭ ‬الفتاة‭ ‬حصان‭ ‬أسئلتها‭ ‬استجابة‭ ‬لنداء‭ ‬داخلي‭ ‬قوي،‭ ‬وانطلقت‭ ‬في‭ ‬رحلة‭ ‬مجهولة‭ ‬الوجهات‭ ‬عبر‭ ‬سفينة‭ ‬غريبة‭ ‬ركابها‭ ‬جانحون‭ ‬وسفهاء‭ ‬وطفيليون‭ ‬وحمقى‭ ‬أرادوا‭ ‬إبراز‭ ‬أخطاء‭ ‬الجماعة،‭ ‬فحوكموا‭ ‬بالطرد‭ ‬بعيداً‭ ‬عن‭ ‬القرية‭. ‬وهنا‭ ‬يبدأ‭ ‬الموتى‭ ‬في‭ ‬الخروج‭ ‬من‭ ‬قبورهم‭ ‬للمساهمة‭ ‬في‭ ‬الرحلة‭ ‬مثل‭ ‬أمباذوقليس،‭ ‬هراقليطس،‭ ‬بارمنديس،‭ ‬وسقراط‭ ‬وغيرهم،‭ ‬ويسهمون‭ ‬في‭ ‬جدل‭ ‬فلسفي‭ ‬حول‭ ‬المادة‭ ‬والروح‭ ‬والظاهر‭ ‬والباطن‭ ‬وغيرها‭ ‬من‭ ‬الأمور‭ ‬الملتبسة‭ ‬على‭ ‬الفتاة،‭ ‬بل‭ ‬وتقتل‭ ‬الرواية‭ ‬الفتاة،‭ ‬وتقحم‭ ‬روحها‭ ‬في‭ ‬جثة‭ ‬القاتل‭ ‬ثم‭ ‬جثة‭ ‬القتيل،‭ ‬فتلاقي‭ ‬ما‭ ‬تلاقي‭ ‬من‭ ‬مصاعب‭ ‬ومخاطر‭ ‬غير‭ ‬عابئة‭ ‬بذلك،‭ ‬ويتسنى‭ ‬لها‭ ‬لقاء‭ ‬شخصيات‭ ‬غادرت‭ ‬الدنيا‭ ‬من‭ ‬قرون،‭ ‬من‭ ‬فلاسفة‭ ‬وآلهة،‭ ‬وتصادف‭ ‬في‭ ‬رحلتها‭ ‬الغريبة‭ ‬هاته‭ ‬مرشدين‭ ‬مزيفين‭ ‬يسعون‭ ‬لإغوائها‭ ‬عن‭ ‬هدفها‭ ‬المنشود‭ (‬معرفة‭ ‬الذات‭ ‬والحقيقة‭)‬،‭ ‬لكن‭ ‬مرشدها‭ ‬الروحي‭ ‬سقراط‭ ‬كان‭ ‬دوماً‭ ‬حاضراً‭ ‬في‭ ‬الوقت‭ ‬المناسب‭ ‬ليخلصها‭ ‬من‭ ‬متاهتها‭: ‬ايهمس‭ ‬لي‭: ‬تعالي‭ ‬معي‭ ‬سأدلك‭ ‬على‭ ‬الطريق‭ ‬التي‭ ‬منها‭ ‬ستصلين‭ ‬لمعرفة‭ ‬الجواب‭ ‬الذي‭ ‬عرفناه‭ ‬جميعاب‭.‬

وبعد‭ ‬رحلة‭ ‬السفينة‭ ‬الغريبة،‭ ‬تأتي‭ ‬رحلة‭ ‬أخرى‭ ‬أشد‭ ‬غرائبية،‭ ‬وهي‭ ‬الغور‭ ‬في‭ ‬دهاليز‭ ‬كهف‭ ‬معتم،‭ ‬حيث‭ ‬تقود‭ ‬البطلة‭ ‬مجموعة‭ ‬من‭ ‬العراة‭ ‬في‭ ‬رحلة‭ ‬استكشاف‭ ‬سيزيفية،‭ ‬تنتهي‭ ‬بهم‭ ‬إلى‭ ‬قبر‭ ‬مسدود‭ ‬لا‭ ‬أبواب‭ ‬له،‭ ‬وهنا‭ ‬يظهر‭ ‬الفيلسوف‭ ‬أرسطو‭ ‬في‭ ‬الوقت‭ ‬المناسب‭ ‬لينقذ‭ ‬الطفلة‭ ‬ومن‭ ‬معها‭ ‬بحكمته،‭ ‬ويساعدها‭ ‬على‭ ‬هدم‭ ‬القبر‭ ‬ثم‭ ‬الخروج‭ ‬والنجاة،‭ ‬وبعد‭ ‬ذلك،‭ ‬يقود‭ ‬الفيلسوف‭ ‬نفسه‭ ‬البطلة‭ ‬التي‭ ‬يسميها‭ ‬آنئذ‭ ‬بـاأكاسياب،‭ ‬في‭ ‬طريق‭ ‬مليئة‭ ‬بالمتاريس‭ (‬إغواءات‭ ‬ديوجين؛‭ ‬وغيره‭ ‬من‭ ‬الفواعل‭ ‬المثبطة‭ ‬مثل‭ ‬دينيسوس،‭ ‬إله‭ ‬الخمر،‭ ‬ورجل‭ ‬الحديقة‭)‬،‭ ‬ليوصلها‭ ‬في‭ ‬نهاية‭ ‬المطاف‭ ‬إلى‭ ‬مدرسة‭ ‬تلتقي‭ ‬عبرها‭ ‬مع‭ ‬العباقرة‭ ‬من‭ ‬الفلاسفة‭ ‬في‭ ‬رحلة‭ ‬لا‭ ‬تنتهي‭ ‬من‭ ‬المحاورات‭ ‬والجدل‭ ‬المثمر‭ ‬والغوص‭ ‬المعرفي‭ ‬والتساؤل‭ ‬الدائم‭ ‬عن‭ ‬شكل‭ ‬الحقيقة،‭ ‬لتعود‭ ‬الطفلة‭ ‬بعد‭ ‬هاته‭ ‬الرحلات‭ ‬الحلمية‭ ‬المعرفية‭ ‬المتتالية،‭ ‬إلى‭ ‬المكان‭ ‬الأصليّ‭ ‬الذي‭ ‬سبق‭ ‬أن‭ ‬تعرفت‭ ‬عليه،‭ ‬أي‭ ‬الكوخ‭ ‬والقرية‭ ‬ومحيطهما،‭ ‬فيسقط‭ ‬عنها‭ ‬كساؤها‭ ‬القديم‭ ‬لتتجلى‭ ‬روحاً،‭ ‬فيما‭ ‬ترسل‭ ‬السماء‭ ‬شآبيب‭ ‬المطر‭ ‬مدراراً‭ ‬لتغسلها‭ ‬وتطهرها،‭ ‬بعد‭ ‬زمان‭ ‬طويل‭ ‬من‭ ‬الجدب‭ ‬والمحل،‭ ‬وكأن‭ ‬المطر‭ ‬هنا،‭ ‬يشكل‭ ‬المعادل‭ ‬الموضوعي‭ ‬للذات‭ ‬المقبوض‭ ‬عليها‭ ‬معرفياً،‭ ‬وبذلك،‭ ‬يتحقق‭ ‬البرنامج‭ ‬السردي‭ ‬للبطلة‭: ‬افجأة‭ ‬وجدت‭ ‬نفسي‭ ‬في‭ ‬مكان‭ ‬أعرفه‭ ‬جيدا،‭ ‬كأن‭ ‬الخطوة‭ ‬الأخيرة‭ ‬على‭ ‬الجسر‭ ‬أعادتني‭ ‬إلى‭ ‬نقطة‭ ‬البداية،‭ ‬وقفت‭ ‬مذهولة‭ ‬مما‭ ‬أراه،‭ ‬المكان‭ ‬حولي‭ ‬كان‭ ‬شديد‭ ‬الشبه‭ ‬بكوخي،‭ ‬كأنني‭ ‬عدت‭ ‬إلى‭ ‬قريتي‭ ‬داليوب‭. ‬الخطوة‭ ‬الأخيرة‭ ‬على‭ ‬الجسر‭ ‬انتهت‭ ‬بي‭ ‬إلى‭ ‬أرض‭ ‬خشبية‭ ‬صلبة‭ ‬وملامح‭ ‬مكان‭ ‬كأنها‭ ‬لكوخي‭ ‬الحبيبب‭.‬

وإذا‭ ‬كانت‭ ‬الرحلةُ‭ ‬بحثاً‭ ‬مستداماً‭ ‬عن‭ ‬الحقيقة‭ ‬في‭ ‬الخارج‭ ‬الغريب،‭ ‬فإنها،‭ ‬في‭ ‬المتخيل‭ ‬الروائي،‭ ‬توغّل‭ ‬في‭ ‬دهاليز‭ ‬الداخل‭ ‬وسراديبه‭ ‬في‭ ‬الوقت‭ ‬نفسه‭. ‬وما‭ ‬الوصول‭ ‬إلى‭ ‬المرآة‭ ‬بعد‭ ‬مشقات‭ ‬وأخطار‭ ‬وغرائب‭ ‬وعجائب‭ ‬ومحن‭ ‬مسترسلة‭ ‬إلا‭ ‬ضرباً‭ ‬من‭ ‬الوصول‭ ‬إلى‭ ‬الذات،‭ ‬وبلوغ‭ ‬الحقيقة،‭ ‬إذ‭ ‬استعارت‭ ‬الروائية‭ ‬الغور‭ ‬في‭ ‬باطن‭ ‬الأرض‭ (‬الكهف‭) ‬للدلالة‭ ‬على‭ ‬التوغل‭ ‬داخل‭ ‬الذات،‭ ‬والخروج‭ ‬منه‭ ‬هو‭ ‬انعتاق‭ ‬من‭ ‬حالة‭ ‬الجهل‭ ‬إلى‭ ‬حالة‭ ‬المعرفة،‭ ‬وما‭ ‬القبر‭ ‬وما‭ ‬إليه‭ ‬من‭ ‬مشيرات‭ ‬كالظلمة‭ ‬والخوف‭ ‬والعراء،‭ ‬سواء‭ ‬إحالات‭ ‬استعارية‭  ‬لمرحلة‭ ‬الموت‭ ‬أو‭ ‬ما‭ ‬بعدها،‭ ‬حيث‭ ‬يصير‭ ‬الموت‭ ‬بدوره،‭ ‬في‭ ‬المحكي‭ ‬الروائي،‭ ‬مصدراً‭ ‬من‭ ‬مصادر‭ ‬المعرفة‭ ‬على‭ ‬طريق‭ ‬الوصول‭ ‬إلى‭ ‬الحقيقة‭/ ‬المرآة‭. ‬وقد‭ ‬تعمدت‭ ‬الروائية‭ ‬جعل‭ ‬البطلة‭ ‬تختلط‭ ‬بأولئك‭ ‬الغاوين‭ ‬والأبطال‭ ‬المزيفين‭ ‬لتكتسب،‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬لقائهم‭ ‬والاحتكاك‭ ‬بهم،‭ ‬خبرات‭ ‬جديدة،‭ ‬تغني‭ ‬بها‭ ‬مسارها‭ ‬المعرفي‭.‬

 

حس‭ ‬تجريبي

تراهن‭ ‬الكتابة‭ ‬الروائية‭ ‬في‭ ‬االمرآةب‭ ‬على‭ ‬التجريب،‭ ‬وخلخلة‭ ‬البنى‭ ‬السردية،‭ ‬سواء‭ ‬على‭ ‬مستوى‭ ‬تشييد‭ ‬الحكاية‭ ‬أو‭ ‬على‭ ‬مستوى‭ ‬تمثيل‭ ‬الرؤى‭ ‬والمواقف‭ ‬والحوارات‭ ‬داخل‭ ‬المتن،‭ ‬فسعت‭ ‬من‭ ‬جهة،‭ ‬إلى‭ ‬تخطيب‭ ‬النص،‭ ‬وجعله‭ ‬قارّات‭ ‬وجزراً‭ ‬مشدودة‭ ‬ببعضها‭ ‬بخيط‭ ‬رفيع،‭ ‬مثلما‭ ‬رهنت‭ ‬حيوات‭ ‬شخصيات‭ ‬فلسفية‭ ‬شهيرة‭ ‬بادت‭ ‬من‭ ‬عصور‭ ‬بعيدة؛‭ ‬وأقحمت‭ ‬في‭ ‬العالم‭ ‬الروائي،‭ ‬فضلاً‭ ‬عن‭ ‬أنها‭ ‬استحدثت‭ ‬أمكنة‭ ‬وأزمنة‭ ‬مفارقة‭ ‬وغرائبيّة‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬أفضية‭ ‬واقعية‭ ‬معروفة،‭ ‬الشيء‭ ‬الذي‭ ‬يبعثر‭ ‬أفق‭ ‬انتظار‭ ‬المتلقين،‭ ‬الذين‭ ‬يهبّون‭ ‬إلى‭ ‬محاولة‭ ‬إيجاد‭ ‬خيوط‭ ‬ناظمة‭ ‬بين‭ ‬العالمين‭ ‬الواقعي‭ ‬والعجيب‭ ‬المتجاورين‭ ‬في‭ ‬المتن‭ ‬الروائي‭.‬

وقد‭ ‬وظفت‭ ‬الروائية‭ ‬نقاط‭ ‬الفراغ‭ ‬في‭ ‬الحوار‭ ‬خاصة،‭ ‬لتورط‭ ‬المتلقي‭ ‬في‭ ‬تشييد‭ ‬العوالم‭ ‬الروائية‭ (‬الصفحات‭ ‬21 ‭- ‬34 ‭- ‬26‭ ‬على‭ ‬سبيل‭ ‬المثال‭)‬،‭ ‬كما‭ ‬استعانت‭ ‬بإقحام‭ ‬خطابات‭ ‬وملفوظات‭ ‬أخرى‭ ‬لإغناء‭ ‬المقول‭ ‬السردي‭ ‬وتنويع‭ ‬خطاباته‭ ‬في‭ ‬إطار‭ ‬ما‭ ‬يسمى‭ ‬بالبوليفونية؛‭ ‬مثل‭ ‬القصيدة‭ ‬الشعرية‭ (‬الصفحات‭ ‬24 ‭- ‬109 ‭- ‬124 ‭- ‬125‭... ‬مثلاً‭)‬،‭ ‬واستلهمت‭ ‬كذلك‭ ‬أسلوب‭ ‬المغامرة‭ ‬الرحلية‭ ‬الذي‭ ‬نلامسه‭ ‬على‭ ‬طول‭ ‬المتن‭ ‬الروائي،‭ ‬مثلما‭ ‬نوعت‭ ‬من‭ ‬شكل‭ ‬الطباعة‭ ‬على‭ ‬مستوى‭ ‬البنط‭ ‬المستعمل‭ ‬للتمييز‭ ‬بين‭ ‬الملفوظات‭. ‬عدا‭ ‬ذلك،‭ ‬نلمس‭ ‬حضور‭ ‬كلّ‭ ‬مميزات‭ ‬الكتابة‭ ‬السردية‭ ‬من‭ ‬توصيف‭ ‬للفضاء‭ ‬والشخصيات،‭ ‬وتضمين‭ ‬للحوار‭ ‬بين‭ ‬الشخوص،‭ ‬وإدراج‭ ‬لمقول‭ ‬السرد‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬توالي‭ ‬أفعال‭ ‬المشاركة‭ ‬والحركة،‭ ‬وتسريع‭ ‬وتيرة‭ ‬الحدث،‭ ‬وتحول‭ ‬بنية‭ ‬الشخصيات‭ ‬والمكان‭ ‬وأحوالهما‭.‬

يطرح‭ ‬النص‭ ‬الروائي،‭ ‬بإلحاح‭ ‬شديد،‭ ‬مسألة‭ ‬التناص‭ ‬الضمني‭ ‬باعتباره‭ ‬ذاكرة‭ ‬تتفاعل‭ ‬فيها‭ ‬كثافة‭ ‬نصية‭ ‬مرجعية‭ ‬وقرائية‭ ‬ثرية،‭ ‬خاصة‭ ‬في‭ ‬الفلسفة،‭ ‬مثل‭ ‬االجمهورية‭ ‬أو‭ ‬المدينة‭ ‬الفاضلةب‭ ‬وامحاورة‭ ‬مينونب‭ ‬لأفلاطون،‭ ‬واحيّ‭ ‬بن‭ ‬يقظانب‭ ‬لابن‭ ‬طفيل،‭ ‬وقصة‭ ‬النبي‭ ‬موسى‭ ‬مع‭ ‬الخضر‭ ‬عليهما‭ ‬السلام،‭ ‬كما‭ ‬تستدعي‭ ‬الكاتبة‭ ‬ثقافتها‭ ‬ومقروئيتها‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬المجال،‭ ‬محولة‭ ‬إياه‭ ‬إلى‭ ‬متخيل،‭ ‬فضلاً‭ ‬عن‭ ‬أننا‭ ‬نلفي‭ ‬أنفسنا‭ ‬أمام‭ ‬متن‭ ‬تتفاعل‭ ‬ضمنه‭ ‬نصوص‭ ‬أدبية‭ ‬كبرى‭ ‬ذائعة‭ ‬الصيت،‭ ‬على‭ ‬مد‭ ‬العصور،‭ ‬منها‭: ‬ارسالة‭ ‬الغفرانب‭ ‬لأبي‭ ‬العلاء‭ ‬المعري،‭ ‬وارسالة‭ ‬التوابع‭ ‬والزوابعب‭ ‬لابن‭ ‬شهيد‭ ‬الأندلسي،‭ ‬واالكوميديا‭ ‬الإلهيةب‭ ‬لدانتي‭ ‬واالفردوس‭ ‬المفقودب‭ ‬لملتون،‭ ‬وسدهارتا‭ ‬لهرمان‭ ‬هسه‭.‬

بارتياد‭ ‬هاته‭ ‬الآفاق‭ ‬الرحيبة‭ ‬للسرد،‭ ‬تكون‭ ‬الرواية‭ ‬قد‭ ‬انتهجت‭ ‬لها‭ ‬باباً‭ ‬مخاتلاً‭ ‬للتفكير‭ ‬في‭ ‬المعقول‭ ‬بصيغة‭ ‬الفن،‭ ‬ففيما‭ ‬يشبه‭ ‬المسارة،‭ ‬تستدرج‭ ‬المتاهة‭ ‬السردية‭ ‬قارئها‭ ‬صوب‭ ‬مقامات‭ ‬التوجس‭ ‬والتساؤل‭ ‬وإعادة‭ ‬النظر‭ ‬في‭ ‬احتمالات‭ ‬بناء‭ ‬معرفة‭ ‬بديلة،‭ ‬فهي‭ ‬كثيراً‭ ‬ما‭ ‬تتأمل‭ ‬وتتساءل‭ ‬وتخلخل‭ ‬البنيات‭ ‬الساكنة‭ ‬في‭ ‬الذهن‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬حوارات‭ ‬بين‭ ‬الشخصيات‭ ‬أو‭ ‬مونولوجات‭ ‬مع‭ ‬الذات‭ ‬تستهدف‭ ‬المناطق‭ ‬المعتمة‭ ‬في‭ ‬النفس‭ ‬البشرية،‭ ‬مطارحة‭ ‬بذلك‭ ‬الثوابت،‭ ‬والمسلمات،‭ ‬دون‭ ‬شعور‭ ‬بحاجة‭ ‬إلى‭ ‬التقنع‭ ‬أو‭ ‬التصنع،‭ ‬فما‭ ‬يجري‭ ‬من‭ ‬أحداث‭ ‬ومواقف‭ ‬وحوارات؛‭ ‬كلها‭ ‬تتأبى‭ ‬على‭ ‬الواقع‭ ‬الأرضي،‭ ‬وتسبح‭ ‬في‭ ‬ملكوت‭ ‬الغيب،‭ ‬والخيال‭ ‬المفرط،‭ ‬وما‭ ‬وراء‭ ‬الطبيعة‭ ‬والأحلام‭ ‬والكوابيس،‭ ‬وهلمَّ‭ ‬جرا‭. ‬

وتتقاطع‭ ‬الخصيصات‭ ‬النوعية‭ ‬لهاته‭ ‬الرواية‭ ‬كثيراً‭ ‬مع‭ ‬ما‭ ‬يصطلح‭ ‬عليه‭ ‬بالرواية‭ ‬المعرفية‭ ‬التي‭ ‬فيها‭ ‬المادة‭ ‬المعرفية‭ ‬والبحث‭ ‬عن‭ ‬الحقيقة‭ ‬جوهريْن‭ ‬أساسيين‭ ‬ضمن‭ ‬اهتمامها،‭ ‬بحيث‭ ‬تدفع‭ ‬بطلها‭ ‬إلى‭ ‬استقصاء‭ ‬المعرفة‭ ‬من‭ ‬الآخرين،‭ ‬محفزة‭ ‬إياه‭ ‬على‭ ‬الإصغاء‭ ‬لصوت‭ ‬الحكمة‭ ‬داخل‭ ‬النفس،‭ ‬فإذا‭ ‬كانت‭ ‬المعرفة‭ ‬عبارة‭ ‬عن‭ ‬مدركات‭ ‬عقلية‭ ‬تتكون‭ ‬في‭ ‬مجموعها‭ ‬من‭ ‬حقائق‭ ‬كلية‭ ‬يستخلصها‭ ‬العقل‭ ‬بالعلوم‭ ‬العقلية‭ ‬أو‭ ‬بعلوم‭ ‬المكاشفة،‭ ‬فإن‭ ‬الرواية‭ ‬المعرفية‭ ‬تضع‭ ‬حتى‭ ‬هذا‭ ‬التعريف‭ ‬أمام‭ ‬التحدي‭ ‬وتقدم‭ ‬أشكالاً‭ ‬متعددة‭ ‬من‭ ‬الفرضيات‭ ‬التي‭ ‬تهدد‭ ‬يقينيتها‭ ‬بعرض‭ ‬احتمال‭ ‬عدم‭ ‬قدرة‭ ‬البشر‭ ‬على‭ ‬إنشاء‭ ‬معرفة‭ ‬صلبة،‭ ‬فالبشر‭ ‬قد‭ ‬لا‭ ‬يعرفون‭ ‬العالم‭ ‬كما‭ ‬هو‭ ‬حقاً،‭ ‬وربما‭ ‬يعرفونه‭ ‬كما‭ ‬يبدو‭ ‬لهم،‭ ‬ومن‭ ‬منظور‭ ‬جزئي،‭ ‬وحسب‭ ‬وجهة‭ ‬النظر‭ .