علي بن زياد الطرابلسي ودوره في نشر المذهب المالكي في القرن الثاني الهجري

علي بن زياد الطرابلسي ودوره في نشر المذهب المالكي في القرن الثاني الهجري

منذ‭ ‬مؤلفاته‭ ‬السابقة‭ ‬التي‭ ‬جاوز‭ ‬عددها‭ ‬خمسة‭ ‬عشر‭ ‬كتاباً،‭ ‬والتي‭ ‬تُترجم‭ ‬لعديد‭ ‬من‭ ‬أعلام‭ ‬الثقافة‭ ‬في‭ ‬ليبيا‭ ‬من‭ ‬قدماء‭ ‬ومحدثين,‭ ‬أصبح‭ ‬القراء‭ ‬والنقاد‭ ‬اليوم‭ ‬يرون‭ ‬في‭ ‬الدكتور‭ ‬محمد‭ ‬مسعود‭ ‬جبران‭ ‬أحد‭ ‬أهم‭ ‬المؤرخين‭ ‬لتاريخ‭ ‬ليبيا‭ ‬الثقافي،‭ ‬وهذا‭ ‬كتاب‭ ‬جديد‭ ‬من‭ ‬كتبه‭ ‬الشائقة،‭ ‬أتحفنا‭ ‬به‭ ‬تحت‭ ‬عنوان‭ ‬‮«‬علي‭ ‬بن‭ ‬زياد‭ ‬الطرابلسي‭ ‬ودوره‭ ‬في‭ ‬نشر‭ ‬المذهب‭ ‬المالكي‭ ‬في‭ ‬القرن‭ ‬الثاني‭ ‬الهجري‮»‬،‭ ‬صدر‭ ‬عن‭ ‬جمعية‭ ‬الدعوة‭ ‬الإسلامية‭ ‬العالمية‭ ‬بطرابلس‭ ‬الغرب‭ ‬سنة‭ ‬2010‭.‬

بهدوء‭ ‬العالِم‭ ‬وتواضعه،‭ ‬يذكر‭ ‬المؤلف‭ ‬في‭ ‬تقديمه‭ ‬سبب‭ ‬تأليف‭ ‬هذا‭ ‬الكتاب،‭ ‬فيقول‭: ‬‮«‬ما‭ ‬رأيته‭ ‬من‭ ‬هذا‭ ‬التقصير‭ ‬الملحوظ‭ ‬في‭ ‬التعريف‭ ‬بعَلم‭ ‬رائد‭ ‬من‭ ‬أعلام‭ ‬طرابلس‭ ‬الغرب‭ ‬علي‭ ‬بن‭ ‬زياد،‭ ‬والتفريط‭ ‬الظاهر‭ ‬في‭ ‬حقه‭ ‬من‭ ‬طلابه‭ ‬ومعاصريه،‭ ‬وأيضاً‭ ‬من‭ ‬الباحثين‭ ‬الفضلاء‭ ‬الذين‭ ‬جاءوا‭ ‬بعدهم‭ ‬إلى‭ ‬عصرنا‭ ‬هذا‮»‬‭.‬

يُعرِّف‭ ‬المؤلف‭ ‬بداية‭ ‬بشكل‭ ‬مختصر‭ ‬بالمترجَم،‭ ‬وينبه‭ ‬في‭ ‬اعتزاز‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬علي‭ ‬بن‭ ‬زياد‭ ‬هو‭ ‬من‭ ‬أكبر‭ ‬العلماء‭ ‬الذين‭ ‬تفخر‭ ‬بلادنا‭ ‬بإنجابهم،‭ ‬وتُباهي‭ ‬بدورهم‭ ‬في‭ ‬نشر‭ ‬الدين‭ ‬الإسلامي‭ ‬الحنيف،‭ ‬فهو‭ ‬من‭ ‬أوائل‭ ‬طلاب‭ ‬العلم‭ ‬من‭ ‬الغرب‭ ‬الإسلامي‭ ‬الذين‭ ‬ارتحلوا‭ ‬إلى‭ ‬المشرق‭ ‬لطلب‭ ‬العلم‭ ‬على‭ ‬يد‭ ‬كبار‭ ‬الأعلام،‭ ‬من‭ ‬أمثال‭ ‬الإمام‭ ‬مالك‭ ‬بن‭ ‬أنس،‭ ‬والإمام‭ ‬سفيان‭ ‬الثوري‭ ‬وسواهما،‭ ‬وعمل‭ ‬بعد‭ ‬ذلك‭ ‬على‭ ‬نشر‭ ‬المذهب‭ ‬المالكي‭ ‬في‭ ‬بلاد‭ ‬الغرب‭ ‬الإسلامي،‭ ‬وكان‭ ‬أول‭ ‬من‭ ‬أدخل‭ ‬موطأ‭ ‬مالك‭ ‬إلى‭ ‬تلك‭ ‬البقاع‭.‬

ورغم‭ ‬مكانة‭ ‬علي‭ ‬بن‭ ‬زياد‭ ‬الشامخة،‭ ‬ودوره‭ ‬المشهود‭ ‬في‭ ‬بلاد‭ ‬الغرب‭ ‬الإسلامي،‭ ‬فإنه‭ ‬لم‭ ‬يحظَ‭ ‬بمن‭ ‬يترجم‭ ‬له‭ ‬ترجمة‭ ‬وافية‭ ‬شاملة‭ ‬في‭ ‬القديم‭ ‬أو‭ ‬الحديث،‭ ‬ما‭ ‬خلا‭ ‬كتاب‭ ‬يتيم‭ ‬مفقود‭ ‬أشار‭ ‬إليه‭ ‬المؤلف‭ ‬من‭ ‬تصنيف‭ ‬أبي‭ ‬بكر‭ ‬التجيبي،‭ ‬وعلى‭ ‬غير‭ ‬ذلك‭ ‬لا‭ ‬نكاد‭ ‬نعثر‭ ‬إلا‭ ‬على‭ ‬تراجم‭ ‬مختصرة،‭ ‬لا‭ ‬تسعف‭ ‬الباحث‭ ‬في‭ ‬الكشف‭ ‬عن‭ ‬بواطن‭ ‬هذه‭ ‬الشخصية‭ ‬العلمية‭ ‬المرموقة‭.‬

 

الحياة‭ ‬الفكرية‭ ‬في‭ ‬طرابلس‭ ‬الإسلامية‭ ‬

يقدِّم‭ ‬المؤلف‭ ‬نبذة‭ ‬تاريخية‭ ‬عن‭ ‬مدينة‭ ‬طرابلس،‭ ‬مسقط‭ ‬رأس‭ ‬علي‭ ‬بن‭ ‬زياد،‭ ‬فيقول‭: ‬وإن‭ ‬لفظ‭ ‬طرابلس‭ ‬يعني‭ ‬في‭ ‬التاريخ‭ ‬الإسلامي‭ ‬قصبة‭ ‬مدينة‭ ‬طرابلس‭ ‬الغرب‭ ‬عاصمة‭ ‬ليبيا،‭ ‬أما‭ ‬قبل‭ ‬الغزو‭ ‬الإيطالي‭ ‬سنة‭ ‬1911،‭ ‬فقد‭ ‬اتسع‭ ‬مفهوم‭ ‬الاسم‭ ‬ليشمل‭ ‬عموم‭ ‬ليبيا‭.‬

وكان‭ ‬المؤرخون‭ ‬والجغرافيون‭ ‬المسلمون‭ ‬يميزون‭ ‬اسم‭ ‬طرابلس‭ ‬في‭ ‬الرسم‭ ‬والكتابة،‭ ‬بزيادة‭ ‬ألف‭ ‬فارقة‭ (‬اطرابلس‭) ‬تمييزاً‭ ‬لها‭ ‬عن‭ ‬شقيقتها‭ ‬في‭ ‬المشرق‭ ‬العربي،‭ ‬وتمكن‭ ‬جيش‭ ‬المسلمين‭ ‬بقيادة‭ ‬عمرو‭ ‬بن‭ ‬العاص‭ ‬سنة‭ ‬22‭ ‬هـ‭ / ‬642‭ ‬م‭ ‬من‭ ‬فتحها،‭ ‬وقد‭ ‬وُلد‭ ‬علي‭ ‬بن‭ ‬زياد‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬المدينة‭ ‬على‭ ‬الراجح‭ ‬في‭ ‬العقد‭ ‬الأول‭ ‬من‭ ‬القرن‭ ‬الثاني‭ ‬الهجري،‭ ‬وعاصر‭ ‬في‭ ‬حياته‭ ‬دولتين‭ ‬من‭ ‬دول‭ ‬الإسلام،‭ ‬الأولى‭ ‬كانت‭ ‬الدولة‭ ‬الأموية،‭ ‬وبعد‭ ‬أفولها‭ ‬قامت‭ ‬الدولة‭ ‬العباسية‭.‬

ولم‭ ‬تكن‭ ‬الحياة‭ ‬الفكرية‭ ‬في‭ ‬طرابلس‭ ‬الغرب‭ ‬أثناء‭ ‬القرن‭ ‬الثاني‭ ‬الهجري‭ ‬خاملة‭ ‬بأي‭ ‬حال‭ ‬من‭ ‬الأحوال،‭ ‬بل‭ ‬كانت‭ ‬تموج‭ ‬بالحياة‭ ‬وتنبض‭ ‬بالنشاط،‭ ‬فقد‭ ‬أرسل‭ ‬الخليفة‭ ‬العادل‭ ‬عمر‭ ‬بن‭ ‬عبدالعزيز‭ ‬عشرة‭ ‬علماء‭ ‬ليُفقِّهوا‭ ‬الناس‭ ‬في‭ ‬الدين،‭ ‬فأقاموا‭ ‬في‭ ‬طرابلس‭ ‬مدة‭ ‬من‭ ‬الزمن‭ ‬نشروا‭ ‬فيها‭ ‬المعارف‭ ‬والعلوم‭ ‬بين‭ ‬الناس،‭ ‬وكان‭ ‬لهم‭ ‬أثر‭ ‬كبير‭ ‬من‭ ‬بعدهم‭.‬

ومما‭ ‬يؤسف‭ ‬له‭ ‬أن‭ ‬المراجع‭ ‬والمصادر‭ ‬لم‭ ‬تحفظ‭ ‬لنا‭ ‬ملامح‭ ‬الحركة‭ ‬الفكرية‭ ‬التي‭ ‬كانت‭ ‬في‭ ‬طرابلس‭ ‬أثناء‭ ‬القرن‭ ‬الأول‭ ‬والثاني‭ ‬للهجرة،‭ ‬مثلما‭ ‬نجده‭ ‬في‭ ‬باقي‭ ‬الأمصار‭ ‬كتونس‭ ‬ومصر‭ ‬وسواهما،‭ ‬إلا‭ ‬أن‭ ‬ذلك‭ ‬لا‭ ‬يطمس‭ ‬الحقيقة‭ ‬الساطعة‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬طرابلس‭ ‬كانت‭ ‬موطناً‭ ‬للكثير‭ ‬من‭ ‬الأعلام‭ ‬الكبار‭ ‬الذين‭ ‬نفاخر‭ ‬بهم،‭ ‬ومنهم‭ ‬من‭ ‬ارتحل‭ ‬في‭ ‬طلب‭ ‬العلم‭ ‬لتوثيق‭ ‬سنده‭ ‬العلمي‭ ‬بأعلام‭ ‬أصحاب‭ ‬المذاهب‭ ‬الفقهية‭ ‬الإسلامية،‭ ‬فقد‭ ‬رحل‭ ‬الفقيه‭ ‬الإباضي‭ ‬أبو‭ ‬درار‭ ‬إسماعيل‭ ‬بن‭ ‬درار‭ ‬من‭ ‬بلدة‭ ‬غدامس‭ ‬ضمن‭ ‬وفد‭ ‬علمي‭ ‬إلى‭ ‬مدينة‭ ‬البصرة‭ ‬في‭ ‬القرن‭ ‬الثاني‭ ‬الهجري،‭ ‬وتوجَّه‭ ‬أيضاً‭ ‬عالمٌ‭ ‬آخر‭ ‬معاصر‭ ‬لعلي‭ ‬بن‭ ‬زياد‭ ‬هو‭ ‬الفقيه‭ ‬محمد‭ ‬بن‭ ‬معاوية‭ ‬الطرابلسي‭ ‬لأخذ‭ ‬العلم‭ ‬عن‭ ‬الإمام‭ ‬مالك،‭ ‬وكان‭ ‬من‭ ‬رواة‭ ‬الموطأ،‭ ‬وقد‭ ‬ضاع‭ ‬موطأه‭ ‬هو‭ ‬الآخر‭ ‬مع‭ ‬الأسف‭.‬

 

علي‭ ‬بـن‭ ‬زيـاد‭ ‬

هو‭ ‬علي‭ ‬بن‭ ‬زياد،‭ ‬وكنيته‭ ‬أبو‭ ‬الحسن،‭ ‬وُلد‭ ‬في‭ ‬العقد‭ ‬الأول‭ ‬من‭ ‬القرن‭ ‬الثاني‭ ‬الهجري‭ ‬في‭ ‬مدينة‭ ‬طرابلس‭ ‬الغرب،‭ ‬وقد‭ ‬استهجن‭ ‬الكاتب‭ ‬بعض‭ ‬المحاولات‭ ‬المستميتة‭ ‬من‭ ‬عديد‭ ‬من‭ ‬المؤرخين‭ ‬والباحثين‭ ‬لنسبة‭ ‬ابن‭ ‬زياد‭ ‬إلى‭ ‬تونس،‭ ‬وذلك‭ ‬لهجرته‭ ‬إليها‭ ‬ووفاته‭ ‬فيها،‭ ‬ويوثِّق‭ ‬المؤلف‭ ‬أن‭ ‬أول‭ ‬من‭ ‬ادعى‭ ‬ذلك‭ ‬كان‭ ‬أبو‭ ‬العرب‭ ‬أحمد‭ ‬بن‭ ‬تميم‭ ‬القيرواني‭ ‬التونسي‭ ‬المتوفى‭ ‬سنة‭ ‬333هـ‭ / ‬944م،‭ ‬حيث‭ ‬قال‭ ‬في‭ ‬التعريف‭ ‬به‭ ‬‮«‬أبو‭ ‬الحسن‭ ‬علي‭ ‬بن‭ ‬زياد‭ ‬من‭ ‬أهل‭ ‬تونس‮»‬‭! ‬وقد‭ ‬حذا‭ ‬حذوه‭ ‬من‭ ‬جاء‭ ‬بعده‭ ‬من‭ ‬مؤرخين‭ ‬بهذه‭ ‬النسبة‭ ‬الخاطئة‭ ‬إلى‭ ‬تونس،‭ ‬ونسوا‭ ‬طرابلس‭ ‬الغرب‭ ‬مسقط‭ ‬رأسه‭ ‬الحقيقي،‭ ‬في‭ ‬حين‭ ‬نسبه‭ ‬بعض‭ ‬المؤرخين‭ ‬المنصفين‭ ‬إلى‭ ‬بلده‭ ‬الأصلي‭ ‬طرابلس،‭ ‬مثل‭ ‬القاضي‭ ‬عياض‭ ‬في‭ ‬كتابه‭ ‬‮«‬ترتيب‭ ‬المدارك‮»‬‭ ‬فقال‭: ‬‮«‬ولد‭ ‬بطرابلس،‭ ‬ثم‭ ‬انتقل‭ ‬إلى‭ ‬تونس‭ ‬فسكنها‮»‬‭.‬

 

حياته‭ ‬في‭ ‬طرابلس‭ ‬

تعُود‭ ‬جذور‭ ‬أسرة‭ ‬علي‭ ‬بن‭ ‬زياد‭ ‬إلى‭ ‬أصل‭ ‬فارسي،‭ ‬جاء‭ ‬جده‭ ‬ضمن‭ ‬الجيش‭ ‬الإسلامي‭ ‬الذي‭ ‬فتح‭ ‬طرابلس،‭ ‬وتَعَلَّم‭ ‬على‭ ‬مشايخها‭ ‬القرآن‭ ‬الكريم‭ ‬والفقه‭ ‬والتفسير‭ ‬وسواها‭ ‬من‭ ‬العلوم،‭ ‬ولم‭ ‬يرحل‭ ‬إلى‭ ‬تونس‭ ‬في‭ ‬طفولته‭ ‬المبكرة‭ ‬كما‭ ‬ادّعى‭ ‬البعض‭,‬‭ ‬بل‭ ‬كان‭ ‬تعليمه‭ ‬الأول‭ ‬في‭ ‬بلده،‭ ‬ومما‭ ‬يؤيد‭ ‬ذلك‭ ‬بقاء‭ ‬أسرته‭ ‬في‭ ‬طرابلس‭ ‬إلى‭ ‬القرن‭ ‬الثامن‭ ‬الهجري،‭ ‬عندما‭ ‬زار‭ ‬الرحالة‭ ‬التونسي‭ ‬أبو‭ ‬محمد‭ ‬التجاني‭ ‬المدينة،‭ ‬وذكر‭ ‬شاعراً‭ ‬اسمه‭ ‬أحمد‭ ‬بن‭ ‬يحيى،‭ ‬وقال‭ ‬إنه‭ ‬من‭ ‬أسرة‭ ‬ابن‭ ‬أخي‭ ‬علي‭ ‬بن‭ ‬زياد،‭ ‬ويرجح‭ ‬المؤلف‭ ‬أن‭ ‬رحيل‭ ‬الفقيه‭ ‬ابن‭ ‬زياد‭ ‬إلى‭ ‬تونس‭ ‬ربما‭ ‬كان‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬بلغ‭ ‬من‭ ‬العمر‭ ‬عشرين‭ ‬عاماً‭ ‬أو‭ ‬أكثر‭,‬‭ ‬وهي‭ ‬السن‭ ‬التي‭ ‬تُمكنه‭ ‬من‭ ‬الاعتماد‭ ‬على‭ ‬نفسه‭ ‬وتحمُّل‭ ‬مشاق‭ ‬السفر،‭ ‬عندها‭ ‬نزل‭ ‬تونس‭ ‬وأخذ‭ ‬العلم‭ ‬عن‭ ‬مشايخها‭ ‬وعلمائها،‭ ‬ثم‭ ‬عاد‭ ‬مرة‭ ‬أخرى‭ ‬إلى‭ ‬طرابلس‭ ‬سنة‭ ‬129‭ ‬هـ‭ ‬تقريباً‭.‬

 

رحلته‭ ‬إلى‭ ‬المشرق‭ ‬

بعد‭ ‬عودته‭ ‬من‭ ‬تونس،‭ ‬بقي‭ ‬علي‭ ‬بن‭ ‬زياد‭ ‬مدة‭ ‬من‭ ‬الزمن‭ ‬في‭ ‬طرابلس،‭ ‬ثم‭ ‬قرر‭ ‬أداء‭ ‬فريضة‭ ‬الحج‭ ‬وإكمال‭ ‬تعليمه‭ ‬على‭ ‬يد‭ ‬كبار‭ ‬علماء‭ ‬المشرق،‭ ‬فنزل‭ ‬أولاً‭ ‬بمصر‭,‬‭ ‬وأخذ‭ ‬عن‭ ‬الليث‭ ‬بن‭ ‬سعد‭ ‬وابن‭ ‬لهيعة،‭ ‬وكلنا‭ ‬يعلم‭ ‬علو‭ ‬منزلة‭ ‬هذين‭ ‬العلمين‭ ‬آنذاك‭ ‬في‭ ‬مصر‭ ‬والعالم‭ ‬الإسلامي‭,‬‭ ‬ولم‭ ‬يحدد‭ ‬المؤلف‭ ‬المدة‭ ‬التي‭ ‬قضاها‭ ‬مترجَمنا‭ ‬في‭ ‬مصر‭ ‬لطلب‭ ‬العلم،‭ ‬ثم‭ ‬توجه‭ ‬بعدها‭ ‬إلى‭ ‬أرض‭ ‬الحجاز‭ ‬لأداء‭ ‬مناسك‭ ‬الحج‭ ‬ومقابلة‭ ‬العلماء‭ ‬والفقهاء‭ ‬والأخذ‭ ‬عنهم،‭ ‬فقد‭ ‬عُرف‭ ‬عن‭ ‬فقهاء‭ ‬الغرب‭ ‬الإسلامي‭ ‬أنهم‭ ‬كانوا‭ ‬السباقين‭ ‬في‭ ‬الاتصال‭ ‬بعلماء‭ ‬المدينة‭ ‬المنورة‭ ‬وإمامها‭ ‬مالك‭ ‬بن‭ ‬أنس،‭ ‬وفي‭ ‬المدينة‭ ‬المنورة‭ ‬كان‭ ‬علي‭ ‬بن‭ ‬زياد‭ ‬من‭ ‬أصحاب‭ ‬الإمام‭ ‬مالك‭ ‬ومن‭ ‬الطبقة‭ ‬الأولى‭ ‬من‭ ‬حاملي‭ ‬العلم‭ ‬عنه‭.‬

أخذ‭ ‬علي‭ ‬بن‭ ‬زياد‭ ‬عن‭ ‬شيخه‭ ‬الإمام‭ ‬مالك‭ ‬أصول‭ ‬مذهبه‭ ‬وعلم‭ ‬الحديث‭ ‬والفقه،‭ ‬كما‭ ‬ذكر‭ ‬المؤلف‭ ‬أن‭ ‬ابن‭ ‬زياد‭ ‬أخذ‭ ‬عن‭ ‬شيخه‭ ‬أيضاً‭ ‬رواية‭ ‬القرآن‭ ‬الكريم‭ ‬التي‭ ‬كانت‭ ‬سائدة‭ ‬آنذاك‭ ‬في‭ ‬المدينة‭ ‬المنورة،‭ ‬والتي‭ ‬تُعرف‭ ‬اليوم‭ ‬برواية‭ ‬ورش،‭ ‬فالإمام‭ ‬مالك‭ ‬أخذها‭ ‬عن‭ ‬الشيخ‭ ‬نافع،‭ ‬كما‭ ‬أخذها‭ ‬أيضاً‭ ‬الإمام‭ ‬ورش‭ ‬الذي‭ ‬كــان‭ ‬معاصراً‭ ‬له‭ ‬عن‭ ‬نافع،‭ ‬وقــام‭ ‬بنشرها‭ ‬في‭ ‬بلاد‭ ‬الغرب‭ ‬الإسلامي‭ ‬بعد‭ ‬عودته،‭ ‬لا‭ ‬سيما‭ ‬وطنه‭ ‬طرابلس‭ ‬ودار‭ ‬هجرته‭ ‬تونس،‭ ‬ومازالت‭ ‬هذه‭ ‬الرواية‭ ‬شائعة‭ ‬في‭ ‬تلك‭ ‬المنطقة‭ ‬إلى‭ ‬يومنا‭ ‬هذا،‭ ‬ولكن‭ ‬كثيرين‭ ‬نسوا‭ ‬دور‭ ‬علي‭ ‬بن‭ ‬زياد‭ ‬في‭ ‬ذلك،‭ ‬بعدها‭ ‬قصد‭ ‬ابن‭ ‬زياد‭ ‬العراق‭ ‬الذي‭ ‬كان‭ ‬موطن‭ ‬العلماء‭ ‬والفقهاء،‭ ‬وتتلمذ‭ ‬هناك‭ ‬على‭ ‬الإمام‭ ‬سفيان‭ ‬الثوري‭ ‬إمام‭ ‬المدرسة‭ ‬المالكية‭ ‬في‭ ‬العراق‭,‬‭ ‬ويُعد‭ ‬ابن‭ ‬زياد‭ ‬أيضاً‭ ‬أول‭ ‬من‭ ‬أدخل‭ ‬علم‭ ‬سفيان‭ ‬الثوري‭ ‬إلى‭ ‬الغرب‭ ‬الإسلامي‭ ‬أيضاً‭.‬

 

هجرته‭ ‬إلى‭ ‬تونس‭ ‬ونشاطه‭ ‬فيها‭ ‬

بعد‭ ‬أن‭ ‬أمضى‭ ‬علي‭ ‬بن‭ ‬زياد‭ ‬مدة‭ ‬طويلة‭ ‬لم‭ ‬يحددها‭ ‬المؤلف‭ ‬في‭ ‬المشرق‭ ‬العربي،‭ ‬عاد‭ ‬إلى‭ ‬بلده‭ ‬طرابلس‭ ‬الغرب،‭ ‬يحمل‭ ‬بين‭ ‬جنبيه‭ ‬علماً‭ ‬غزيراً‭ ‬ليفيد‭ ‬به‭ ‬أبناء‭ ‬بلده‭ ‬بما‭ ‬فتح‭ ‬الله‭ ‬عليه،‭ ‬إلا‭ ‬أن‭ ‬الرياح‭ ‬جاءت‭ ‬بما‭ ‬لا‭ ‬تشتهي‭ ‬السفن،‭ ‬فقد‭ ‬اجتمعت‭ ‬الظروف‭ ‬السيئة‭ ‬التي‭ ‬كانت‭ ‬تمر‭ ‬بها‭ ‬البلاد‭ ‬ضد‭ ‬رغبة‭ ‬ابن‭ ‬زياد‭ ‬في‭ ‬الاستقرار‭ ‬والتعليم‭ ‬في‭ ‬طرابلس،‭ ‬فثورة‭ ‬البربر‭ ‬كانت‭ ‬قد‭ ‬امتدت‭ ‬ذيولها‭ ‬إلى‭ ‬هناك‭,‬‭ ‬وظَهر‭ ‬المذهب‭ ‬الإباضي‭ ‬بقوة‭ ‬مما‭ ‬ضيق‭ ‬على‭ ‬غيره‭ ‬من‭ ‬المذاهب‭ ‬الفقهية‭ ‬الأخرى،‭ ‬كل‭ ‬ذلك‭ ‬أجبر‭ ‬ابن‭ ‬زياد‭ ‬على‭ ‬الهجرة‭ ‬إلى‭ ‬تونس‭ ‬لتكون‭ ‬دار‭ ‬مقامه‭ ‬إلى‭ ‬وفاته‭.‬

توجَّه‭ ‬ابن‭ ‬زياد‭ ‬إلى‭ ‬مدينة‭ ‬القيروان‭ ‬أولاً،‭ ‬حيث‭ ‬كانت‭ ‬منارة‭ ‬للعلم،‭ ‬وبدأ‭ ‬يُعلم‭ ‬في‭ ‬مساجدها‭ ‬العريقة،‭ ‬ثم‭ ‬انتقل‭ ‬ليستقر‭ ‬في‭ ‬مدينة‭ ‬تونس‭ ‬في‭ ‬زمن‭ ‬لم‭ ‬يحدده‭ ‬المؤلف‭ ‬بدقة،‭ ‬وتفرغ‭ ‬لنشر‭ ‬العلم‭ ‬في‭ ‬مساجدها‭ ‬مثل‭ ‬مسجد‭ ‬الزيتونة،‭ ‬ومما‭ ‬يُذكر‭ ‬هنا‭ ‬أن‭ ‬علي‭ ‬بن‭ ‬زياد‭ ‬كان‭ ‬من‭ ‬أوائل‭ ‬العلماء‭ ‬الذين‭ ‬نهضوا‭ ‬للتدريس‭ ‬والإقراء‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬المسجد‭ ‬العريق،‭ ‬فكثر‭ ‬حوله‭ ‬التلاميذ‭ ‬وطلاب‭ ‬العلم،‭ ‬وكان‭ ‬له‭ ‬الفضل‭ ‬في‭ ‬تأسيس‭ ‬المدرسة‭ ‬التونسية‭ ‬في‭ ‬الفقه‭ ‬المالكي،‭ ‬ولا‭ ‬ريب‭ ‬في‭ ‬ذلك،‭ ‬فهو‭ ‬يعد‭ ‬أول‭ ‬من‭ ‬أدخل‭ ‬موطأ‭ ‬الإمام‭ ‬مالك‭ ‬وكتاب‭ ‬‮«‬الجامع‮»‬‭ ‬لسفيان‭ ‬الثوري‭ ‬إلى‭ ‬الغرب‭ ‬الإسلامي،‭ ‬ويَذكر‭ ‬المؤلف‭ ‬من‭ ‬بين‭ ‬أبرز‭ ‬تلاميذ‭ ‬ابن‭ ‬زياد‭ ‬في‭ ‬جامع‭ ‬الزيتونة‭ ‬أسد‭ ‬بن‭ ‬الفرات‭ ‬والبهلول‭ ‬بن‭ ‬راشد‭ ‬وسحنون‭ ‬بن‭ ‬سعيد‭ ‬وسواهم‭.‬

عاش‭ ‬مترجمنا‭ ‬في‭ ‬مهجره‭ ‬التونسي‭ ‬حياة‭ ‬زهد‭ ‬وتقشف،‭ ‬بعيداً‭ ‬عن‭ ‬الحكام‭ ‬والأمراء،‭ ‬ورفض‭ ‬منصب‭ ‬القضاء‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬عُرض‭ ‬عليه،‭ ‬وآثر‭ ‬مهنة‭ ‬التدريس‭ ‬والتعليم،‭ ‬وعمل‭ ‬على‭ ‬تصنيف‭ ‬وتبويب‭ ‬كتاب‭ ‬‮«‬الموطأ‮»‬‭ ‬المنسوب‭ ‬إليه‭ ‬كما‭ ‬سمعه‭ ‬من‭ ‬الإمام‭ ‬مالك‭,‬‭ ‬وقام‭ ‬أيضاً‭ ‬بتدريس‭ ‬كتاب‭ ‬‮«‬الجامع‮»‬‭ ‬للإمام‭ ‬سفيان‭ ‬الثوري،‭ ‬وألَّف‭ ‬كتاباً‭ ‬سماه‭ ‬‮«‬خير‭ ‬من‭ ‬زنته‮»‬‭.‬

لقد‭ ‬صمتت‭ ‬في‭ ‬ما‭ ‬يبدو‭ - ‬كما‭ ‬يقول‭ ‬المؤلف‭ - ‬المراجع‭ ‬والمصادر‭ ‬عن‭ ‬التطرق‭ ‬إلى‭ ‬الحياة‭ ‬الاجتماعية‭ ‬لهذه‭ ‬الشخصية‭ ‬العلمية‭ ‬الفذة،‭ ‬فلم‭ ‬يفصح‭ ‬أحد‭ ‬عن‭ ‬ظروفه،‭ ‬هل‭ ‬كان‭ ‬قد‭ ‬تزوج‭ ‬في‭ ‬طرابلس‭ ‬أو‭ ‬تونس؟‭ ‬أم‭ ‬أنه‭ ‬مات‭ ‬عَزباً؟‭ ‬وهل‭ ‬خلّف‭ ‬بعد‭ ‬وفاته‭ ‬أولاداً‭ ‬وأحفاداً؟‭ ‬وما‭ ‬مصيرهم؟‭ ‬وفي‭ ‬أواخر‭ ‬حياته‭ ‬عاشت‭ ‬تونس‭ ‬وطرابلس‭ ‬الغرب‭ ‬فترة‭ ‬قلقة‭ ‬أثناء‭ ‬نهاية‭ ‬الدولة‭ ‬العباسية‭ ‬وشهدتا‭ ‬ظروفاً‭ ‬عصيبة،‭ ‬اضطرب‭ ‬فيها‭ ‬حبل‭ ‬الأمن،‭ ‬وكثر‭ ‬فيها‭ ‬الولاة،‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬انهار‭ ‬حكم‭ ‬العباسيين‭ ‬وقامت‭ ‬الدولة‭ ‬الأغلبية‭ ‬سنة‭ ‬184‭ ‬هـ،‭ ‬بعد‭ ‬وفاته‭ ‬بعام‭ ‬واحد‭ ‬فقط‭.‬

 

شخصيته‭ ‬

كان‭ - ‬رحمه‭ ‬الله‭ - ‬ورعاً‭ ‬زاهداً‭ ‬في‭ ‬السلطة‭ ‬والمناصب،‭ ‬ومن‭ ‬القصص‭ ‬التي‭ ‬أوردها‭ ‬المؤلف‭ ‬وتفصح‭ ‬عن‭ ‬مدى‭ ‬ورعه‭ ‬وزهده‭ ‬أن‭ ‬أمير‭ ‬إفريقية‭ (‬تونس‭) ‬روْح‭ ‬بن‭ ‬حاتم‭ ‬بعث‭ ‬في‭ ‬طلب‭ ‬علي‭ ‬بن‭ ‬زياد‭ ‬ليوليه‭ ‬القضاء،‭ ‬فقدِم‭ ‬عليه،‭ ‬وبعد‭ ‬فترة‭ ‬خرج‭ ‬من‭ ‬عند‭ ‬الأمير‭ ‬وجبينه‭ ‬يتفصَّد‭ ‬عرقاً،‭ ‬فسأله‭ ‬أصحابه‭ ‬ماذا‭ ‬حصل؟‭ ‬فأجابهم‭ ‬بأنه‭ ‬عزم‭ ‬على‭ ‬ألا‭ ‬يبيت‭ ‬ليلته‭ ‬هناك‭ ‬حتى‭ ‬لا‭ ‬يطلبه‭ ‬الأمير‭ ‬ثانيةً،‭ ‬وانطلق‭ ‬ابن‭ ‬زياد‭ ‬على‭ ‬حماره‭ ‬وحده‭ ‬تلك‭ ‬الليلة‭ ‬لا‭ ‬يلوي‭ ‬على‭ ‬شيء‭. ‬وقد‭ ‬أثنى‭ ‬على‭ ‬علمه‭ ‬وزهده‭ ‬عديد‭ ‬من‭ ‬العلماء،‭ ‬قدماء‭ ‬ومحدثين،‭ ‬مثل‭ ‬الإمام‭ ‬شمس‭ ‬الدين‭ ‬الذهبي،‭ ‬الذي‭ ‬قال‭ ‬فيه‭:‬‭ ‬‮«‬كان‭ ‬إماماً‭ ‬ثقة‭ ‬متعبداً،‭ ‬بارعاً‭ ‬في‭ ‬العلم‮»‬‭ ‬وقال‭ ‬البلخي‭: ‬‮«‬لم‭ ‬يكن‭ ‬في‭ ‬عصر‭ ‬علي‭ ‬ابن‭ ‬زياد‭ ‬أفقه‭ ‬منه‭ ‬ولا‭ ‬أورع‮»‬‭ ‬ولهذا‭ ‬حُق‭ ‬له‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬العمدة‭ ‬والمرجع‭ ‬في‭ ‬بلاد‭ ‬الغرب‭ ‬الإسلامي‭ ‬إبان‭ ‬القرن‭ ‬الثاني‭ ‬الهجري،‭ ‬حتى‭ ‬قيل‭ ‬إن‭ ‬أهل‭ ‬القيروان،‭ ‬وهي‭ ‬منارة‭ ‬من‭ ‬منارات‭ ‬العلم‭ ‬وقتذاك،‭ ‬كانوا‭ ‬إذا‭ ‬اختلفوا‭ ‬في‭ ‬مسألة‭ ‬كتبوا‭ ‬بها‭ ‬إلى‭ ‬علي‭ ‬بن‭ ‬زياد‭ ‬ليقطع‭ ‬لهم‭ ‬في‭ ‬الأمر‭,‬‭ ‬ولذلك‭ ‬استحق‭ ‬عن‭ ‬جدارة‭ ‬لقب‭ ‬شيخ‭ ‬المغرب‭ ‬كما‭ ‬ينعته‭ ‬البعض‭. ‬

 

دوره‭ ‬في‭ ‬نشر‭ ‬المذهب‭ ‬المالكي‭ ‬

خصص‭ ‬المؤلف‭ ‬الفصل‭ ‬الثالث‭ ‬من‭ ‬الكتاب‭ ‬لدور‭ ‬علي‭ ‬بن‭ ‬زياد‭ ‬في‭ ‬تأصيل‭ ‬المذهب‭ ‬المالكي‭ ‬ونشره،‭ ‬ويقصد‭ ‬بالتأصيل‭ ‬هنا‭ ‬أخذه‭ ‬الموطأ‭ ‬عن‭ ‬الإمام‭ ‬مالك،‭ ‬كما‭ ‬سمع‭ ‬منه‭ ‬فتاويه‭ ‬وأقواله،‭ ‬وعاد‭ ‬برواية‭ ‬الموطأ‭ ‬مكتوباً‭ ‬وعمل‭ ‬على‭ ‬نشره‭ ‬في‭ ‬موطنه‭ ‬طرابلس‭ ‬الغرب،‭ ‬ثم‭ ‬في‭ ‬مهجره‭ ‬تونس،‭ ‬فنُسب‭ ‬إليه‭ ‬وعُرف‭ ‬بموطأ‭ ‬ابن‭ ‬زياد،‭ ‬ويفيدنا‭ ‬المؤلف‭ ‬أن‭ ‬موطأ‭ ‬ابن‭ ‬زياد‭ ‬قد‭ ‬ضاع‭ ‬ولم‭ ‬تبق‭ ‬منه‭ ‬إلا‭ ‬قطعة‭ ‬واحدة‭ ‬محفوظة‭ ‬في‭ ‬مكتبة‭ ‬القيروان،‭ ‬وقد‭ ‬عمل‭ ‬على‭ ‬تحقيقها‭ ‬ونشرها‭ ‬العلامة‭ ‬محمد‭ ‬الشاذلي‭ ‬النيفر،‭ ‬رحمه‭ ‬الله،‭ ‬تحت‭ ‬عنوان‭ ‬‮«‬قطعة‭ ‬من‭ ‬موطأ‭ ‬ابن‭ ‬زياد‮»‬‭ ‬وتعد‭ ‬هذه‭ ‬القطعة‭ ‬النفيسة‭ ‬من‭ ‬موطأ‭ ‬ابن‭ ‬زياد‭ ‬أعتق‭ ‬كتاب‭ ‬وصلنا‭ ‬من‭ ‬تراث‭ ‬القيروان،‭ ‬وهو‭ ‬بذلك‭ ‬يكون‭ ‬أقدم‭ ‬مخطوط‭ ‬ليبي‭ ‬موجود‭ ‬بمكتبات‭ ‬تونس‭.‬

 

تـلاميذه‭ ‬

بهذا‭ ‬المستوى‭ ‬الراقي‭ ‬من‭ ‬البحث‭ ‬العلمي‭ ‬والتقصي‭ ‬يتابع‭ ‬الدكتور‭ ‬جبران‭ ‬الحديث‭ ‬عن‭ ‬تلاميذ‭ ‬ابن‭ ‬زياد،‭ ‬فمن‭ ‬بين‭ ‬إحدى‭ ‬السبل‭ ‬التي‭ ‬انتهجها‭ ‬هذا‭ ‬الإمام‭ ‬في‭ ‬تأصيل‭ ‬المذهب‭ ‬المالكي‭ ‬ونشره‭ ‬في‭ ‬بلاد‭ ‬الغرب‭ ‬الإسلامي،‭ ‬عمله‭ ‬على‭ ‬تنشئة‭ ‬وصقل‭ ‬كوكبة‭ ‬من‭ ‬صفوة‭ ‬الطلاب‭ ‬النجباء‭ ‬الذين‭ ‬أخذوا‭ ‬عنه‭ ‬العلم‭ ‬ونقلوا‭ ‬عنه‭ ‬رواياته‭ ‬وفتاويه،‭ ‬ومن‭ ‬أشهر‭ ‬هؤلاء‭ ‬الطلاب‭ ‬يذكر‭ ‬مؤلف‭ ‬الكتاب‭ ‬أسد‭ ‬بن‭ ‬الفرات‭ ‬الذي‭ ‬أصبح‭ ‬أحد‭ ‬الفقهاء‭ ‬البارزين،‭ ‬صاحب‭ ‬كتاب‭ ‬‮«‬الأسدية‮»‬‭ ‬في‭ ‬الفقه‭ ‬المالكي،‭ ‬وهو‭ ‬من‭ ‬فتح‭ ‬جزيرة‭ ‬صقلية‭ ‬بتكليف‭ ‬من‭ ‬الأمير‭ ‬زيــادة‭ ‬الله‭ ‬بن‭ ‬الأغلب‭ ‬سنة‭ ‬212‭ ‬هـ‭ ‬827‭ ‬م،‭ ‬والبهلول‭ ‬بن‭ ‬راشد‭ ‬الذي‭ ‬كان‭ ‬من‭ ‬أكبر‭ ‬فقهاء‭ ‬القيروان،‭ ‬ويعد‭ ‬من‭ ‬أوائل‭ ‬تلاميذ‭ ‬ابن‭ ‬زياد،‭ ‬وعُرف‭ ‬البهلول‭ ‬أيضاً‭ ‬بالزهد‭ ‬والتقوى‭.‬

ويذكر‭ ‬المؤلف‭ ‬أيضاً‭ ‬من‭ ‬بين‭ ‬تلاميذ‭ ‬علي‭ ‬بن‭ ‬زياد‭ ‬الفقيه‭ ‬التونسي‭ ‬المشهور‭ ‬سحنون‭ ‬بن‭ ‬سعيد،‭ ‬الفقيه‭ ‬القاضي،‭ ‬وهو‭ ‬من‭ ‬أعظم‭ ‬الفقهاء‭ ‬المالكية‭ ‬في‭ ‬القرنين‭ ‬الثاني‭ ‬والثالث‭ ‬الهجريين،‭ ‬ولد‭ ‬بمدينة‭ ‬القيروان‭ ‬سنة‭ ‬116‭ ‬هـ،‭ ‬وهو‭ ‬مؤلف‭ ‬كتاب‭ ‬‮«‬المدونة‮»‬‭ ‬المرجع‭ ‬الأخير‭ ‬للفقه‭ ‬المالكي،‭ ‬أو‭ ‬كما‭ ‬وصفه‭ ‬البعض‭ ‬بأنه‭ ‬أهم‭ ‬كتاب‭ ‬في‭ ‬الفقه‭ ‬المالكي‭ ‬بعد‭ ‬الموطأ،‭ ‬وكان‭ ‬سحنون‭ ‬شديد‭ ‬الفخر‭ ‬بمعلمه‭ ‬ابن‭ ‬زياد‭ ‬ويُكثر‭ ‬من‭ ‬الثناء‭ ‬عليه،‭ ‬وذكر‭ ‬المؤلف‭ ‬عديداً‭ ‬من‭ ‬تلاميذ‭ ‬ابن‭ ‬زياد‭ ‬الذين‭ ‬أخذوا‭ ‬عنه‭ ‬العلم‭ ‬والفقه‭ ‬وحملوا‭ ‬مشعل‭ ‬التعليم‭ ‬من‭ ‬بعده‭ ‬وعملوا‭ ‬على‭ ‬نشر‭ ‬المذهب‭ ‬المالكي‭ ‬في‭ ‬ربوع‭ ‬الغرب‭ ‬الإسلامي،‭ ‬وتثبيت‭ ‬أركانه‭ ‬لحفظ‭ ‬المنطقة‭ ‬من‭ ‬مذاهب‭ ‬الزيغ‭ ‬والضلال‭.‬

هذا‭ ‬باختصار‭ ‬أهم‭ ‬ما‭ ‬ورد‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬الكتاب‭ ‬الشائق‭ ‬من‭ ‬محاور‭ ‬وموضوعات،‭ ‬وحسب‭ ‬المؤلف‭ ‬في‭ ‬كتابه‭ ‬هذا‭ ‬أنه‭ ‬صحح‭ ‬خطأً‭ ‬وقع‭ ‬فيه‭ ‬معظم‭ ‬من‭ ‬ترجم‭ ‬لعلي‭ ‬بن‭ ‬زياد‭ ‬الطرابلسي‭ ‬من‭ ‬متأخرين‭ ‬ومتقدمين،‭ ‬من‭ ‬أنه‭ ‬تونسي‭ ‬الأرومة،‭ ‬فجاء‭ ‬الدكتور‭ ‬جبران‭ ‬ببراعته‭ ‬المعروفة‭ ‬في‭ ‬البحث‭ ‬العلمي‭ ‬والتقصي‭ ‬فساق‭ ‬البراهين‭ ‬العديدة‭ ‬على‭ ‬أنه‭ ‬طرابلسي‭ ‬المولد‭ ‬والمنشأ،‭ ‬وأعاد‭ ‬بذلك‭ ‬الحق‭ ‬إلى‭ ‬نصابه‭ ‬