محاولة لاعتقال جاسم الصِّـحَـيِّـح

محاولة لاعتقال جاسم الصِّـحَـيِّـح

ليس‭ ‬الطولُ‭ ‬الفارعُ‭ ‬الذي‭ ‬تجسّده‭ ‬قامته‭ ‬الممتدة‭ ‬كرمح‭ ‬مضيء‭ ‬حين‭ ‬يطل‭ ‬منطلقاً‭ ‬نحو‭ ‬أحبابه،‭ ‬ولا‭ ‬المحيّا‭ ‬الطلْق‭ ‬الذي‭ ‬يتّسم‭ ‬به‭ ‬دائماً‭ ‬وهو‭ ‬يستقبل‭ ‬عشاقه‭ ‬ومريديه،‭ ‬هما‭ ‬فقط‭ ‬ما‭ ‬يُمَيّز‭ ‬أسرار‭ ‬شخصيته‭ ‬الإنسانية‭ ‬الرائعة‭.‬

بل‭ ‬هناك‭ ‬عشرات‭ ‬المزايا‭ ‬تأخذك‭ ‬عنوةً‭ ‬لتقع‭ ‬أسيراً‭ ‬بين‭ ‬يدي‭ ‬هذا‭ ‬الـ‭ ‬اجاسمب‭... ‬وليس‭ ‬الشعرُ‭ ‬أيضاً‭ ‬أولها‭.‬

فبقدر‭ ‬ما‭ ‬هو‭ ‬يُنـَقـِّحُ‭ ‬صورة‭ ‬شعرية‭ ‬في‭ ‬القصيدة،‭ ‬يُـشَـذّب‭ ‬عملاً‭ ‬إنسانياً‭ ‬ظاهراً‭ ‬في‭ ‬السلوك،‭ ‬وبقدر‭ ‬ما‭ ‬يُطَرّز‭ ‬كلمة‭ ‬جميلة‭ ‬على‭ ‬الورقة،‭ ‬يطرز‭ ‬فعلاً‭ ‬أكثر‭ ‬جمالاً‭ ‬علـى‭ ‬الأرض،‭ ‬حتى‭ ‬انتابه‭ ‬النصيب‭ ‬الأوفر‭ ‬من‭ ‬تعذيب‭ ‬عاشقيه‭.‬

كان‭ ‬يعلم‭ ‬بأن‭ ‬الشعر‭ ‬احتجاجٌ‭ ‬صريح‭ ‬على‭ ‬حياة‭ ‬البؤس،‭ ‬وإعلان‭ ‬ضمني‭ ‬لانتصار‭ ‬الفرح،‭ ‬وطموح‭ ‬لا‭ ‬حدود‭ ‬له‭ ‬بأن‭ ‬تصبح‭ ‬الحياة‭ ‬جنة‭ ‬عدن‭ ‬لكل‭ ‬المحرومين‭ ‬والمقهورين‭ ‬على‭ ‬مر‭ ‬العصور،‭ ‬فراح‭ ‬يطلق‭ ‬طيور‭ ‬المحبة‭ ‬المسجونة‭ ‬في‭ ‬قفصه‭ ‬الصدري‭ ‬إلى‭ ‬أفق‭ ‬أكثر‭ ‬اتساعاً‭ ‬ورحابة‭.‬

ليست‭ ‬مقالتي‭ ‬هذه‭ ‬بمنزلة‭ ‬زنزانة‭ ‬من‭ ‬الحبر‭ ‬اعتُقل‭ ‬فيها‭ ‬مجد‭ ‬شاعر‭ ‬أصبح‭ ‬أكبر‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬يمرق‭ ‬إلى‭ ‬المعنى‭ ‬الذي‭ ‬أريد‭ ‬عبر‭ ‬فرجة‭ ‬في‭ ‬الكلمات،‭ ‬وإن‭ ‬جاهَـدَ‭ ‬الحبر‭ ‬ودبّر‭ ‬خطة‭ ‬لاستدراجه‭ ‬إلى‭ ‬مصيَدة‭.‬

امتزج‭ ‬الشعر‭ ‬بالقيمة‭ ‬الإنسانية‭ ‬الرفيعة،‭ ‬الصدق،‭ ‬فكان‭ ‬جاسم‭ ‬الصّحَـيِّـح،‭ ‬الذي‭ ‬أدلى‭ ‬بتصريح‭ ‬مثل‭ ‬هذا،‭ ‬ذات‭ ‬قصيدة‭:‬

 

لا‭ ‬شيء‭ ‬إلا‭ ‬الصدق‭ ‬أحمله‭ ‬معي

‭ ‬فإذا‭ ‬نطقتُ‭ ‬فمعجمي‭ ‬أحشائي

 

وما‭ ‬ذاك‭ ‬إلا‭ ‬لأن‭ ‬جاسماً‭ ‬هو‭ ‬فعـل‭ ‬حـبٍّ‭ ‬مضارع‭ ‬غير‭ ‬خاضعٍ‭ ‬للجازمة‭ ‬والناصبة،‭ ‬وفعل‭ ‬مستمر‭ ‬لا‭ ‬يدخل‭ ‬متاهة‭ ‬الماضي،‭ ‬حيث‭ ‬كتب‭ ‬على‭ ‬جميع‭ ‬البحور‭ ‬ما‭ ‬عدا‭ ‬بحر‭ ‬الكراهية‭.‬

ولطالما‭ ‬كان‭ ‬يذهب‭ ‬وحده‭ ‬إلى‭ ‬القصيدة‭ ‬ثم‭ ‬يعود‭ ‬حاملاً‭ ‬معه‭ ‬بشائر‭ ‬الربيع‭ ‬على‭ ‬أكف‭ ‬الماء‭ ‬ليزفها‭ ‬إلى‭ ‬شفة‭ ‬السنابل‭ ‬والحقول‭.‬

أهدى‭ ‬دفاتر‭ ‬وجدانه‭ ‬الخضراء‭ ‬إلى‭ ‬طوابير‭ ‬البلابل‭ ‬الذاهبة‭ ‬إلى‭ ‬مدارسها‭ ‬في‭ ‬الصباح،‭ ‬فسال‭ ‬الغناء‭ ‬مطراً‭ ‬طروباً‭ ‬على‭ ‬كل‭ ‬منقار‭ ‬يرش‭ ‬المسالك‭ ‬والدروب‭ ‬التي‭ ‬تتورّق‭ ‬بالحب‭ ‬وتزهر‭ ‬بالنماء‭.‬

اشماغه‭... ‬دماغهب‭ ‬كما‭ ‬صدح‭ ‬وأفصح‭ ‬في‭ ‬أحد‭ ‬أبيات‭ ‬قصيدته‭ ‬اما‭ ‬وراء‭ ‬حنجرة‭ ‬المـُـغـَنـّيب،‭ ‬وهذا‭ ‬أيضا‭ ‬هو‭ ‬عنوان‭ ‬الديوان‭ ‬الذي‭ ‬فيه‭ ‬هذه‭ ‬القصيدة‭ ‬فيعزف‭: ‬

 

بلى‭ ‬‮«‬شِماغي‮»‬‭... ‬دِماغي‭ ‬لست‭ ‬أنزعه‭ ‬

من‭ ‬فرط‭ ‬ما‭ ‬اتحدت‭ ‬رأسي‭ ‬و«أشمغتي‮»‬‭ ‬

فهو‭ ‬لا‭ ‬ينزعه‭ ‬إلا‭ ‬في‭ ‬ابساطٍ‭ ‬أحمديب‭ ‬لتكون‭ ‬العفوية‭ ‬هي‭ ‬من‭ ‬تتولّى‭ ‬زمام‭ ‬الدقائق‭ ‬والثواني‭ ‬وتستدرجنا‭ ‬معه‭ ‬إلى‭ ‬مؤامرة‭ ‬السهر‭ ‬اللذيذ،‭ ‬فيما‭ ‬يظل‭ ‬دماغه‭ ‬مكشوفاً‭ ‬كزهرة‭ ‬ياسمين،‭ ‬يعبق‭ ‬بعطر‭ ‬الحديث‭ ‬المؤنس،‭ ‬وينشر‭ ‬أريج‭ ‬الحكمة‭ ‬الذي‭ ‬يفوح‭ ‬من‭ ‬مواقفه‭ ‬وتجاربه،‭ ‬وإذا‭ ‬دهمه‭ ‬الشعر‭ ‬نزع‭ ‬االشماغ‭ ‬والدماغب‭ ‬معاً‭ ‬وعاش‭ ‬وحدة‭ ‬القصيدة‭.‬

لا‭ ‬يمثّل‭ ‬غير‭ ‬عاطفته‭ ‬حين‭ ‬يوقع‭ ‬اتفاقيةَ‭ ‬تعاونٍ‭ ‬مشتركٍ‭ ‬مع‭ ‬الحب،‭ ‬أو‭ ‬حينَ‭ ‬يعقدُ‭ ‬صفقـةً‭ ‬تجارية‭ ‬مع‭ ‬الجمال‭ ‬حتّى‭ ‬وإن‭ ‬كان‭ ‬هو‭ ‬الطرفَ‭ ‬الخاسرَ‭ ‬فيها،‭ ‬وعادةً‭ ‬ما‭ ‬يكون‭. ‬

ولهذا‭ ‬تصلُ‭ ‬به‭ ‬النوبةُ‭ ‬كثيراً‭ ‬إلى‭ ‬حدّ‭ ‬تذمّرٍ‭ ‬شاعريّ‭ ‬من‭ ‬أشياء‭ ‬لا‭ ‬يراها،‭ ‬وغضبٍ‭ ‬لا‭ ‬يخرجُه‭ ‬من‭ ‬حدود‭ ‬الأدب،‭ ‬فهو‭ ‬يكتب‭ ‬سيرة‭ ‬قلبه‭ ‬الذاتية‭ ‬بإتقان‭.‬

يكره‭ ‬المبالغةَ‭ ‬إلاّ‭ ‬في‭ ‬الثناءِ‭ ‬على‭ ‬الآخرينَ‭ ‬حبّاً‭ ‬وأدباً،‭ ‬ويبغضُ‭ ‬التطرفَ‭ ‬إلاّ‭ ‬هياماً‭ ‬حينَ‭ ‬يكون‭ ‬معرّضاً‭ ‬للهلاكِ‭ ‬على‭ ‬رمشِ‭ ‬امرأةٍ‭ ‬فاتنة‭.‬

إحساسه‭ ‬العميق‭ ‬بالحرمان‭ ‬أحياناً،‭ ‬يجعل‭ ‬منه‭ ‬بطلاً‭ ‬جريحاً‭ ‬في‭ ‬مشهدٍ‭ ‬دراميٍّ‭ ‬يُكثِـرُ‭ ‬فيــه‭ ‬من‭ ‬العتاب‭ ‬على‭ ‬الظروف،‭ ‬ومن‭ ‬الشكوى‭ ‬إلى‭ ‬الغيب،‭ ‬ممتلئاً‭ ‬بالفجيعة‭ ‬حتّى‭ ‬يحاورَ‭ ‬شاكياً‭ ‬ما‭ ‬لا‭ ‬يرى،‭ ‬وما‭ ‬لا‭ ‬يجيب‭.‬

قصيدته‭ ‬بيانٌ‭ ‬رسميٌّ‭ ‬يصدرُ‭ ‬عن‭ ‬خلجات‭ ‬روحهِ،‭ ‬وتفاعيلُهُ‭ ‬هي‭ ‬انفعالاتهُ‭ ‬التي‭ ‬له‭ ‬بالمرصادِ‭ ‬تنصبُ‭ ‬الأفخاخَ‭ ‬أمامَهُ‭ ‬في‭ ‬حقول‭ ‬التجربة‭.‬

يسير‭ ‬ممسكاً‭ ‬بتلابيب‭ ‬القصيدة‭ ‬جيداً‭ ‬كي‭ ‬لا‭ ‬تقع‭ ‬منه‭ ‬على‭ ‬طريق‭ ‬متعرج،‭ ‬متمسّكاً‭ ‬بجدائل‭ ‬الأرض‭ ‬كي‭ ‬لا‭ ‬يتيه‭ ‬عن‭ ‬هدفه‭ ‬في‭ ‬إسعاد‭ ‬الإنسان،‭ ‬تلقائيُّ‭ ‬الطلةِ‭ ‬والإقبالِ،‭ ‬فهُو‭ ‬حبيبُ‭ ‬من‭ ‬عرفَه،‭ ‬له‭ ‬بسمة‭ ‬النادل‭ ‬في‭ ‬المقهى،‭ ‬بالرغم‭ ‬من‭ ‬شُعب‭ ‬الحزن‭ ‬في‭ ‬بحيرات‭ ‬أعماقه‭ ‬حيال‭ ‬ما‭ ‬يجري‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬الكوكبِ‭ ‬من‭ ‬كراهيةٍ‭ ‬ظاهرةٍ،‭ ‬وما‭ ‬يدورُ‭ ‬في‭ ‬فلك‭ ‬الغيب‭ ‬من‭ ‬ضمائرَ‭ ‬مستترة‭.‬

وإصداراته‭ ‬تمد‭ ‬يدها‭ ‬إلى‭ ‬العامة،‭ ‬فضلاً‭ ‬عن‭ ‬النخبة،‭ ‬لِمَا‭ ‬تختزله‭ ‬من‭ ‬كثافة‭ ‬معرفية‭ ‬وشاعرية‭ ‬مجنحة،‭ ‬تتناول‭ ‬هموم‭ ‬الآخرين‭ ‬بأيدٍ‭ ‬خبيرة‭.‬

له‭ ‬حضورُهُ‭ ‬اللافتُ‭ ‬في‭ ‬محافل‭ ‬الأجسادِ،‭ ‬إلا‭ ‬أنّهُ‭ ‬مشردُ‭ ‬الذهن‭ ‬غريبُ‭ ‬الروح‭ ‬في‭ ‬منفىً‭ ‬ميتافيزيقيٍّ‭/‬صوفي،‭ ‬لا‭ ‬يعرفه‭ ‬الآخرونَ‭... ‬اسمعه‭ ‬يقول‭: ‬

لا‭ ‬يعرفُ‭ ‬الناسُ‭ ‬منّي‭ ‬غيرَ‭ ‬حنجرةٍ‭ ‬

يا‭ ‬ليتَهمْ‭ ‬عرفوا‭ ‬ما‭ ‬خلفَ‭ ‬حنجرتي

أنا‭ ‬الجمال‭ ‬الذي‭ ‬عيناه‭ ‬تنكره

هل‭ ‬بعد‭ ‬ذلك‭ ‬للنكران‭ ‬من‭ ‬سَعةِ؟‭!‬

 

لذلك،‭ ‬فإن‭ ‬المفردات‭ ‬حين‭ ‬يطلقها‭ ‬من‭ ‬أحشائه‭ ‬فهي‭ ‬تحط‭ ‬على‭ ‬شفاهه‭ ‬فراشات‭ ‬ملونة‭ ‬وعصافير‭ ‬تحترف‭ ‬الوشوشة‭ ‬والهمس،‭ ‬يتمشى‭ ‬فلاّحاً‭ ‬تفعيلياً‭ ‬كادحاً‭ ‬في‭ ‬بستان‭ ‬القصيدة‭ ‬بجد،‭ ‬ويحرث‭ ‬حقل‭ ‬الورقة‭ ‬باجتهاد‭.‬

تتلمذ‭ ‬على‭ ‬يد‭ ‬الينبوع‭ ‬والمجرى‭ ‬فعاد‭ ‬ثـَرّاً‭ ‬نقياً‭ ‬دفاقاً،‭ ‬بكل‭ ‬شيء‭ ‬جميل

وأما‭ ‬الأحساء‭:‬

قالوا‭ ‬وماذا‭ ‬عن‭ ‬الأحساء‭ ‬فاخـْتـَلـَجَـت‭ ‬

روح‭ ‬الصبابة‭ ‬في‭ ‬مكنون‭ ‬مكنوني

قصائدي‭ ‬هي‭ ‬أسرار‭ ‬النخيل‭ ‬فمن‭ ‬

لم‭ ‬يفهم‭ ‬النخل‭ ‬لم‭ ‬يفهم‭ ‬دواوينـي

أحسـاء‭ ‬حوريتي‭ ‬في‭ ‬الخلد‭ ‬سجلها‭ ‬

رضوانُ‭ ‬باسْـمِـيَ‭... ‬في‭ ‬سِفـْر‭ ‬الميامين

وهذه‭ ‬الأحساء،‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬ستوسع‭ ‬رقعتها‭ ‬الجغرافية‭ ‬على‭ ‬خريطة‭ ‬الشعر‭ ‬العربي‭ ‬المعاصر‭ ‬لو‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬جاسم‭ ‬الصّـحَـيِّـح‭ ‬يستلّها‭ ‬مطمورة‭ ‬من‭ ‬تحت‭ ‬ركام‭ ‬السعف‭ ‬اليابس‭ ‬وأعذاق‭ ‬الرطب‭ ‬المتهدلة‭ ‬ليطير‭ ‬بها‭ ‬وينصبها‭ ‬راية‭ ‬مرفرفة‭ ‬على‭ ‬نواصي‭ ‬ناطحات‭ ‬السحاب‭ ‬في‭ ‬البلاد‭ ‬العربية‭ ‬الأخرى‭.‬

فبه‭ ‬ومعه،‭ ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬الأحساء‭ ‬مجرد‭ ‬آبار‭ ‬نفط‭ ‬أو‭ ‬محاصيل‭ ‬تمر،‭ ‬أو‭ ‬كنوز‭ ‬كُـتـُب،‭ ‬وإنما‭ ‬أيضاً‭ ‬نافورة‭ ‬إبداع‭ ‬شعري‭ ‬مُقـَفى،‭ ‬حيث‭ ‬تلقّن‭ ‬جاسم‭ ‬إلهامه‭ ‬الأول‭ ‬من‭ ‬هذه‭ ‬الفاتنة،‭ ‬التي‭ ‬لطالما‭ ‬مرت‭ ‬عليها‭ ‬خيول‭ ‬الريح‭ ‬فأوجعتها‭ ‬وأوجعته‭:‬

 

النخل‭ ‬صلبي‭ ‬فما‭ ‬من‭ ‬نخلة‭ ‬سقطت‭ ‬

إلا‭ ‬سمعت‭ ‬أنين‭ ‬الجذع‭ ‬في‭ ‬نطفـي

 

ليستمر‭ ‬المخاض‭ ‬المكرر‭ ‬ما‭ ‬بين‭ ‬الأم‭ ‬وابنها‭ ‬الذي‭ ‬يفتش‭ ‬عن‭ ‬ذاته‭ ‬في‭ ‬ولاداته‭ ‬الكثيرة‭:‬

أحساء‭ ‬كم‭ ‬مرة‭ ‬أنجبتِـني‭ ‬فلقد

نسيت‭ ‬من‭ ‬كثرة‭ ‬الميلاد‭ ‬كم‭ ‬عددي

لــم‭ ‬تنعقد‭ ‬فيك‭ ‬أمشاج‭ ‬بمكرمة

إلا‭ ‬وناديت‭ ‬أمشاجي‭ ‬بها‭ ‬انعقـِدي

كأننـي‭ ‬منذ‭ ‬فجر‭ ‬الطلق‭ ‬في‭ ‬هَجَـر

أُدْعَى‭ ‬لأولـَدَ‭... ‬إذْ‭ ‬تـُدْعَينَ‭ ‬كي‭ ‬تلـدي

 

خمسون‭ ‬شمعة‭ ‬أحرقها‭ ‬في‭ ‬شمعدان‭ ‬القافية‭ ‬والحرف،‭ ‬وتلك‭ ‬سجية‭ ‬كنا‭ ‬ندركها‭ ‬قديماً‭ ‬أنا‭ ‬ومجموعة‭ ‬من‭ ‬الأصدقاء‭ ‬اللحوحين،‭ ‬حين‭ ‬كنا‭ ‬نفتش‭ ‬عن‭ ‬خطاه‭ ‬في‭ ‬أروقة‭ ‬المحافل‭ ‬ونرقب‭ ‬لحظة‭ ‬مجيئه‭ ‬كطيف‭ ‬عابر،‭ ‬نتشبث‭ ‬بأطراف‭ ‬ثيابه‭ ‬في‭ ‬الأمسيات‭ ‬وقاعات‭ ‬المهرجانات‭... ‬لطالما‭ ‬كان‭ ‬الناطق‭ ‬الرسمي‭ ‬باسْم‭ ‬أحاسيسنا‭ ‬والمترجم‭ ‬الحقيقي‭ ‬للغة‭ ‬العواطف‭ ‬على‭ ‬امتداد‭ ‬المنطقة‭ ‬حتى‭ ‬أصبح‭ ‬وجهاً‭ ‬أليفاً‭ ‬لا‭ ‬تنكره‭ ‬المناسبات‭ ‬ولا‭ ‬يضيع‭ ‬في‭ ‬زحمة‭ ‬الأكتاف،‭ ‬والركب‭... ‬كنا‭ ‬نتلقف‭ ‬قصائده‭ ‬فتحرق‭ ‬أطراف‭ ‬أصابعنا‭ ‬كأرغفة‭ ‬ساخنة،‭ ‬ونحن‭ ‬ما‭ ‬نحن‭ ‬سوى‭ ‬جداول‭ ‬صغيرة‭ ‬تنسرب‭ ‬من‭ ‬بحوره‭ ‬الشعرية‭ ‬الوافرة‭ ‬والطويلة‭.‬

لم‭ ‬يشغله‭ ‬الإعلام‭ ‬بقدر‭ ‬ما‭ ‬انشغل‭ ‬الإعلام‭ ‬به،‭ ‬إذ‭ ‬كلما‭ ‬حاولت‭ ‬ذاكرة‭ ‬الصحافة‭ ‬إسقاطَه‭ ‬منها،‭ ‬باغتها‭ ‬وسقط‭ ‬فيها‭.‬

حضوره‭ ‬كان‭ ‬بدعة‭ ‬حسنة‭ ‬في‭ ‬مشهد‭ ‬الشعر‭ ‬العربي‭ ‬الحديث،‭ ‬وإبداعاته‭ ‬المتميزة‭ ‬والفريدة‭ ‬كانت‭ ‬تفوز‭ ‬بتصفيق‭ ‬الجماهير‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬تفوز‭ ‬بكبريات‭ ‬الجوائز‭ ‬المحلية‭ ‬والعربية‭ ‬التي‭ ‬لطالما‭ ‬كان‭ ‬قنّاصَ‭ ‬الألقابِ‭ ‬فيها‭.‬

‭ ‬وما‭ ‬امتلاء‭ ‬مقاعد‭ ‬أمسياته‭ ‬بالحضور‭ ‬وشحّ‭ ‬الكراسي‭ ‬إلاّ‭ ‬بصمة‭ ‬تدل‭ ‬على‭ ‬كاريزما‭ ‬الشعر‭ ‬لديه‭ ‬وبوصلة‭ ‬تشير‭ ‬إلى‭ ‬فخامة‭ ‬حرفه‭.‬

هذا‭ ‬الفارع‭ ‬أدباً‭ ‬وحباً‭ ‬ولطافة‭ ‬وسماحة‭ ‬وبساطة‭ ‬وتواضعاً‭ ‬جماً،‭ ‬لم‭ ‬يثنه‭ ‬شيء‭ ‬عن‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬كذلك‭ ‬بكل‭ ‬تلقائية‭.‬

به‭ ‬ومعه‭ ‬اكتشفتُ‭ ‬أن‭ ‬كوكباً‭ ‬حط‭ ‬في‭ ‬قريتي‭ ‬فأشرقـَتْ‭ ‬على‭ ‬القرى‭ ‬والمدن‭ ‬الأخرى‭ ‬حتى‭ ‬أصبحَـتْ‭ ‬لا‭ ‬تعرف‭ ‬إلا‭ ‬به،‭ ‬وها‭ ‬أنا‭ ‬أعترف،‭ ‬كنت‭ ‬مأخوذاً‭ ‬به،‭ ‬فأصبحتُ‭ ‬مأخوذاً‭ ‬به‭ ‬حتى‭ ‬ندمت‭ ‬على‭ ‬زمنٍ‭ ‬لم‭ ‬يجمعني‭ ‬به،‭ ‬وحتماً‭ ‬لن‭ ‬أندم‭ ‬على‭ ‬لحظة‭ ‬أقضيها‭ ‬بصحبته‭. ‬

كيف‭ ‬لا‭ ‬وقد‭ ‬أصبح‭ ‬جاسم‭ ‬الصّـحَـيِّـح‭ ‬الرّقـْيةَ‭ ‬الناجعة‭ ‬لكل‭ ‬نفس‭ ‬نزّاعة‭ ‬للهموم،‭ ‬وأقراصاً‭ ‬مهدئة‭ ‬للأمراض‭ ‬النفسية‭ ‬والهلوسات،‭ ‬وربما‭ ‬كان‭ ‬هو‭ ‬أحد‭ ‬مسببات‭ ‬كل‭ ‬ذلك‭? ‬لا‭ ‬أعلم‭! ‬

ولكنني‭ ‬أعلم‭ ‬يقيناً‭ ‬بأن‭ ‬أثمن‭ ‬ما‭ ‬جادت‭ ‬به‭ ‬عليّ‭ ‬أقداري‭ ‬هو‭ ‬اللحظة‭ ‬التي‭ ‬أكسبتني‭ ‬علاقة‭ ‬متينة‭ ‬بجاسم،‭ ‬لأنني‭ ‬استطعت‭ ‬أن‭ ‬أقع‭ ‬على‭ ‬الجوهر‭ ‬المفقود‭ ‬في‭ ‬كنز‭ ‬حياتي‭ ‬الإنسانية،‭ ‬وتعلمت‭ ‬منه‭ ‬كيف‭ ‬أعبر‭ ‬نهر‭ ‬القصيدة‭ ‬إلى‭ ‬ضفاف‭ ‬الجمال،‭ ‬ومازال‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬لحظة‭ ‬يهرق‭ ‬في‭ ‬حوض‭ ‬أيامي‭ ‬قارورة‭ ‬من‭ ‬النُبل‭ ‬حتى‭ ‬نبتت‭ ‬عينان‭ ‬في‭ ‬رأس‭ ‬إحساسي‭ ‬تريان‭ ‬ذلك‭ ‬يقينا‭.‬

فيا‭ ‬سادة‭ ‬يا‭ ‬كرام‭ ‬أقولها‭ ‬لكم‭ ‬ولا‭ ‬أبالي‭: ‬

احتفوا‭ ‬واحتفلوا‭ ‬بجاسم،‭ ‬فلم‭ ‬يشغل‭ ‬بال‭ ‬مُحَدِّثُكُم‭ ‬إلا‭ ‬أن‭ ‬يحبه‭ ‬إنساناً‭ ‬وشاعراً‭ ‬وصديقاً،‭ ‬ما‭ ‬أنبله‭... ‬وما‭ ‬أجمله‭!‬

وأجدني‭ ‬في‭ ‬غمرة‭ ‬هذه‭ ‬الموجة‭ ‬من‭ ‬البوح‭ ‬عنه،‭ ‬أكتب‭ ‬له‭ ‬بريشة‭ ‬المودة‭:‬

 

صافحْ‭ ‬أحبّتَك‭ ‬الذين‭ ‬أتوكَ

من‭ ‬‮«‬أقصى‭ ‬المدينةِ‮»‬‭ ‬ظامئينَ

لِلـْيلةٍ‭ ‬محجوزةٍ‭ ‬للسُكرِ‭ ‬شعراً

حين‭ ‬تسكبكَ‭ ‬القصيدةُ‭ ‬

ملءَ‭ ‬أكؤسهم‭ ‬مدامْ

صافحْ

ومعذرةً‭ ‬إذا‭ ‬اندلقتْ‭ ‬عليكَ‭ ‬قلوبُهمْ

شفةُ‭ ‬المحبةِ‭ ‬أقسمتْ‭:‬

لا‭ ‬عاصماً‭ ‬ينجيكَ‭ ‬من‭ ‬أمرِ‭ ‬الغرامْ

جاؤوا‭ ‬على‭ ‬توقيتِ‭ ‬قلبكَ

إذ‭ ‬ترنّ‭ ‬بأفقهِ‭ ‬أجراسُ‭ ‬قافيةٍ

تنبّهُ‭ ‬ناعسَ‭ ‬الأوقاتِ‭ ‬من‭ ‬خدَرٍ

فتصدحُ‭ ‬أغنياتُ‭ ‬الحبّ

تكتنفُ‭ ‬السنابلَ‭ ‬هدأةٌ

وتعودُ‭ ‬آمنةً‭ ‬إلى‭ ‬أعشاشها‭ ‬

كلُّ‭ ‬الحمامْ

جاءوا‭ ‬أنانيّينَ‭ ‬فيكَ

فهل‭ ‬على‭ ‬مطرٍ‭ ‬

إذا‭ ‬احتكرَ‭ ‬الحديقةَ‭ ‬

من‭ ‬ملامْ؟‭!‬

أو‭ ‬هل‭ ‬على‭ ‬مطرٍ‭ ‬عتابٌ

حينَ‭ ‬تسكبهُ‭ ‬الصبابةُ‭ ‬

من‭ ‬أباريقِ‭ ‬الغمامْ؟

دعْ‭ ‬ألفَ‭ ‬نورسةٍ‭ ‬تحلِّقُ‭ ‬من‭ ‬شعوركَ

في‭ ‬فضاءاتِ‭ ‬الهوى

واكشفْ‭ ‬خفاياكَ‭ ‬التي‭ ‬خبّأتَ

من‭ ‬ولعٍ‭ ‬ترقرقَ‭ ‬صافياً

وأعرْ‭ ‬شقوقَ‭ ‬الرملِ‭ ‬قلبَك

والتفتْ‭ ‬جهةَ‭ ‬النخيلِ

فربّما‭ ‬سمحتْ‭ ‬لها‭ ‬

ريحُ‭ ‬المتاعبِ‭ ‬أن‭ ‬تنامْ

من‭ ‬أين‭ ‬توقدكَ‭ ‬القصيدةُ‭ ‬شمعةً

يضوي‭ ‬بها‭ ‬لهبُ‭ ‬المحبةِ

في‭ ‬أساريرِ‭ ‬الظلامْ؟

من‭ ‬أين‭ ‬يمسككَ‭ ‬البياضُ

وكيف‭ ‬تكبرُ‭ ‬في‭ ‬دمائكَ‭ ‬

وردةُ‭ ‬الأشعارِ

تنعتقُ‭ ‬المعاني‭ ‬

من‭ ‬سجونِ‭ ‬الحبرِ

في‭ ‬كفيكَ

تعتنقُ‭ ‬الحروفَ‭ ‬خميلةٌ‭ ‬

تزهو‭ ‬على‭ ‬شفتيكَ

من‭ ‬أهـْدى‭ ‬إليكَ‭ ‬متيماً‭ ‬

هذي‭ ‬الأناقةَ‭ ‬في‭ ‬الكلامْ؟‭! .