لمــاذا اخــتــرت هــذه الــقــصــص؟

لمــاذا اخــتــرت هــذه الــقــصــص؟

 

توصلت‭ ‬بست‭ ‬عشرة‭ ‬قصة‭ ‬قصيرة،‭ ‬ينتمي‭ ‬كتابها‭ ‬إلى‭ ‬ثمانية‭ ‬بلدان‭ ‬عربية،‭ ‬بل‭ ‬وثمة‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬قصة‭ ‬من‭ ‬البلد‭ ‬الواحد‭ (‬مصر‭ ‬والجزائر‭ ‬والمغرب‭)‬،‭ ‬ما‭ ‬يشي‭ ‬بمدى‭ ‬إقبال‭ ‬فئة‭ ‬الكتَّاب‭ ‬الشباب‭ ‬على‭ ‬كتابة‭ ‬القصة‭ ‬القصيرة،‭ ‬في‭ ‬الوقت‭ ‬الذي‭ ‬ارتمى‭ ‬فيها‭ ‬كثيرون،‭ ‬من‭ ‬أجيال‭ ‬مختلفة،‭ ‬في‭ ‬أحضان‭ ‬كتابة‭ ‬الرواية،‭ ‬لاعتبارات‭ ‬مختلفة،‭ ‬لا‭ ‬مجال‭ ‬هنا‭ ‬للتعرض‭ ‬لها‭.‬

لكن‭ ‬ما‭ ‬يهمنا‭ ‬نحن،‭ ‬على‭ ‬مستوى‭ ‬هذه‭ ‬المسابقة‭ ‬الرائدة،‭ ‬هو‭ ‬ما‭ ‬تكشف‭ ‬عنه‭ ‬من‭ ‬مؤشرات،‭ ‬تهم‭ ‬أساساً‭ ‬الاهتمام‭ ‬المتزايد‭ ‬لكتابنا‭ ‬الشباب‭ ‬بكتابة‭ ‬القصة‭ ‬القصيرة،‭ ‬برغبة‭ ‬ملحِّة،‭ ‬وبأشكال‭ ‬سردية‭ ‬وجمالية‭ ‬متنوعة،‭ ‬وبتنويعات‭ ‬مضمونية‭ ‬ودلالية‭ ‬مختلفة،‭ ‬كما‭ ‬هي‭ ‬الحال‭ ‬بالنسبة‭ ‬إلى‭ ‬القصص‭ ‬المرشحة،‭ ‬برغم‭ ‬بعض‭ ‬الهنات‭ ‬والأخطاء‭ ‬التعبيرية‭ ‬واللغوية‭ ‬والإملائية‭ ‬والنحوية‭ ‬التي‭ ‬طبعت‭ ‬جل‭ ‬مساهماتهم،‭ ‬فضلا‭ ‬عن‭ ‬المساهمة‭ ‬اللافتة‭ ‬لكتَّاب‭ ‬القصة‭ ‬القصيرة‭ ‬من‭ ‬الذكور‭ ‬والإناث‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬التجربة،‭ ‬بشكل‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬تجاهله‭.‬

وإذا‭ ‬كانت‭ ‬قصص‭ ‬مسابقة‭ ‬هذا‭ ‬العدد‭ ‬تتفاوت‭ ‬في‭ ‬ما‭ ‬بينها‭ ‬على‭ ‬مستويات‭ ‬مختلفة،‭ ‬على‭ ‬مستوى‭ ‬النفس‭ ‬القصصي‭ ‬وطرائق‭ ‬الكتابة‭ ‬وطبيعة‭ ‬الموضوعات‭ ‬المرصودة‭ ‬وغيرها،‭ ‬فهي‭ ‬تحاول‭ ‬مع‭ ‬ذلك،‭ ‬في‭ ‬مجملها،‭ ‬ملامسة‭ ‬قضايا‭ ‬وتعقيدات‭ ‬وتحولات‭ ‬وسلوكيات‭ ‬الواقع‭ ‬الذي‭ ‬تستوحيه،‭ ‬بإبداعية‭ ‬وجرأة‭ ‬أحياناً،‭ ‬وبخجل‭ ‬أحيانا‭ ‬أخرى،‭ ‬ما‭ ‬جعلها‭ ‬قصصاً‭ ‬متفاوتة‭ ‬في‭ ‬ما‭ ‬بينها،‭ ‬بين‭ ‬قصص‭ ‬واقعية‭ ‬وسوريالية‭ ‬وتجريدية‭ ‬وتقريرية،‭ ‬بل‭ ‬إن‭ ‬بعض‭ ‬القصص‭ ‬يغلب‭ ‬عليها‭ ‬الطابع‭ ‬الوعظي‭ ‬المباشر،‭ ‬ما‭ ‬يفرغها‭ ‬من‭ ‬أي‭ ‬روح‭ ‬إبداعية‭ ‬أو‭ ‬جمالية،‭ ‬وإن‭ ‬خضعت‭ ‬جميعها‭ ‬لنوع‭ ‬من‭ ‬المنطق‭ ‬والعفوية‭ ‬والصدق‭ ‬في‭ ‬كتابة‭ ‬القصة‭ ‬القصيرة،‭ ‬وخصوصاً‭ ‬على‭ ‬مستوى‭ ‬تشخيصها‭ ‬للمشاعر‭ ‬الجياشة،‭ ‬وللأبعاد‭ ‬الدرامية،‭ ‬وللأحاسيس‭ ‬الصافية‭.‬

ومع‭ ‬ذلك،‭ ‬فاللافت‭ ‬للنظر‭ ‬في‭ ‬مجموع‭ ‬هذه‭ ‬القصص‭ ‬القصيرة،‭ ‬أنها‭ ‬أيضا‭ ‬جاءت‭ ‬متفاوتة‭ ‬بين‭ ‬قصص‭ ‬يغلب‭ ‬عليها‭ ‬الطابع‭ ‬الذاتي،‭ ‬وأخرى‭ ‬أتت‭ ‬محملة‭ ‬بحكايات‭ ‬وأمكنة‭ ‬وأزمنة‭ ‬ودلالات‭ ‬متنوعة،‭ ‬في‭ ‬تمثلها‭ ‬لفضاءي‭ ‬الريف‭ ‬والمدينة‭ ‬على‭ ‬حد‭ ‬سواء،‭ ‬وفي‭ ‬رصدها‭ ‬لثيمات‭ ‬مختلفة‭ ‬تغني‭ ‬فضاءها‭ ‬الحكائي‭ ‬العام،‭ ‬من‭ ‬قبيل‭ ‬ثيمات‭ ‬الحلم‭ ‬والكتابة‭ ‬والحب‭ ‬والموت‭ ‬والوهم‭ ‬والألم‭ ‬والأمل‭ ‬والحصار‭ ‬والحنان‭ ‬والفقر‭ ‬والقلق‭ ‬والخوف‭ ‬والفرح‭ ‬والضياع‭ ‬والحرمان‭ ‬والطفولة،‭ ‬وغيرها،‭ ‬فضلا‭ ‬عن‭ ‬تمثلها‭ ‬لمختلف‭ ‬مراحل‭ ‬حياة‭ ‬الإنسان‭ ‬من‭ ‬طفولته‭ ‬إلى‭ ‬مراهقته‭ ‬إلى‭ ‬شبابه‭ ‬إلى‭ ‬شيخوخته،‭ ‬ما‭ ‬يجعل‭ ‬منها‭ ‬أسئلة‭ ‬مؤرقة‭ ‬لشخوص‭ ‬قصصها،‭ ‬موجهة‭ ‬لصيروراتها،‭ ‬ومحددة‭ ‬لمصائرها،‭ ‬وذلك‭ ‬بشكل‭ ‬يجعلنا،‭ ‬نحن‭ ‬القراء،‭ ‬أمام‭ ‬أفق‭ ‬مضيء‭ ‬لأصوات‭ ‬قصصية‭ ‬عربية‭ ‬واعدة‭.‬

وإذا‭ ‬كان‭ ‬من‭ ‬الصعوبة،‭ ‬هنا،‭ ‬اختيار‭ ‬خمسة‭ ‬نصوص‭ ‬من‭ ‬بين‭ ‬مجموع‭ ‬القصص‭ ‬المتوصل‭ ‬بها،‭ ‬فإن‭ ‬تنوع‭ ‬القصص‭ ‬على‭ ‬مستوى‭ ‬طرائق‭ ‬صوغها‭ ‬وثيماتها‭ ‬ودلالاتها‭ ‬يسمح‭ ‬لنا،‭ ‬مع‭ ‬ذلك،‭ ‬بتحديد‭ ‬هذه‭ ‬القصص‭ ‬وترتيبها‭ ‬كالتالي‭:‬

 

المرتبة‭ ‬الأولى‭: ‬‮«‬الدمية‭ ‬الدامية‮»‬‭ ‬لـ‭ ‬نوار‭ ‬الحمودي‭/ ‬لبنان

تعتبر‭ ‬هذه‭ ‬القصة‭ ‬من‭ ‬بين‭ ‬أطول‭ ‬قصص‭ ‬المسابقة،‭ ‬بنفسها‭ ‬الحكائي‭ ‬المسترسل‭ ‬وبتقنياتها‭ ‬السردية‭ ‬المختلفة،‭ ‬وعلى‭ ‬رأسها‭ ‬تقنية‭ ‬الوصف‭ ‬التي‭ ‬نجحت‭ ‬هذه‭ ‬القصة‭ ‬في‭ ‬استثمارها‭ ‬بلغة‭ ‬سردية‭ ‬مقبولة،‭ ‬على‭ ‬الرغم‭ ‬من‭ ‬الأخطاء‭ ‬الملحوظة،‭ ‬بما‭ ‬هو‭ ‬وصف‭ ‬لحالات‭ ‬ولمشاعر‭ ‬إنسانية‭ ‬قاسية،‭ ‬تمكنت‭ ‬القصة‭ ‬من‭ ‬التعبير‭ ‬عنها‭ ‬بفنية‭ ‬تضفي‭ ‬على‭ ‬عالمها‭ ‬مسحة‭ ‬واقعية‭ ‬ودرامية‭.‬

تحكي‭ ‬القصة‭ ‬حكاية‭ ‬قد‭ ‬تبدو،‭ ‬للوهلة‭ ‬الأولى،‭ ‬كلاسيكية‭ ‬وعادية،‭ ‬وهي‭ ‬حكاية‭ ‬فتاة‭ ‬يتم‭ ‬إرغامها‭ ‬على‭ ‬الزواج‭ ‬من‭ ‬قبل‭ ‬والدها‭ ‬تحديداً،‭ ‬برجل‭ ‬غريب‭ ‬يكبرها‭ ‬سناً‭ ‬بكثير،‭ ‬رجل‭ ‬بملامح‭ ‬حادة‭ ‬وبأسنان‭ ‬ذهبية‭ ‬بدت‭ ‬كأنها‭ ‬خردة‭ ‬لامعة‭ ‬في‭ ‬فمه،‭ ‬لتصير‭ ‬الفتاة‭ ‬أماً‭ ‬في‭ ‬وقت‭ ‬قصير‭ ‬برغم‭ ‬أنف‭ ‬الزمن،‭ ‬تلد‭ ‬طفلة،‭ ‬في‭ ‬وقت‭ ‬مازالت‭ ‬معلقة‭ ‬فيه‭ ‬بصباها‭ ‬وبلعبتها‭ ‬المفضلة،‭ ‬لعبة‭ ‬العرائس‭ ‬البلاستيكية،‭ ‬لتجد‭ ‬نفسها‭ ‬فجأة‭ ‬رهينة‭ ‬لعبة‭ ‬شبيهة‭ ‬بالأولى،‭ ‬وإن‭ ‬بدت‭ ‬هذه‭ ‬المرة‭ ‬لعبة‭ ‬حقيقية،‭ ‬هي‭ ‬لعبة‭ ‬عريس‭ ‬جائر‭ ‬وعروس‭ ‬بريئة‭.‬

هي،‭ ‬إذن،‭ ‬قصة‭ ‬تصور‭ ‬لنا‭ ‬بعنف‭ ‬وبقساوة،‭ ‬حالة‭ ‬من‭ ‬حالات‭ ‬اغتصاب‭ ‬الطفولة‭ ‬في‭ ‬مجتمعاتنا‭ ‬العربية،‭ ‬هاته‭ ‬التي‭ ‬ترغم‭ ‬الفتاة‭ ‬على‭ ‬المرور‭ ‬قسراً‭ ‬من‭ ‬عالم‭ ‬الصبا،‭ ‬ببراءته‭ ‬وفرحه‭ ‬ولعبه،‭ ‬إلى‭ ‬عالم‭ ‬الكبار،‭ ‬بما‭ ‬هو‭ ‬عالم‭ ‬مجهول‭ ‬وطافح‭ ‬بالقسوة‭ ‬والغربة‭ ‬والاختناق‭ ‬والقمع‭ ‬والخوف‭ ‬والتردد‭ ‬والفراق‭ ‬والوحدة‭ ‬وتجريد‭ ‬الإنسان‭ ‬من‭ ‬آدميته‭ ‬ومن‭ ‬كلماته؛‭ ‬عالم‭ ‬تحول‭ ‬فيه‭ ‬اللعب‭ ‬بالدمية‭ ‬إلى‭ ‬لعب‭ ‬لعين‭ ‬مع‭ ‬الشيطان‭.‬

وتكمن‭ ‬أهمية‭ ‬هذه‭ ‬القصة‭ ‬في‭ ‬تمكنها،‭ ‬بفنية‭ ‬وتشويق،‭ ‬من‭ ‬التعبير‭ ‬عن‭ ‬عقدتها‭ ‬الحكائية،‭ ‬في‭ ‬قالب‭ ‬من‭ ‬التوازي‭ ‬والتقابل‭ ‬بين‭ ‬الأزمنة،‭ ‬بعيداً‭ ‬عن‭ ‬اشتراطات‭ ‬المحكي‭ ‬القصصي‭ ‬التقليدي،‭ ‬وذلك‭ ‬ما‭ ‬يعكسه‭ ‬استمرار‭ ‬انشداد‭ ‬تلك‭ ‬الفتاة‭ ‬إلى‭ ‬زمنها‭ ‬الأول،‭ ‬برغم‭ ‬ارتمائها‭ ‬القسري‭ ‬في‭ ‬عالم‭ ‬الأمومة،‭ ‬إذ‭ ‬يعيدها‭ ‬وجه‭ ‬تلك‭ ‬الدمية،‭ ‬ابنتها‭ ‬الرضيعة،‭ ‬إلى‭ ‬زمن‭ ‬كانت‭ ‬قد‭ ‬غادرته‭ ‬مكرهة،‭ ‬فتشعر‭ ‬أخيراً‭ ‬بالحرية،‭ ‬وتنسى‭ ‬غرفة‭ ‬العمليات‭ ‬ووجه‭ ‬الطبيب‭.‬

 

المرتبة‭ ‬الثانية‭:  ‬‮«‬لا‭ ‬أقول‭ ‬وداعاً‮»‬‭ ‬لـ‭ ‬إسلام‭ ‬محمود‭ ‬عبدالموجود‭ ‬أبو‭ ‬طالب‭ / ‬مصر

خلافاً‭ ‬للقصة‭ ‬الأولى‭ ‬التي‭ ‬اتخذت‭ ‬من‭ ‬فتاة‭ ‬بطلتها،‭ ‬تتخذ‭ ‬هذه‭ ‬القصة‭ ‬من‭ ‬شخصية‭ ‬صبي‭ ‬بطلاً‭ ‬لها،‭ ‬كما‭ ‬تتمثل،‭ ‬أيضاً،‭ ‬شخصيتا‭ ‬الأم‭ ‬والأب‭ ‬فيها،‭ ‬عبر‭ ‬سرد‭ ‬واقعي‭ ‬مكثف،‭ ‬يتم‭ ‬عبره‭ ‬تقديم‭ ‬حكاية‭ ‬صبي‭ ‬يبيع‭ ‬الشاي‭ ‬لمرتادي‭ ‬القطارات،‭ ‬إذ‭ ‬الأب‭ ‬قعيد‭ ‬والأم‭ ‬مهتمة‭ ‬بشؤونه،‭ ‬فكان‭ ‬لابد‭ ‬للصبي‭ ‬أن‭ ‬يخرج‭ ‬للعمل‭ ‬بائعاً‭ ‬لأكواب‭ ‬الشاي‭ ‬لمرتادي‭ ‬القطارات،‭ ‬ذهاباً‭ ‬وإياباً،‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬الحصول‭ ‬على‭ ‬بعض‭ ‬الجنيهات‭.‬

وتكمن‭ ‬أهمية‭ ‬هذه‭ ‬القصة،‭ ‬برغم‭ ‬بساطة‭ ‬حكايتها،‭ ‬في‭ ‬كونها‭ ‬تمكنت‭ ‬من‭ ‬تكثيف‭ ‬الحدث‭ ‬القصصي‭ ‬فيها‭ ‬بشكل‭ ‬فني‭ ‬لافت،‭ ‬يجعلنا‭ ‬معه‭ ‬أمام‭ ‬حالة‭ ‬إنسانية،‭ ‬يؤطرها‭ ‬حلم‭ ‬بدأ‭ ‬ضائعاً،‭ ‬كما‭ ‬تصفه‭ ‬القصة،‭ ‬لصبي،‭ ‬هو‭ ‬حلم‭ ‬بيع‭ ‬براد‭ ‬الشاي‭ ‬كاملاً،‭ ‬وحلم‭ ‬اللعب‭ ‬فرحاً‭ ‬بهذا‭ ‬الإنجاز،‭ ‬وإن‭ ‬لم‭ ‬يكتب‭ ‬له‭ ‬الاكتمال،‭ ‬إذ‭ ‬يصدم‭ ‬الصبي‭ ‬قطار‭ ‬وهو‭ ‬يلهو‭ ‬بالبالون‭ ‬فيلقى‭ ‬حتفه‭.‬

وإذا‭ ‬كانت‭ ‬من‭ ‬دلالة‭ ‬تضمرها‭ ‬هذه‭ ‬القصة‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬حكاية‭ ‬الصبي‭ ‬بائع‭ ‬أكواب‭ ‬الشاي،‭ ‬فهي‭ ‬تصويرها‭ ‬لحالة‭ ‬الحرمان،‭ ‬التي‭ ‬يولدها‭ ‬الفقر‭ ‬أساساً،‭ ‬حرمان‭ ‬الطفل‭ ‬من‭ ‬طفولته،‭ ‬نتيجة‭ ‬لما‭ ‬يعترضه‭ ‬من‭ ‬إكراهات‭ ‬اجتماعية‭ ‬واقتصادية،‭ ‬تُكبِّل‭ ‬انطلاقته،‭ ‬وتحد‭ ‬من‭ ‬تحقق‭ ‬حلمه،‭ ‬هذا‭ ‬الذي‭ ‬بدأ‭ ‬ضائعا‭ ‬وظل‭ ‬عبوره‭ ‬إلى‭ ‬دنيا‭ ‬النور‭ ‬مستحيلاً‭.‬

 

المرتبة‭ ‬الثالثة‭:  ‬‮«‬واجهة‭ ‬العرض‮»‬‭ ‬لـ‭ ‬أسماء‭ ‬رمضان‭ ‬محمد‭ ‬علي‭ / ‬مصر

تبدو‭ ‬هذه‭ ‬القصة‭ ‬مختلفة‭ ‬عن‭ ‬سابقتيها،‭ ‬على‭ ‬مستوى‭ ‬طبيعة‭ ‬المحكي‭ ‬وشخصياته‭ ‬فيها؛‭ ‬فهي‭ ‬قصة،‭ ‬خلافاً‭ ‬لقصص‭ ‬أخرى،‭ ‬تتخذ‭ ‬من‭ ‬الفساتين‭ (‬الألبسة‭) ‬شخصيات‭ ‬لها،‭ ‬إذ‭ ‬تمنحها‭ ‬الكاتبة‭ ‬الصوت‭ ‬وتنفخ‭ ‬فيها‭ ‬الروح،‭ ‬لتعبر‭ ‬عن‭ ‬مشاعرها‭ ‬تجاه‭ ‬مصائرها،‭ ‬سواء‭ ‬وهي‭ ‬معروضة‭ ‬في‭ ‬الواجهات‭ ‬الزجاجية‭ ‬للمتاجر،‭ ‬أو‭ ‬وهي‭ ‬في‭ ‬خزانة‭ ‬الملابس،‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬يتم‭ ‬اقتناؤها‭.‬

تكمن‭ ‬قيمة‭ ‬هذه‭ ‬القصة‭ ‬في‭ ‬كونها‭ ‬تقلِّب‭ ‬المنطق‭ ‬السردي‭ ‬فيها،‭ ‬إذ‭ ‬تجعل‭ ‬من‭ ‬الفساتين‭ ‬شخصيات‭ ‬رئيسة‭ ‬فيها،‭ ‬لها‭ ‬حيواتها‭ ‬وحكاياتها‭ ‬وأحلامها‭ ‬في‭ ‬مواجهات‭ ‬شخصيات‭ ‬أخرى،‭ ‬آدمية،‭ ‬تبدو‭ ‬فقط‭ ‬شخصيات‭ ‬عرضية‭ ‬ولا‭ ‬صوت‭ ‬لها‭ ‬في‭ ‬القصة‭.‬

وإذا‭ ‬كانت‭ ‬بعض‭ ‬السرود‭ ‬العربية‭ ‬تستثمر‭ ‬المكون‭ ‬الحيواني‭ ‬فيها‭ ‬لصوغ‭ ‬حكيها‭ ‬وبناء‭ ‬دلالاتها،‭ ‬فهذه‭ ‬القصة‭ ‬نجحت‭ ‬في‭ ‬تمرير‭ ‬محكيها‭ ‬القصصي‭ ‬على‭ ‬لسان‭ ‬الألبسة،‭ ‬وهي‭ ‬تحكي‭ ‬أحلامها‭ ‬بالاستقرار‭ ‬وبإدراك‭ ‬هوية‭ ‬من‭ ‬سيرتديها‭ ‬والاستمتاع‭ ‬برائحة‭ ‬مرتدياتها‭ ‬وبنتف‭ ‬من‭ ‬ذاكرتها‭ ‬وبتسارع‭ ‬نبضات‭ ‬قلبها،‭ ‬بغاية‭ ‬إدراك‭ ‬بعض‭ ‬من‭ ‬حياة،‭ ‬كما‭ ‬تقول‭ ‬القصة،‭ ‬لكنها‭ ‬أحلام‭ ‬سرعان‭ ‬ما‭ ‬تصطدم،‭ ‬في‭ ‬الأخير،‭ ‬بإكراهات‭ ‬اللاتحقق‭.‬

وعموماً،‭ ‬فإن‭ ‬هذه‭ ‬القصة،‭ ‬بما‭ ‬تحققه‭ ‬من‭ ‬فنية‭ ‬سردية،‭ ‬وبما‭ ‬تكشف‭ ‬عنه‭ ‬من‭ ‬دلالات‭ ‬موازية،‭ ‬إنما‭ ‬تراهن،‭ ‬عبر‭ ‬أسلوبها‭ ‬القصصي‭ ‬المختلف،‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬تشعرنا‭ ‬بأن‭ ‬المعاناة‭ ‬والفرح‭ ‬هما‭ ‬قدران‭ ‬مسلطان‭ ‬على‭ ‬الإنسان،‭ ‬في‭ ‬علاقته‭ ‬بذاته‭ ‬وبمحيطه‭ ‬وبأشيائه‭.‬

 

المرتبة‭ ‬الرابعة‭: ‬‮«‬ساعي‭ ‬الحياة‮»‬‭ ‬لـ‭ ‬بونيني‭ ‬طه‭ / ‬الجزائر

تكمن‭ ‬أهمية‭ ‬هذه‭ ‬القصة‭ ‬في‭ ‬كونها‭ ‬تتفاعل‭ ‬مع‭ ‬عالم‭ ‬جديد‭ ‬أصبح‭ ‬ملجأً‭ ‬وبديلاً‭ ‬جديداً‭ ‬لشبابنا،‭ ‬ألا‭ ‬وهو‭ ‬عالم‭ ‬التواصل‭ ‬الاجتماعي،‭ ‬أمام‭ ‬تسلط‭ ‬شبح‭ ‬البطالة‭ ‬في‭ ‬واقعنا‭ ‬الراهن‭.‬

القصة‭ ‬تحكي‭ ‬عن‭ ‬الشاب‭ ‬وليد‭ ‬الذي‭ ‬انخرط‭ ‬في‭ ‬بعض‭ ‬المجموعات‭ ‬بموقع‭ ‬التواصل‭ ‬الاجتماعي‭ ‬فيسبوك،‭ ‬إذ‭ ‬عاد‭ ‬بعد‭ ‬انقطاع‭ ‬مشاركاً‭ ‬فيه،‭ ‬ليثبت‭ ‬وجوده،‭ ‬فاتحاً‭ ‬في‭ ‬مجموعة‭ ‬موضوعا‭ ‬تارة،‭ ‬ومناقشاً‭ ‬منشوراً‭ ‬تارة‭ ‬أخرى‭.‬

لكن‭ ‬هذه‭ ‬العودة‭ ‬سرعان‭ ‬ما‭ ‬تعرض‭ ‬وليد‭ ‬لما‭ ‬يشبه‭ ‬الكابوس‭ ‬الذي‭ ‬أفاق‭ ‬منه‭ ‬فجأة،‭ ‬ليجد‭ ‬أنه‭ ‬كان‭ ‬يعيش‭ ‬داخل‭ ‬عالم‭ ‬افتراضي،‭ ‬وأنه‭ ‬كان‭ ‬يحلم‭ ‬فقط،‭ ‬ما‭ ‬يجعله‭ ‬في‭ ‬مواجهة‭ ‬جديدة‭ ‬لواقع‭ ‬من‭ ‬الفوضى‭ ‬وخراب‭ ‬النفس‭ ‬والغرفة؛‭ ‬واقع‭ ‬تُشكِّل‭ ‬البطالة‭ ‬أحد‭ ‬مولداته،‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬يطفو‭ ‬أمام‭ ‬عينيه‭ ‬استدعاء‭ ‬لحضور‭ ‬مسابقة‭ ‬توظيف‭.‬

وتختم‭ ‬القصة‭ ‬حكايتها،‭ ‬بإظهارها‭ ‬لوليد،‭ ‬وقد‭ ‬تخلص‭ ‬من‭ ‬حاسوبه‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬وضعه‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬مراعاة‭ ‬في‭ ‬ركن‭ ‬الغرفة،‭ ‬فسكنت‭ ‬أعصابه،‭ ‬ليباشر‭ ‬وضع‭ ‬برنامج‭ ‬للمراجعة‭.‬

إذن،‭ ‬هي‭ ‬قصة‭ ‬عن‭ ‬عالم‭ ‬الشباب‭ ‬وشبكة‭ ‬الإنترنت،‭ ‬بما‭ ‬تكشف‭ ‬عنه‭ ‬القصة‭ ‬من‭ ‬إكراهات‭ ‬تولدها‭ ‬الإنترنت،‭ ‬وقد‭ ‬بدا‭ ‬سالباً‭ ‬للشباب‭ ‬حرية‭ ‬التفكير‭ ‬في‭ ‬مستقبلهم‭ ‬الدراسي‭ ‬والمهني،‭ ‬إذ‭ ‬تمكنت‭ ‬هذه‭ ‬القصة‭ ‬من‭ ‬تمرير‭ ‬ذلك‭ ‬بشكل‭ ‬إبداعي‭ ‬جميل،‭ ‬بعيداً‭ ‬عن‭ ‬أي‭ ‬مباشرية‭ ‬أو‭ ‬وعظية‭.‬

 

المرتبة‭ ‬الخامسة‭: ‬‮«‬أنين‭ ‬الزجاج‮»‬‭  ‬لـ‭ ‬قادة‭ ‬بن‭ ‬سلطان‭ ‬صفية‭ / ‬الجزائر

هي‭ ‬قصة‭ ‬حب‭ ‬ريفية،‭ ‬بين‭ ‬الفتاة‭ ‬بلقيس،‭ ‬التي‭ ‬لم‭ ‬تبلغ‭ ‬العشرين‭ ‬من‭ ‬عمرها‭ ‬بعد،‭ ‬والتي‭ ‬اعتادت‭ ‬على‭ ‬الأعمال‭ ‬الشاقة‭ ‬في‭ ‬كوخها‭ ‬الريفي‭ ‬البارد،‭ ‬الذي‭ ‬تعيش‭ ‬فيه‭ ‬مع‭ ‬والدتها‭ ‬المتسلطة،‭ ‬في‭ ‬غياب‭ ‬والدها‭ ‬المتوفى،‭ ‬الذي‭ ‬كان‭ ‬قد‭ ‬منعها‭ ‬من‭ ‬دخول‭ ‬المدارس،‭ ‬وبين‭ ‬راعي‭ ‬الغنم،‭ ‬سليمان،‭ ‬الذي‭ ‬يعيش‭ ‬مع‭ ‬خاله،‭ ‬كما‭ ‬يعيش‭ ‬صدمة‭ ‬فراق‭ ‬قريب،‭ ‬إثر‭ ‬ما‭ ‬تعانيه‭ ‬أمه‭ ‬الطيبة‭ ‬المطلقة،‭ ‬نتيجة‭ ‬إصابتها‭ ‬بالسرطان‭.‬

داخل‭ ‬هذه‭ ‬الأجواء‭ ‬المفارقة،‭ ‬المليئة‭ ‬بالحب‭ ‬والجنون‭ ‬والمشاعر‭ ‬والأحلام‭ ‬والألم‭ ‬والصدمات‭ ‬والمعاناة‭ ‬والقسوة‭ ‬والملل،‭ ‬يعيش‭ ‬كل‭ ‬من‭ ‬سليمان‭ ‬وبلقيس‭ ‬تجربة‭ ‬حب،‭ ‬ويخططان‭ ‬للاستقرار‭ ‬وتكوين‭ ‬أسرة،‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬تفاجئهما‭ ‬رغبة‭ ‬خال‭ ‬سليمان،‭ ‬هو‭ ‬أيضاً،‭ ‬في‭ ‬الزواج‭ ‬ببلقيس،‭ ‬ليختار‭ ‬العشيقان‭ ‬الهروب‭ ‬إلى‭ ‬المدينة،‭ ‬حيث‭ ‬الحرية‭ ‬والأمان،‭ ‬بعيداً‭ ‬عن‭ ‬جشع‭ ‬الخال،‭ ‬وقساوة‭ ‬أم‭ ‬بلقيس،‭ ‬وألم‭ ‬أم‭ ‬سليمان‭.‬

لكن‭ ‬قرار‭ ‬الهروب‭ ‬من‭ ‬الواقع‭ ‬لم‭ ‬يصمد‭ ‬كثيراً،‭ ‬إذ‭ ‬قرر‭ ‬الحبيبان‭ ‬العودة‭ ‬إلى‭ ‬القرية،‭ ‬لكن‭ ‬لعنة‭ ‬الظلام،‭ ‬وغزارة‭ ‬المطر،‭ ‬جعلتا‭ ‬سائق‭ ‬التاكسي‭ ‬ينحرف‭ ‬عن‭ ‬الطريق،‭ ‬لتنقلب‭ ‬السيارة‭ ‬وتنفجر،‭ ‬ويلقى‭ ‬سليمان‭ ‬حتفه‭.‬

هكذا،‭ ‬إذن،‭ ‬تقدم‭ ‬لنا‭ ‬هذه‭ ‬القصة،‭ ‬بكثافة‭ ‬سردية،‭ ‬حكاية‭ ‬حب‭ ‬تقليدية‭ ‬موقوفة‭ ‬التنفيذ،‭ ‬في‭ ‬ريف‭ ‬بشمال‭ ‬إفريقيا،‭ ‬وداخل‭ ‬عوالم‭ ‬مشحونة‭ ‬بالرغائب‭ ‬والإكراهات،‭ ‬في‭ ‬تمثلها‭ ‬لشخصيات‭ ‬مفارقة،‭ ‬تعيش‭ ‬أزمة‭ ‬وجود‭ ‬وقلق‭ ‬وخيبات‭ ‬أمل،‭ ‬وهي‭ ‬تبحث‭ ‬عن‭ ‬خلاص‭ ‬محتمل‭ ‬لمصائرها،‭ ‬إذ‭ ‬يصبح‭ ‬الصمت‭ ‬إلى‭ ‬الأبد‭ ‬عند‭ ‬بلقيس،‭ ‬بعد‭ ‬وفاة‭ ‬سليمان،‭ ‬هو‭ ‬ما‭ ‬يعوض،‭ ‬بالنسبة‭ ‬إليها،‭ ‬سعادة‭ ‬مؤقتة‭ ‬لم‭ ‬تعرف‭ ‬طريقها‭ ‬إلى‭ ‬الاكتمال‭ .