السعادة حول العالم: ما الجديد؟

السعادة حول العالم: ما الجديد؟

تندرج مبادرة المدارس الخضراء تحت برنامج دولي يضم آلاف المدارس من جميع المراحل حول العالم، يستخدم مدخل المـدرسة Whole School Approach لـجعل الـوعي البيئي جزءاً جوهرياً من روح المدرسة، وتشجيع المشاركة في تحمُّل المسؤولية البيئية من جانب الطلاب والمعلمين وأولياء الأمور والسلطات المحلية ووسائل الإعلام وقطاع الأعمال المحلي الذي يساهم بالتمويل.

قد يبدو الحديث عن السعادة هذه الأيام ضرباً من الترف أو حديثاً خارج السياق. وكيف لا والبؤس يضرب منطقتنا كالإعصار, ووافر الحظ من أدرك لقمة العيش كفاف يومه ولم يُضْطرَ لركوب الصعب بحثاً عن أمان مفقود ومستقبل كريم. لكن قراءة متأنية في تقرير السعادة العالمية الثالث قد تغير النظرة المتشائمة قليلاً وتفتح باباً جديداً للأمل.

قليل من التاريخ
شكّلَ صدورُ تقرير السعادة العالمية الأول في عام 2012 نقطةَ تحول في الجهد الأممي المشترك والساعي لحياة أفضل, وقد استقى التقرير معلوماته آنذاك من  مصادر متعددة كان أبرزها نتائج الدراسات والاستبـيانات التي أجرتها مؤسسة غالوب Gallup في 156 دولة حول العالم, وقد لقي التقرير عند صدوره اهتماماً واسعاً وجاوز عدد قرائه حاجز المليون، واستمر نجاحه عام 2013 مع إصداره الثاني الذي رعته شبكة حلول التنمية المستدامة (SDSN) التابعة للأمم المتحدة. وقد قطع العالم منذ ذلك الوقت شوطاً واسعاً في هذا المضمار, حيث تزايد استخدام مؤشرات هذا التقرير للدلالة على مستوى التقدم الاجتماعي في بلد ما, كما ازداد عدد الحكومات التي تلجأ إلى بياناته عند وضع سياساتها العامة، إضافة إلى أنه بُدِئَ بالنظر جدياً إلى بحوث السعادة Happiness والرفاه well-being الاجتماعي مرشداً في مجال تقديم الخدمات العامة وتقييم أدائها. ويشكل عام 2015 محطة مهمة في هذا المسار إذ يُتَوَقّعُ لمنظمة الأمم المتحدة أن تتبنى في سبتمبر الجاري أهداف التنمية المستدامة (SDGs) التي يُؤْمَلُ أن تُبَصّر المجتمع الدولي بأنماط للتنمية أكثر شمولاً ودواماً من ذي قبل.   
و قد نُحِتَ مصطلح «التنمية المستدامة» ليُعَبّر عن مفهوم نظري يقضي بتمكين المجتمعات المختلفة من العمل على تحقيق التوازن بين أهدافها الاقتصادية والاجتماعية والبيئية. وبما أن محاولة تحسين الناتج القومي الإجمالي بطريقة غير متوازنة وعلى حساب الأهداف الاجتماعية الملحّة غالباً ما ينتقص من سعادة المجتمع ومن رفاه أفراده، فقد تمت صياغة أهداف التنمية المستدامة لتساعد البلدان المختلفة على تحقيق أهدافها المتنوعة في تناغم أفضل، ولتصل إلى مستويات أعلى من الرفاه المنشود. كما أن شبكة SDSN التي أصدرت التقرير حرصت على تضمينه أدوات ومؤشرات كمية لتساعد على ترشيد التقدم نحو هذه الأهداف وقياس ما تحقق منها.   

نظرة عامة
جاء تقرير السعادة العالمي الثالث لعام 2015 في ما يزيد على 170 صفحة، وتضمن ثمانية فصول، كان أولها مقدمة ضافـية زوَّدتنا بخلفية عامة عن مصادر التقرير، وشرحت سبل  البحث والطرائق التي اتبعت لجمع المعلومات وقدمت ملخصاً لما يليها من فصول. وتناول بعدها الفصل الثاني ملامح التوزع الجغرافي للسعادة، وفَصَّـل في شرح أشهر المؤشرات المستخدمة عادة لهذا الغرض كمؤشري Gallup/Healthways Well-Being Index 
وLegatum Prosperity Index   على سبيل المثال وبَـيّـنَ أوجه قصورها ولماذا اعتمد التقريرُ بدلاً عنها على معلومات مُسْتَقاةٍ من إجابات الأفراد وتقييمهم لحياتهم ومشاعرهم الإيجابية والسلبية وفقاً لِستّة متغيرات على سُلّم كانتريل Cantril ladder  (هي حصة الفرد من الناتج القومي الإجمالي وتوقعات الأعمار الخالية من المرض وحرية الأفراد باتخاذ القرارات والشعور الشخصي بالثقة ودرجة التكافل الاجتماعي وأعمال الخير وأخيراً مستوى الفساد العام). ولا عَجَبَ عندها أن جاءت الدول العشر الأولى على سلّم المؤشر هذا من دول الغرب الصناعية، أما العشر الأواخر فقد جاءت كلها من إفريقيا باستثناء أفغانستان وسوريا.  ويقدم التقرير هنا وبقصد المقارنة مفهوماً مجرداً أسماه «عالم الواقع المرير» Dystopia. 
وهو مكان مُتَخَيّلٌ كل ما فيه سيئ وباعث على القنوط وتقع قيم متغيراته الستة المذكورة آنفاً في أدنى المستويات المرصودة عالمياً, عندها تبدو دولة توجو (الدولة الإفريقية القابعة في أسفل السلم) أفضل حالاً منه.

الجغرافية وأمور أخرى
ويوضح التقرير أيضاً التغيرات الحاصلة على مؤشرات السعادة بين فَتْرَتَيْ 2005 - 2007 و2012 - 2014 صعوداً وهبوطاً. وقد جاءت موريتانيا و«المناطق الفلسطينية» والكويت والإمارات العربية المتحدة وتركـيا من بين دول مجموعة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا التي شهدت تحسناً في هذه المؤشرات. وتُعَلَّلُ نتائج التحسن هنا بعوامل متعددة، أهمها ما يدعوه التقرير بارتفاع «رأس المال المجتمعي» المرتكز على الثقة والتماسك الاجتماعي. أمّا بقـية دول المنطقة التي شملها هذا الجزء من التقرير فقد شهدت تراجعاً كان أخفه في لبنان وأسوؤه في مصر، بينما جاءت اليونان في أدنى القائمة. 
ويسهب الفصل الثالث في الحديث عن اختلاف قِيَمِ مؤشرات السعادة باختلاف العمر والجنس والموقع من العالم (قُسّمَ العالم في هذا التقرير إلى تسع مناطق جغرافية). والنقطة الأبرز في هذا السياق هي التأكيد أن الاختلافات بسبب العمر (يافعين وشيوخاً) والجنس (ذكوراً وإناثاً) صغيرة جداً، مقارنة بتلك القائمة بين الدول المختلفة وموقعها على سُلَّم المؤشر (أسفله أو أعلاه), فالفارق بين الدول العشر الأوائل وتلك الأواخر يبلغ 4 نقاط (من أصل 10 نقاط هي مجموع نقاط السلم)  أي أكثر بسبع مرات عن الفارق الناجم عن اختلاف العمر وبخمسين مرة عن الفارق بسبب اختلاف الجنس. وينبغي التنبيه هنا إلى أن الاختلافات المناطقية الواسعة تجعل المؤشرات الخاصة بكل منطقة أكثر دقة وأصدق دلالةً على واقع الحال من تلك المؤشرات المبنية على بيانات مأخوذة على مستوى العالم.   
أما الفصل الرابع فقد شمل تحليلاً معمَّقاً للكلفة والمردود وخُصِّص في معظمه للحديث عن العلاقة الجدلية بين المكاسب المتوقعة والكلفة المحتسبة للسياسات العامة ولضرورة أن يؤخذ عنصر السعادة الفردية في الحسبان إذا ما أريد لهذه السياسات أن ترتد بالنفع، وأن تحوز الرضا. وختم الفصل بتوصيات شددت على الحاجة إلى إجراء مزيد من البحوث العلمية في أسباب السعادة وكيفية تعزيزها وضرورة أن تطور الحكومات طرائق جديدة لتحليل السياسات، تنظر إلى السعادة كمقياس جدي للنفع العام، مادام الهدف المعلن للبرامج الحكومية على اختلافها هو إسعاد الناس وتخليصهم من البؤس.

وللعلم كلمته أيضاً
ويتحدث الفصل الخامس عن الجانب العلمي للسعادة ويسوق جانباً من أحدث الأبحاث في هذا الصدد, فقد دلت هذه الدراسات على أن شعور المرء بالسعادة غالباً ما يكون مرتفعاً عندما يكون أكثر قدرة على الاحتفاظ بمشاعره الإيجابية والتعافي بسرعة من تجاربه السلبية والانخراط في أعمال التعاضد الاجتماعي والتعبير عن مستويات عالية من حضور الذهن ويقظته. كما وُجِدَ أنّ عوامل شخصية بعينها - كاعتناق هدف في الحياة أو الحفاظ على علاقات إيجابية مع الآخرين - يكون لها أبلغ الأثر أحياناً في اجتراح السعادة وديمومتها. 
 أما الفصل السادس فيتناول قضية السعادة لدى الأطفال واليافعين والعوامل المؤثرة فيها، وعلى رأسها الأسرة والمنظمات المجتمعية (وأهمها المدرسة). ويتحدث التقرير عن ثلاثة مؤشرات تحدد تطور الطفل ومستقبل سعادته, وهي الانفعالات والسلوك والتحصيل الدراسي, ويجادل بأن تطور الأطفال العاطفي (أو الانفعالي) هو أهم المؤشرات على مستوى سعادتهم لاحقاً، أما المؤشر الأكاديمي - وخلافاً للشائع - فهو الأقل دلالة. ويركز التقرير على آثار الأمراض النفسية ووجوب الوقاية منها وعلاجها, ففي العالم ما يزيد على 200 مليون طفل يعانون من أمراض نفسية تستدعي علاجاً، لكن معظمهم لا يحصلون عليه. ومن المؤسف أن العالم العربي (منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا كما يشير إليها التقرير) يعاني أكثر من غيره في هذا المجال. 

الجانب القيمي
ويتعمَّق الفصل السابع في نقاش الجانب الأخلاقي والقيمي للمسألة ويبحث في التآزر المجتمعي والدور الذي يلعبه في سعادة الأفراد وانعكاس ذلك على دورة الحياة الاقتصادية. ويُرْجِعُ التقرير جذور المشكلة إلى عيوب منهجية تَتَبدّى في النظرة الفلسفية التي ترى الإنسان كائناً أنانياً تحدوه دوماً مصالحه الفردية ولا شيء غيرها, وفي مقولة إن المؤسسات الناجحة بحق هي تلك التي تزيد من أرباحها باستمرار, وفي التعريف المختل للقيمة (value) الذي يربطها بالجانب الاقتصادي للمسألة فحسب. ودلّـل التقرير على ذلك بنجاح نموذج الاقتصاد الأهلي الإيطالي, الذي يؤكد صيغة تبادل المنفعة بين الفرد والمجتمع. وأورد في هذا السياق دراسات علمية بينت أهمية العلاقات الاجتماعية الإيجابية في تعزيز السلوك الرافد للاقتصاد والباعث على السعادة. 
ويستفيض الفصل الثامن في مناقشة مسألة الاستثمار في رأس المال المجتمعي، إذ يعتمد رفاه الأفراد بشكل كبير - كما يرى التقرير - على سلوكهم الموالي للمجتمع (Pro-social) وهو ما يعني اتخاذهم لقراراتٍ تفيد المصلحة العامة حتى لو تعارضت على المدى القصير مع دوافعهم الأنانية، فالحياة تعج بالمواقف التي تضع الحوافز الفردية أحياناً في تناقض صارخ مع المصالح العامة, في مثل هذه الحالات تصبح أنماط السلوك الموالي للمجتمع - كالصدق والإحسان والتعاون - طريقاً معبداً لأفضل النتائج، كما يناقش هذا الفصل مسارات مختلفة لتنمية رأس المال الاجتماعي, كالارتقاء بالتعليم وإقرار لوائح للسلوك المهني المقبول واتباع سياسات 
عامة تحقق عدالة أكبر في توزيع المنافع المجتمعية.

كلمة أخيرة
باختصار, يبدو الجانب الاجتماعي حاضراً بقوة في كل فصول التقرير، فجميع معايير الرفاه ومقاييس السعادة التي يتبناها تتأثر بشدة بجودة المؤسسات الاجتماعية المحيطة بالفرد (كالأسرة والأصدقاء). ويشدد التقرير أيضاً على أن توافر مُدْخَلات اجتماعية جيدة كالثقة والتعاطف والشعور بالأمان، يُثْري حياة الأمم والأفراد على السواء, وأنه عندما تتجذر هذه العوامل جيداً تصبح المجتمعات أكثر مرونة واحتمالاً للمصاعب ويمكن عندها حتى للكوارث أن تزيد من تماسك المجتمع وشعور أفراده بالسعادة.
ويكمن التحدي القائم أمام المهتمين وصناع القرار- حسب التقرير- في ضمان اعتماد سياسات تعزز من النسيج الاجتماعي، وفي إيلاء اهتمام أكبر لمستويات الرفاه الفردي وتنمية مصادره, وفي التعاطف الصادق والشعور العالي بالمسؤولية تجاه الأجيال الحالية والمستقبلية .