خليل مطران فاتحة الرومانسية وصوت التجديد

خليل مطران فاتحة الرومانسية وصوت التجديد

هو ثالث ثلاثة من أبرز شعراء جيله، أولهم شوقي وثانيهم حافظ. لكن شهرتهما الطاغية جنت عليه، فلم يلْقَ مثل حظهما، ولم يتح لشعره من الذيوع بعض ما أتيح لهما، وانسكبت شخصيته الإنسانية – المتسمة بالحياء والخجل وعدم المزاحمة – على شعره، الذي علت فيه نبرة الهمس، في مقابل الجهارة عند رفيقيه. وهكذا، أصبح شاعر القطرين، خليل مطران، مكتفيًا بأن يُقرن مع الشاعرين الكبيرين، حتى لو جاء بعدهما في الترتيب، وذيوع الصيت، والدوران على الألسنة والأقلام.

أما الذين أتيح لهم أن يتأملوا شعر الثلاثة، فيدركون أن مطران كان أكثرهم نزوعًا إلى التجديد، واغترافًا من الآداب العالمية والشعر العالمي، ورغبة في أن تكون لغته بعيدة عن التقليد والخضوع للموروث القديم، منفردًا بعدد من التجارب والحالات الشعرية النزّاعة إلى التأمل، ومعانقة الفكر، واستقطار معنى الحياة والوجود، بالرغم من مجاراته لهم في شعر المراثي والمناسبات والإخوانيات والوطنيات والغزل والنسيب.
أما الإشارات والعلامات التي تكشف عن ميله إلى التجديد لغة وشعرًا وفكرًا، فتتمثل في اهتمامه بالمسرح والتمثيل وتكوين بعض الفرق التمثيلية، وترجمة عديد من المسرحيات عن الفرنسية – من أجلها – مثل «هرناني» لفيكتور هوجو، و«بوليو كيت» و«السيِّد» لكورني، و«مكبث» و«هاملت»  و«عطيل» و«تاجر البندقية» و«الملك لير» و«العاصفة» لشكسبير، الأمر الذي طغى على وجوده الشعري بفضل ذيوع شهرته المسرحية، لكن غوصه في عالم الدراما المسرحية مترجمًا منح شعره سمات درامية تمثلت في المواقف والحوارات التي امتلأت بها قصائده.
كما تتمثل هذه النزعة التجديدية لديه في توليه رئاسة جماعة أبولّو بعد رحيل أحمد شوقي، وكان يرى في شعر هذه الجماعة، الرومانسية الطابع، نزعة تجديدية ثورية وخروجًا على المألوف، ورغبة في إبداع تيار شعري يغاير التقليدية السائدة، والمباشرة المتحكمة، وهو الموقف الذي جعله مؤيدًا لها ومناصرًا لإبداعها.
وعندما رحل مطران – اللبناني الأصل المصري الإقامة – عن سبعة وسبعين عامًا (1872 – 1949)، كان قد أصدر ديوانه في أجزائه الأربعة، التي تمثَّل فيها اهتمامه التجديدي الواضح بالقصة الشعرية المستمدة من التاريخ القديم، وما أطلق على بعضه اسم الملاحم مثل «بزرجمهر» و«شيخ أثينة» و«نيرون». كما يتجلى في ديوانه تطبيقه لآرائه في مفهوم الشعر وغاياته وأساليبه، وبخاصة في معنى الصورة الشعرية والوحدة الفنية للقصيدة، وهو ما أكده الناقد الراحل علي عشري زايد في كتابته عن مطران ضمن قاموس الأدب العربي الحديث.
يقول مطران، كاشفًا عن نزعته التحررية ومقاومته لتسلط المحتل الغاصب:
شرّدوا أخيارها بحرًا وَبرّا
واقتلوا أحرارها حُرًّا فحُرّا
إنما الصالح يبقى صالحًا
آخر الدهر ويبقى الشرُّ شرّا
كسِّروا الأقلام هل تكسيرُها
يمنع الأيديَ أن تنقش صخرا؟
قطِّعوا الأيديَ هل تقطيعُها
يمنعُ الأعينَ أن تنظر شزْرا؟
أخمدوا الأنفاس، هذا جُهدكم
وبه منجاتُنا منكم فشكرا!
ويعتب مطران على اللغة العربية وأهلها، الذين آثروا عليها في الكلام والكتابة لغات أخرى، فشاعت العجمة على الألسنة والأقلام، وتراجعت اللغة المبينة المشرقة، التي تستجير بأمثال عميد الأدب العربي الدكتور طه حسين، فيقول:
سمعتُ بأذْن قلبي صوت عتْبٍ
له رقراقُ دمعٍ مُستهلِّ
تقول لأهلها الفصحى: «أعدلٌ
بربِّكمو اغترابي بين أهلي؟
ألستُ أنا التي بدمي وروحي
غَذتْ منهم وأَنُمت كلَّ طفلِ؟
أنا العربية المشهودُ فضلي
أأغدو اليوم، والمغمورُ فضْلي؟
إذا ما القوم باللغة استخفّوا
فضاعت، ما مصيرُ القوم؟ قل لي 
وما دعوى اتحادٍ في بلادٍ
وما دعوى ذِمارٍ مُستقلِّ؟
فساد القول فيه دليل عجزٍ
فهل معه يكون صلاحُ فِعْل؟
ويا فتيانه إن أخطأتني
مبرَّتكُم، فإنَّ الثُّكْلَ ثكلي
يحاربني الأُلى جحدوا جميلي
ولم تردعهم حُرمات أصلي
وفي القرآن إعجازٌ تجلَّتْ
حِلايَ بنورهِ أسْنى تجَلِّ
وللعلماء والأدباء فيما
نأتْ غاياتهُ مَهدْتُ سُبْلي
إذا ما كان في كلمي صعابٌ
فلا تأخذ كثيري بالأقلِّ
وهل لغة قديمًا أو حديثًا
تُعدُّ بوفرة الحسناتِ مثلي؟
ثم يقول مطران بعد أن ترك المجال للفصحى كي تتحدث بلسان حالها في ما مضى من الأبيات:
فيا أمَّ اللغات عداكِ منا
عقوقُ مساءةٍ، وعقوقُ جَهْلِ
لكِ العْودُ الحميدُ، فأنتِ شمسٌ
ولم يحجبْ شعاعكِ غيرُ ظلِّ
دعوْتٍ فهبَّ من شتى النواحي
ميامينٌ أولو حزمٍ ونُبْلِ
برأيٍ فيكِ يكفلُ أن تُردِّي
مكرَّمةً إلى أسمى مَحلِّ
يُنوِّرُ شعرهم في كلِّ وادٍ
ويُزهر نثرهم في كلِّ حقلِ
و«طه» في طليعة من أجابوا
يُهيئُ نهضةً في المُستهلِّ
بموفوريْه: من أدبٍ وفنٍّ
ومذخوريْه: من عقْلٍ ونقْلِ
يفيض كما يفيض النيل خِصْبًا
ويُحيي الحرْثَ في حَزْنِ وسهْلِ
ويبعثُ في شباب العصر روحًا
هو الروح الذي يبني ويُعلي
إذا ما حاول الفرسانُ جَلَّى
وخَلَّف شُقّةً دون المُصلِّي
فكيف به إذا ما شنَّ حرْبًا
على بِدع الضَّلولِ أو المُضِلِّ؟
وفي مناسبة ثانية، يلتفت شاعر القطرين خليل مطران إلى قضية تقدم اللغة العربية والعمل على تجديدها، وأن العيب – كل العيوب – هو في جهود سدنتها الذين لم يفسحوا لها في ميادين التطور والوفاء باحتياجات العصر، فيقول:
ماذا يريدُ من الحقيقة مُسقطُ
تكليفها عن نفسه بتوهّمِ؟
ماذا يريد من المعالى نائمٌ
والنجم مزدهرٌ لغير النوّم؟
لنعش معاش زماننا، ولننتهز
فُرصَ النجاح نفُزْ به أو نسلمِ
لن ترجع العربية الفصحى إلى 
ما كان منها في الزمان الأقدم
ما لم يعد ذاك الزمانُ وأهلُه
والعادُ والأخلاقُ حتَّى جُرهمِ
للجاهليّ لسانهُ، ومن الذي
ينفي من الفصحى لسان مُخضرَم؟
إنّ التجدد للسان حياتُه
ومن الذي يُحييه غيرُ المُقْدَمِ؟
في عصرنا للضاد فتحٌ باهرٌ
زيدت به فخرًا، فهل من مأثمِ؟
من فرّق الأخويْن يستبقان من 
طرُقٍ لرفعتها، أليس بمُجرم؟
وفي واحدة من خواطره الشعرية المحلِّقة التي يتأمل فيها الشاعر معاناته في الحياة والوجود مقارنًا بينه وبين الطائر الحرّ الطليق، المغرِّد بلغته التي يجيدها، وبيانٍ يجيده ليس كبيان البشر، فلا قيود عليه في التعبير، ولا هموم تسكن صدره كما يحدث للشاعر، يقول خليل مطران:
يا أيها الطائر المغنّي
بلا نثيرٍ ولا نظيم
من لي بشدوٍ طليقِ
كشدوك المطرب الرّخيم
فأنت تشدو بلا بيانٍ
وما تشاء المنى تجيدُ
ونحن باللفظ والمعالي
نعجز عن بعض ما نريدُ
أعرْ جناحيْكَ يا رفيق
أطِرْ وأمرحْ خليَّ بالْ
من ساكب النور لي رحيق 
وفُسْحة الجوّ لي مجالْ
أُشرقْ وأُغربْ بلا مرام
فلا مكانٌ ولا زمان
ولا هيامٌ إلا هيامي
بين السموات والجِنان
***
طرْ بي وأنت الأخ الرفيقِ
إلى مقرٍّ من الأنامْ
لا عذْر فيه ولا عقوق
ولا رياء ولا خصامْ
ما أجمل الكونَ عن قصيٍّ
وأبدعَ الأرض من علِ
لهاربٍ فاز بالرقيِّ
تنحطُّ عنه ويعتلي 
أعجبْ بمرأى هذي المباني
عَفَتْ كأنْ لم تكن ديارْ
وكيف صارت خُضْرُ الجنانِ
من ازدهارٍ إلى بوارْ؟
ما أبهج النور في عيوني
ما أطيب النفس في الخلاء
شفانيَ اللهُ من جُنوني
والبعد عن خلْقهِ شقاءْ
ومن القصائد البديعة، الناطقة بتجديده الشعري الجميل، ولغته المنسابة الناعمة، وصوره الناطقة عطرًا ولونًا وظلالاً، قصيدته «من غريب إلى عصفورة مغتربة»، يقول في تقديمها: «نُظمت في جنيف، بقرب تمثال جان جاك روسو، وقد رأى الشاعر على شجرة طائرًا يشبه أن يكون مصريًّا. وهي خطرة فكرٍ للناظم ألِفَ أن يرسل مثلها في موعد من كل عام، تحية إلى فقيد عزيز في عالم الغيب. وقد جعل مدارها في هذه القصيدة على عصفورة اشتبهت عليه بين أن تكون مجلوبة من مصر للاتجار، أو قاطعة من قواطع الأطيار». ثم يقول:
يا من شكتْ ألمي معي
طيَّبْتهِ في مسمعي
شكواكِ ألطف بلسمِ
لجراحةِ المتوجِّعِ
ما أَعْلقَ الشدو الرخيمَ
بكلّ قلبٍ مُولعِ 
غنِّي أهازيج النّوى
وعلى نُواحي وقِّعي
بنت «الكنانةِ» ما رمى
بك بين هذي الأربُع؟
فيم اغتربْت ِوكنتِ في
ذاك الأمانِ الأمنع؟
أحُمْلتِ مَحْملَ سلعةٍ
جلبًا بغير تطوّعِ؟
ففررْتِ من قفص الكفيــــــــ
ـلِ إلى الفضاءِ الأوسعِ
وبودّكِ العوْدُ القريـــ
ـب لِسرْبِك المتمنّع
في «مصر» مَصْرخةِ اللّهيـــ
ـفِ، وملجأ المتفزّعِ
«مصْرِ» السماءِ الصحو «مِصْرِ» الــــ
ـدفْءِ «مصرِ» المَشْبعِ
«مصر» التي ما ريع ســـا
كنُها بِريحٍ زَعْزعِ
حيثُ المراعي والنّدى
للمرتوِي والمُرْتعي
حيث السّواقي الحانيا
تُ على الطيور الرُّضَّعِ
حيث الحرارة، ما تُوا
لِ ربيبها يترعْرعِ
أم أنتِ من تلك الجوا
لي في الفصول الأربع 
لا تعرفين من الزّمانِ 
سوى المكانِ المُمرِع
تثبين من مُتربّعٍ
أبدًا إلى مُتربّعِ
بهدايةٍ صحّت على
طلبِ الأحبِّ الأنفعِ
وثقوبِ فكرٍ فى التوجُّهِ
واختيار المَنْجع
وغَناءِ رأيٍ عن دلاَ
لةِ إبرةٍ أو مَهْيعِ
وقناعةٍ من قسمةٍ
لكِ عند خير مُوزِّعِ
في السِّرْبِ أنّى سار لا
تخشيْنَ سوءَ الموقعِ
ثم يقول خليل مطران:
باليُمْنِ يا غرّيدة الوا
دي إلى الوادي ارجِعي
إني لأسمعُ في غنا
ئكِ رَقْرقاتِ الأدمعِ
ويروعني شجنٌ به
كشجًى بِحلْقِ مُودّعِ
تلك البراعة ما استتمَّـ
ـت في جمالٍ أَبرعِ

***
سيري وولّي صدرك الـــ
ـمشتاق شَطْرَ المرْبِع
حتى إذا ما جِئْتهِ
وشرعْتِ أعذبَ مَشْرعِ
وشدوْتِ ما شاء السُّرو
ر على ارتقاصِ الأفرُعِ
عوجي ببستانٍ هُنا
لك في العراءِ مُضيّع
صفصافهُ مُتناوحٌ
والنّوْرُ بادي المدمعِ
لي في ثراهُ دفينةٌ
كالكنز في المستودع
تُخفي الأزاهرُ قَبْرَهَا
عن أعين المتطلعِ
كانت مثالاً للمحا
سنِ، في مثالٍ أروعِ
فتحوَّلت لُطْفًا إلى
طَيْفٍ أَرقَّ وأبدعِ
طيفٍ يشفُّ به البلى
عن رفعة وتمنّعِ
قولي له إن جْئتهِ
يا أُنْسَ هذا البلقعِ
أتحسُّ في هذا الثرى
نبَضان قلبٍ موجعِ
هذا حنينٌ من فؤا
دِ مُحبِّك المتُفجّعِ
عَدتِ العوادي جسْمَهُ
عن قرب هذا المضْجع
فمضى بأحزنِ ما يكو
ن أخو الأسى وبأجزعِ
    والقصيدة طويلة، وقد اجتزأت منها بعض مقاطعها لأكشف عن هذا النَّفَس الشعري الذي يجعل من مطران رائدًا من رواد الشعر الرومانسي في مصر، والعالم العربي، قبل أن يتمثل في هتفات شعراء جماعة أبولو، وما كان يصل إلى الشرق – بين الحين والحين – من أنغام شعراء المهجر الأمريكي: الشماليّ والجنوبيّ.
هذا النَّفس الرومانسيّ، وهذه الوجدانية العاطفية –في لغة بعض النقاد– جعلا من شعر مطران خزانًا جعله زاخرًا بوقفاتٍ تأملية لم يسبقه إليها أحد من شعراء العصر الحديث، من هنا كانت عناوين قصائده: الزهر، الوردتان، النرجسة، الحمامتان، الوردة والزنبقة، المساء، الزنبقة، الشاعر والطائر، زهرة ساهرتني، نفحة الزهر، وردة ماتت، من غريب إلى عصفورة مغتربة، وردة بيضاء، الصبابة السكرى، حكاية وردة، النوارة أو زهرة المرغريت، في الغابة، غصن من زهر المشمش، بنفسجة في عروة، البنفسجة بمنزلة إشارات ونجوم لوامع تؤكد هذا الطابع الشعري لمطران، وهذه الحياة الشعرية الداخلية الغنية، بينه وبين ذاته، أو بينه وبين وجدانه، بعيدًا عن صخب الحياة، واصطراع حراك المجتمع، وتقلبات السياسة وفساد النفوس. وهو ما لاحظه صانع مختاراته –الناقد والمترجم الدكتور محمد عناني– حين استوقفته هذه النماذج من شعر مطران قبل غيرها لأنها الألصق بطبيعته والأدلُّ على شاعريته، وعلى طريقه المتفرد في الشعر، وعلى امتلاء وجدانه بما ترسَّب فيه من قراءاته في الآداب العالمية وبخاصة في الشعر الفرنسي الذي عشقه وغاص فيه إبّان إقامته في فرنسا زمن الشباب وطلب العلم. وفي ختام هذه الرحلة الثرية مع حديقة مطران الشعرية، يستوقفنا الشاعر وهو يوقِّع على وتره الأخير لحن الرضا وسكينة النفس، ويقول فيما يشبه قصيدة الوداع:
ماذا يريد الشعر مني؟
أخْنى عليه عُلوّ سنِّي
هل كان ما ذهبت به الأيّا
م من أدبي وفني؟
أحسنتُ ظني، والليا
لي لم توافق حُسْن ظَنِّي
ورجعْتُ من سوقٍ عرضْـــ
ـتُ بضاعتي فيها بِغبْنِ
أفكان ذلك ذَنْبَها
أم كان ذنبي، لا تَسَلْني
خَمدتْ بيَ النارُ التي 
رفعتْ بعين العصْرِ شأني
هي شعلةٌ كانت تُثيــــ
ـر قريحتي وتنيرُ ذهني
أيام لي طربٌ وقلـْ
ـبي موقعُ السهمِ المُرِنِّ
لا تندُبنِّي للعَظا
ئمِ بعدها، لا تندُبنِّي
زمني تولّى، والأُلى
عمروهُ من صحبي، فدعْني
ولَّى الربيعُ وجفَّ عو 
دي، وانقضى عهدُ التغنيّ
وعَدِمْتُ لذّاتِ الرؤى
وعَدِمْتُ لذّاتِ التمنِّي
إني ختْمتُ العيْشَ في 
وادي المخيلةِ، أو كأنّي
فإذا بَدَتْ لك همّةٌ
من دائبٍ يشقى ويبني
فعذيرهُ خوفُ التشبُّـ
ـــه، بالرَّحى من غير طِحْنِ
ويكدُّ كدَّ النَّحْلِ وهـــــ
ـي لغيرها تسعى وتجني
أرضى بأن تُقْضى مُنًى
للآخرين، وإن عدتْني
أُخلي مكانيَ للذي 
يسمو إليه بغير حُزْنِ
ولقد أَهشُّ لمن يطا
ولني، وإن يك تحْتَ ضِبْني
إنّ الحقيقةَ حين نبْـــ
ـلُغها، لَتكفينا وتُغني
فيها الجلالُ بكلِّ معــــــ
ـناهُ، وفيها كلُّ حُسْنِ
تتشابهُ التَّركات في 
أنّا نُعدُّ لها ونَقْني
فإذا تولّيْنا، فهل
أسماؤنا عنّا ستُغْني؟
إن نبْقَ والأرواحُ قد
ذَهَبتْ، فما الأسماءُ تعْني؟
لو لم يكن في الذكر للــــ
أعقابِ نفعٌ لم يشُقْني
أما الجزاءُ فإنيَ اسْـ
ـتَوْفيتُ منه فوق وزني
في الحاضر استسلفتُ ما
سيقوله التّالون عني!
وها هو ذا شاعر القطرين خليل مطران، يقول المنصفون له إنه رائد التجديد، الذي فتح أبوابًا، وأطلق أشرعةً، وعبّد دروبًا، ووضع في طريق الإبداع الشعري –في عصرنا الحديث– صُوىً وعلامات ناطقة بشاعريته المتفردة، الهامسة والحييّة، والبعيدة عن الجهارة والمباشرة، والـمُغتنية بذاتها من غير حاجة إلى صخبٍ أو ضجيج، يصنعه مخلصون أو متابعون.
وسيبقى ثالث الشعراء الثلاثة: شوقي وحافظ ومطران، في ذاكرة الشعر العربي الحديث ودورانه على الألسنة والأقلام وترًا لا يماثل غيره من الأوتار، ولا يماثلُه غيرهُ مهما التَفَتَ إليه واستدار.