صحائف مَطْوِيَّة من «مَقَامات السيوطي»

صحائف مَطْوِيَّة  من «مَقَامات السيوطي»

من‭ ‬يراجع‭ ‬حركة‭ ‬المشهد‭ ‬الثقافي‭ ‬العربي‭ ‬في‭ ‬العقدين‭ ‬الأخيرين،‭ ‬يجد‭ ‬أنه‭ ‬لم‭ ‬يكد‭ ‬يخلو‭ ‬عامٌ‭ ‬في‭ ‬عموم‭ ‬الوطن‭ ‬العربي‭ ‬من‭ ‬حالات‭ ‬الحذف‭ ‬والإقصاء‭ ‬والمصادرة‭ ‬لما‭ ‬ينشر‭ ‬من‭ ‬الأعمال‭ ‬الإبداعية‭ ‬والدراسات‭ ‬العلمية‭ ‬وحتى‭ ‬كتب‭ ‬التراث‭. ‬والحال‭ ‬أن‭ ‬بعض‭ ‬الكتب‭ ‬يتم‭ ‬تشويهها‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬تخرج‭ ‬إلى‭ ‬الناس،‭ ‬إما‭ ‬بحذف‭ ‬عبارات‭ ‬أو‭ ‬قسم‭ ‬منها،‭ ‬وإما‭ ‬بمصادرة‭ ‬المطبوع‭ ‬وسحبه‭ ‬من‭ ‬السوق،‭ ‬في‭ ‬حين‭ ‬أن‭ ‬الجزء‭ ‬الأكبر‭ ‬منها‭ ‬يخرج‭ ‬مصحوباً‭ ‬بعاهة‭ ‬الحذف‭ ‬التي‭ ‬تتم‭ ‬بفعل‭ ‬الرقيب‭ ‬الداخلي‭ ‬للمؤلف،‭ ‬أو‭ ‬الخارجي،‭ ‬بدءاً‭ ‬من‭ ‬مؤسسة‭ ‬النشر‭ ‬ومروراً‭ ‬بأجهزة‭ ‬الدولة‭ ‬وانتهاء‭ ‬بالمجتمع‭.‬

ويجد‭ ‬المتأمل‭ ‬في‭ ‬بعض‭ ‬وقائع‭ ‬المصادرة‭ ‬أنها‭ ‬لا‭ ‬تبرز‭ ‬في‭ ‬الواقع‭ ‬بوصفها‭ ‬نتيجة‭ ‬لتوجه‭ ‬اجتماعي‭ ‬عام،‭ ‬وإنما‭ ‬تأتي‭ ‬استجابة‭ ‬لضغط‭ ‬جماعات‭ ‬معينة‭ ‬في‭ ‬المجتمع‭ ‬تستغل‭ ‬جهل‭ ‬الجماهير‭ ‬وتجعل‭ ‬من‭ ‬نفسها‭ ‬وصية‭ ‬عليها‭ ‬تحت‭ ‬مبرر‭ ‬حراسة‭ ‬أخلاق‭ ‬الجماعة‭ ‬وقيمها‭. ‬وبقدر‭ ‬ما‭ ‬يمثل‭ ‬هذا‭ ‬الوضع‭ ‬مؤشراً‭ ‬على‭ ‬وجود‭ ‬مناخ‭ ‬ثقافي‭ ‬غير‭ ‬صحي‭ ‬وخطير‭ ‬يحتاج‭ ‬إلى‭ ‬التنبه‭ ‬والدراسة‭ ‬لمعالجة‭ ‬منابعه‭ ‬وجذور‭ ‬تشكله،‭ ‬فإنه‭ ‬يتطلب‭ ‬وقفة‭ ‬جادة‭ ‬من‭ ‬قبل‭ ‬الكتَّاب‭ ‬والمؤسسات‭ ‬لمواجهة‭ ‬ما‭ ‬يتولد‭ ‬عنه‭ ‬من‭ ‬عنف‭ ‬وتعصُّب‭ ‬وصل‭ ‬في‭ ‬حالات‭ ‬معروفة‭ ‬إلى‭ ‬الاعتداء‭ ‬على‭ ‬بعض‭ ‬الكتاب‭ ‬والمبدعين،‭ ‬ومطاردة‭ ‬البعض‭ ‬في‭ ‬أروقة‭ ‬المحاكم‭ (‬مثل‭ ‬الدعاوى‭ ‬القضائية‭ ‬التي‭ ‬رفعها‭ ‬الشيخ‭ ‬يوسف‭ ‬البدري‭ ‬وغيره‭ ‬من‭ ‬المحتسبين‭ ‬الجدد‭ ‬في‭ ‬مصر‭ ‬على‭ ‬بعض‭ ‬المثقفين‭ ‬قبل‭ ‬عام‭ ‬2011‭). ‬وخطورة‭ ‬ما‭ ‬يجري‭ ‬لا‭ ‬تنحصر‭ ‬في‭ ‬أثره‭ ‬المباشر‭ ‬على‭ ‬هذه‭ ‬الحالات‭ ‬الفردية،‭ ‬وإنما‭ ‬تمتد‭ ‬إلى‭ ‬عمق‭ ‬العمل‭ ‬الثقافي‭ ‬وحرية‭ ‬البحث‭ ‬العلمي‭ ‬بصورة‭ ‬شاملة،‭ ‬والجديد‭ ‬في‭ ‬عملية‭ ‬المصادرة‭ ‬أنها‭ ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬تأتي‭ ‬كرد‭ ‬فعل‭ ‬بعد‭ ‬صدور‭ ‬الكتاب‭ ‬أو‭ ‬الإعلان‭ ‬عنه،‭ ‬وإنما‭ ‬تسبق‭ ‬عملية‭ ‬النشر‭ ‬ويقوم‭ ‬بها‭ ‬في‭ ‬الغالب‭ ‬الكاتب‭ ‬أو‭ ‬المترجم‭ ‬تحسباً‭ ‬لضغط‭ ‬تلك‭ ‬الجماعات،‭ ‬وتخوفاً‭ ‬من‭ ‬سطوة‭ ‬حضورها‭ ‬في‭ ‬الفضاء‭ ‬الاجتماعي‭ ‬وقدرتها‭ ‬على‭ ‬تحريك‭ ‬الجماهير‭. ‬وبذلك،‭ ‬أصبح‭ ‬الكاتب‭ - ‬بوعي‭ ‬أو‭ ‬بغير‭ ‬وعي‭ - ‬يمارس‭ ‬ما‭ ‬كان‭ ‬يعاني‭ ‬منه،‭ ‬فيشارك‭ ‬في‭ ‬دور‭ ‬الوصاية‭ ‬وحراسة‭ ‬حركة‭ ‬الثقافة‭ ‬حيناً،‭ ‬ويؤثر‭ ‬السلامة‭ ‬وراحة‭ ‬البال‭ ‬في‭ ‬كثيرٍ‭ ‬من‭ ‬الأحيان،‭ ‬فيحذف‭ ‬ويقصي‭ ‬ما‭ ‬يقع‭ ‬تحت‭ ‬سلطته‭ ‬من‭ ‬نصوص‭ ‬ودراسات‭ ‬علمية‭. ‬

وربما‭ ‬كانت‭ ‬الترجمة‭ ‬من‭ ‬أكثر‭ ‬الميادين‭ ‬عرضة‭ ‬للحذف‭ ‬والإقصاء‭ ‬نظراً‭ ‬لكونها‭ ‬تتم‭ ‬في‭ ‬سياق‭ ‬ثقافي‭ ‬ينعدم‭ ‬فيه‭ ‬توافر‭ ‬الكتب‭ ‬الأصلية،‭ ‬ومن‭ ‬ثم‭ ‬يصعب‭ ‬اكتشاف‭ ‬ما‭ ‬تتعرض‭ ‬له‭ ‬في‭ ‬ثقافتنا‭ ‬التي‭ ‬تعاني‭ ‬من‭ ‬قلة‭ ‬المشتغلين‭ ‬بالترجمة‭ ‬وغياب‭ ‬المراجعات‭ ‬العلمية‭ ‬الفاحصة‭ ‬لما‭ ‬تتم‭ ‬ترجمته،‭ ‬حيث‭ ‬نجد‭ ‬أن‭ ‬ما‭ ‬يخضع‭ ‬للمراجعة‭ ‬يقتصر‭ ‬في‭ ‬الغالب‭ ‬على‭ ‬تلك‭ ‬الأعمال‭ ‬التي‭ ‬تتم‭ ‬ترجمتها‭ ‬للمرة‭ ‬الثانية‭ ‬أو‭ ‬الثالثة،‭ ‬ومع‭ ‬ذلك‭ ‬فوجود‭ ‬هذه‭ ‬المراجعات‭ ‬يظل‭ ‬نادراً‭ ‬أيضاً،‭ ‬لأن‭ ‬غالبية‭ ‬المترجمين‭ ‬يتجاهلون‭ ‬الترجمات‭ ‬السابقة‭ ‬ولا‭ ‬يشيرون‭ ‬إليها،‭ ‬فضلاً‭ ‬عن‭ ‬القيام‭ ‬بمراجعتها‭ ‬وتقييمها‭. ‬وطوال‭ ‬العقود‭ ‬الماضية،‭ ‬تعرضت‭ ‬بعض‭ ‬الأعمال‭ ‬المترجمة‭ ‬لحذف‭ ‬فقرات‭ ‬أو‭ ‬فصول‭ ‬منها،‭ ‬وللتذكير،‭ ‬يمكننا‭ ‬أن‭ ‬نشير‭ ‬إلى‭ ‬نماذج‭ ‬مختلفة،‭ ‬منها‭ ‬ما‭ ‬يذكره‭ ‬
د‭. ‬صلاح‭ ‬فضل‭ ‬في‭ ‬كتابه‭ ‬‮«‬عين‭ ‬النقد،‭ ‬2013،‭ ‬ص135‮»‬‭ ‬عن‭ ‬ترجمة‭ ‬الجزء‭ ‬الأول‭ ‬من‭ ‬رائعة‭ ‬سرفانتس‭ ‬‮«‬دون‭ ‬كيخوته‭ ‬دي‭ ‬لامنثا‮»‬،‭ ‬التي‭ ‬حذفت‭ ‬الرقابة‭ ‬منها‭ ‬الفصول‭ ‬التي‭ ‬تناولت‭ ‬قصة‭ ‬سرفانتس‭ ‬في‭ ‬الجزائر‭ ‬وحديثه‭ ‬عن‭ ‬المسلمين‭ ‬ونبيهم،‭ ‬ما‭ ‬دفع‭ ‬بمترجمها‭ ‬الراحل‭ ‬عبدالعزيز‭ ‬الأهواني‭ ‬إلى‭ ‬العزوف‭ ‬عن‭ ‬إكمال‭ ‬ترجمة‭ ‬الجزء‭ ‬الثاني،‭ ‬احتجاجاً‭ ‬على‭ ‬هذا‭ ‬التدخل‭. ‬وتعرضت‭ ‬الترجمة‭ ‬الأولى‭ ‬لكتاب‭ ‬ستيفن‭ ‬هوكينج‭ ‬‮«‬موجز‭ ‬تاريخ‭ ‬الزمن‮»‬‭ ‬إلى‭ ‬حذف‭ ‬فقرات‭ ‬من‭ ‬النص‭ ‬الأصلي،‭ ‬خصوصاً‭ ‬في‭ ‬بداية‭ ‬الفصل‭ ‬الثامن‭. ‬ونموذجنا‭ ‬الأخير‭ ‬‮«‬موسوعة‭ ‬كمبريدج‭ ‬في‭ ‬النقد‭ ‬الأدبي‮»‬،‭ ‬حيث‭ ‬تشير‭ ‬المشرفة‭ ‬على‭ ‬ترجمة‭ ‬الجزء‭ ‬التاسع‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬الأساتذة‭ ‬المشرفين‭ ‬على‭ ‬ترجمة‭ ‬الموسوعة‭ ‬قد‭ ‬اتفقوا‭ ‬على‭ ‬حذف‭ ‬أحد‭ ‬فصول‭ ‬الجزء‭ ‬المذكور،‭ ‬لأنه‭ ‬يتطرق‭ ‬إلى‭ ‬انحراف‭ ‬الغريزة‭ ‬الجنسية‭ ‬وابتعادها‭ ‬عن‭ ‬الفطرة‭ ‬السليمة‭.‬‭ ‬واللافت‭ ‬للنظر‭ ‬في‭ ‬النموذج‭ ‬الأخير‭ ‬أنه‭ ‬كتاب‭ ‬علمي‭ ‬رصين‭ ‬يتوجه‭ ‬في‭ ‬الغالب‭ ‬إلى‭ ‬الباحثين‭ ‬والمتخصصين‭ ‬في‭ ‬النقد‭ ‬الأدبي،‭ ‬وهو‭ ‬صادر‭ ‬عن‭ ‬‮«‬المشروع‭ ‬القومي‭ ‬للترجمة‮»‬‭ ‬في‭ ‬مصر،‭ ‬الذي‭ ‬يعدُّ‭ ‬من‭ ‬أهم‭ ‬المشاريع‭ ‬التنويرية‭ ‬في‭ ‬مصر‭ ‬والعالم‭ ‬العربي‭. ‬

وسوف‭ ‬أتوقف‭ ‬هنا‭ ‬مع‭ ‬نموذج‭ ‬آخر‭ ‬طاله‭ ‬الحذف،‭ ‬مبيناً‭ ‬ما‭ ‬يرتبط‭ ‬بهذا‭ ‬الفعل‭ ‬من‭ ‬دلالات‭. ‬والنموذج‭ ‬هو‭ ‬تحقيق‭ ‬‮«‬مقامات‭ ‬السيوطي‮»‬،‭ ‬وهذا‭ ‬كتاب‭ ‬يختلف‭ ‬عن‭ ‬نماذج‭ ‬الترجمة‭ ‬المذكورة،‭ ‬لكونه‭ ‬كتاباً‭ ‬مؤلفاً‭ ‬لا‭ ‬مترجماً‭ ‬ولانتمائه‭ ‬إلى‭ ‬التراث‭ ‬الأدبي،‭ ‬وأيضاً‭ ‬لما‭ ‬يحتله‭ ‬مؤلفه‭ ‬الإمام‭ ‬السيوطي‭ ‬من‭ ‬مكانة‭ ‬على‭ ‬الأقل‭ ‬في‭ ‬الوعي‭ ‬الديني‭. ‬صدرت‭ ‬طبعته‭ ‬الأولى‭ ‬بتحقيق‭ ‬د‭.‬سمير‭ ‬محمود‭ ‬الدروبي‭ ‬في‭ ‬أواخر‭ ‬ثمانينيات‭ ‬القرن‭ ‬الماضي،‭ ‬ومنذ‭ ‬سنوات‭ ‬أعادت‭ ‬الهيئة‭ ‬العامة‭ ‬لقصور‭ ‬الثقافة‭ ‬المصرية‭ ‬تصوير‭ ‬هذه‭ ‬الطبعة‭ ‬وإصدارها‭ ‬في‭ ‬مجلدين‭ ‬ضمن‭ ‬سلسلة‭ ‬الذخائر،‭ ‬وقدّم‭ ‬هذه‭ ‬الطبعة‭ ‬د‭. ‬عوض‭ ‬الغباري‭ ‬أستاذ‭ ‬الأدب‭ ‬المصري‭ ‬في‭ ‬كلية‭ ‬الآداب‭ ‬بجامعة‭ ‬القاهرة‭. ‬

بداية‭ ‬يشير‭ ‬د‭. ‬الدروبي‭ ‬إلى‭ ‬وجود‭ ‬اختلاف‭ ‬في‭ ‬عدد‭ ‬المقامات‭ ‬المنسوبة‭ ‬للإمام‭ ‬السيوطي،‭ ‬وأن‭ ‬هذا‭ ‬الاختلاف‭ ‬انحصر‭ ‬بين‭ ‬المؤرخين‭ ‬والدارسين‭ ‬في‭ ‬ثلاثة‭ ‬أرقام،‭ ‬هي‭: ‬تسع‭ ‬وعشرون‭ ‬مقامة،‭ ‬وسبع‭ ‬وثلاثون،‭ ‬وأربعون‭. ‬ويضع‭ ‬المحقق‭ ‬جدولاً‭ ‬ضمَّنه‭ ‬ثماني‭ ‬وثلاثين‭ ‬مقامة،‭ ‬مبيناً‭ ‬أسماءها‭ ‬ومصادر‭ ‬تحقيق‭ ‬نسبتها،‭ ‬لينتهي‭ ‬بعد‭ ‬ذلك‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬عدد‭ ‬المقامات‭ ‬التي‭ ‬وصلت‭ ‬إلينا‭ ‬مخطوطاتها‭ ‬وصحّت‭ ‬نسبتها‭ ‬للسيوطي‭ ‬ثلاثون‭ ‬مقامة‭ ‬فقط‭. ‬ثم‭ ‬يعود‭ ‬فيذكر‭ ‬أنه‭ ‬–‭ ‬أي‭ ‬
المحقق‭ ‬–‭ ‬كان‭ ‬قد‭ ‬شكّ‭ ‬في‭ ‬صحة‭ ‬نسبة‭ ‬‮«‬مقامة‭ ‬رشف‭ ‬الزلال‭ ‬من‭ ‬السحر‭ ‬الحلال‭ ‬أو‭ ‬مقامة‭ ‬النساء‮»‬‭ ‬إلى‭ ‬السيوطي،‭ ‬قائلا‭: ‬أيعقل‭ ‬أن‭ ‬يَكْتُبَ‭ ‬صاحب‭ ‬الإتقان‭ ‬والجامع‭ ‬الكبير‭ ‬والأشباه‭ ‬والنظائر،‭ ‬هذه‭ ‬المقامة‭ ‬التي‭ ‬يغلب‭ ‬عليها‭ ‬الأدب‭ ‬المكشوف‭ ‬وتوحي‭ ‬بعض‭ ‬عباراتها‭ ‬بالسخرية‭ ‬من‭ ‬علماء‭ ‬التفسير‭ ‬والفقه‭ ‬والحديث؟‭! ‬غير‭ ‬أن‭ ‬‮«‬الاستناد‭ ‬إلى‭ ‬النقد‭ ‬الخارجي‭ ‬والداخلي‭ ‬لنص‭ ‬هذه‭ ‬المقامة‭ ‬يثبت‭ ‬صحة‭ ‬نسبتها‭ ‬للسيوطي،‭ ‬لأسباب‭ ‬متعددة،‭ ‬أهمها‭....‬‮»‬‭ (‬الجزء1،‭ ‬ص141‭)‬،‭ ‬ثم‭ ‬يعدد‭ ‬ثمانية‭ ‬أسباب‭ ‬يخلص‭ ‬منها‭ ‬إلى‭ ‬توثيق‭ ‬نسبة‭ ‬هذه‭ ‬المقامة‭. ‬لكن‭ ‬حين‭ ‬يصل‭ ‬القارئ‭ ‬إلى‭ ‬الفصل‭ ‬الخاص‭ ‬بـ‮«‬منهج‭ ‬التحقيق‮»‬،‭ ‬يكتشف‭ ‬أن‭ ‬المحقق‭ ‬قد‭ ‬أسقط‭ ‬هذه‭ ‬المقامة،‭ ‬معللاً‭ ‬ذلك‭ ‬بـ‮«‬غلبة‭ ‬الأدب‭ ‬المكشوف‭ ‬عليها،‭ ‬واقتداء‭ ‬بصنيع‭ ‬الشيخ‭ ‬محمد‭ ‬عبده‭ ‬وفاروق‭ ‬سعد‭ ‬ومحيي‭ ‬الدين‭ ‬عبدالحميد‭ ‬في‭ ‬طبعاتهم‭ ‬لمقامات‭ ‬بديع‭ ‬الزمان‭ ‬الهمذاني،‭ ‬حيث‭ ‬أسقطوا‭ ‬مقامة‭ ‬لبديع‭ ‬الزمان،‭ ‬من‭ ‬نسخ‭ ‬مقامة‭ ‬السيوطي‭ ‬التي‭ ‬طرحتها‮»‬‭ (‬الجزء1،‭ ‬ص190‭). ‬

ومن‭ ‬الواضح‭ ‬أن‭ ‬وجود‭ ‬الأدب‭ ‬المكشوف‭ ‬في‭ ‬المقامة‭ ‬كان‭ ‬الباعث‭ ‬على‭ ‬إسقاطها،‭ ‬لكن‭ ‬المحقق‭ ‬في‭ ‬شكه‭ ‬المذكور‭ ‬أعلاه‭ ‬كان‭ ‬قد‭ ‬عضد‭ ‬هذا‭ ‬الباعث‭ ‬بآخر‭ (‬السخرية‭ ‬من‭ ‬العلماء‭) ‬رأى‭ ‬أنه‭ ‬يأتي‭ ‬إيحاء‭ ‬لا‭ ‬تصريحاً،‭ ‬بالإضافة‭ ‬إلى‭ ‬الاقتداء‭ ‬بالآخرين‭. ‬ويبدو‭ ‬أن‭ ‬اجتماع‭ ‬هذه‭ ‬الأسباب‭ ‬كان‭ ‬كافيا‭ ‬لإسقاطها‭ ‬من‭ ‬تراث‭ ‬السيوطي‭ ‬الأدبي،‭ ‬ولم‭ ‬يشفع‭ ‬لها‭ ‬أن‭ ‬كاتبها‭ ‬كان‭ ‬واحداً‭ ‬من‭ ‬أبرز‭ ‬رجالات‭ ‬الفقه‭ ‬والتفسير‭ ‬والحديث‭ ‬واللغــــة‭...‬إن‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬الأبرز‭ ‬في‭ ‬القرنين‭ ‬التاسع‭ ‬والعاشر‭ ‬الهجريين‭. ‬

وبصرف‭ ‬النظر‭ ‬عن‭ ‬تهافت‭ ‬هذه‭ ‬المسوغات‭ ‬التي‭ ‬يسوقها‭ ‬المحقق‭ ‬لتبرير‭ ‬ما‭ ‬قام‭ ‬به،‭ ‬فإن‭ ‬السؤال‭ ‬الذي‭ ‬يطرح‭ ‬هنا‭ ‬–‭ ‬ومن‭ ‬الواضح‭ ‬أن‭ ‬المحقق‭ ‬لم‭ ‬يطرحه‭ ‬على‭ ‬نفسه‭ ‬–‭ ‬هو‭: ‬هل‭ ‬يجوز‭ ‬في‭ ‬ميدان‭ ‬تحقيق‭ ‬التراث‭ ‬إسقاط‭ ‬صفحات‭ ‬أو‭ ‬فصول‭ ‬صحّتْ‭ ‬نسبتها‭ ‬لمؤلفها‭ ‬لأسبابٍ‭ ‬تقع‭ ‬خارج‭ ‬نطاق‭ ‬التحقيق‭ ‬والبحث‭ ‬العلمي؟‭ ‬وهل‭ ‬يشفع‭ ‬للمحقق‭ ‬الاعتذار‭ ‬لكونه‭ ‬ليس‭ ‬أول‭ ‬من‭ ‬أقدم‭ ‬على‭ ‬هذا‭ ‬الفعل؟‭ ‬أليس‭ ‬التحقيق‭ -‬‭ ‬كما‭ ‬يحدده‭ ‬عبدالسلام‭ ‬هارون‭ ‬أحد‭ ‬أبرز‭ ‬رجالات‭ ‬هذا‭ ‬الفن‭ -‬‭ ‬هو‭ ‬‮«‬أداء‭ ‬الكتاب‭ ‬أداءً‭ ‬صادقاً‭ ‬كما‭ ‬وضعه‭ ‬مؤلفه‭ ‬كماً‭ ‬وكيفاً،‭ ‬وليس‭ ‬تحقيق‭ ‬المتن‭ ‬تحسيناً‭ ‬أو‭ ‬تصحيحاً،‭ ‬وإنما‭ ‬هو‭ ‬أمانة‭ ‬الأداء‭ ‬التي‭ ‬تقتضيها‭ ‬أمانة‭ ‬التاريخ‭ ...‬‮»‬؟‭ ‬

لو‭ ‬أن‭ ‬المحقق‭ ‬اختار‭ ‬مجموعة‭ ‬من‭ ‬مقامات‭ ‬السيوطي‭ ‬–‭ ‬كما‭ ‬فعل‭ ‬من‭ ‬نشر‭ ‬بعض‭ ‬هذه‭ ‬المقامات‭ ‬قبله‭ ‬–‭ ‬ونشرها‭ ‬تحت‭ ‬عبارة‭ ‬‮«‬اختيار‭ ‬وتحقيق‮»‬‭ ‬لكان‭ ‬التمس‭ ‬له‭ ‬العذر‭ ‬بأنه‭ ‬لم‭ ‬يعن‭ ‬بجمعها،‭ ‬خصوصا‭ ‬أن‭ ‬الإمام‭ ‬السيوطي‭ ‬لم‭ ‬يكتب‭ ‬المقامات‭ ‬دفعةً‭ ‬واحدة،‭ ‬ولم‭ ‬يضمها‭ ‬جميعها‭ ‬في‭ ‬كتاب،‭ ‬وإنما‭ ‬كتب‭ ‬كل‭ ‬مقامة‭ ‬على‭ ‬حدة‭ ‬وعلى‭ ‬فتراتٍ‭ ‬متباعدة‭. ‬إن‭ ‬ما‭ ‬يدعو‭ ‬للأسف‭ ‬حقا‭ ‬أن‭ ‬المحقق‭ ‬قد‭ ‬بذل‭ ‬جهداً‭ ‬كبيراً‭ ‬في‭ ‬جمع‭ ‬أصول‭ ‬المخطوطات،‭ ‬وتحقيق‭ ‬عدد‭ ‬المقامات‭ ‬وأسمائها،‭ ‬ودراسة‭ ‬العلاقة‭ ‬بين‭ ‬نسخها‭ ‬المخطوطة،‭ ‬لكنه‭ ‬بعد‭ ‬هذا‭ ‬التوثيق‭ ‬العلمي‭ ‬يسقط‭ ‬واحدةً‭ ‬منها،‭ ‬ثم‭ ‬يخبرنا‭ ‬أنه‭ ‬سار‭ ‬على‭ ‬خطى‭ ‬الإمام‭ ‬محمد‭ ‬عبده‭ ‬وآخرين‭. ‬

وإذا‭ ‬كان‭ ‬للمرء‭ ‬أن‭ ‬يقتدي‭ ‬بأحد‭ ‬رموز‭ ‬التنوير،‭ ‬فله‭ ‬أن‭ ‬يفعل‭ ‬ذلك‭ ‬في‭ ‬ما‭ ‬يتصل‭ ‬بإنتاجه‭ ‬العلمي،‭ ‬ولكنه‭ ‬لا‭ ‬يملك‭ ‬هذا‭ ‬الحق‭ ‬حينما‭ ‬يتصل‭ ‬الأمر‭ ‬بتراث‭ ‬هو‭ ‬ملك‭ ‬للأمة‭ ‬خاصة‭ ‬وللإنسانية‭ ‬عامة،‭ ‬وهذا‭ ‬لا‭ ‬يعني‭ ‬بأي‭ ‬حال‭ ‬الإقرار‭ ‬بصحة‭ ‬ما‭ ‬قام‭ ‬به‭ ‬الإمام‭ ‬محمد‭ ‬عبده‭ ‬حين‭ ‬أقدم‭ ‬في‭ ‬نشره‭ ‬مقامات‭ ‬الهمذاني‭ ‬على‭ ‬حذف‭ ‬إحدى‭ ‬المقامات‭ ‬وفقرات‭ ‬من‭ ‬أخرى‭. ‬

ومع‭ ‬ذلك،‭ ‬فينبغي‭ ‬ألا‭ ‬نغفل‭ ‬الفترة‭ ‬الزمنية‭ ‬التي‭ ‬تفصلنا‭ ‬عن‭ ‬الإمام‭ ‬محمد‭ ‬عبده‭ ‬وخصوصية‭ ‬علاقة‭ ‬الثقافي‭ ‬بالاجتماعي‭ ‬في‭ ‬مرحلة‭ ‬الإحياء،‭ ‬وطبيعة‭ ‬الدور‭ ‬الذي‭ ‬نهض‭ ‬به‭ ‬رواده‭ ‬ومقاصدهم‭ ‬من‭ ‬نشر‭ ‬كتب‭ ‬التراث‭. ‬ويتضح‭ ‬من‭ ‬مراجعة‭ ‬قوائم‭ ‬الكتب‭ ‬المطبوعة‭ ‬في‭ ‬تلك‭ ‬الفترة‭ ‬أن‭ ‬هَمَّ‭ ‬رواد‭ ‬النهضة‭ ‬كان‭ ‬منصباً‭ ‬على‭ ‬نشر‭ ‬المؤلفات‭ ‬التي‭ ‬تمثل‭ ‬الأصول‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬فن‭ ‬وتعكس‭ ‬نقاء‭ ‬اللغة‭ ‬وأصالتها‭ ‬ونخبويتها،‭ ‬ومن‭ ‬ثم‭ ‬أهملوا‭ (‬ولعلهم‭ ‬أرجأوا‭) ‬كل‭ ‬ما‭ ‬يُهدد‭ ‬هذه‭ ‬الأصالة‭ ‬أو‭ ‬يغبِّش‭ ‬الصورة‭ ‬التي‭ ‬كانوا‭ ‬يحاولون‭ ‬أن‭ ‬يجعلوا‭ ‬منها‭ ‬أساسا‭ ‬لبعث‭ ‬الثقافة‭ ‬العربية‭. ‬ولذلك،‭ ‬جرى‭ ‬تأخير‭ ‬النصوص‭ ‬الثانوية‭ ‬والقلقة‭ ‬إلى‭ ‬مرحلةٍ‭ ‬تالية‭ ‬يكون‭ ‬السياق‭ ‬الثقافي‭ ‬والاجتماعي‭ ‬فيها‭ ‬أكثر‭ ‬انفتاحاً‭ ‬على‭ ‬التراث‭ ‬العربي‭ ‬بمختلف‭ ‬اتجاهاته،‭ ‬وأكثر‭ ‬وعياً‭ ‬وتسامحاً‭ ‬في‭ ‬تقبلها،‭ ‬ولكن‭ ‬يبدو‭ ‬أن‭ ‬مرور‭ ‬
أكثر‭ ‬من‭ ‬قرن‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬كافياً‭ ‬ليحدث‭ ‬ذلك‭ ‬التغيير‭ ‬الذي‭ ‬كان‭ ‬ينشده‭ ‬أولئك‭ ‬الرواد‭ ‬النهضويون‭.‬

لست‭ ‬أدري‭ ‬هل‭ ‬أراد‭ ‬المحقق‭ ‬بإسقاط‭ ‬هذه‭ ‬المقامة‭ ‬أن‭ ‬ينزّه‭ ‬قلم‭ ‬السيوطي‭ ‬عما‭ ‬سطّره؟‭ ‬إن‭ ‬إسقاط‭ ‬هذا‭ ‬الجزء‭ ‬من‭ ‬تراث‭ ‬السيوطي‭ ‬فعل‭ ‬لا‭ ‬يخلو‭ ‬من‭ ‬خمس‭ ‬دلالات،‭ ‬الدلالة‭ ‬الأولى‭ ‬أن‭ ‬هذا‭ ‬الفعل‭ ‬يسيء‭ ‬إلى‭ ‬الإمام‭ ‬السيوطي‭ ‬أكثر‭ ‬مما‭ ‬ينزّهه‭ ‬إن‭ ‬توهّم‭ ‬المحقق‭ ‬ذلك؛‭ ‬لأنه‭ ‬يمثل‭ ‬اعتداء‭ ‬على‭ ‬تراث‭ ‬السيوطي‭ ‬ويقود‭ ‬إلى‭ ‬ضياعه،‭ ‬وملاحظة‭ ‬د‭. ‬الغباري‭ ‬مُقدِّم‭ ‬هذه‭ ‬الطبعة‭ ‬لا‭ ‬تخلو‭ ‬من‭ ‬هذا‭ ‬المعنى‭ ‬حين‭ ‬يشير‭ ‬إلى‭ ‬طبعة‭ ‬قديمة‭ ‬من‭ ‬مقامة‭ ‬‮«‬رشف‭ ‬الزلال‭ ‬من‭ ‬السحر‭ ‬الحلال‮»‬‭: ‬‮«‬يفترض‭ ‬وجود‭ ‬نسخة‭ ‬منها‭ ‬بدار‭ ‬الكتب،‭ ‬غير‭ ‬أنها‭ ‬مفقودة‮»‬‭ (‬الجزء1،‭ ‬ص4‭)‬،‭ ‬ولا‭ ‬ندري‭ ‬ما‭ ‬الذي‭ ‬سيحل‭ ‬بنسخ‭ ‬مخطوطات‭ ‬المقامة‭ ‬المذكورة،‭ ‬التي‭ ‬كان‭ ‬من‭ ‬الأولى‭ ‬أن‭ ‬يضمها‭ ‬هذا‭ ‬الكتاب‭ ‬المحقق‭.‬‭ ‬

ومن‭ ‬غير‭ ‬شك‭ ‬أن‭ ‬هذا‭ ‬النهج‭ ‬في‭ ‬الحذف‭ ‬والإقصاء‭ ‬ما‭ ‬هو‭ ‬إلا‭ ‬إحياء‭ ‬ومتابعة‭ ‬لتلك‭ ‬الخطة‭ ‬العمياء‭ ‬التي‭ ‬اعتمدها‭ ‬بعض‭ ‬رجال‭ ‬السَّلف‭ ‬الذين‭ ‬أباحوا‭ ‬لأنفسهم‭ ‬الوصاية‭ ‬على‭ ‬الثقافة‭ ‬العربية‭ ‬وتراثها‭ ‬ودعموا‭ ‬توجههم‭ ‬بقوة‭ ‬السلطة‭ ‬وبفتاوى‭ ‬بعضهم‭ ‬بوجوب‭ ‬‮«‬تخريق‭ ‬الكتب‭ ‬المخالفة‭ ‬وتحريقها‮»‬‭ ‬تحت‭ ‬ما‭ ‬أسموه‭ ‬زورا‭ ‬بـ«كتب‭ ‬البدع‭ ‬المبطلة‮»‬،‭ ‬فغيبوا‭ ‬وأعدموا‭ ‬الكثير‭ ‬من‭ ‬الكنوز‭ ‬المعرفية‭ ‬لهذه‭ ‬الثقافة،‭ ‬ولم‭ ‬يبق‭ ‬من‭ ‬تلك‭ ‬الكنوز‭ ‬سوى‭ ‬عناوينها‭ ‬وإشارات‭ ‬أو‭ ‬نتف‭ ‬من‭ ‬محتوياتها‭. ‬ويمثل‭ ‬كتاب‭ ‬‮«‬الفهرست‮»‬‭ ‬لابن‭ ‬النديم‭ ‬وغيره‭ ‬من‭ ‬المؤلفات‭ ‬الببليوجرافية‭ ‬أمثلة‭ ‬واضحة‭ ‬فيما‭ ‬تورده‭ ‬من‭ ‬عناوين‭ ‬لمؤلفات‭ ‬وتصانيف‭ ‬ضاعت‭ ‬ولم‭ ‬تصل‭ ‬إلينا،‭ ‬ويبدو‭ ‬أن‭ ‬قدرا‭ ‬لا‭ ‬يستهان‭ ‬به‭ ‬من‭ ‬هذا‭ ‬التراث‭ ‬الضائع‭ ‬قد‭ ‬اغتالته‭ ‬شهوة‭ ‬الوصاية‭ ‬على‭ ‬الجماهير‭ ‬والتعصب‭ ‬الأعمى‭ ‬ومحاولة‭ ‬إقصاء‭ ‬الآخر‭. ‬

‭ ‬والدلالة‭ ‬الثانية‭ ‬أن‭ ‬هذا‭ ‬الفعل‭ ‬يمثل‭ ‬إدانة‭ ‬لعصر‭ ‬تحقيق‭ ‬الكتاب،‭ ‬فالجمهور‭ ‬الذي‭ ‬شاع‭ ‬فيه‭ ‬الانحراف‭ ‬الأخلاقي،‭ ‬وسعت‭ ‬المقامة‭ ‬إلى‭ ‬إدانته‭ ‬ومعالجته،‭ ‬يبدو‭ ‬أنه‭ ‬كان‭ ‬أكثر‭ ‬تسامحاً‭ ‬في‭ ‬تلقي‭ ‬هذه‭ ‬المقامة،‭ ‬وأكثر‭ ‬وعياً‭ ‬في‭ ‬إدراك‭ ‬أهدافها‭ ‬الإصلاحية،‭ ‬وأحسن‭ ‬ظنا‭ ‬بالمؤلف‭ ‬الذي‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬من‭ ‬وكده‭ ‬أو‭ ‬قصْده‭ ‬أبدا‭ ‬إثارة‭ ‬الغرائز،‭ ‬ولم‭ ‬يكن‭ ‬أيضا‭ ‬أفق‭ ‬التلقي‭ ‬في‭ ‬مجتمعه‭ ‬آنذاك‭ ‬يخلو‭ ‬من‭ ‬حسن‭ ‬الظن‭ ‬بالعلماء‭ ‬والمصلحين‭.‬

‭ ‬والدلالة‭ ‬الثالثة‭ ‬أن‭ ‬الغاية‭ ‬التي‭ ‬يذكرها‭ ‬المحقق‭ ‬كمسوغ‭ ‬لفعل‭ ‬الإقصاء‭ ‬تبدو‭ ‬بلا‭ ‬قيمة‭ ‬من‭ ‬ناحية‭ ‬اتصالها‭ ‬بالجانب‭ ‬الأخلاقي‭ ‬وما‭ ‬ينطوي‭ ‬عليه‭ ‬من‭ ‬خوفٍ‭ ‬على‭ ‬النشء‭ ‬من‭ ‬إثارة‭ ‬الغرائز،‭ ‬بل‭ ‬إنها‭ ‬تكشف‭ ‬عن‭ ‬جهل‭ ‬بالواقع‭ ‬وعوالمه‭ ‬ووسائله‭ ‬المختلفة،‭ ‬فمن‭ ‬يبحث‭ ‬عن‭ ‬المتعة‭ ‬وإثارة‭ ‬الغريزة‭ ‬لن‭ ‬تكون‭ ‬وجهته‭ ‬قراءة‭ ‬مقامة‭ ‬‮«‬رشف‭ ‬الزلال‮»‬‭.‬

‭ ‬والدلالة‭ ‬الرابعة‭ ‬أن‭ ‬هذا‭ ‬الإقصاء‭ ‬يفوّت‭ ‬على‭ ‬الباحثين‭ ‬في‭ ‬التاريخ‭ ‬الاجتماعي‭ ‬والثقافي‭ ‬وثيقةً‭ ‬مهمة‭ ‬في‭ ‬دراسة‭ ‬عصر‭ ‬السيوطي‭ ‬وما‭ ‬شاع‭ ‬فيه‭ ‬من‭ ‬المظاهر‭ ‬الاجتماعية،‭ ‬فضلا‭ ‬عن‭ ‬أن‭ ‬إسقاط‭ ‬هذه‭ ‬الوثيقة‭ ‬يؤدي‭ ‬إلى‭ ‬تغييب‭ ‬جانب‭ ‬من‭ ‬الدور‭ ‬الاجتماعي‭ ‬الجريء‭ ‬للسيوطي‭ ‬في‭ ‬معالجة‭ ‬قضية‭ ‬شائكةٍ‭ ‬يترصّد‭ ‬طريقها‭ ‬التلقي‭ ‬السلبي‭ ‬في‭ ‬عصره‭ ‬الذي‭ ‬اتسم‭ ‬بكثرة‭ ‬التحاسد‭ ‬بين‭ ‬علمائه‭. ‬ومن‭ ‬المثير‭ ‬للدهشة‭ ‬أن‭ ‬د‭. ‬الدروبي‭ ‬حين‭ ‬أراد‭ ‬أن‭ ‬يتحدث‭ ‬في‭ ‬مقدمة‭ ‬التحقيق‭ ‬عن‭ ‬أهداف‭ ‬السيوطي‭ ‬الاجتماعية‭ ‬ودوره‭ ‬في‭ ‬الإصلاح،‭ ‬عزّت‭ ‬عليه‭ ‬الوسيلة‭ ‬ولم‭ ‬يجد‭ ‬بداً‭ ‬من‭ ‬الاستشهاد‭ ‬بمقدمة‭ ‬مقامة‭ ‬‮«‬رشف‭ ‬الزلال‭ ‬من‭ ‬السحر‭ ‬الحلال‮»‬،‭ ‬التي‭ ‬آثر‭ ‬أن‭ ‬يطويها‭ ‬عن‭ ‬القراء‭ ‬خوفاً‭ ‬عليهم‭ ‬من‭ ‬محاذير‭ ‬القراءة‭. ‬ومن‭ ‬الواضح‭ ‬أن‭ ‬المحقق‭ ‬بفعله‭ ‬هذا‭ ‬يعطي‭ ‬لنفسه‭ ‬الحق‭ ‬في‭ ‬الوصاية‭ ‬على‭ ‬الدارسين‭ ‬وجمهور‭ ‬القراء،‭ ‬وتتحول‭ ‬كتب‭ ‬التراث‭ ‬على‭ ‬يديه‭ ‬إلى‭ ‬كتب‭ ‬مسمومة‭ ‬ينبغي‭ ‬حجبها‭ ‬عن‭ ‬الجماهير‭. ‬وهذا‭ ‬صنيع‭ ‬يذكرنا‭ ‬بالقس‭ ‬‮«‬يورج‮»‬‭ ‬أمين‭ ‬مكتبة‭ ‬الدير‭ ‬القوطي‭ ‬في‭ ‬رائعة‭ ‬إمبرتو‭ ‬إيكو‭ ‬‮«‬اسم‭ ‬الوردة‮»‬،‭ ‬الذي‭ ‬اطلع‭ ‬على‭ ‬النسخة‭ ‬الوحيدة‭ ‬من‭ ‬كتاب‭ ‬‮«‬فن‭ ‬الشعر‮»‬‭ ‬لأرسطو،‭ ‬ولم‭ ‬يرد‭ ‬لأحد‭ ‬أن‭ ‬يقرأها‭ ‬بدعوى‭ ‬أن‭ ‬الكتاب‭ ‬يشجع‭ ‬على‭ ‬الضحك،‭ ‬فدسَّ‭ ‬السم‭ ‬في‭ ‬أوراقه‭ ‬ليحكم‭ ‬بالموت‭ ‬على‭ ‬كل‭ ‬من‭ ‬يحاول‭ ‬أن‭ ‬يطالعه‭. ‬وحين‭ ‬تم‭ ‬اكتشاف‭ ‬سرّ‭ ‬القس‭ ‬وجرائمه،‭ ‬سارع‭ ‬إلى‭ ‬تمزيق‭ ‬الكتاب‭ ‬والتهام‭ ‬أوراقه‭ ‬دفاعاً‭ ‬–‭ ‬كما‭ ‬يزعم‭ ‬–‭ ‬عن‭ ‬تمجيد‭ ‬الرب‭ ‬وتقرباً‭ ‬إليه،‭ ‬وكانت‭ ‬نتيجة‭ ‬هذه‭ ‬الأصولية‭ ‬أن‭ ‬التهمت‭ ‬النيران‭ ‬مكتبة‭ ‬الدير‭ ‬وأذنت‭ ‬بخراب‭ ‬الدير‭ ‬كله‭. ‬

أما‭ ‬خامس‭ ‬الدلالات‭ ‬فتلتقي‭ ‬مع‭ ‬ما‭ ‬يبديه‭ ‬بعض‭ ‬دارسي‭ ‬التراث‭ ‬ودعاة‭ ‬العصر‭ ‬من‭ ‬محاولات‭ ‬مستميتة،‭ ‬لتحسين‭ ‬تاريخنا‭ ‬الاجتماعي‭ ‬والثقافي‭ ‬عن‭ ‬طريق‭ ‬طي‭ ‬بعض‭ ‬صفحاته‭ ‬المخجلة،‭ ‬وتغييب‭ ‬ما‭ ‬يتعارض‭ ‬منه‭ ‬مع‭ ‬التصورات‭ (‬الزائفة‭ ‬والمزيفة‭ ‬أحيانا‭)‬،‭ ‬التي‭ ‬نشيّدها‭ ‬في‭ ‬وعينا‭ ‬تجاه‭ ‬هذا‭ ‬الماضي‭ ‬بمختلف‭ ‬نواحيه‭ ‬السياسية‭ ‬والاجتماعية‭ ‬والثقافية‭. 

كتب‭ ‬الإمام‭ ‬السيوطي‭ ‬مقاماته‭ ‬في‭ ‬سياقات‭ ‬خاصة‭ ‬ومتباعدة‭ ‬زمنياً‭ ‬في‭ ‬عمليات‭ ‬التأليف،‭ ‬لكن‭ ‬من‭ ‬يتأمل‭ ‬عوالمها‭ ‬يجد‭ ‬أنها‭ ‬تتداخل‭ ‬في‭ ‬إطارٍ‭ ‬عام‭ ‬يضمها،‭ ‬يتمثـــل‭ ‬في‭ ‬محاولة‭ ‬رصد‭ ‬ألوان‭ ‬الفساد‭ ‬ومظاهر‭ ‬الانحلال‭ ‬الأخلاقي‭ ‬والقيمي‭. ‬

وعلى‭ ‬الرغم‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬هذه‭ ‬المقامات‭ ‬كتبت‭ ‬في‭ ‬فتــــرات‭ ‬متبـــاعدة‭ ‬ولأهـــــدافٍ‭ ‬متعددة،‭ ‬فإن‭ ‬الموضوعات‭ ‬التي‭ ‬تعالجــــها‭ ‬تـــــأتي‭ ‬مترابطـــــة‭ ‬ومتداخلة‭ ‬إلى‭ ‬حدٍ‭ ‬يتعذر‭ ‬معه‭ ‬الفصـــــل‭ ‬بينــــها،‭ ‬فالتصدي‭ ‬للقصاصين‭ ‬ودورهم‭ ‬الخطير‭ ‬في‭ ‬وضع‭ ‬الأحاديث‭ ‬الكاذبة‭ ‬في‭ ‬مقامة‭ ‬‮«‬الدوران‭ ‬الفلكي‭ ‬على‭ ‬ابن‭ ‬الكركي‮»‬‭ ‬ومقامة‭ ‬‮«‬طرز‭ ‬العمامة‮»‬،‭ ‬يأتي‭ ‬في‭ ‬السياق‭ ‬الثقافي‭ ‬نفسه،‭ ‬الذي‭ ‬شاعت‭ ‬فيه‭ ‬السرقات‭ ‬العلمية‭ ‬بين‭ ‬المؤلفين،‭ ‬الذي‭ ‬يمكننا‭ ‬أن‭ ‬نجده‭ ‬بوضوح‭ ‬في‭ ‬مقامتي‭ ‬‮«‬الفارق‭ ‬بين‭ ‬المصنف‭ ‬والسارق‮»‬‭ ‬و«الكاوي‭ ‬في‭ ‬تاريخ‭ ‬السّخاوي‮»‬‭.‬

وتأتي‭ ‬مقامة‭ ‬‮«‬رشف‭ ‬الزلال‭ ‬من‭ ‬السحر‭ ‬الحلال‮»‬‭ ‬في‭ ‬سياق‭ ‬اجتماعي‭ ‬يعاني‭ ‬غياب‭ ‬قيم‭ ‬الفطرة‭ ‬السليمة،‭ ‬وتفسخاً‭ ‬اجـــتمــاعياً‭ ‬وانحرافاً‭ ‬أخلاقياً،‭ ‬قلَّ‭ ‬معه‭ ‬الفهم‭ ‬الحقيقي‭ ‬للدين‭ ‬وللفطرة‭ ‬السوية‭. ‬وقد‭ ‬أراد‭ ‬السيوطي‭ ‬بهذه‭ ‬المقامة‭ ‬–‭ ‬كما‭ ‬يذكر‭ ‬د‭. ‬الغباري‭ ‬–‭ ‬إدانة‭ ‬ظاهرة‭ ‬الولع‭ ‬بالغلمان‭ ‬في‭ ‬عصره،‭ ‬وأدارها‭ ‬على‭ ‬لسان‭ ‬عشرين‭ ‬عالماً،‭ ‬كل‭ ‬واحدٍ‭ ‬منهم‭ ‬يصف‭ ‬ليلة‭ ‬زواجه‭ ‬بأسلوب‭ ‬التورية،‭ ‬مستخدماً‭ ‬فيها‭ ‬مصطلحات‭ ‬علمه،‭ ‬فالهدف‭ ‬منها‭ ‬هو‭ ‬تحبيب‭ ‬النساء،‭ ‬والدعوة‭ ‬إلى‭ ‬الزواج‭ ‬بهن،‭ ‬والبعد‭ ‬عن‭ ‬الانحراف‭. ‬

وهذا‭ ‬الاتجاه‭ ‬الذي‭ ‬تعالجه‭ ‬هذه‭ ‬المقامة‭ ‬يتقاطع‭ ‬مع‭ ‬‮«‬المقامة‭ ‬المستنصرية‮»‬،‭ ‬التي‭ ‬تُعَرّي‭ ‬مظاهر‭ ‬التعالم‭ ‬الزائف‭ ‬لدى‭ ‬من‭ ‬يتخذون‭ ‬سمت‭ ‬العلماء‭ ‬بإظهار‭ ‬الورع‭ ‬والتقوى،‭ ‬بينما‭ ‬يسود‭ ‬حياتهم‭ ‬البعيدة‭ ‬عن‭ ‬الأنظار‭ ‬الانحلال‭ ‬والتهتك،‭ ‬وتطوي‭ ‬قلوبهم‭ ‬الحقد‭ ‬والحسد‭ ‬لأهل‭ ‬العلم‭ ‬الحق،‭ ‬ويعملون‭ ‬على‭ ‬الكيد‭ ‬لهم‭ ‬ومحاربتهم‭. ‬وإذا‭ ‬كانت‭ ‬المقامة‭ ‬الأخيرة‭ ‬قد‭ ‬آثرت‭ ‬الإشارة‭ ‬المقتضبة‭ ‬إليهم‭ ‬بوصفهم‭ ‬الذين‭ ‬يؤثرون‭ ‬البنين‭ ‬على‭ ‬البنات،‭ ‬فإنها‭ ‬تحاول‭ ‬رصد‭ ‬ما‭ ‬يقود‭ ‬إليه‭ ‬اضطلاع‭ ‬هؤلاء‭ ‬المتعالمين‭ ‬بشأن‭ ‬الفتوى‭ ‬والقضاء‭ ‬من‭ ‬ضياعٍ‭ ‬لحقوق‭ ‬الناس،‭ ‬وانمحاء‭ ‬الحدود‭ ‬بين‭ ‬الحـــلال‭ ‬والحرام،‭ ‬كما‭ ‬أنها‭ ‬تبرز‭ ‬المدى‭ ‬الذي‭ ‬تصل‭ ‬إليه‭ ‬استجابة‭ ‬هؤلاء‭ ‬المتعالمين‭ ‬لرغبات‭ ‬الحكَّام‭ ‬وظلمهم‭ ‬في‭ ‬قهر‭ ‬الشعب‭ ‬وإذلاله‭. ‬وهذا‭ ‬السياق‭ ‬يتصل‭ ‬اتصالاً‭ ‬غير‭ ‬منقطع‭ ‬بكشف‭ ‬عوالم‭ ‬الظلم‭ ‬الاجتماعي‭ ‬والسياسي،‭ ‬والشعور‭ ‬الطاغي‭ ‬بالحرمان‭ ‬
الذي‭ ‬كانت‭ ‬تعيشه‭ ‬عامة‭ ‬الشعب‭ ‬المكلومة‭ ‬بالتمايز‭ ‬الطبقي‭ ‬وبفداحة‭ ‬التسلُّط‭ ‬الذي‭ ‬يصل‭ ‬إلى‭ ‬حد‭ ‬الاستعباد،‭ ‬الذي‭ ‬يجعل‭ ‬من‭ ‬موت‭ ‬الأولاد‭ ‬أمراً‭ ‬مستحسناً‭ ‬على‭ ‬نحو‭ ‬ما‭ ‬يتبدَّى‭ ‬
في‭ ‬مقامة‭ ‬‮«‬المقامة‭ ‬اللازوردية‭ ‬في‭ ‬موت‭ ‬الأولاد‮»‬‭. ‬

وتتراسل‭ ‬هذه‭ ‬السياقات‭ ‬بجلاء‭ ‬في‭ ‬إطار‭ ‬نقد‭ ‬التسلط‭ ‬السياسي‭ ‬الذي‭ ‬قاربه‭ ‬السيوطي‭ ‬بصورةٍ‭ ‬غير‭ ‬مباشرة‭ ‬في‭ ‬‮«‬مقامة‭ ‬الرياحين»؛‭ ‬ليصل‭ ‬والقارئ‭ ‬معه‭ ‬إلى‭ ‬إدانة‭ ‬التسلط‭ ‬والسلطة‭ ‬السياسية‭ ‬التي‭ ‬أدارت‭ ‬ظهرها‭ ‬لعامة‭ ‬الشعب‭ ‬المحرومة،‭ ‬وانغمست‭ ‬في‭ ‬إشباع‭ ‬ملذاتها‭ ‬وأهوائها‭.‬

إن‭ ‬من‭ ‬يتأمل‭ ‬العالَم‭ ‬الذي‭ ‬يرصده‭ ‬السيوطي‭ ‬في‭ ‬مقاماته‭ ‬يدرك‭ ‬مدى‭ ‬تشابك‭ ‬عوالمها‭ ‬وتداخل‭ ‬سياقاتها‭ ‬التي‭ ‬تتنوع‭ ‬وتتحد‭ ‬في‭ ‬هدفٍ‭ ‬واحد،‭ ‬يأتي‭ ‬انطلاقاً‭ ‬من‭ ‬المعايشة‭ ‬الحقيقية‭ ‬للعصر،‭ ‬والشعور‭ ‬بالانتماء،‭ ‬والإحساس‭ ‬بالمسؤولية‭ ‬لدى‭ ‬هذا‭ ‬العالِم‭ ‬والمثقف‭ ‬الذي‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬بوسعه‭ ‬سوى‭ ‬الانغمار‭ ‬والمشاركة‭ ‬في‭ ‬قضايا‭ ‬مجتمعه‭ ‬الراهنة‭. ‬وغير‭ ‬خافٍ‭ ‬الدور‭ ‬الذي‭ ‬حاول‭ ‬الإمام‭ ‬السيوطي‭ ‬أن‭ ‬يضطلع‭ ‬به‭ ‬تجاه‭ ‬مجتمعه‭ ‬وعصره،‭ ‬على‭ ‬نحو‭ ‬ما‭ ‬تبرزه‭ ‬هذه‭ ‬المقامات‭ ‬وغيرها‭ ‬من‭ ‬مؤلفاته‭ ‬الكثيرة‭. ‬ومن‭ ‬هنا‭ ‬فإن‭ ‬إسقاط‭ ‬جزء‭ ‬من‭ ‬تراث‭ ‬هذا‭ ‬العالم‭ ‬أو‭ ‬ذلك‭ ‬المثقف،‭ ‬لا‭ ‬يعني‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬كونه‭ ‬تغييباً‭ ‬للدور‭ ‬الذي‭ ‬اضطلع‭ ‬به،‭ ‬ومحاولة‭ ‬سافرة‭ ‬لإسقاطه‭ ‬من‭ ‬ذمة‭ ‬التاريخ‭.‬

‭ ‬وعوداً‭ ‬على‭ ‬بدء،‭ ‬يمكن‭ ‬القول‭ ‬إن‭ ‬تحقيق‭ ‬هذه‭ ‬المقامات‭ ‬لا‭ ‬يبدو‭ ‬بعيدا‭ ‬عن‭ ‬نماذج‭ ‬الترجمة‭ ‬التي‭ ‬أشرت‭ ‬إليها‭ ‬في‭ ‬صدر‭ ‬المقال،‭ ‬على‭ ‬اعتبار‭ ‬انتمائها‭ ‬إلى‭ ‬مجال‭ ‬ثقافي‭ ‬ولغوي‭ ‬مغاير،‭ ‬بل‭ ‬من‭ ‬المؤكد‭ ‬أنه‭ ‬يلتقي‭ ‬معها‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬ثقافة‭ ‬الإقصاء‭ ‬والمصادرة‭ ‬التي‭ ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬لعمائها‭ ‬قادرة‭ ‬على‭ ‬التفريق‭ ‬بين‭ ‬وافدٍ‭ ‬خارجي‭ ‬ومكوّنٍ‭ ‬داخلي‭ ‬يمثل‭ ‬جزءا‭ ‬من‭ ‬نسيج‭ ‬الثقافة‭ ‬العربية‭ ‬وتاريخها‭ ‬الاجتماعي‭. ‬وإذا‭ ‬كان‭ ‬يحلو‭ ‬للبعض‭ ‬أن‭ ‬يصف‭ ‬فعل‭ ‬الترجمة‭ ‬بأنه‭ ‬ممارسة‭ ‬الخيانة‭ ‬المحببة‭ ‬كنوع‭ ‬من‭ ‬الإشارة‭ ‬إلى‭ ‬الترجمة‭ ‬الإبداعية‭ ‬التي‭ ‬تنافس‭ ‬أحيانا‭ ‬إبداع‭ ‬النص‭ ‬الأصلي‭ ‬كالترجمة‭ ‬الإنجليزية‭ ‬مثلا‭ ‬لرواية‭ ‬‮«‬مائة‭ ‬عام‭ ‬من‭ ‬العزلة‮»‬‭ ‬لماركيز،‭ ‬أو‭ ‬إلى‭ ‬عدم‭ ‬وفاء‭ ‬الترجمة‭ ‬للنص‭ ‬المترجَم‭ ‬بشكلٍ‭ ‬عام،‭ ‬فإن‭ ‬حذف‭ ‬فصول‭ ‬أو‭ ‬فقرات‭ ‬من‭ ‬النص‭ ‬الأصلي‭ ‬ليس‭ ‬من‭ ‬تلك‭ ‬الخيانة‭ ‬في‭ ‬شيء،‭ ‬كما‭ ‬أن‭ ‬تحقيق‭ ‬نصوص‭ ‬التراث‭ ‬العربي‭ ‬ميدان‭ ‬لا‭ ‬مجال‭ ‬فيه‭ ‬لتحسين‭ ‬الأصل‭ ‬أو‭ ‬خيانته‭ ‬بالحذف‭ ‬والإقصاء‭.‬

‭ ‬تقتضي‭ ‬الأمانة‭ ‬أن‭ ‬أشير‭ ‬إلى‭ ‬أني‭ ‬اكتشفت‭ ‬بعد‭ ‬كتابة‭ ‬هذا‭ ‬المقال‭ ‬أن‭ ‬‮«‬مقامة‭ ‬رشف‭ ‬الزلال‭ ‬في‭ ‬السحر‭ ‬الحلال‮»‬‭ ‬للسيــــوطي‭ ‬قد‭ ‬طبعت‭ ‬مفردةً‭ ‬عن‭ ‬بقية‭ ‬مقامات‭ ‬السيوطي‭ ‬ومن‭ ‬غير‭ ‬تحقيق‭ ‬عن‭ ‬طريق‭ ‬مؤسسة‭ ‬الانتشار‭ ‬العربي،‭ ‬بيروت،‭ ‬1997‭. ‬كما‭ ‬قامت‭ ‬المؤسسة‭ ‬نفسها‭ ‬عام‭ ‬2009‭ ‬بإصدار‭ ‬طبعة‭ ‬وافية‭ ‬لمقامات‭ ‬بديع‭ ‬الزمان‭ ‬الهمذاني،‭ ‬التي‭ ‬كانت‭ ‬قد‭ ‬تعرضت‭ ‬للحذف‭ ‬على‭ ‬أيدي‭ ‬محققين‭ ‬عنوا‭ ‬بها‭ ‬طوال‭ ‬القرن‭ ‬الماضي‭. ‬ولا‭ ‬نملك‭ ‬إلا‭ ‬التنويه‭ ‬بما‭ ‬قامت‭ ‬به‭ ‬مؤسسة‭ ‬الانتشار‭ ‬العربي‭ ‬عسى‭ ‬أن‭ ‬يقيض‭ ‬الزمان‭ ‬لهذه‭ ‬المقامات‭ ‬محققا‭ ‬فذا‭ ‬يعيد‭ ‬النظر‭ ‬في‭ ‬مخطوطاتها‭ ‬وطبعاتها‭ ‬ويخرجها‭ ‬في‭ ‬طبعة‭ ‬محققة‭ ‬وافية‭ .