الصورةُ الشَّعرية في منهج عبدالقاهر الجرجاني النَّقدي

الصورةُ الشَّعرية  في منهج عبدالقاهر الجرجاني النَّقدي

لم يكن مصطلح «الصورة الشعرية» غريباً عن النقد الأدبي العربي القديم وإن لم يعرفه التراث النقدي الغربي الكلاسيكي والنيوكلاسيكي. ولعل عبارة الجاحظ (ت 255هـ) الشهيرة تتضمّن أول استخدام معروف لمصطلح «التصوير» في معرض الحديث عن الشعر: «فإنما الشعر صناعة وضرب من النسيج وجنس من التصوير»، وعنه أخذها قدامة بن جعفر (ت حوالي 326 هـ)، الذي قال: «إذا كانت المعاني للشعر بمنزلة المادة الموضوعة والشعر فيها كالصورة، كما يوجد في كل صناعة من أنه لا بدّ فيها من شيء موضوع يقبل تأثير الصور منها، مثل الخشب للنجارة والفضة للصياغة». وكان عبدالقاهر الجرجاني (ت 471 هـ) أكثر من تعرَّض لمفهوم التصوير والصورة من النقاد العرب. وقد استند في ذلك إلى الجاحظ، وأقر باستفادته المصطلح منه بقوله: «وليست العبارة عن ذلك بالصورة شيئاً نحن ابتدأناه فينكره علينا منكر، بل هو مستعمل مشهور في كلام العلماء، ويكفيك قول الجاحظ: وإنما الشعر صناعة وضرب من التصوير». 

اتخذ مصطلح الصورة في منهج الجرجاني أبعادًا جديدة لم يبلغها عند غيره ممن سبقه من النقاد العرب، فوسّع دلالاته، حتى يبدو أحيانًا كأنه يعدّ الصورة تحديدًا للشعر وتعريفًا له. فقد وجد عبدالقاهر في مصطلح الصورة حلّا لإشكاليتين واجههما النقد الأدبي العربي قبله، هما المفاضلة بين اللفظ والمعنى وتكرار المعاني عند الشعراء. وكان الجاحظ قد قال إن الشعر صناعة وجنس من التصوير في إطار تفضيله لفظ الشعر على معناه، لأن المعاني، في رأيه، بمتناول الجميع «مطروحة على الطريق... وإنما الشأن في إقامة الوزن وتخيّر اللفظ وسهولة المخرج وكثرة الماء وفي صحّة الطبع وجودة السبك». فيكون أساس الشعر، في رأيه، هو الوزن السليم واختيار اللفظ المناسب من حيث سهولة نطقه وطراوته وصياغته وسبكه مع الألفاظ الأخرى. ورغم أن عبدالقاهر يعود إلى قول الجاحظ هذا ويورده في معرض حديثه عن المفاضلة بين اللفظ والمعنى، ويوافق الجاحظَ رأيَه في الغضّ من شأن المعاني ويستشهد بقوله: «فأُعلمكَ أن فضل الشعر بلفظه لا بمعناه، وأنه إذا عدم الحسن في لفظه ونظمه لم يستحقّ هذا الاسم بالحقيقة»، إلا أنه لا يقف في هذه المسألة حيث وقف الجاحظ، فهو أولا يبدو كأنه يحدّد ما يُراد هنا بالمعنى المعاني المجرّدة، فيقول: «إن كان العمل على ما يذهبون إليه من أنه لا يجب فضل ومزيّة إلا من جانب المعنى، وحتى يكون قد قال حكمة وأدبا واستخرج معنى غريبا»، وهو من ناحية ثانية يضع «الصورة» و«النظم» بدلاً من «تخيّر اللفظ». ولا يكتفي الجرجاني بالمقارنة الشائعة، التي يوردها هو نفسه أحيانا، بين الشاعر والصائغ، ويعادل فيها بين المعنى والمادة التي تقع فيها الصياغة كالفضة أو الذهب، بل يصل إلى المقارنة بين المعاني والأصباغ التي تُعمل منها الصور والنقوش، فلا يعود نظم الشعر اختيارًا للألفاظ، كما قال الجاحظ، بل تخيّرًا ونظمًا للمعاني، كما ينتقي الرجل الأصباغ ويمزجها ويرتّبها، يقول: «وإنما سبيل هذه المعاني سبيل الألفاظ التي تُعمل منها الصور والنقوش، فكما أنك ترى الرجل قد تهدّى في الصباغ التي عمل منها الصورة والنقش في ثوبه الذي نسج إلى ضرب من التخيّر والتدبّر في أنفس الأصباغ، وفي مواقعها ومقاديرها، وكيفية مزجه لها وترتيبه إياها، إلى ما لم يتهدَّ إليه صاحبه، فجاء نقشه من أجل ذلك أعجب، وصورته أغرب، كذلك حال الشاعر والشاعر في توخيهما معاني النحو ووجوهه التي علمتَ أنها محصول النظم». 

صياغة للمعاني
ويؤكد عبدالقاهر أن النظم ليس ترتيبًا للألفاظ بل صياغة للمعاني، وهي مادة الشعر وصورته في الوقت نفسه، فنظمُ الكلام ليس كضمّ الحروف بعضها إلى البعض الآخر حسب تواليها في النطق فقط، ولا يتبع علّة منطقية ولا يهتدي بنموذج رسمه العقل، لأن للكلام دلالات تحتّم كيفية نظمه على صورة خاصة كما تتناسق أجزاء الصناعات الأخرى التي يُقصد بها التصوير بعلّة تقتضي وتحتّم كونها حيث وُضعت. وهنا أيضا يضمّ الجرجاني صناعة الكلام إلى الصناعات التي تقوم على التصوير الذي يحدده بصوغ المعاني والدلالات على الوجه الذي يضبطه العقل، يقول: «والفائدة في معرفة هذا الفرق أنك إذا عرفته عرفت أن ليس الغرض بنظم الكلم أن توالت ألفاظها في النطق، بل أن تناسقت دلالاتها، وتلاقت معانيها على الوجه الذي اقتضاه العقل، وكيف يُتصوّر أن يُقصد به إلى توالي الألفاظ في النطق، بعد أن ثبت أنه نظم يُعتبر فيه حال المنظوم بعضه مع بعض، وأنه نظير الصياغة والتحبير والتفويف والنقش وكل ما يُقصد به التصوير». 
غير أن عبدالقاهر لم يقف في معالجته موضوع الصورة عند هذا الحدّ. فحين تصدّى لمسألة طال النقاش فيها قبله، وهي تكرار المعاني لدى الشعراء وتحديد صاحب الحقّ بالمعنى، استطاع بما تميّز به من دقّة، أن يتخطى المقارنة بين نظم الكلام وما أسماه بالأعمال الصناعية واليدوية. هذه المقارنة شاعت في النقد الأدبي العربي وغدت مألوفة بين الخاصة والعامة إلى حدّ لم يعد من السهل مناقشتها أو ردّها، وكأنها شيء مركوز في الطباع على حدّ قوله. وقد تنبّه عبدالقاهر إلى وجود اختلاف بين الصناعات اليدوية كنسج الديباج وصوغ الشنف والسوار وبين نظم الكلام حسب ما تقتضيه دلالاته من سياق يحدده العقل. فالصناعات تحدد العين ما بينها من شبه واختلاف، أما الكلام فيُحتكم في شأنه إلى العقل. 

صورة المعنى
يرى عبدالقاهر أن الفرق في المعاني، ولاسيما في الشعر بين بيت وآخر يكمن في ما يسميه «صورة المعنى» التي تنطبع في العقل، لأنها كالصور التي يراها البصر فيلتقط الفارق بين أفراد الجنس الواحد، ويؤكد أن مادة الشعر ليست معاني مجردة، بل إن المعنى هو الصورة التي انتفى إمكان الفصل فيها بين مادة وتشكُّل. هنا يعرّف ما يعنيه بالصورة بقوله: «واعلم أن قولنا «الصورة» إنما هو تمثيل وقياس لما نعلمه بعقولنا على الذي نراه بأبصارنا، فلما رأينا البينونة بين آحاد الأجناس التي تكون من جهة الصورة، فكان بينُ إنسان من إنسان وفرس من فرس، بخصوصية تكون في صورة هذا لا تكون في صورة ذاك. وكذلك كان الأمر في المصنوعات، فكان بينُ خاتم من خاتم وسوار من سوار بذلك. ثم وجدنا بين المعنى في أحد البيتين وبينه في الآخر بينونة في عقولنا وفرقا، عبرنا عن ذلك الفرق وتلك البينونة بأن قلنا: للمعنى في هذا صورة غير صورته في ذلك».

أثر الصورة الشعرية
ولا يكتفي عبدالقاهر بالمقارنة بينَ نظم الكلام وصوغ الحلي وصنع الديباج أو بينَ المعاني والأصباغ التي تُعمل منها الصور والنقوش، فيصل إلى المقارنة بين ما تتركه الصور الشعرية والتخييلات من أثر في نفس السامعين وما تولّده التصاوير، من تخطيط ونقش ونحت ونقر، من فتنة في نفوس المشاهدين. هنا أيضا يتخطى الجرجاني فكرة الصناعة إلى مبدأ الفن بما له من تأثير نفسي يتساوى فيه أثر المسموع بالمرئي، وتتوحّد الفنون في ما تتركه في النفس من انطباع يسمو بها إلى حالة يصفها بالغرابة, لأنها ما لم تألفه النفس في وضعها العادي. فالشعر فن يروق ويروع ويهزّ النفس ويحرّكها، والتصاوير فنون «تعجب وتخلب وتروق وتؤنق، وتدخل النفس من مشاهدتها حالة غريبة لم تكن قبل رؤيتها، ويغشاها ضرب من الفتنة لا يُنكر مكانه، ولا يخفى شأنه». 
ولعل الجانب الأهم للمذهب النقدي الذي وضعه عبدالقاهر هو ربطه الصورة الشعرية بالمجاز وبالنظم، وتحليله الدقيق والمتميّز للمعاني الحقيقية والمجازية والمعاني العقلية والتخييلية، وتحديده ضمن ذلك للصيغ البلاغية، وبخاصة الاستعارة والتشبيه والتمثيل. ومصطلح «المعنى» هو عماد مذهبه وأساسه ومفتاح دراسة دقائقه وتفرّعاته، لكنه ليس المعنى الذهني المجرّد، بل الحسّي المصوّر الذي يُطلق عليه اسم «صورة المعنى»، يقول: «وجملة الأمر أن صور المعاني لا تتغيّر بنقلها من لفظ إلى لفظ، حتى يكون هناك اتساع ومجاز، وحتى لا يُراد من الألفاظ ظواهر ما وُضعت له في اللغة، ولكن يُشار بمعانيها إلى معانٍ أُخر. واعلمْ أنّ هذا كذلك ما دام النظم واحدًا، فأما إذا تغيّر النظم فلا بدّ حينئذ من أن يتغيّر المعنى». وهذا ما أسماه «المعنى» و«معنى المعنى»، حيث المعنى هو «المفهوم من ظاهر اللفظ، والذي تصل إليه بغير واسطة، ومعنى «المعنى» أن تعقل من اللفظ معنى، ثم يفضي بك ذلك المعنى إلى معنى آخر»، وبذلك يفرّق بين الحقيقة والمجاز. أما المجاز ومداره على الكناية والاستعارة والتمثيل، فعبدالقاهر يرفض تحديده البلاغي المألوف وهو «كل لفظ نُقل عن موضعه فهو مجاز»، ويسهب إسهابًا كبيرًا في تعريفه وتحليله، مؤكّدًا أن المجاز صفة للمعنى لا للفظ؛ يقول: «ومما الصفة في للمعنى وإن جرى في ظاهر المعاملة على اللفظ... وصفُنا اللفظ بأنه مجاز».
ثورة تكشف ماهية الألفاظ
كــــان للـــــــمذهب اللــــــغوي لعبدالقاهر الذي رفع من شأن المعنى وعدّ اللغة نظمًا للكلام لا بحسب توالي ألفاظها في النطق، بل حسب تناسق دلالاتها وتلاقي معانيها على الوجه الذي اقتضاه العقل، كبير الأثر في دفع تعريفه الصيغَ البلاغية إلى آفاق جديدة في النقد الأدبي العربي. وقد شكّلت آراؤه ثورة حقيقية في كشف ماهيّة هذه الألفاظ بوصفها تعبيرًا عن مسار الفكر الإنساني في اكتشافه العلاقات الدقيقة بين الأشياء وقدرته على الربط في ما بينها بأشكال مختلفة. ومن هنا جاء رفضه القاطع للتعريفات السابقة عليه للاستعارة التي اعتمدت أساسًا مبدأ نقل الألفاظ، وكان تعريفه الدقيق والمهم الذي قال فيه إنه «ليست الاستعارة نقل اسم شيء إلى شيء ولكنها ادعاء معنى الاسم للشيء». وقد فصّل القول في ما صاغه من تفريق واضح وعميق بين الحقيقة والمجاز ليصل إلى تحديد نظرته الخاصة في الاستعارة فينتهي إلى القول: «وهكذا الحكم في الاستعارة وهي وإن كانت في ظاهر المعاملة من صفة اللفظ، وكنا نقول: هذه لفظة مستعارة وقد استُعير له لفظ الأسد، فإن مآل الأمر أن القصد بها إلى المعنى». وكان موقفه هذا معارضًا لما هو مألوف في كلام سابقيه على المجاز والاستعارة، ففتح بوضوح رؤيته ودقّة تعبيره عن نظراته العميقة آفاقًا جديدة في الدراسات اللغوية والنقدية: «واعلمْ أنه قد كثر في كلام الناس استعمال لفظ النقل في الاستعارة فمن ذلك قولهم: إن الاستعارة تعليق للعبارة على غير ما وُضعت له في أصل اللغة على سبيل النقل... وإطلاقهم في الاستعارة أنها نقل للعبارة عما وُضعت له من ذلك، فلا يصحّ الأخذ به». ويقول: «وإن جعلنا الاستعارة من صفة اللفظ فقلنا، اسم مستعار، وهذا اللفظ استعارة هنا وحقيقة هناك، فإنّا على ذلك نشير بها إلى المعنى من حيث قصدنا باستعارة الاسم أن نثبت أخصّ معانيه للمستعار له». ويخلص إلى القول مؤكّدا نظريته: «فقد تبيّن من غير وجه أن الاستعارة إنما هي ادعاء معنى الاسم للشيء لا نقل الاسم عن الشيء، وإذا ثبت أنها ادعاء معنى الاسم للشيء علمتَ أن الذي قالوه عن أنها تعليق للعبارة على غير ما وُضعت له في اللغة ونقل عما وضعت له، كلام قد تسامحوا فيه، لأنه إذا كانت الاستعارة ادعاء معنى الاسم لم يكن الاسم مُزالا عمّا وُضع له بل مُقرّا عليه». 

ضروب الاستعارة
ويحدد عبدالقاهر للاستعارة أغراضًا تُصاغ من أجلها، ومنها إيقاع صورة في نفس السامع، بالإضافة إلى قصد التشبيه الذي يأتي على وجه المبالغة، وكذلك الاختصار والإيجاز. ويأتي التشبيه في الاستعارة على وجهين: تشبيه يؤخذ من صفة في المستعار نفسه كقولك: «رأيت أسدا»، وتشبيه يؤخذ مما يُضاف إلى المستعار كقوله: «إذا أصبحت بيد الشمال زمامها»، إذ ليس للشمال يد. وهذا الضرب لا يُدرك وجه الشبه فيه إلا «بعد أن تخرق إليه سِترًا وتُعمل تأمّلا وفكرًا». هذا الضرب من الاستعارة «لا يُتصوّر تقدير النقل فيه البتّة»، على حدّ قول الجرجاني، الذي يؤكد: «وكما لا يمكنك تقدير النقل في لفظ اليد كذلك لا يمكنك أن تجعل الاستعارة فيه من صفة اللفظ. ألا ترى أنه مُحال أن تقول: إنه استعار لفظ اليد للشمال؟».أما وجها التشبيه فليسا سواء في رأي عبدالقاهر الذي يكرر في كل مناسبة تفضيله للوجه الثاني. ويرى أن الاستعارة تأتي بأشكال ثلاثة: الأول أن يُرى معنى الكلمة المستعارة موجودًا في المستعار له من حيث عموم جنسه على الحقيقة، والثاني أن يكون الشبه مأخوذًا من صفة موجودة في كل واحد من المستعار والمستعار منه على الحقيقة. وأما الثالث، فهو ما يسميه الصميم الخالص من الاستعارة، فهو أن يكون الشبه مأخوذا من الصور العقلية، وذلك إما بأخذه من الأشياء المشاهدة بالحواس على الجملة للمعاني المعقولة، وإما بأخذه من الأشياء المحسوسة لمثلها، إلا أن الشبه مع ذلك عقلي، أو يأخذه من المعقول للمعقول. 

في السياق
ولعل من أبرز ملامح نظرية عبدالقاهر اتجاهه إلى تحديد الفوارق الدقيقة بين الصيغ البلاغية المختلفة على أساس طبيعة العلاقات بين عناصرها وما قُصد إليه من صياغتها، لا على أساس الصيغة اللغوية التي تتخذها. من هنا يرى أن الاستعارة تُسقِط ذكر المشبّه، لأن القصد هو إخراج وجه الشبه بين المستعار منه والمستعار له مخرجاً ما لا يحتاج إلى إثبات وتقرير مثل «رأيت أسدا»، فالاستعارة تنطوي على إثبات فرط الشجاعة حتى تُجعل كالشيء، الذي يجب له الثبوت والحصول، وكالأمر الذي نُصب له دليل يقطع بوجوده. أما في التشبيه فإثبات الشجاعة إثبات الشيء، يُترجَّح بين أن يكون وبين أن لا يكون، وليس إثبات الشجاعة من حديث الوجوب بشيء، فهو يحتاج إلى أن يعمل في إثبات المشبه به وتزجيته فتُجري اسم المشبه به صراحة على المشبه كقولك «زيد أسد» و«زيد هو الأسد». وهنا يؤكد عبدالقاهر أمراً مهماً وهو أن التشبيه لا يكفي أن يُستدلّ عليه بـ «الكاف» و«مثل» وغيرهما، إذ الموضوع من حيث الصورة هو ما يوجب قصد التشبيه. لذلك فقولنا «زيد هو الأسد» ليس استعارة وإن لم تُستخدم فيه أداة التشبيه، لأن القياس يقتضي، من حيث عدم إثبات الشجاعة على نحو قاطع، أن يُسمى ذلك تشبيها على حدّ المبالغة. ولا يكتفي عبدالقاهر بتحديد طبيعة العلاقة بين المستعار والمستعار له لتعريف الاستعارة، فيؤكد أن ما يدلّ عليها هو السياق الذي ترد فيه، وهو ما يكسبها هويّتها بوصفها صورة مجازية. فكيف يُعرف أن المقصود بـ «رأيت أسدا» هو المجاز ما لم يكن السياق مما يدلّ على أن المقصود هو رجل شجاع وليس الحيوان المعروف بهذا الاسم؟ من هنا فإن الاستعارة لا تُحدّد من حيث كونها صورة منفردة ومنقطعة عما حولها، فيكون ارتباطها بالسياق الذي ترد فيه «بدليل الحال أو إفصاح المقال بعد السؤال أو بفحوى الكلام وما يتلوه من أوصاف». 
لعل من أبرز ملامح نظرية عبدالقاهر في الاستعارة والتشبيه أنها تنفي نفيا قاطعا «النظرة الإبدالية» في الاستعارة و«نظرة المقارنة» المرتبطة بها، اللتين سادتا الفكر النقدي الغربي حتى القرن العشرين، وانطلقتا مما جاء به أرسطو عن الاستعارة. وقد رفض عبدالقاهر أصلا، تعريف أرسطو للاستعارة بأنها مسألة نقل للاسم. وتنطوي «النظرة الإبدالية» على مفهوم مؤداه أن التعبير الاستعاري يُستخدم مكان تعبير حرفي معادل له، وترى «نظرة المقارنة» أن إعادة الصياغة الحرفية للتعبير الاستعاري هي عبارة تتضمن شَبَهًا ما، وبالتالي تَعُدّ كل استعارة تشبيهًا مكثّفًا أو مختزلًا. بينما فرّق عبدالقاهر بوضوح بين التشبيه والاستعارة حين وضع التشبيه خارج حدود المجاز الذي عرّف به الاستعارة، وأكدّ أن ليس كل تشبيه يمكن تحويله إلى استعارة. كما قال إن الاستعارة ليست معادلة للمعنى الحرفي الذي يمكن أن يُستنتج منها، وبالتالي فإنها تندرج في مستوى آخر من مستويات التعبير اللغوي غير المستوى العادي الذي يؤدي معاني ذهنية مجرّدة، وبذلك ينتفي كونها مجرّد حلية مضافة على الكلام العادي لتزيينه. ولعل أفضل مثال ساقه ليثبت أن العبارة المجازية لا يمكن استبدالها بعبارة حرفية معادلة لها تحمل معناها نفسه، جاء في معرض إجابته عن التساؤل: لمَ كان للمفسَّر الفضل والمزية على التفسير؟ والمفسَّر هنا هو العبارة المجازية التي تكون الدلالة فيها دلالة معنى على معنى، بينما التفسير هو العبارة الصريحة حيث الدلالة دلالة لفظ على معنى. فمعنى اللفظ في قولهم هو «كثير رماد القِدر» غير معنى اللفظ في قولهم «هو كثير القِرى». ولو لم يكن كذلك لمْ يُتصوّر أن توجد دلالة معنى على معنى. وقد ثبّت عبدالقاهر بتحليله هذا أمرًا بالغ الأهمية، وهو أن الشعر إذا تضمّن الصيغ المجازية خاصة، لا يُفسّر بالعبارات الحرفية المختلفة في حقيقتها عن حقيقته، لأن صورة المعنى في الواحدة ليست صورة المعنى في الأخرى .