عالمية اللغة العربية ودورها

عالمية اللغة العربية ودورها

تحظى‭ ‬اللغة‭ ‬العربية‭ ‬بمكانة‭ ‬مرموقة‭ ‬بين‭ ‬لغات‭ ‬العالم،‭ ‬فهي‭ ‬اللغة‭ ‬الأم‭ ‬لما‭ ‬يربو‭ ‬على‭ ‬مائة‭ ‬وستين‭ ‬مليونًا‭ ‬من‭ ‬المسلمين‭ ‬والعرب‭,‬‭ ‬كما‭ ‬أنها‭ ‬اللغة‭ ‬المقدسة‭ ‬لما‭ ‬يربو‭ ‬على‭ ‬ألف‭ ‬مليون‭ ‬مسلم‭ ‬في‭ ‬جميع‭ ‬أنحاء‭ ‬العالم‭,‬‭ ‬فهي‭ ‬اللغة‭ ‬الأم‭ ‬لسكان‭ ‬العالم‭ ‬العربي‭,‬‭ ‬واللغة‭ ‬الثانية‭ ‬لسكان‭ ‬العالم‭ ‬الإسلامي‭,‬‭ ‬وثالث‭ ‬لغات‭ ‬العالم‭ ‬من‭ ‬حيث‭ ‬سعة‭ ‬انتشارها‭ ‬وسعة‭ ‬مناطقها‭,‬‭ ‬وإحدى‭ ‬اللغات‭ ‬الست‭ ‬التي‭ ‬تكتب‭ ‬بها‭ ‬وثائق‭ ‬الأمم‭ ‬المتحدة،‭ ‬إنها‭ ‬اللغة‭ ‬التي‭ ‬اختارها‭ ‬الله‭ ‬لينـزل‭ ‬بها‭ ‬أفضل‭ ‬كتبه‭ ‬على‭ ‬أفضل‭ ‬رسله‭,‬‭ ‬فهي‭ ‬لغة‭ ‬القرآن‭ ‬الكريم‭. ‬

تحث‭ ‬الجامعة‭ ‬العربية‭ ‬في‭ ‬كثير‭ ‬من‭ ‬توصياتها‭ ‬على‭ ‬الاهتمام‭ ‬باللغة‭ ‬العربية‭ ‬في‭ ‬المدارس‭ ‬والجامعات‭,‬‭ ‬وفي‭ ‬الشارع‭ ‬والبيت‭,‬‭ ‬ووسائل‭ ‬الإعلام‭ ‬المقروءة‭ ‬والمسموعة‭ ‬والمرئية‭ ‬تعلما‭ ‬وتعليما،‭ ‬فمن‭ ‬هذه‭ ‬التوصيات‭: ‬ضرورة‭ ‬إيلاء‭ ‬مناهج‭ ‬اللغة‭ ‬العربية‭ ‬عناية‭ ‬خاصة‭ ‬للارتقاء‭ ‬بمستوى‭ ‬تعليمها‭,‬‭ ‬وإكساب‭ ‬مهاراتها‭ ‬بوصفها‭ ‬اللغة‭ ‬الأم‭,‬‭ ‬وأداة‭ ‬التواصل‭ ‬التاريخي‭,‬‭ ‬والاجتماعي‭,‬‭ ‬والثقافي‭,‬‭ ‬والعلمي‭ (‬المنظمة‭ ‬العربية‭ ‬للتربية‭ ‬والثقافة‭ ‬والعلوم‭,‬‭ ‬2000م‭,‬‭ ‬ص50‭). ‬وأوصى‭ ‬مؤتمر‭ ‬اللغة‭ ‬العربية‭ ‬في‭ ‬التعليم‭ ‬بين‭ ‬الهوية‭ ‬والإبداع‭ ‬بضرورة‭ ‬التأكيد‭ ‬على‭ ‬الخصوصية‭ ‬الثقافية‭,‬‭ ‬وتنمية‭ ‬اعتزاز‭ ‬الدارسين‭ ‬بالهوية‭ ‬العربية‭ ‬والإسلامية‭,‬‭ ‬ودعم‭ ‬ثقتهم‭ ‬باللغة‭ ‬العربية‭,‬‭ ‬وقدرتها‭ ‬على‭ ‬استيعاب‭ ‬العلوم‭ ‬الحديثة‭,‬‭ ‬وتلبية‭ ‬حاجات‭ ‬الاتصال‭ ‬في‭ ‬الحياة‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬حصرها‭ ‬في‭ ‬أغراض‭ ‬محددة‭,‬‭ ‬ودعم‭ ‬الجهود‭ ‬المبذولة‭ ‬والهادفة‭ ‬لاستخدام‭ ‬التقنيات‭ ‬الحديثة‭,‬‭ ‬والإفادة‭ ‬منها‭ ‬في‭ ‬مجالات‭ ‬تعليم‭ ‬اللغة‭,‬‭ ‬وأوصى‭ ‬أيضا‭ ‬بدعوة‭ ‬المنظمة‭ ‬العربية‭ ‬للتربية‭ ‬والثقافة‭ ‬والعلوم‭ ‬بتبني‭ ‬إنشاء‭ ‬مركز‭ ‬يُعنى‭ ‬بتطوير‭ ‬تعلم‭ ‬اللغة‭ ‬العربية‭ ‬وتعليمها‭,‬  ‬ودراسة‭ ‬واقعها‭,‬‭ ‬وتطوير‭ ‬مناهجها‭,‬‭ ‬وطرق‭ ‬تدريسها‭,‬‭ ‬والعناية‭ ‬بتأهيل‭ ‬معلميها‭ (‬كنعان‭,‬‭ ‬2004م‭,‬‭ ‬ص323‭). ‬ودعا‭ ‬مؤتمر‭ ‬لغة‭ ‬الطفل‭ ‬العربي‭ ‬في‭ ‬عصر‭ ‬العولمة‭ ‬بالأمانة‭ ‬العامة‭ ‬لجامعة‭ ‬الدول‭ ‬العربية‭ ‬وزارات‭ ‬التربية‭ ‬والتعليم‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬بلد‭ ‬عربي‭ ‬إلى‭ ‬العناية‭ ‬باللغة‭ ‬العربية‭,‬‭ ‬وجعلها‭ ‬لغة‭ ‬التواصل‭ ‬في‭ ‬المدرسة‭ ‬طوال‭ ‬اليوم‭ ‬الدراسي‭,‬‭ ‬وداخل‭ ‬الصف‭ ‬وخارجه‭,‬‭ ‬وأوصى‭ ‬بالاستفادة‭ ‬من‭ ‬التقنيات‭ ‬الحديثة‭ ‬في‭ ‬تعلُّم‭ ‬اللغة‭ ‬العربية‭ ‬وتعليمها‭,‬‭ ‬والانتقال‭ ‬من‭ ‬التلقين‭ ‬إلى‭ ‬الإبداع‭ ‬والمشاركة‭ ‬بما‭ ‬يوسع‭ ‬آفاق‭ ‬التلميذ‭ (‬كنعان‭,‬‭ ‬2007م‭,‬‭ ‬ص254‭). ‬وقد‭ ‬أورد‭ ‬بعض‭ ‬العلماء‭ ‬الأجانب‭ ‬أقوالًا‭ ‬عن‭ ‬أهمية‭ ‬اللغة‭ ‬العربية‭ ‬ومكانتها‭ ‬في‭ ‬المجتمعات،‭ ‬حيث‭ ‬قال‭ ‬الفرنسي‭ ‬إرنست‭ ‬رينان‭: ‬‮«‬اللغة‭ ‬العربية‭ ‬بدأت‭ ‬فجأة‭ ‬على‭ ‬غاية‭ ‬من‭ ‬الكمال،‭ ‬وهذا‭ ‬أغرب‭ ‬ما‭ ‬وقع‭ ‬في‭ ‬تاريخ‭ ‬البشر،‭ ‬فليس‭ ‬لها‭ ‬طفولة‭ ‬ولا‭ ‬شيخوخة‮»‬،‭ ‬أما‭ ‬الألماني‭ ‬فريتاغ‭ ‬فقال‭ ‬فيها‭:‬‭ ‬‮«‬اللغة‭ ‬العربية‭ ‬أغنى‭ ‬لغات‭ ‬العالم‮»‬‭.‬

أما‭ ‬الدكتور‭ ‬عبدالمعطي‭ ‬الدالاتي‭ ‬فقد‭ ‬أورد‭ ‬أبياتًا‭ ‬في‭ ‬اللغة‭ ‬العربية‭,‬‭ ‬حيث‭ ‬قال‭:‬

لغتي‭ ‬عليا‭ ‬اللّغاتِ‭ ‬

قد‭ ‬سمتْ‭ ‬كالكوكبِ

جرسها‭ ‬بين‭ ‬اللُّغاتِ

كـــــــــــــرنــــــــــيـــــــــــــــــــــــــنِ‭ ‬الـــــــــــــــــــــــــــذّهــــــــــــــبِ

قد‭ ‬غدت‭ ‬أخت‭ ‬الخلودِ‭ ‬

بــالـــــــــــــــكــــــــــــــــــــــلامِ‭ ‬الـــــــــــــــــــــــطـــــــــيّـــــــــــــــبِ

 

دور‭ ‬اللغة‭ ‬العربية‭ ‬في‭ ‬بناء‭ ‬المجتمع‭ ‬العربي‭ ‬وتطوّره

لاتزال‭ ‬اللّغة‭ ‬العنصر‭ ‬الرّئيس‭ ‬في‭ ‬إعطاء‭ ‬الصفة‭ ‬الاجتماعية‭ ‬للمتحدّثين،‭ ‬وسواء‭ ‬أكانت‭ ‬مكتوبة‭ ‬أم‭ ‬منطوقة،‭ ‬إشارة‭ ‬أم‭ ‬إيحاء‭ ‬أم‭ ‬رموزًا‭... ‬فهي‭ ‬عند‭ ‬العرب‭ ‬حميميّة‭ ‬وتضامنية‭ ‬واجتماعية‭... ‬لذلك‭ ‬كانت‭ ‬لها‭ ‬هذه‭ ‬الأهمية،‭ ‬لأنّها‭ ‬فعل‭ ‬حياة،‭ ‬وغيابها‭ ‬يؤثّر‭ ‬تأثيرًا‭ ‬كبيرًا‭ ‬في‭ ‬واقع‭ ‬أبنائها‭. ‬ولقد‭ ‬زاد‭ ‬من‭ ‬تركّز‭ ‬العربية‭ ‬في‭ ‬الذّهن‭ ‬والنّفس،‭ ‬ومن‭ ‬إقبال‭ ‬الناس‭ ‬عليها‭ ‬ارتباطها‭ ‬بالقيمة‭ ‬الاجتماعية‭ ‬للإنسان،‭ ‬فهي‭ ‬المتأتّية‭ ‬من‭ ‬العلاقة‭ ‬الوثيقة‭ ‬بالقرآن‭ ‬الكريم،‭ ‬والحديث‭ ‬النبوي‭ ‬الشريف،‭ ‬فمن‭ ‬تعلّمهما‭ ‬حسنت‭ ‬مكانته،‭ ‬وها‭ ‬هو‭ ‬أبومنصور‭ ‬الثعالبي‭ ‬النيسابوري‭ ‬يقول‭ ‬في‭ ‬مقدمة‭ ‬كتابه‭ ‬‮«‬فقه‭ ‬اللغة‭ ‬وسرّ‭ ‬العربية‮»‬‭: ‬ومن‭ ‬أحبّ‭ ‬الله‭ ‬أحبّ‭ ‬رسوله‭ ‬صلى‭ ‬الله‭ ‬عليه‭ ‬وسلم،‭ ‬ومن‭ ‬أحبّ‭ ‬النبي‭ ‬العربي‭ ‬أحبّ‭ ‬العرب،‭ ‬ومن‭ ‬أحبّ‭ ‬العرب‭ ‬أحبّ‭ ‬اللغة‭ ‬العربية‭ ‬التي‭ ‬بها‭ ‬نزل‭ ‬أفضل‭ ‬الكتب‭ ‬على‭ ‬أفضل‭ ‬العجم‭ ‬والعرب،‭ ‬ومن‭ ‬أحبّ‭ ‬العربية‭ ‬عني‭ ‬بها‭ ‬وثابر‭ ‬عليها،‭ ‬وصرف‭ ‬همّته‭ ‬إليها‭. ‬أمّا‭ ‬اللغة‭ ‬العربية‭ ‬لدى‭ ‬الجاحظ‭ ‬فتعلّم‭ ‬الناس،‭ ‬وتعيش‭ ‬فيهم‭. ‬بل‭ ‬هي‭ ‬جزء‭ ‬من‭ ‬نفوسهم،‭ ‬توجّهها‭ ‬وتدلّها‭ ‬إلى‭ ‬الجيّد‭ ‬والرديء‭ ‬والنافع‭ ‬والمضرّ‭... ‬لذلك‭ ‬رأى‭ ‬أنّ‭ ‬ضبط‭ ‬اللغة‭ ‬ضرورة‭ ‬لضبط‭ ‬النفس‭.. ‬وتبقى‭ ‬الحقيقة‭ ‬اللغوية‭ ‬التي‭ ‬يؤيّدها‭ ‬الواقع‭ ‬ويؤكّدها‭ ‬التاريخ،‭ ‬وهي‭ ‬ارتباط‭ ‬اللغة‭ ‬بحضارة‭ ‬أصحابها‭:‬‭ ‬اللغة‭ ‬والحضارة‭ ‬تتناسبان‭ ‬تناسبًا‭ ‬طرديًا؛‭ ‬وهذا‭ ‬يعني‭ ‬ببساطة‭ ‬أن‭ ‬اللغة‭ ‬ظاهرة‭ ‬اجتماعية‭ ‬تعيش‭ ‬مع‭ ‬الإنسان‭ ‬جنبًا‭ ‬إلى‭ ‬جنب،‭ ‬تضعف‭ ‬بضعفه،‭ ‬وتنمو‭ ‬وتزدهر‭ ‬بنموه‭ ‬وازدهاره‭. ‬أما‭ ‬لغتنا‭ ‬التي‭ ‬وسعت‭ ‬ألفاظ‭ ‬حضارات‭ ‬كثيرة‭ ‬فهي‭ ‬قادرة‭ ‬على‭ ‬استيعاب‭ ‬كل‭ ‬جديد،‭ ‬فهي‭ ‬التي‭ ‬حملت‭ ‬الدين‭ ‬الإسلامي‭ ‬طيلة‭ ‬أربعة‭ ‬عشر‭ ‬قرنًا،‭ ‬وسوف‭ ‬تبقى‭ ‬قادرة‭ ‬على‭ ‬إعانة‭ ‬المسلمين‭ ‬على‭ ‬فهم‭ ‬دينهم،‭ ‬وتبصرتهم‭ ‬به‭.  ‬لذلك‭ ‬كان‭ ‬هاجس‭ ‬اللغة‭ ‬عند‭ ‬كثير‭ ‬من‭ ‬رواد‭ ‬النّهضة‭ ‬اللغوية،‭ ‬يكشف‭ ‬عن‭ ‬دورها‭ ‬في‭ ‬تحوّل‭ ‬المجتمعات،‭ ‬وهي‭ ‬التي‭ ‬تعتنق‭ ‬الجديد،‭ ‬وتعبّر‭ ‬عن‭ ‬خطوات‭ ‬المستقبل،‭ ‬ومن‭ ‬دونها‭ ‬يبقى‭ ‬المجتمع‭ ‬أبكم‭ ‬ومهملًا،‭ ‬لذلك‭ ‬كان‭ ‬فرح‭ ‬أنطون‭ ‬يرى‭ ‬أنّ‭: ‬اللغة‭ ‬العربية‭ ‬الجديدة‭ ‬التي‭ ‬ستكون‭ ‬لغة‭ ‬المستقبل،‭ ‬إنما‭ ‬هي‭ ‬التي‭ ‬لا‭ ‬يكون‭ ‬فيها‭ ‬لفظ‭ ‬غير‭ ‬مألوف‭ ‬الاستعمال،‭ ‬ولا‭ ‬تعبير‭ ‬من‭ ‬التعابير‭ ‬القديمة‭ ‬التي‭ ‬لا‭ ‬مسوّغ‭ ‬لاستعمالها‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬الزمن‭. ‬

 

دور‭ ‬اللغة‭ ‬العربية‭ ‬في‭ ‬بناء‭ ‬الشخصية‭ ‬الإنسانية

  ‬إنّ‭ ‬اللغة‭ ‬العربية‭ ‬تضيف‭ ‬إلى‭ ‬المحسوس‭ ‬أمورًا‭ ‬غير‭ ‬منظورة‭ ‬تعيش‭ ‬في‭ ‬المجازات‭ ‬والصّور،‭ ‬وتعطي‭ ‬للشيء‭ ‬الواحد‭ ‬أو‭ ‬الفكرة‭ ‬الواحدة‭ ‬غير‭ ‬معنى،‭ ‬لذلك‭ ‬كان‭ ‬سرّها‭ ‬في‭ ‬أن‭ ‬ألفاظها‭ ‬تحمل‭ ‬دلالات‭ ‬عديدة‭ ‬وقادرة‭ ‬على‭ ‬الاشتقاق‭ ‬والتوليد‭ ‬من‭ ‬جهة،‭ ‬ومن‭ ‬جهة‭ ‬ثانية‭ ‬تقوم‭ ‬بين‭ ‬هذه‭ ‬الألفاظ‭ ‬معان‭ ‬غير‭ ‬مرئية،‭ ‬وهذا‭ ‬أدّى‭ ‬إلى‭ ‬تميّزها‭ ‬وفرادتها‭ ‬بين‭ ‬لغات‭ ‬العالم‭. ‬وتظلّ‭ ‬هي‭ ‬الوسيلة‭ ‬الرّئيسة‭ ‬للاتصال،‭ ‬ومن‭ ‬ثمّ‭ ‬للتأثير‭ ‬في‭ ‬الإدراك‭ ‬بنحو‭ ‬تذكُّر‭ ‬الماضي‭ ‬عند‭ ‬الفرد‭ ‬والجماعة،‭ ‬ووعيهما‭ ‬بالحاضر،‭ ‬وتوقعهما‭ ‬وتنبؤهما‭ ‬للمستقبل،‭ ‬لذلك‭ ‬كان‭ ‬الاعتقاد‭ ‬السائد‭ ‬بأنّ‭ ‬العربية‭ ‬حفظت‭ ‬شخصية‭ ‬الأمة‭ ‬على‭ ‬مرّ‭ ‬الزمان،‭ ‬وهي‭ ‬لن‭ ‬تبخل‭ ‬بأداء‭ ‬هذه‭ ‬المهمة‭ ‬في‭ ‬زمننا‭ ‬الراهن‭. ‬فهي‭ ‬لغة‭ ‬القرآن،‭ ‬وهي‭ ‬اللغة‭ ‬المقدّسة‭ ‬التي‭ ‬دخلت‭ ‬إلى‭ ‬شغاف‭ ‬القلوب‭ ‬والوجدان‭ ‬والعقول‭ ‬والضمائر‭ ‬والنفوس،‭ ‬ورسمت‭ ‬كل‭ ‬خطوة‭ ‬يخطوها‭ ‬الإنسان‭ ‬‭{‬عَلَّمَ‭ ‬الْإِنسَانَ‭ ‬مَا‭ ‬لَمْ‭ ‬يَعْلَمْ‭}‬‭ (‬5‭) ‬سورة‭ ‬العلق،‭ ‬‭{‬خَلَقَ‭ ‬الْإِنسَانَ‭ ‬‭*‬‭ ‬عَلَّمَهُ‭ ‬الْبَيَانَ‭}‬‭ (‬3‭ - ‬4‭) ‬سورة‭ ‬الرحمن،‭ ‬‭{‬وَعَلَّمَ‭ ‬آدَمَ‭ ‬الأَسْمَاء‭ ‬كُلَّهَا‭}‬‭ (‬31‭) ‬سورة‭ ‬البقرة‭. ‬فكانت‭ ‬اللّسان‭ ‬المبين‭ ‬الذي‭ ‬رسم‭ ‬الأقدار‭ ‬ووجّه‭ ‬الخلق،‭ ‬وخاطب‭ ‬العرب‭ ‬وخصّهم‭ ‬باختياره‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬العالمين‭: ‬‭{‬كُنتُمْ‭ ‬خَيْرَ‭ ‬أُمَّةٍ‭ ‬أُخْرِجَتْ‭ ‬لِلنَّاسِ‭ ‬تَأْمُرُونَ‭ ‬بِالْمَعْرُوفِ‭ ‬وَتَنْهَوْنَ‭ ‬عَنِ‭ ‬الْمُنكَرِ‭}‬‭ (‬110‭) ‬سورة‭ ‬آل‭ ‬عمران،‭ ‬‭{‬إِنَّا‭ ‬أَنزَلْنَاهُ‭ ‬قُرْآنًا‭ ‬عَرَبِيًّا‭}‬‭ (‬2‭) ‬سورة‭ ‬يوسف،‭ ‬إنّها‭ ‬دلائل‭ ‬عميقة‭ ‬على‭ ‬سرّ‭ ‬قوة‭ ‬‮«‬العربية‮»‬،‭ ‬لأنّها‭ ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬حروفًا‭ ‬وكلمات‭ ‬فحسب،‭ ‬بل‭ ‬أصبحت‭ ‬بشرًا‭ ‬يسلكون‭ ‬ويتحرّكون‭ ‬بقدر‭ ‬من‭ ‬الله،‭ ‬أصبحت‭ ‬شخصية‭ ‬وذاتية‭ ‬في‭ ‬بنية‭ ‬الإنسان‭ ‬الذهنية‭ ‬والنفسية‭ ‬والمادية‭.. ‬ولا‭ ‬يحقّ‭ ‬للفرد‭ ‬العبث‭ ‬بهذه‭ ‬الشخصيّة،‭ ‬لأنه‭ ‬يعبث‭ ‬بالدّين‭ ‬واللّغة‭ ‬وبتاريخ‭ ‬طويل‭ ‬من‭ ‬إنجازات‭ ‬البشرية‭ ‬كلّها‭.‬

 

دور‭ ‬اللغة‭ ‬العربية‭ ‬في‭ ‬تنمية‭ ‬المعرفة‭ ‬

  ‬تؤدي‭ ‬اللّغة‭ ‬دورًا‭ ‬مهمًا‭ ‬في‭ ‬حياة‭ ‬الأمم‭ ‬وتاريخها،‭ ‬لأنّ‭ ‬اللغة‭ ‬هي‭ ‬الأمة‭ ‬مكثفة،‭ ‬وقد‭ ‬قال‭ ‬فيخته‭: ‬‮«‬اللغة‭ ‬والأمة‭ ‬أمران‭ ‬متلازمان‭ ‬ومتعادلان‮»‬‭. ‬وقد‭ ‬نشأت‭ ‬الحضارات‭ ‬الأولى‭ ‬في‭ ‬أودية‭ ‬الأنهار‭ ‬الكبرى،‭ ‬فكانت‭ ‬بدايتها‭ ‬في‭ ‬وادي‭ ‬الرافدين‭ ‬ووادي‭ ‬النيل،‭ ‬تتوافر‭ ‬في‭ ‬تلك‭ ‬الأودية‭ ‬ما‭ ‬للحضارات‭ ‬من‭ ‬مقوّمات‭ ‬ومن‭ ‬تحدّيات‭ ‬في‭ ‬توازن‭ ‬واستواء،‭ ‬وفي‭ ‬مقوّمات‭ ‬تتحدّى‭ ‬الإنسان‭ ‬للعمل،‭ ‬وتنشأ‭ ‬الحضارة‭ ‬فيها‭ ‬من‭ ‬توافر‭ ‬شرطين‭: ‬1‭- ‬بناء‭ ‬المدينة‭ ‬بطوائف‭ ‬العاملين‭ ‬فيها،‭ ‬ويتوافر‭ ‬لهم‭ ‬الغذاء‭ ‬ممّا‭ ‬حولها‭ ‬من‭ ‬القرى‭ ‬في‭ ‬الزّراعة‭ ‬وصيد‭ ‬الحيوان،‭ ‬فيتاح‭ ‬لهم‭ ‬التفكير‭ ‬والتأمّل‭ ‬في‭ ‬شئون‭ ‬الحياة‭. ‬2‭- ‬اختراع‭ ‬الكتابة‭ ‬لتدوّن‭ ‬خبرات‭ ‬المجتمعات‭ ‬وهي‭ ‬تتراكم‭ ‬وتتداولها‭ ‬الأجيال‭ ‬بالتربية،‭ ‬فيكون‭ ‬اختراعها‭ ‬الشرارة‭ ‬التي‭ ‬اتّقدت‭ ‬منها‭ ‬الحضارة‭ ‬الأولى‭ ‬في‭ ‬الواديين‭ ‬في‭ ‬تتابع‭ ‬وانتظام‭. ‬وأتى‭ ‬بعد‭ ‬ذلك‭ ‬اختراع‭ ‬الأبجدية‭ ‬في‭ ‬بلاد‭ ‬الشام‭ ‬فتحًا‭ ‬كبيرًا‭ ‬في‭ ‬مسيرة‭ ‬الحضارات،‭ ‬اختراعًا‭ ‬تتناقله‭ ‬المجتمعات‭ ‬والأمم،‭ ‬ويتحقّق‭ ‬حظّ‭ ‬أوفى‭ ‬من‭ ‬تدوين‭ ‬الخبرات‭ ‬تدوينًا‭ ‬يكشف‭ ‬عمّا‭ ‬في‭ ‬اللغات‭ ‬من‭ ‬أهمية‭ ‬كبرى‭ ‬في‭ ‬مسيرة‭ ‬الحضارات‭. ‬وكان‭ ‬للغة‭ ‬العربية‭ ‬شأنها‭ ‬العظيم‭ ‬في‭ ‬تلك‭ ‬المسيرة،‭ ‬بما‭ ‬لها‭ ‬من‭ ‬خصائص‭ ‬العراقة‭ ‬في‭ ‬تكوينها‭ ‬وسلامة‭ ‬أصولها،‭ ‬وغزارة‭ ‬مفرداتها،‭ ‬وسعة‭ ‬أصوات‭ ‬الحروف‭ ‬فيها،‭ ‬وانفتاحها‭ ‬على‭ ‬التطوّر،‭ ‬ولاسيما‭ ‬بالاشتقاق‭ ‬والمجاز،‭ ‬واستيعابها‭ ‬لخصائص‭ ‬بيئتها‭ ‬وأحوال‭ ‬قومها‭ ‬حتى‭ ‬عرف‭ ‬شعرها‭ ‬بأنه‭ ‬‮«‬ديوان‭ ‬العرب‮»‬‭. ‬وجاء‭ ‬اختراع‭ ‬الطباعة‭ ‬فتحًا‭ ‬بينًا،‭ ‬حيث‭ ‬تتداول‭ ‬الأيدي‭ ‬الكتب‭ ‬في‭ ‬شتى‭ ‬اللغات،‭ ‬وتتغنّى‭ ‬بها‭ ‬المؤسسات‭ ‬التربوية‭ ‬أيّما‭ ‬غناء،‭ ‬بدءًا‭ ‬من‭ ‬تعلّم‭ ‬القراءة‭ ‬والكتابة‭ ‬إلى‭ ‬ثمار‭ ‬الفكر‭ ‬الإنساني‭ ‬في‭ ‬مختلف‭ ‬مجالات‭ ‬المعرفة،‭ ‬ثمّ‭ ‬أتت‭ ‬فتوحات‭ ‬جديدة‭ ‬تمثلت‭ ‬في‭ ‬المعرفة‭ ‬العلمية‭ ‬والثقافية،‭ ‬وبأدوات‭ ‬خزن‭ ‬المعارف،‭ ‬وتزداد‭ ‬أهمية‭ ‬اللغات،‭ ‬سواء‭ ‬في‭ ‬تداولها‭ ‬في‭ ‬الحياة‭ ‬أو‭ ‬في‭ ‬التعويل‭ ‬عليها‭ ‬في‭ ‬التربية‭ ‬والتعليم،‭ ‬فهي‭ ‬حاضرة‭ ‬في‭ ‬كلّ‭ ‬زوايا‭ ‬البيوت،‭ ‬بالمذياع‭ ‬ينقل‭ ‬للمستمع‭ ‬البعيد‭ ‬والقريب‭ ‬من‭ ‬محطات‭ ‬الإذاعة‭ ‬بشتى‭ ‬اللغات،‭ ‬وبالتلفاز‭ ‬يجمع‭ ‬إلى‭ ‬الإذاعة‭ ‬الصوتية‭ ‬إذاعة‭ ‬الصور‭ ‬بشتى‭ ‬أشكالها‭ ‬وعلى‭ ‬تعدّد‭ ‬مصادرها،‭ ‬وبشبكات‭ ‬الحاسوب‭ ‬تُدني‭ ‬المخزون‭ ‬من‭ ‬كنوز‭ ‬المعلومات‭. ‬وكانت‭ ‬اللغة‭ ‬العربية‭ ‬مفتاحًا‭ ‬لمغاليق‭ ‬المعرفة،‭ ‬فهي‭ ‬تجعل‭ ‬المرء‭ ‬متصلًا‭ ‬ببيئته،‭ ‬غير‭ ‬بعيد‭ ‬عن‭ ‬الحياة‭ ‬التي‭ ‬تحيط‭ ‬به،‭ ‬كما‭ ‬يكون‭ ‬بمقدوره‭ ‬أن‭ ‬يتابع‭ ‬ما‭ ‬تصل‭ ‬إليه‭ ‬العلوم‭ ‬والآداب‭ ‬من‭ ‬تطوّر‭ ‬وتجديد‭ ‬وتحديث‭.‬‭ ‬وهي‭ ‬اللغة‭ ‬الأم‭ ‬التي‭ ‬بها‭ ‬يتمّ‭ ‬التواصل‭ ‬بين‭ ‬أبناء‭ ‬المجتمع،‭ ‬وعن‭ ‬طريقها‭ ‬يكتسب‭ ‬الناس‭ ‬خبراتهم‭ ‬ومهاراتهم،‭ ‬وتنمو‭ ‬معارفهم،‭ ‬ويرتبطون‭ ‬في‭ ‬ما‭ ‬بينهم،‭ ‬وبتراثهم‭ ‬وحضاراتهم،‭ ‬ويتواصلون‭ ‬مع‭ ‬ركب‭ ‬الحضارة‭ ‬والتطوّر‭. ‬وقد‭ ‬صانت‭ ‬هذه‭ ‬اللغة‭ ‬ذلك‭ ‬التراث‭ ‬الحضاري،‭ ‬فاستقى‭ ‬منه‭ ‬طلاب‭ ‬الحق‭ ‬والمعرفة‭ ‬من‭ ‬بناة‭ ‬الحضارة‭ ‬الحديث،‭ ‬ولم‭ ‬لا،‭ ‬واللغة‭ ‬العربية‭ ‬الفصيحة‭ ‬أداتنا‭ ‬التواصلية‭ ‬حين‭ ‬نكتب،‭ ‬وحين‭ ‬نتحدّث‭ ‬في‭ ‬قاعات‭ ‬الدرس،‭ ‬والندوات‭ ‬والمناقشات،‭ ‬وفي‭ ‬لغة‭ ‬الإعلام‭ ‬والصّحافة،‭ ‬وهي‭ ‬الجسر‭ ‬الذي‭ ‬بوساطته‭ ‬نعبر‭ ‬إلى‭ ‬حضارة‭ ‬الأمة‭ ‬وتراثها‭ ‬المعرفي‭ ‬والثقافي؟

 

دور‭ ‬اللغة‭ ‬العربية‭ ‬في‭ ‬وحدة‭ ‬الأمة‭ ‬

‭ ‬عندما‭ ‬انفصلت‭ ‬عن‭ ‬الدولة‭ ‬الإسلامية‭ ‬بعض‭ ‬أجزائها‭ ‬إن‭ ‬في‭ ‬الشرق‭ ‬أو‭ ‬في‭ ‬الغرب،‭ ‬رأينا‭ ‬السهام‭ ‬تتوجّه‭ ‬أولًا‭ ‬إلى‭ ‬أهم‭ ‬مقتل‭ ‬لحضارة‭ ‬هذه‭ ‬الأمة،‭ ‬ألا‭ ‬وهو‭ ‬لغتها،‭ ‬إذ‭ ‬أخذت‭ ‬الدول‭ ‬المستعمرة‭ ‬تشجّع‭ ‬الأمية،‭ ‬لتضعف‭ ‬المقاومة‭ ‬ويصبح‭ ‬المجال‭ ‬سهلًا‭ ‬لغلبة‭ ‬ما‭ ‬يريدون،‭ ‬والوصول‭ ‬إلى‭ ‬هدم‭ ‬الهوية‭ ‬العربية‭ ‬عن‭ ‬طريق‭ ‬استلاب‭ ‬ثقافتها،‭ ‬حتّى‭ ‬لا‭ ‬تكون‭ ‬لديها‭ ‬القدرة‭ ‬على‭ ‬استئناف‭ ‬الدّور‭ ‬الثقافي‭ ‬الذي‭ ‬كانت‭ ‬تضطلع‭ ‬به‭ ‬قرونًا‭. ‬وإهمال‭ ‬التعليم،‭ ‬يسهّل‭ ‬الطريق‭ ‬أمام‭ ‬انتشار‭ ‬الأمية،‭ ‬وقد‭ ‬شجّعوا‭ ‬اللّغات‭ ‬العامية،‭ ‬ليفتّتوا‭ ‬وحدتها،‭ ‬لأنّهم‭ ‬يعلمون‭ ‬أنّ‭ ‬اللغة‭ ‬أهم‭ ‬موحدة‭ ‬لهذه‭ ‬الأمة،‭ ‬فأشاعوا‭ ‬سهولة‭ ‬العامية،‭ ‬وصعوبة‭ ‬الفصحى‭ ‬ونحوها‭ ‬وصرفها،‭ ‬وشجّعوا‭ ‬على‭ ‬الكتابة‭ ‬بالعامية‭ ‬ونظم‭ ‬الشعر،‭ ‬ليرغِّبوا‭ ‬كلّ‭ ‬غرّ‭ ‬بالكتابة‭ ‬وإيهامه‭ ‬بقرض‭ ‬الشعر‭ ‬بالعامية،‭ ‬بل‭ ‬نادوا‭ ‬بالتجديد‭ ‬في‭ ‬حروفها‭ ‬التي‭ ‬تناسب‭ ‬كلّ‭ ‬لهجة،‭ ‬وأدخلوا‭ ‬في‭ ‬روعنا‭ ‬أنّ‭ ‬اللّغة‭ ‬الفصيحة‭ ‬ليست‭ ‬لغة‭ ‬علم‭ ‬وحضارة‭ ‬معاصرة،‭ ‬وأوهمونا‭ ‬أن‭ ‬نقل‭ ‬العلوم‭ ‬الحديثة‭ ‬إليها‭ ‬صعب،‭ ‬وزرعوا‭ ‬فينا‭ ‬الشك‭ ‬في‭ ‬قدرة‭ ‬الحرف‭ ‬العربي‭ ‬على‭ ‬التشكيل‭ ‬والوفاء‭ ‬بالتعريب‭ ‬في‭ ‬العلوم‭ ‬خاصة،‭ ‬وفي‭ ‬جوانب‭ ‬المعرفة‭ ‬عامة‭. ‬إلا‭ ‬أن‭ ‬الدعاوى‭ ‬الموجّهة‭ ‬ضد‭ ‬‮«‬الفصحى‮»‬‭ ‬قوبلت‭ ‬بما‭ ‬يشبه‭ ‬الإجماع‭ ‬من‭ ‬قبل‭ ‬الشعب‭ ‬العربي‭ ‬من‭ ‬محيطه‭ ‬إلى‭ ‬خليجه،‭ ‬ولسان‭ ‬حالهم‭ ‬يقول‭: ‬إنا‭ ‬ننطلق‭ ‬من‭ ‬اعتقاد‭ ‬راسخ‭ ‬بأنّ‭ ‬اللغة‭ ‬العربية‭ ‬هي‭ ‬نحن،‭ ‬وهي‭ ‬ماضينا‭ ‬وحاضرنا‭ ‬ومستقبلنا‭ ‬وصورتنا،‭ ‬وفكرنا‭ ‬وهي‭ ‬لغة‭ ‬مجتمعنا‭ ‬وهويتنا،‭ ‬وأصالتنا،‭ ‬وهي‭ ‬لغتنا‭ ‬وهي‭ ‬نحن،‭ ‬ونحن‭ ‬هي،‭ ‬وعلينا‭ ‬أن‭ ‬نتمسّك‭ ‬بها‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬مراء‭ ‬أو‭ ‬مفاضلة‭ ‬أو‭ ‬مقارنة‭ ‬أو‭ ‬تشكيك،‭ ‬فهي‭ ‬روحنا‭ ‬ومجتمعنا‭ ‬ومصيرنا،‭ ‬ولا‭ ‬وجود‭ ‬لنا‭ ‬بغير‭ ‬وجودها،‭ ‬غدت‭ ‬هي‭ ‬وحدتنا‭ ‬واستمرارنا‭ ‬ووعاء‭ ‬حضورنا‭ ‬المشترك‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬العصر‭.‬

  ‬ولعلّ‭ ‬أبرز‭ ‬مظاهر‭ ‬الدّور‭ ‬الذي‭ ‬تلعبه‭ ‬اللّغة‭ ‬أنّها‭ ‬لا‭ ‬تترجم‭ ‬الحاجات‭ ‬والأهداف‭ ‬التي‭ ‬يعبّر‭ ‬بها‭ ‬وحسب،‭ ‬ولكن‭ ‬دورها‭ ‬يذهب‭ ‬إلى‭ ‬ما‭ ‬هو‭ ‬أبعد‭ ‬من‭ ‬ذلك؛‭ ‬إذ‭ ‬تؤدّي‭ ‬عمّن‭ ‬يتكلّم‭ ‬بها‭ ‬ما‭ ‬يكتنف‭ ‬ألفاظه‭ ‬من‭ ‬مشاعر‭ ‬وأحاسيس‭ ‬ترتبط‭ ‬بالأجواء‭ ‬الثقافية‭ ‬التي‭ ‬تحفّ‭ ‬بالمفردة‭ ‬والعبارة،‭ ‬وبالأسلوب‭ ‬الذي‭ ‬صيغت‭ ‬فيه،‭ ‬ممّا‭ ‬يؤدّي‭ ‬مع‭ ‬الزّمن‭ ‬إلى‭ ‬شيء‭ ‬من‭ ‬التجانس‭ ‬بين‭ ‬طرق‭ ‬التفكير‭ ‬والاهتمامات‭ ‬بين‭ ‬أفرادها‭. ‬ولا‭ ‬ينحصر‭ ‬دور‭ ‬اللغة‭ ‬في‭ ‬التعبير‭ ‬عن‭ ‬عواطف‭ ‬الإنسان‭ ‬وفكره‭ ‬وإبلاغها‭ ‬للآخرين،‭ ‬بل‭ ‬يتعدّى‭ ‬ذلك‭ ‬ليشمل‭ ‬عملية‭ ‬التوجّه‭ ‬نحو‭ ‬الداخل‭ ‬‮«‬الذات‭ ‬والنفس‮»‬،‭ ‬والخارج‭ ‬‮«‬العالم‭ ‬والواقع‮»‬‭ ‬على‭ ‬حدّ‭ ‬سواء،‭ ‬ولعلّ‭ ‬أكثر‭ ‬ما‭ ‬تتّضح‭ ‬عليه‭ ‬صورة‭ ‬الدّور،‭ ‬الذي‭ ‬تلعبه‭ ‬اللغة‭ ‬جلاءً‭ ‬في‭ ‬صياغة‭ ‬عقلية‭ ‬الفرد‭ ‬والمجتمع‭ ‬ما‭ ‬ذهب‭ ‬إليه‭ ‬إدوارد‭ ‬سابير‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬‮«‬اللغة‭ ‬تنظم‭ ‬تجربة‭ ‬المجتمع،‭ ‬وهي‭ ‬التي‭ ‬تصوغ‭ ‬عالمه‭ ‬وواقعه‭ ‬الحقيقي،‭ ‬وأنّ‭ ‬كلّ‭ ‬لغة‭ ‬تنطوي‭ ‬على‭ ‬رؤية‭ ‬خاصة‭ ‬للعالم،‭ ‬لذلك‭ ‬نجدها‭ ‬الأساس‭ ‬الذي‭ ‬تنبني‭ ‬عليه‭ ‬الهوية‭ ‬الاجتماعية،‭ ‬علاوة‭ ‬على‭ ‬الهوية‭ ‬الفردية‮»‬‭.  ‬ولبيان‭ ‬أهمية‭ ‬الدور‭ ‬الذي‭ ‬تلعبه‭ ‬اللغة‭ ‬في‭ ‬منح‭ ‬الفرد‭ ‬شعورًا‭ ‬بالانتماء‭ ‬إلى‭ ‬المجتمع‭ ‬الذي‭ ‬يتكلّم‭ ‬لغته،‭ ‬والدور‭ ‬الذي‭ ‬تؤدّيه‭ ‬في‭ ‬التقريب‭ ‬بين‭ ‬من‭ ‬يتكلّمونها‭. ‬فلابدّ‭ ‬من‭ ‬تجديد‭ ‬البناء‭ ‬الحضاري‭ ‬للعالم‭ ‬أجمع،‭ ‬بالتحالف‭ ‬بين‭ ‬الحضارات،‭ ‬لا‭ ‬بالحوار‭ ‬فقط،‭ ‬بل‭ ‬بالتعاون‭ ‬المثمر‭ ‬بين‭ ‬الأمم‭ ‬والشعوب،‭ ‬وهذه‭ ‬مهمة‭ ‬قيّمة‭ ‬لأولي‭ ‬العزم‭ ‬والحكمة‭ ‬وذوي‭ ‬الإرادات‭ ‬الخيّرة‭ ‬والعقول‭ ‬النيّرة‭ ‬من‭ ‬شتى المشارب‭ ‬والاتجاهات،‭ ‬ومن مختلف‭ ‬الحضارات‭ ‬والثقافات،‭ ‬لبناء‭ ‬مستقبل‭ ‬آمن‭ ‬ومزدهر‭. ‬

ولابدّ‭ ‬لإنجاز‭ ‬هذه‭ ‬المهمة‭ ‬من‭ ‬وحدة‭ ‬اللغة‭ ‬التي‭ ‬يتفاهم‭ ‬الناس‭ ‬بها،‭ ‬بحيث‭ ‬تكون‭ ‬المعاني‭ ‬المقصودة‭ ‬بكلامهم،‭ ‬وإن‭ ‬اختلفت‭ ‬مخارجه‭ ‬ومدارجه،‭ ‬واحدة‭ ‬لدى‭ ‬الناس‭ ‬كافة‭. ‬ولما‭ ‬كانت‭ ‬مادة‭ ‬النصوص‭ ‬أخطر‭ ‬المواد‭ ‬التي‭ ‬يتربّى‭ ‬عليها‭ ‬التلاميذ،‭ ‬فقد‭ ‬بات‭ ‬لزامًا‭ ‬أن‭ ‬تعدّ،‭ ‬أو‭ ‬تختار‭ ‬بطريقة‭ ‬محكمة‭ ‬ومدروسة‭. ‬ولتحقيق‭ ‬ما‭ ‬تقدّم؛‭ ‬فإن‭ ‬من‭ ‬الضروري‭ ‬عقد‭ ‬مؤتمرات‭ ‬وتنظيم‭ ‬لقاءات‭ ‬بين‭ ‬مدرسي‭ ‬اللغات‭ ‬على‭ ‬الصعيدين‭ ‬الوطني‭ ‬والدولي،‭ ‬لوضع‭ ‬استراتيجية‭ ‬تتناغم‭ ‬مع‭ ‬متطلبات‭ ‬العولمة‭ ‬القائمة‭ ‬على‭ ‬أسس‭ ‬العدل‭ ‬والمشاركة‭ ‬الحقيقية‭ ‬بين‭ ‬الشعوب،‭ ‬ولابدّ‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬السياق‭ ‬من‭ ‬وضع‭ ‬معجم‭ ‬دولي‭ ‬تعتمده‭ ‬كل‭ ‬الأمم؛‭ ‬وإلى‭ ‬أن‭ ‬يتحقق‭ ‬ذلك‭ ‬لا‭ ‬بدّ‭ ‬من‭ ‬الحفاظ‭ ‬على‭ ‬الثوابت‭ ‬الحضارية‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬ما‭ ‬نقدّمه‭ ‬لأبنائنا‭ ‬من‭ ‬وجبات‭ ‬الفكر‭ ‬والثقافة؛‭ ‬مع‭ ‬استمرار‭ ‬الدعوة‭ ‬لإشاعة‭ ‬العدل‭ ‬في‭ ‬ربوع‭ ‬العالم،‭ ‬والسّعي‭ ‬لإقامة‭ ‬مجتمع‭ ‬عالمي‭ ‬واحد‭.. ‬ويقول‭ ‬رامبو‭: ‬مادامت‭ ‬كل‭ ‬لغة‭ ‬فكرة‭ ‬فسوف‭ ‬يأتي‭ ‬اليوم‭ ‬الذي‭ ‬تكون‭ ‬فيه‭ ‬اللغة‭ ‬عالمية‭ ‬تتحدّث‭ ‬من‭ ‬النفس‭ ‬إلى‭ ‬النفس،‭ ‬لغة‭ ‬لكلّ‭ ‬العصور‭ ‬والأصوات‭ ‬والألوان،‭ ‬لأنّها‭ ‬رابطة‭ ‬لكلّ‭ ‬الفكر،‭ ‬تعبّر‭ ‬عن‭ ‬الانتماء‭ ‬لمجتمع‭ ‬ما،‭ ‬وبالتالي‭ ‬فإنها‭ ‬صدى‭ ‬لحضارة‭ ‬ما‭... ‬فكلّما‭ ‬كان‭ ‬الرّفد‭ ‬المعرفي‭ ‬لتلك‭ ‬الحضارة‭ ‬كبيرًا‭ ‬ومتواصلاً،‭ ‬كانت‭ ‬اللغة‭ ‬والمنتمون‭ ‬لها‭ ‬في‭ ‬أوج‭ ‬حضورهم‭ ‬العالمي‭. ‬وكلّما‭ ‬كان‭ ‬الرفد‭ ‬المعرفي‭ ‬لمجتمع‭ ‬ما‭ (‬حضارة‭) ‬ضعيفًا‭ ‬وغير‭ ‬متواصل‭ ‬مع‭ ‬الحضارة‭ ‬الإنسانية،‭ ‬كان‭ ‬دور‭ ‬اللغة‭ ‬والمنتمين‭ ‬لها‭ ‬هامشيًا‭ ‬في‭ ‬الحضارة‭ ‬الإنسانية‭. ‬وما‭ ‬اللغة‭ ‬إلا‭ ‬ترجمان‭ ‬لتلك‭ ‬الانفعالات‭ ‬تمامًا‭ ‬على‭ ‬نحو‭ ‬ما‭ ‬قاله‭ ‬الشاعر‭ ‬العربي‭:‬

إنّ‭ ‬الكلام‭ ‬لفي‭ ‬الفؤاد‭ ‬وإنّما

جُعل‭ ‬اللّسان‭ ‬على‭ ‬الفؤاد‭ ‬دليلا‭ ‬‭.