المهرولون في خط الكلام

المهرولون في خط الكلام

العالم الافتراضي الذي نرسمه في خيالنا أو على الورق لم يعد اليوم كما كان منذ عقدين تقريبا، والعالم الذي نعتبره حقيقيا بدأ (يترقمن) شيئا فشيئا، ساحبا معه أشياء وعادات متوارثة لم يتوقع أحد لها أن تتحلل بهذه السرعة، ومن بينها قراءة الصحيفة الورقية صباحا مع كوب من الشاي أو فنجان قهوة. لقد أصبحت غريبا في محيطي، لأني ما زلت مواظبا على قراءة الصحف، رغم علمي المسبق بوفاة أغلب أخبارها إلا التقارير والتغطيات الطويلة والمقالات التحليلية، فلا يصح برأيي قراءتها في مساحة ضيقة كشاشة الهواتف الذكية، في ما عدا أثناء السفر لأن المضطر يركب الصعب.
العالم الرقمي المتعاظم، وضع رأسه برأس عادة التسوق وهي وإن كانت صامدة في الأسواق المحلية إلا أنها أصبحت وبالا على ميزانية الأسرة إذا ما عرفت «أم العيال» طريق التسوق الخارجي، كما نجح هذا العالم في رقمنة الإنسان، ليصبح أيقونة لها اسم مستعار تمكث طويلا في الرقمي وتنسحب من دوائر التفاعل البشري. لقد كان هذا النمط من التحول مقصورا بشكل رئيسي على الشباب المقبلين على كل ما هو جديد، ولكن في السنوات الأخيرة حدث تحول كبير أستطيع تشبيهه بعملية «حرق مراحل» غير مسبوقة، تتلخص في انتقال شريحة عريضة من نقطة العزوف عن ملامسة «الفأرة» إلى نقطة «اللمس» على شاشة هاتف ذكي مرة واحدة، مع حرص تلك الشريحة على الوجود في وسائل التواصل الاجتماعي كمراقبين لما يجري، ومتابعة ما يكتبه أبناؤهم وبقية الأهل والأصدقاء.
لقد عاد الالتحام بين الأقرباء ولكن من دون مصافحة ومعانقة، لأن الالتحام تم بصورة رقمية، هم يتبادلون أخبارهم وبأدق التفاصيل ولكن من دون كلام، يهنئون بعضهم البعض في الأعياد والمناسبات برسائل منسوخة باردة، واللحظات التي يرجعون فيها إلى عالم البشر هي لحظة خروجهم القسري من عالمهم الرقمي بسبب انقطاع خدمة الإنترنت أو تعطل برنامج «تويتر» أو «فيس بوك».
إن صخب المجالس والمقاهي والمنتديات خمد بسبب الهرولة داخل خط الكلام، ولمن لا يعرفه هو ذلك المسار الإلكتروني الضيق الذي ندخله لنكتب فيه بعض الكلمات، وبعد ثوان يصبح كلامنا من الماضي القريب وبعد ساعة ننساه قبل أن ينساه المهرولون معنا، لذلك نعيد الكرة، وغيرنا يفعل، في دوامة لا نهاية من الكتابة على «الهواء» الرقمي. الأمر لم يقف عند هذا الحد، لقد عبث خط الكلام في صفو صداقات تجمدت منذ سنوات عند مشهد وداع لآخر يوم في الثانوية أو نهاية الخدمة العسكرية، بسبب صدمة الاختلافات، وبمعنى آخر خسرنا القريب والبعيد في الحياة الحقيقية وكسبنا المئات وربما الآلاف من الأصدقاء الرقميين الذين لن تجمعنا معهم صورة حقيقية واحدة!
إن خط الكلام ليس شرا مطلقا ففيه تنتقل الأخبار بسرعة البرق، وفيه يخاطب المشاهير من لاعبين وفنانين وأدباء ورؤساء دول الناس بصورة تفاعلية مباشرة، وفيه تتكشف لبعض أصحاب القرار علل حجبت عنهم أحجامها الحقيقية. الشر ومكمن العلة في السلوك البشري الذي فضل العيش في مناطق «الفضفضة» الرقمية أكثر من الحياة الحقيقية. في الختام، لا أعتقد أن المخاطر التي تواجه البشر باتت مقصورة على الحروب والأوبئة، لأني أرى العالم الذي أعرفه يتم ابتلاعه رويدا رويدا من قبل العالم الافتراضي، والبشر باتوا أكثر اعتمادا على أصابعهم من حواسهم في التواصل مع بعضهم البعض، فهل يا ترى ذلك هو المستقبل الذي نطمح للوصول إليه... بشر على هيئة آلة؟! .