العطاء الوطني والقومي والإنساني لصاحب السمو الشيخ صباح الأحمد الجابر الصباح

العطاء الوطني والقومي والإنساني  لصاحب السمو الشيخ صباح الأحمد الجابر الصباح

في شهر مايو الماضي تشرفت بلقاء حضرة صاحب السمو الشيخ صباح الأحمد الصباح برفقة معالي الأستاذ الدكتور محمد صفي الدين أبو العز وزير الشباب الأسبق بجمهورية مصر العربية، وكان ذلك قبيل انتخابات رئاسة الجمهورية بأيام قليلة. وقد تحدث سموه يومها حديثًا مستفيضًا عن مصر، يشيد بمكانتها ويتمنى لها التعافي السريع من الظروف الصعبة التي مرت بها في السنتين الأخيرتين.


لم يكن هذا الاهتمام بشؤون الإخوة في مصر، بل وهموم العرب في كل مكان، بالجديد على سموه، بل كان سمة مميزة لشخصه منذ بدايات حياته وعلى امتداد مسيرة عمله المباركة في مواقع المسؤولية المختلفة، فإذا عدنا بالذاكرة إلى بداية تمرسه في العمل العام حينما لم يكن عمره قد تجاوز الخامسة والعشرين، وجدنا أن سمو الشيخ عبدالله السالم الصباح قد أصدر عام 4591م أمرًا بتعيينه عضوًا في اللجنة التنفيذية العليا التي عهد إليها بمهمة تنظيم مصالح الحكومة ودوائرها الرسمية ووضع خطط عملها ومتابعة تنفيذ تلك الخطط، وكان هذا التعيين بداية لإسناد مسؤوليات وطنية كبيرة تتناسب مع قدرات سموه وإمكاناته، وتوالت المهام الوطنية الكبيرة التي شملت تعيينه رئيسًا لدائرة الشؤون الاجتماعية والعمل ورئاسة دائرة المطبوعات والنشر عام 7591م، وإثر استقلال دولة الكويت في 91 من يونيو 1691م، تولى رئاسة هاتين الدائرتين وأصبح بحكم منصبه عضوًا في المجلس الأعلى الذي كان بمنزلة مجلس الوزراء، كما عُيِّن عضوًا في المجلس التأسيسي الذي عهد إليه بمهمة وضع دستور دولة الكويت.
وفي التشكيل الوزاري الثاني في فبراير 3691م، تولى حقيبة وزارة الخارجية ورئاسة اللجنة الدائمة لمساعدات الخليج العربي.
وكان صاحب السمو الشيخ صباح قد بدأ ممارسة الكثير من الأنشطة الاجتماعية التي أكسبته خبرة مميزة حين مارس العمل الحكومي؛ من أبرزها:
- رئاسته لنادي المعلمين الذي كان يضم جميع المدرسين الكويتيين العاملين في دائرة المعارف وغيرهم من ذوي النشاط الثقافي والتربوي، وكان لسموه دور بارز ومهم في إحياء الأنشطة التي يقوم بها هذا النادي.
- اهتمامه الكبير بعدد من المشروعات الاجتماعية خلال توليه رئاسة دائرة الشؤون الاجتماعية التي أُسست عام 4591م ومنها:
< وضع القواعد التنظيمية من أجل إفساح فرص العمل الملائم أمام المواطنين.
< استقرار العلاقة بين العمال وأصحاب العمل.
< استحداث مراكز للتدريب الفني والمهني للفتيات وتزويدهن بقسط من الثقافة والمعلومات العامة لتخريج أكبر عدد من المهنيات للعمل في وزارات الدولة.
< رعاية الطفولة والأمومة، والعجزة والمسنين وذوي الاحتياجات الخاصة.
< تشجيع قيام الجمعيات النسائية تقديرًا منه لدور المرأة في المجتمع.
< رعاية الشباب وإعدادهم نفسيًا واجتماعيًا وبدنيًا، وذلك بالتعاون مع دائرة المعارف.
< العناية بالمسرح وإتاحة المجال أمام الشباب الكويتيين الراغبين في ممارسة هذه الهواية.
< إنشاء الأندية الرياضية لتحقيق المزيد من الازدهار للحركة الرياضية في الكويت.
< إنشاء مركز لرعاية الفنون الشعبية عام 6591م لحفظ التراث الشعبي الكويتي.
وفي مجال إدارة المطبوعات والنشر التي عهد بها إليه إضافة إلى دائرة الشؤون الاجتماعية، أنجز كثيراً من الأعمال، أبرزها:
- إصدار الجريدة الرسمية للكويت (الكويت اليوم) لتسجل جميع الوقائع الرسمية.
- إصدار مجلة العربي لتكون هدية الكويت إلى الوطن العربي من المحيط إلى الخليج.
- إعادة نشر الكتب والمخطوطات القديمة إحياء للتراث العربي.
- إصدار قانون المطبوعات والنشر الذي شجع الصحافة السياسية وكفل لها حريتها.
أما في مجال اهتمام سموه بالعمل الاجتماعي والسياسي خارج الكويت، فقد تنامى ذلك على النحو الآتي:
أولاً: العمل الاجتماعي والسياسي في منطقة الخليج
تنبهت الكويت مبكرًا إلى ضرورة تقديم الدعمين المادي والمعنوي إلى الإمارات العربية في الخليج، وكانت تدعى إمارات الساحل المهادن، قبل أن تشكل نظامًا جديدًا يشملها تحت لواء دولة الإمارات العربية المتحدة. وكان ذلك قد بدأ إثر البعثة التي أرسلها مجلس المعارف في الكويت بناء على توجيهات المغفور له الشيخ عبدالله السالم الصباح في الفترة من ٥١ إلى ٢٢ مارس ٣٥٩١م إلى الإمارات لتعرُّف الأوضاع التعليمية والاجتماعية بها. وكان من نتائج ذلك أن بادرت حكومة الكويت منذ نهاية عام ٣٥٩١م إلى إقامة المدارس والمستشفيات وغيرها من المؤسسات الاجتماعية والخدمية في وقت كانت فيه بعض مناطق الكويت لا تزال بحاجة إلى مثل هذه المؤسسات. 
ثم راحت هذه المساعدات تأخذ طابعًا مكثفًا وأكثر تنظيمًا حين تقلد صاحب السمو الشيخ صباح الأحمد وزارة الخارجية عام ٣٦٩١م وعهد إليه برئاسة اللجنة الدائمة لمساعدة الخليج العربي، هذه اللجنة التي أُسست بمرسوم أميري عام ٢٦٩١م وحددت طبيعة عملها في شكل منح دون مقابل، ولا يترتب على منحها أي شروط سياسية أو اقتصادية. 
وحين تولى سموه رئاسة اللجنة، استطاع تعزيز المبالغ المخصصة لها نتيجة التوسع في تقديم هذه المساعدات حتى امتد نشاطها من إمارات الخليج العربي إلى كل من اليمن الجنوبي واليمن الشمالي وسلطنة عمان وجنوب السودان، وقد كان الوضع في المجال التعليمي وفي مجال الخدمات الاجتماعية والعامة هناك دافعًا إلى إيفاد بعثة فنية - أمر بها - لمسح المنطقة مسحًا اجتماعيًا شاملاً من أجل التعرف على احتياجاتها، وخاصة بعدما أوضحت تقارير منظمة اليونسكو مدى الحاجة الشديدة التي كانت تعاني منها تلك الإمارات في مجال الخدمات العامة. 
وفي ما يتصل بحرص سموه على تنقية الأجواء العربية والتأكيد على موقف الكويت الثابت في العمل على إيجاد حلول للمشكلات العربية انطلاقًا من الحرص على المصلحة القومية، كان للوساطات الكويتية بين الأشقاء دور مميّز في حل كثير من الخلافات. 
وكان أول اختبار للوساطة الكويتية الناجحة ما قام به سموه عندما شارك في اللقاء الذي نظمته الأحزاب المتنافسة في اليمن الشمالي (الجمهوريون والملكيون) مع ممثلي مصر والمملكة العربية السعودية، لوضع حد للحرب الأهلية في اليمن الشمالي، كما تابع هذا الأمر عندما استؤنفت الاجتماعات في الكويت مرة أخرى في أغسطس ٦٦٩١م. 
وإثر تدهور العلاقات بين الجمهورية العربية اليمنية، وجمهورية اليمن الديمقراطية وبدء الصدامات بينهما على الحدود المشتركة عام ٢٧٩١م، بادر سموه إلى بذل جهوده الدبلوماسية لإيقافها. 
واستمرت وساطته من أجل تحقيق المصالحة بين شطري اليمن، حتى أسفرت الزيارة التي قام بها إلى الدولتين في أكتوبر ٢٧٩١م عن توقيع اتفاقية سلام، واتفاقية خاصة بالتبادل التجاري بينهما، وذلك ضمن الإطار العام الذي كانت تقوم به وتنظمه الجامعة العربية. 
وكانت وساطة سموه ناجحة في الأزمة التي احتدمت بين جمهورية اليمن الديمقراطية وسلطنة عُمان ٠٨٩١م، حيث أسفرت بالتنسيق مع وزير خارجية دولة الإمارات العربية المتحدة عن توقيعهما اتفاقية خاصة بإعلان المبادئ، التي خففت من حدة التوتر بينهما، إلى أن تمت دعوة سموه لوزيري خارجية البلدين إلى اجتماع في الكويت عام ٤٨٩١ م، تم خلاله الاتفاق على إنهاء الحرب الإعلامية واحترام حسن الجوار، وإقامة علاقات دبلوماسية بينهما. 
وإيمانًا بأن الوحدة بين الشعبين اليمنيين في الشمال والجنوب قائمة على أرض الواقع ولا يعرقل قيامها سوى التوجهات الأيديولوجية المختلفة، واصل سموه سعيه الحثيث حتى كان اللقاء الذي دعا إليه على أرض الكويت في ٠٣ من مارس ٩٧٩١م بين الرئيسين علي عبدالله صالح وعبدالفتاح إسماعيل، محققًا الهدف المنشود من الوحدة بين شطري اليمن على المستوى الرسمي، ومن ثم كانت زيارة سمو الأمير الشيخ جابر الأحمد عام ١٨٩١م لشطري اليمن من أجل الاطلاع عن كثب على الأوضاع السائدة، وفهم أشمل وأوسع لقضايا كل منهما. 
وهكذا كان سلوك الكويت لا يستهدف مصلحة خاصة حين مساعدتها لشطري اليمن، على الرغم من الاختلاف في أيديولوجياتهما. 
وعقب إلغاء الحكومة البريطانية معاهدات الحماية وتخليها عن وجودها العسكري، بادر سمو الشيخ صباح الأحمد بالتعاون مع المملكة العربية السعودية على إنجاح مباحثات الاتحاد بين الإمارات العربية التي كانت تجري خلال الفترة من ٨٦٩١م إلى ١٧٩١م وبذل المساعي الحميدة من أجل تقريب وجهات النظر بين حكام الإمارات العربية، وعلى الرغم من قيام الاتحاد دون انضمام دولتي قطر والبحرين إليه، فإن ذلك يعد إنجازًا كبيرًا له أثره في إنقاذ المنطقة من أوضاع التجزئة والتشرذم التي كانت تعاني منها سنوات طوالا. 
وكان لسموه دور مهم حين قام بالوساطة الناجحة بشأن الادعاءات الإيرانية في البحرين، حيث ظلت هذه المشكلة زمنًا طويلاً تخص بريطانيا وإيران، بحكم خضوع البحرين للحماية البريطانية، ولكن صاحب السمو الشيخ صباح الأحمد من خلال المفاوضات المكثفة بين إيران والبحرين، وأسهمت فيها الكويت بدور فعال ومؤثر، توصل إلى الصيغة الملائمة التي ضَمَنت للبحرين حقها في تقرير مصيرها واستقلالها، وتخلي إيران عن ادعاءاتها بشأنها. 
ثانيًا: الاهتمام بتوازن السياسة الكويتية وثباتها وابتعادها عن المحاور العربية والإقليمية
تميزت سياسة الكويت بكونها نابعة من تقاليد الكويت المتوارثة في علاقاتها الإقليمية والدولية، فلقد كان سموه حريصًا على أن تكون سياسة الكويت الخارجية متماشية مع القرارات الجماعية للدول العربية والخليجية في إطار الجامعة العربية ومجلس التعاون لدول الخليج العربية، ولعل أبرز ما تميزت به سياسته الخارجية عدم التدخل في الشؤون الداخلية لدول أخرى. 
وارتكزت السياسة الكويتية دائمًا على أن أمن الكويت والحفاظ على نظامها السياسي يحتمان عليها أن تكون بعيدة عن المحاور العربية الإقليمية، والعمل على إقامة علاقات وثيقة مع الكثير من دول العالم، بغضّ النظر عن توجهات تلك الدول السياسية أو الأيديولوجية، فالمزيد من الأصدقاء يؤدي إلى محافظة الكويت على ذاتها وكيانها. 
ولم تقتصر الكويت في علاقاتها الخارجية مع الدول ذات الأنظمة اليسارية على الاتحاد السوفييتي الذي أقامت معه علاقة دبلوماسية إثر اعترافه باستقلال الكويت عام ٣٦٩١م، فقد أقامت علاقات دبلوماسية على مستوى السفراء مع جمهورية الصين الشعبية بعد الاعتراف بها في عام ٤٧٩١م، وكذلك مع بولندا ومجموعة الدول المنتمية إلى المعسكر الشرقي، وكان ذلك نابعًا من سياستها المتوازنة مع القوتين العظميين آنذاك. 
واستطاع سمو الشيخ صباح الأحمد من خلال مواقفه المعتدلة على مختلف الأصعدة، فضلاً عن إسهاماته الإيجابية في الوساطة، وفي مساعيه الحميدة المتعددة، أن يصل إلى حلول عادلة للكثير من الأزمات العربية والإقليمية والدولية، وليس من شك في أن الرغبة في تحقيق السلام بين أطراف الحرب الأهلية التي اندلعت في لبنان عام ٥٧٩١م، هي التي دعت الكويت إلى الوساطة بين القوى المتصارعة فيها، وكادت تؤدي إلى تقسيمها إلى دويلات صغيرة طبقًا للطوائف العديدة التي تقطن فيها، فحملت الكويت في مواجهة ذلك مسؤولية اللجنة السداسية التي ترأسها سمو الشيخ صباح الأحمد، وقدمت توصياتها وحصيلة أعمالها إلى مؤتمر القمة العربية في الدار البيضاء عام ٩٧٩١م، الذي رأى أن إنهاء الحرب الأهلية في لبنان من الأولويات العربية. وفي ضوء ذلك، أكد سموه في كلمته أمام الأمم المتحدة في ٢١ من أكتوبر ٩٧٩١م أن إحدى المشكلات التي تعرقل التوصل إلى حل في لبنان هي استمرار الاحتلال الإسرائيلي للجنوب اللبناني، ودعا المجتمع الدولي إلى إلزام إسرائيل بتنفيذ جميع القرارات التي أصدرها مجلس الأمن الدولي بشأن انسحابها الكامل من الأراضي اللبنانية. 
وبذلك قدمت الكويت نموذجًا مثاليًا لما يمكن للدول الصغيرة أن تتخذه من سياسة خارجية تستطيع بوساطتها أن تكون مؤثرة في الساحة الدولية. كما استطاع سموه أن يوظف بكفاءة واقتدار قوة الكويت المالية واستثماراتها الخارجية في العديد من دول العالم لتوسعة تأثيرها السياسي والاقتصادي في تلك الدول. 
وكانت الكويت هي أول دولة خليجية تقيم علاقات دبلوماسية مع الاتحاد السوفييتي، فأصبحت مؤهلة لأن تكون جسرًا بينه وبين دول مجلس التعاون الخليجي، وحرصًا من صاحب السمو الشيخ صباح على ألا تتهم هذه الدول بأنها أداة للمصالح الغربية، فإنه حث دول مجلس التعاون على أن تقتدي بما فعلته الكويت من إقامة علاقات دبلوماسية مع دول المعسكر الشرقي، وألا تخشى على ما يسود مجتمعاتها من قيم إسلامية.  ولم يأت نجاح الدبلوماسية الكويتية والسياسة التي أرسى دعائمها سموه مصادفة أو ناشئًا عن رهبة من قواعد عسكرية، وإنما كان ذلك راجعًا إلى عوامل عدة من أهمها: 
- مصداقية الكويت في سلوكها وفق مواثيق وقواعد وشروط المنظمات الدولية والإقليمية التي تنتمي إليها، مما أكسبها احترامًا دوليًا أكبر بكثير من حجمها الجغرافي وتعدادها السكاني. 
- حرية السياسة الكويتية وعدم تبعيتها لأي جهة أو اتجاه آخر جعل تحركها السياسي حرًا لا تحده قيود، ولا يخضع لأي توجهات غير وطنية، وذلك أقنع الأطراف المتعاملة إقليميًا ودوليًا معها بالاطمئنان إلى سلامة الموقف والسلوك الذي تنتهجه. 
- ثبات السياسة الكويتية وعدم تقلبها وفق الأمزجة والأهواء السياسية، وبناء هذه السياسة على قواعد موضوعية اختارتها بكل تجرد، مدعومة بمواقف العالم العربي أو الموقف الدولي. 
وبناء على تلك العوامل الموضوعية التي اتسمت بها السياسة الكويتية، اجتازت دولة الكويت أحداث العقود الماضية دون التنازل عن كرامتها أو حقوقها الوطنية، فضلاً عما اكتسبته من احترام وتقدير في محيطها الإقليمي وعلى المستوى الدولي بفضل القيادة الموفقة لربان الدبلوماسية الكويتية في العصر الحديث صاحب السمو الشيخ صباح الأحمد الجابر الصباح.
ثالثًا: الاهتمام بقضايا السلام والاستقرار والتضامن العربي
ارتكزت سياسة سموه في المجال العربي على مساعدة الدول العربية بكل ما تملكه الكويت من طاقات سياسية ومادية، بما في ذلك تقديم المنح والقروض للدول التي هي في حاجة إليها، إلى جانب التوفيق والوساطة في الكثير من الخلافات العربية والإقليمية. ولا يزال سموه على اقتناع تام بضرورة التعاون بين دول العالم وشعوبه جميعًا، وأن يكون للدول الكبرى إرادة سياسية فاعلة من أجل حلّ المشكلات العالمية والحرص على علاجها في إطار الرغبة الدولية، ومبادئ السلام والأمن الدوليين. ومن ثم كان حريصًا على مدّ الجسور السياسية والثقافية بين الكويت والعالم الخارجي، وأن تكون سياسة الكويت الخارجية نافذة تطل منها على ما يجري حولها من حركة التقدم العالمي. 
كما استطاع سموه أن يحقق للكويت مكانتها الإنسانية بفضل قيامه بدور المفاوض أو الوسيط في العديد من الأزمات العربية والإقليمية، حتى أصبح دور الوساطة من أهم الخصائص الرئيسة التي تميزت بها سياسة الكويت الخارجية، وفي كثير من الأحيان كان سموه يأخذ زمام المبادرة لهذه الوساطات بنفسه، أو يكون الأمر استجابة لدعوات توجه إليه، وكان نجاحه في كل منهما ينبع من مصداقية الكويت في سلوكها تجاه الآخرين. 
وامتدت وساطات سمو الشيخ صباح الأحمد إلى الكثير من الأزمات الإقليمية والدولية الأخرى. 
- ففي عام ٩٦٩١م كانت جهود سموه واضحة من أجل حل الخلاف المزمن بين العراق وإيران في ما يتعلق بمشكلة السيادة على شط العرب. 
- وفي بداية عقد السبعينيات، ترأس وفد المساعي الحميدة الذي تشكل من قبل منظمة المؤتمر الإسلامي من أجل حل النزاع الذي كان محتدمًا بين باكستان وإقليم البنغال وتطبيع العلاقات بينهما إثر توقف الحرب بين الهند وباكستان في عام ٢٧٩١م، وقد انتهت بانفصال إقليم البنغال عن باكستان وقيام دولة بنجلاديش. 
- الوساطة بين تركيا وبلغاريا، حين دعا وزيري خارجية البلدين إلى اجتماع عقد في الكويت عام ٩٨٩١م من أجل إيجاد حل لمشكلة الأقليات الإسلامية التركية في بلغاريا بما يضمن مصالح تلك الأقليات والحفاظ على حقوقها. 
- إدانة سموه لما كان يتعرض له المسلمون على أيدي الصرب في البوسنة والهرسك، ومطالبته دول عدم الانحياز في المؤتمر الذي انعقد في جزيرة بالي بإندونيسيا عام ٢٩٩١م بأن توفد الأمم المتحدة قوات دولية إلى مناطق القتال. 
- تكثيف جهوده في مؤتمر وزراء خارجية الدول الإسلامية لإنهاء مأساة البوسنة والهرسك في إطار الشرعية الدولية. 
- كان للكويت دور إيجابي في منظمة المؤتمر الإسلامي، وخاصة حين تولى المرحوم صاحب السمو الشيخ جابر الأحمد أمير الكويت رئاسة مؤتمر القمة الإسلامي الخامس، كما كانت الكويت هي الداعية إلى إنشاء محكمة عدل إسلامية من أجل حل المشكلات القائمة بين الدول الإسلامية، والتي كان على رأسها الحرب العراقية - الإيرانية. 
وفي الخليج، شغلت مشكلة الأمن الإقليمي جانبًا كبيرًا من جهود واهتمامات سمو الشيخ صباح الأحمد، الذي كان حريصا منذ أن قررت بريطانيا الانسحاب من الخليج العربي على أمن المنطقة واستقرارها بعيدًا عن أي تدخلات أجنبية، ومنذ عام ١٧٩١م وحتى وقوع العدوان العراقي على الكويت في أغسطس ٠٩٩١م، كانت سياسة صاحب السمو الشيخ صباح الأحمد ترتكز على ثوابت، من أهمها: 
- الالتزام بسياسة الحياد الإيجابي وعدم الانحياز، القائمة على رفض المحاور والاستقطابات الدولية. 
- أن مبدأ المحافظة على الأمن والاستقرار في الخليج هو من مسؤولية شعوب المنطقة ودولها، وليس من مسؤولية أي طرف خارجي عنها. 
وحين صدور مبدأ كارتر، وتدعيم قوات الانتشار السريع بعد أحداث الثورة الإيرانية، أعلن سمو الشيخ صباح الأحمد معارضته الصريحة لهذا المبدأ، مؤكداً أن الخليج ليس منطقة مصالح شرقية أو غربية، ولاسيما بعد قيام الاتحاد السوفييتي بالتدخل السريع في أفغانستان. 
ومن ثم أعلن سموه في الجمعية العامة للأمم المتحدة أن مصلحة العالم تتطلب إبقاء منابع النفط بعيدة عن الصراعات العالمية، حتى تتسنى الإفادة من هذه المادة الحيوية اللازمة لرخاء العالم وازدهاره. 
وحين أُعلن قيام مجلس التعاون الخليجي في مايو ١٨٩١م، اعتبر سمو الشيخ صباح الأحمد ذلك خطوة كبرى ومهمة قامت بها دول مجلس التعاون الخليجي، استهدفت في ما استهدفته الرد العملي على المقولة الشائعة بشأن ملء الفراغ السياسي في المنطقة، وتصدى سموه للاتهامات التي وجهت إلى المجلس آنذاك من بعض الدوائر العربية والأجنبية، ولا يزال سموه حريصًا ومتابعًا لتنفيذ قراراته على المستويات السياسية والاقتصادية والاجتماعية. 
وقد استحق سموه أن يلقب بعميد الدبلوماسيين في العالم، بالإضافة إلى ما أثبته من جدارة في كل ما قام به من أعمال، وكانت رئاسته للحكومة عام 3002م مرحلة جديدة من مراحل نجاحاته الباهرة في دفع عجلة التنمية الشاملة والإصلاح السياسي والاقتصادي، بالإضافة إلى ترسيخ خطى السياسة الخارجية القائمة على الاهتمام بحل المشكلات والنزاعات الدولية ومدّ يد العون للإنسان في كل مكان.
وفي يناير 6002م، بدأ مشوار حكم القائد الإنساني وأمير الدبلوماسية بتولي مقاليد الحكم في الكويت، ليتمكن بحنكته السياسية ورؤاه الإنسانية من تفويت الفرصة على المتربصين بالكويت، في ظل الظروف المتوترة والأوضاع الإقليمية المتقلبة في السنوات الأخيرة وتداعياتها السلبية التي ألمت ببعض الدول العربية، ليقود سفينة الكويت إلى بر الأمان بعيدًا عن الأمواج العاتية التي عصفت بآخرين وكادت تعصف بغيرهم. وقد استطاع سموه بحكمته ورؤاه الثاقبة وعلاقته الوطيدة بشعبه أن ينال تقدير وحب مواطنيه، وأن يكون والدًا للجميع، وأن يكون رب البيت الكبير (الكويت)، بحرصه على أن يلم شمل الجميع تحت مظلته، وانطلاقًا من مفهوم لم شمل أبناء البيت الواحد برزت جهود أمير الدبلوماسية وقائد الإنسانية في ترميم البيت الخليجي وتعزيز مسيرة العمل الخليجي المشترك لتكون عند مستوى تطلعات الشعوب، وكذلك في إسهاماته ومحاولاته لتوحيد الصف العربي ومد يد العون للأشقاء العرب في كل أزمة أو محنة تمر بها أي دولة عربية.
وقد أصبحت الكويت في عهد سموه قبلة للقرارات العربية المهمة والمواقف الدولية الحاسمة بفضل مبادرات سموه التاريخية التي عكست الصورة المشرفة للكويت عربيًا ودوليًا في المجالات السياسية والحضارية والإنسانية. ومن هذه المبادرات استضافة مؤتمرين للمانحين لسورية ناشد فيهما سموه العالم تقديم العون للأشقاء السوريين، بالإضافة إلى دعمه المتواصل للقضية الفلسطينية ومساعدة الشعب الفلسطيني، والدعم الذي لم ينقطع للدول العربية الشقيقة وغيرها من الدول في كل قارات العالم حيثما وجدت معاناة إنسانية أو أزمة أو كارثة طبيعية أو اضطهاد، بالإضافة إلى دعم المؤسسات الخيرية والإنسانية والمنظمات الدولية والإسهام الفاعل في محاربة الفقر وتعزيز الصحة العامة والتعليم والتنمية الاقتصادية.
ولم يقتصر دعم حضرة صاحب السمو ودولة الكويت على المساعدة الوقتية التي تتطلبها حالات طارئة معينة، بل أطلق سموه مجموعة من المبادرات الرائدة التي من شأنها تفعيل نشاطات التنمية وتوفير فرص العمل للعمالة الوطنية، ومن أمثلة ذلك إعلانه عام 9002م عن مبادرة تنموية للدول العربية تهدف إلى تشجيع المشروعات الصغيرة والمتوسطة الحجم القائمة على استغلال الموارد المحلية المتاحة من سلع وخدمات، وقد أطلقت تلك المبادرة في مؤتمر القمة العربية الاقتصادية والاجتماعية والتنموية، وتبرعت الكويت بنصف مليار دولار مساهمة في هذا العمل، ومنها أيضا تبرعه بمائتي مليون دولار لإنشاء صندوق الحياة الكريمة في الدول الإسلامية، و003 مليون دولار لتمويل المشروعات الإنمائية في آسيا، وغير ذلك من المشروعات والمبادرات الإنسانية في مختلف بقاع الأرض، حتى غدت الكويت جديرة بأن تعدها الأمم المتحدة «مركزًا إنسانيًا عالميًا»، وأن تعدّ أميرها صاحب السمو حفظه الله ورعاه « قائدًا إنسانيًا» ■