إلى أن نلتقي

إلى أن نلتقي
        

الفانوس

          إلـْق ِ نظرة عابرة على الأشياء التي من حولك في المكتب أو غرفة الجلوس أو الأماكن التي تكون فيها بشكل دائم، ستجد أن هناك ما يقف أو يتبوأ مكاناً ما فيما وقعت عليه عينك، وستجد من بينها  مثلاً: تحفة، أو قطعة خشبية أو لوحة، أو آلة، أو غيرها، كان لها في يوم ما دورًا فاعلًا في حياتك أو في أحد أنشطتك، الذي قد لايزال قائمًا.

          هذه مقدمة للحديث عن «الفانوس» الذي يحمل عنوان هذه المقالة، ولتكون تعبيرًا عن شيء من الوفاء لهذا القنديل الشعبي الجميل الذي اصطحبناه، واصطحبنا، واصطحب كل المجايلين لنا في كل مكان، ويعكس ذلك مدى علاقتنا بالأشياء الصامتة التي خدمتنا، واهتمامنا بها وعقد صداقة تلقائية راسخة معها مع مرور الوقت وكثرة الاستخدام، حتى نشعر بالحنين الحقيقي لها، تماما مثلما يكون مع الأهل والأصدقاء والأشخاص.

          فالفانوس.. المملوء «بالقاز/الكيروسين»، ما برح ينتصب في حائط مكتبتي.. يشدني إلى منتصف الستينيات الميلادية ليبصم بجلاء «فتيلته/أي شعلته القماشية السميكة».. على حقبة البدايات..

          أردت له الخلود بأن أبقيته على هيئته الأصلية «نظيفا»، ولم أجعله «يندثر» مع رموز الماضي .. وأكسسواراته الأخرى.

          - قمت بتصويره «فوتوغرافياً» ليكون على غلاف كتابي «مسارات».

          ناديت به ما طوته ذاكرة كل الأحبة الذين عاصروني أو ولدوا قبلي.. والذين صادقوا الفانوس حتى العظم.

          تأملت أمي ، وزوجة أبي الثانية، وأختي، وجارتنا «أم عبدالله» وهن يتسابقن في أواخر «العصريات» «يمششن/أي ينظفن» «شيشته/أي زجاجته المفتوحة الطرفين»، ويلمعن باقي هيكله، ويشعلن النار في «فتيلته»، ثم تأملته بعد ذلك يؤدي وظيفته التي نعمت بها حتى أواخر المرحلة الابتدائية، حيث لم تأت الكهرباء في قرية القارة بالأحساء بعد.. وكنت أقرأ به، بجرمه الصغير.. أمهات الكتب، وكان ضوؤه يقودني إلى المرتبة الأولى دراسة.

          فلن ينطفئ نبراسه الذي انبثقت منه كل «نبراسات» الدنيا.

          ترى هل يمكن أن تمحو الذاكرة ما أبرَمَته من عهود، وصداقة مع أشياء الزمن الجميل الذي سافر بنية.. عدم الرجوع؟!

          سأل .. أحدهم .. لماذا تركتَ «الفانوس» مضاء في غلاف الكتاب، والحال أنه يمثل صورة، وفي النهار، فلمن تضيئه؟

          الحال الصحيح  يا صديقي أنه لا يمثل صورة، إنما هو يمثل حقبة، وحياة كاملة، وواقعًا عشناه، ولم تكن إضاءة الفانوس إلا ترجمة لوظيفته، والغرض من وجوده، وهو الإضاءة، وليس التجميل.. وربما تذكرنا قصة «ديوجين الحكيم» الذي كان يجوب شوارع «روما» وهو يحمل مصباحه المضيء نهارًا.. «ليبحث عن الحقيقة».. حسب اعتقاده..، فالفانوس.. هو رمز حي، لكل ما نحن فيه .. الآن..

          أيتها الحقيقة : أضيئي «فانوسك» اقترابًا.. وخلودًا.
---------------------------------
* شاعر وكاتب من السعودية.

 

 

محمد الجلواح