«فِتنَة المكان» في قِصَّة محمد خضير

«فِتنَة المكان» في قِصَّة محمد خضير

مع‭ ‬أن‭ ‬القاص‭ ‬محمد‭ ‬خضير‭ ‬ينتمي‭ ‬إلى‭ ‬جيل‭ ‬الستينيات‭ ‬في‭ ‬القصة‭ ‬العراقية‭ ‬فإنه،‭ ‬بخلاف‭ ‬غير‭ ‬قاص‭ ‬من‭ ‬جيله،‭ ‬ذهبت‭ ‬بداياته‭ ‬مع‭ ‬الاتجاه‭ ‬الواقعي،‭ ‬وإن‭ ‬كان،‭ ‬كما‭ ‬أكد‭ ‬غير‭ ‬مرة،‭ ‬قد‭ ‬زاد‭ ‬في‭ ‬مساحة‭ ‬‮«‬واقعيته‮»‬،‭ ‬ما‭ ‬يجعله‭ ‬يشعر‭ ‬‮«‬بشعور‭ ‬من‭ ‬يرحل‭ ‬عن‭ ‬مركز‭ ‬دائرته‭ ‬ليكتشف‭ ‬أبعادها‭ ‬الواسعة‮»‬،‭ ‬كما‭ ‬جاء‭ ‬في‭ ‬حديث‭ ‬أخير‭ ‬معه،‭ ‬متحولاً،‭ ‬وبرؤية‭ ‬افتراضية،‭ ‬نحو‭ ‬النهوض‭ ‬من‭ ‬الواقع‭ ‬الشيئي،‭ ‬أو‭ ‬العيني‭.‬

هذه‭ ‬المقالة‭ ‬محاولة‭ ‬لاستخلاص‭ ‬افتنة‭ ‬المكانب‭ ‬في‭ ‬قصة‭ ‬هذا‭ ‬القاص‭ ‬الذي‭ ‬يعدّ‭ ‬الأبرز‭ ‬في‭ ‬جيله،‭ ‬وهو‭ ‬الذي‭ ‬يؤكد‭ ‬أن‭ ‬قصصه‭ ‬اتُحاكي‭ ‬عالمًا‭ ‬افتراضيًا‭ ‬معقولًا‭ ‬على‭ ‬مساحة‭ ‬من‭ ‬الواقع‭ ‬العبثي‭ ‬غير‭ ‬المعقولب‭.‬

‭ ‬-1-

يفتح‭ ‬محمد‭ ‬خضير‭ ‬آفاقه‭ ‬المعرفية‭ ‬وأدواته‭ ‬السردية‭ ‬لتوثيق‭ ‬المكان،‭ ‬فيصف‭  ‬ملاحمه‭ ‬العامة،‭ ‬كاشفًا‭ ‬عن‭ ‬الجانب‭ ‬الرؤيوي‭ ‬فيه،‭ ‬فللمكان‭ ‬أهميته‭ ‬الخاصة‭ ‬عنده،‭ ‬وهو‭ ‬ينبثق‭ ‬من‭ ‬الرؤية‭ ‬البصرية‭/‬الحسية‭ ‬على‭ ‬مستوى‭ ‬التصوير‭ ‬التشكيلي‭/‬الرؤيوي‭ ‬الذهني،‭ (‬كما‭ ‬يقول‭ ‬في‭ ‬كتابه‭ ‬االسرد‭ ‬والكتابب‭ ‬الصادر‭ ‬عام‭ ‬2010‭). ‬ومحمد‭ ‬خضير،‭ ‬بطبيعة‭ ‬بناء‭ ‬نصّه‭ ‬القصصي،‭ ‬صانع‭ ‬حكايات‭ ‬وراوٍ‭ ‬لأخرى،‭ ‬ومتشبث‭ ‬بالوجوه‭ ‬والأمكنة‭ ‬والأشياء‭, ‬وقصصه‭  ‬تعبير‭ ‬عن‭ ‬رحلة‭ ‬عميقة‭ ‬في‭ ‬المكان،‭ ‬والمكان‭ ‬هنا‭ ‬بوصفه‭ ‬لوحة‭ ‬تشكيلية،‭ ‬وفكرة‭ ‬تنطلق‭ ‬من‭ ‬أعماق‭ ‬الذات،‭ ‬لتؤسس‭ ‬وجودها‭ ‬لدى‭ ‬القارئ‭ ‬بوصفها‭ ‬رؤية‭, ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يتحقق‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬الوصف‭ ‬والسرد‭.‬

لو‭ ‬تقصينا‭ ‬قصص‭ ‬مجموعته‭ ‬الأولى‭ (‬المملكة‭ ‬السوداء‭) ‬التي‭ ‬كتبت‭ ‬قصصها‭ ‬بين‭ ‬عامي‭ ‬1966‭ ‬ذ‭ ‬1971‭ ‬لوجدناها‭ ‬تؤسس‭ ‬وجودها‭ ‬على‭ ‬ما‭ ‬هو‭ ‬مكاني،‭ ‬وتتخلق‭ ‬على‭ ‬ما‭ ‬يسميه‭ ‬الكاتب‭ ‬بـ‭ ‬االاغتراب‭ ‬السرديب،‭ ‬كما‭ ‬في‭ ‬عدد‭ ‬من‭ ‬قصصها‭ ‬مثل‭: ‬االمملكة‭ ‬السوداء،‭ ‬حكاية‭ ‬الموقد،‭ ‬القطارات‭ ‬الليلية،‭ ‬التابوتب،‭ ‬إذ‭ ‬يعمل‭ ‬السرد‭ ‬فيها‭ ‬على‭ ‬تسليط‭ ‬الضوء‭ ‬على‭ ‬زوايا‭ ‬خاصة‭ ‬من‭ ‬الأمكنة‭ ‬يبدو‭ ‬وكأنَّ‭ ‬القاص‭ ‬مفتون‭ ‬بها،‭ ‬مستسلم‭ ‬لمزاياها‭ ‬وقدراتها‭ ‬لكشف‭ ‬الآفاق‭ ‬الاجتماعية‭ ‬المؤثثة‭ ‬بمشاهدة‭ ‬وصفية‭ ‬مفعمة‭ ‬بالحيوية،‭ ‬وفيها‭ ‬تنافذ‭ ‬صوري‭ ‬خاص‭ ‬نحو‭ ‬الحياة‭ ‬الحالمة‭ ‬التي‭ ‬يؤسسها‭ ‬الكاتب‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬رؤية‭ ‬خفية،‭ ‬مضمرة‭ ‬في‭ ‬جسد‭ ‬السرد‭ ‬الذي‭ ‬يغترب‭ ‬عن‭ ‬الجوانب‭ ‬المباشرة‭ ‬ليحيل‭ ‬القارئ‭  ‬إلى‭ ‬المجسات‭ ‬البعيدة‭ .‬

يحفل‭ ‬التركيز‭ ‬على‭ ‬المكان‭ ‬بالوصف،‭ ‬كعنصر‭ ‬مهم‭ ‬في‭ ‬البحث‭ ‬عن‭ ‬التفاصيل‭ ‬الصغيرة،‭ ‬والأشياء‭ ‬المتناهية‭ ‬الصغر،‭ ‬وأحيانا‭ ‬يدفع‭ ‬في‭ ‬كتابه‭ ‬االسرد‭ ‬والكتابب‭ ‬هذا‭ ‬الاهتمام‭ ‬إلى‭ ‬الاسترجاع‭ ‬الصوري،‭ ‬كما‭ ‬فعل‭ ‬في‭ ‬قصته‭ ‬االقطارات‭ ‬الليليةب‭ ‬من‭ ‬مجموعته‭ ‬الأولى‭ ‬االمملكة‭ ‬السوداءب‭ ‬حيث‭ ‬يميل‭ ‬إلى‭ ‬ترتيب‭  ‬الحكي‭ ‬والتشكيل‭ ‬والتأويل،‭ ‬حينما‭ ‬ينتقل‭ ‬من‭ ‬العناصر‭ ‬الوصفية‭ ‬من‭ ‬السطح‭ ‬الساكن‭ ‬للصورة‭ ‬السينمائية‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬تشكيل‭ ‬رؤية‭ ‬محفزة‭ ‬للتوليف‭ ‬الصوري‭.‬

‭ ‬يشبِّه‭ ‬في‭ ‬قصة‭ ‬االمئذنةب‭ ‬عتمة‭ ‬السرداب‭ ‬بقعر‭ ‬الإبريق،‭ ‬ثم‭ ‬ينساق‭ ‬مبهورًا‭ ‬بوصف‭ ‬جزئيات‭ ‬وتفاصيل‭ ‬المكان،‭ ‬وكأن‭ ‬المكان‭ ‬محفز‭ ‬قوي‭ ‬يمنحه‭ ‬قوة‭ ‬الاندفاع،‭ ‬ووسيلة‭ ‬من‭ ‬وسائل‭ ‬الافتتان‭ ‬بالأشياء،‭ ‬لأنه‭ ‬يتشكل‭ ‬بوصفه‭ ‬بؤرة‭ ‬تتوسع‭ ‬لتشمل‭ ‬الأجواء‭ ‬المحيطة‭ ‬بهِ؛‭ ‬ويشمل‭ ‬ذلك‭ ‬الروائح‭ ‬والأبخرة،‭ ‬والألوان،‭ ‬والصور،‭ ‬إذ‭ ‬إنه‭ ‬يبدأ‭ ‬هذه‭ ‬القصة‭ ‬بقوله‭: ‬اكما‭ ‬لو‭ ‬كانت‭ ‬في‭ ‬قعر‭ ‬إبريق،‭ ‬وجدت‭ ‬أن‭ ‬عتمة‭ ‬السرداب‭ ‬قد‭ ‬تخثرت‭ ‬باردة‭ ‬لذيذة‭ ‬حولها،‭ ‬وأن‭ ‬تزيح‭ ‬عنها‭ ‬أبخرة‭ ‬النعاس‭ ‬المعطرة‭ ‬بروائح‭ ‬النعناع‭ ‬والقرنفلات‭ ‬البرية‭ ‬التي‭ ‬تزهر‭ ‬في‭ ‬موج‭ ‬قصيب‭. ‬وحين‭ ‬تندمج‭ ‬هذه‭ ‬المرأة‭ ‬مع‭ ‬شلة‭ ‬النساء‭ ‬والأطفال‭ ‬وترقب‭ ‬الماء،‭ ‬ينثال‭ ‬الكاتب‭ ‬في‭ ‬وصف‭ ‬نثار‭ ‬ماء‭ ‬النافورة،‭ ‬انثيال‭ ‬ذلك‭ ‬الماء‭ ‬في‭ ‬رذاذ‭ ‬شفيف؛‭ ‬فيقول‭: ‬اكانت‭ ‬أقواس‭ ‬المياه‭ ‬الفضية‭ ‬تسقط‭ ‬بقطرات‭ ‬كبيرة‭ ‬ذات‭ ‬ضجيج‭ ‬على‭ ‬صفحة‭ ‬الحوض‭ ‬المستطيلة‭ ‬الخضراء‭ ‬المتحركة،‭ ‬بموجات‭ ‬مختلطة‭ ‬ذات‭ ‬اتساق‭ ‬متداخل،‭ ‬وبذلك‭ ‬كانت‭ ‬تهشم‭ ‬انعكاس‭ ‬الأشجار‭ ‬على‭ ‬سطح‭ ‬الحوضب‭. ‬ويستمر‭ ‬الكاتب‭ ‬متسائلا‭ ‬حتى‭ ‬يزيل‭ ‬نوازع‭ ‬الملل‭ ‬من‭ ‬القارئ‭, ‬ثم‭ ‬يعود‭ ‬لوصف‭ ‬النافورات‭ ‬وقمم‭ ‬أقواس‭ ‬الماء‭. ‬إن‭ ‬هذا‭ ‬المشهد‭ ‬يتشكل‭ ‬لكي‭ ‬يفتح‭ ‬آفاق‭ ‬الحوار‭ ‬بين‭ ‬الشاب‭ ‬والفتاة‭ ‬التي‭ ‬معه‭ ‬والطفل،‭ ‬وتطلع‭ ‬السارد‭ ‬إليهم‭.‬

فإذا‭ ‬كان‭ ‬عنوان‭ ‬القصة‭ ‬هو‭ ‬االمئذنةب‭ ‬فإن‭ ‬العنوان‭ ‬موضوع‭ ‬القصة‭ ‬لا‭ ‬ينال‭ ‬شيئًا‭ ‬مركزيًا‭ ‬منها،‭ ‬لأن‭ ‬فتنة‭ ‬المكان‭ ‬بتفاصيله‭ ‬والأجواء‭ ‬المحيطة‭ ‬به،‭ ‬وجزيئات‭ ‬الواقع‭ ‬التي‭ ‬تشده‭ ‬إليها‭ ‬تأخذ‭ ‬الجانب‭ ‬الأوفر‭. ‬وبهذا‭ ‬استطاع‭ ‬الكاتب‭ ‬أن‭ ‬يمنح‭ ‬المشاهد‭ ‬الوصفية‭ ‬مساحة‭ ‬أكبر‭ ‬من‭ ‬غيرها،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬منح‭ ‬قصصه‭ ‬تميزها‭ ‬ودفعها‭ ‬نحو‭ ‬التألق،‭ ‬خصوصًا‭ ‬إذا‭ ‬ما‭ ‬علمنا‭ ‬أن‭ ‬مثل‭ ‬هذا‭ ‬الأسلوب‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬مألوفًا‭ ‬في‭ ‬كتابات‭ ‬تلك‭ ‬المرحلة‭. ‬وقد‭ ‬كان‭ ‬هذا‭ ‬الأسلوب‭ ‬أحد‭ ‬أهم‭ ‬ميزات‭ ‬مجموعته‭ ‬االمملكة‭ ‬السوداءب،‭  ‬ففي‭ ‬قصة‭ ‬االأرجوحةب‭ ‬يشكل‭ ‬الاستهلال‭ ‬مشهدًا‭ ‬وصفيًا‭ ‬باهرًا،‭ ‬يعكس‭ ‬فتنة‭ ‬المكان،‭ ‬وقد‭ ‬حرص‭ ‬القاص‭ ‬على‭ ‬توظيف‭ ‬هذه‭ ‬الفتنة‭ ‬الأخاذة‭ ‬في‭ ‬قصصه‭ ‬لتكون‭ ‬بلغتها‭ ‬المفعمة‭ ‬بالطلاوة‭ ‬الفنية‭ ‬وسيلة‭ ‬لجذب‭ ‬القارئ‭, ‬متأملاً‭ ‬فيها‭ ‬الحياة‭ ‬الجنوبية‭ ‬ذات‭ ‬النخيل‭ ‬والظلال‭ ‬والأعشاب‭.. ‬إذ‭ ‬يبدأها‭ ‬بالقول‭: ‬اعلى‭ ‬جادة‭ ‬السكون‭ ‬المظللة‭ ‬بمراوح‭ ‬السعف‭ ‬كان‭ ‬فتى‭ ‬حليق‭ ‬الرأس‭ ‬يتحرك‭ ‬فوق‭ ‬دراجته‭ ‬الخفيفة،‭ ‬كالنائم،‭ ‬بين‭ ‬جدول‭ ‬واطئ‭ ‬مزبد‭ ‬بخيوط‭ ‬تشبه‭ ‬رغوة‭ ‬الصابون‭ ‬إلى‭ ‬اليسار‭ (...) ‬كان‭ ‬الفتى‭ ‬لا‭ ‬يسمع‭ ‬صوتًا‭ ‬حتى‭ ‬لعجلتي‭ ‬دراجته‭ ‬وهما‭ ‬تدوران‭ ‬على‭ ‬غبار‭ ‬الجادة‭ ‬الناعم،‭ ‬ولكنه‭ ‬يشم‭ ‬روائح‭ ‬أزهار‭ ‬الدفلى‭  ‬والأزهار‭ ‬البرية‭ ‬في‭ ‬المنخفض‭ ‬النباتي‭ ‬أسفل‭ ‬جدار‭ ‬الطين‭ ‬وخلف‭ ‬الجدول‭ ‬المزبدب‭.‬

-2-

يقول‭ ‬محمد‭ ‬خضير‭ ‬في‭ ‬مقدمته‭ ‬لقصص‭ ‬افي‭ ‬درجة‭ ‬45‭ ‬مئويب،‭ ‬مشيرًا‭ ‬إلى‭ ‬اهتمامه‭ ‬بالوصف،‭ ‬وفتنة‭ ‬المكان‭: ‬اقد‭ ‬تعجبون‭ ‬كيف‭ ‬أستطيع‭ ‬الإمساك‭ ‬بالأشياء‭ ‬الساخنة‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬الغرفة‭. ‬إني‭ ‬أكتب،‭ ‬عادة،‭ ‬بمزاج‭ ‬بارد،‭ ‬والكلمات‭ ‬بين‭ ‬يدي‭ ‬ككرات‭ ‬الثلج،‭ ‬ولكنها‭ ‬بصلابة‭ ‬الحديدب،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يشير‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬الوصف
مازال‭ ‬منطلقًا‭ ‬لقصصه،‭ ‬لأنه‭ ‬يؤثث‭ ‬به‭ ‬عناصر‭ ‬القصة‭ ‬الأخرى،‭ ‬ويقيم‭ ‬كيانها‭ ‬بكلمات‭ ‬أشبه‭ ‬بكرات‭ ‬الثلج،‭ ‬وهي‭ ‬بصلابة‭ ‬الحديد،‭ ‬أي‭ ‬أنها‭ ‬تقف‭ ‬قوية‭ ‬شامخة،‭ ‬مثل‭ ‬جدار‭ ‬لا‭ ‬يتزعزع،‭ ‬لأنها‭ ‬جزء‭ ‬من‭ ‬تصوره‭ ‬وهواجسه،‭ ‬وجزء‭ ‬من‭ ‬نزعة‭ ‬لنهج‭ ‬انتهجه‭ ‬في‭ ‬بناء‭ ‬القصة،‭ ‬وهو‭ ‬أن‭ ‬يكلل‭ ‬قصصه‭ ‬بفيض‭ ‬من‭ ‬الوصف‭ ‬القادر‭ ‬على‭ ‬عرض‭ ‬اندهاشه‭ ‬بالأمكنة،‭ ‬اندهاش‭ ‬الغريب‭ ‬الذي‭ ‬لم‭ ‬ير‭ ‬تلك‭ ‬الأمكنة،‭ ‬ولم‭ ‬يتصور‭ ‬أنها‭ ‬ستكون‭ ‬جزءا‭ ‬من‭ ‬منعرجات‭ ‬حياته‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬قصصه،‭ ‬فكأن‭ ‬القصة‭ ‬بناء‭ ‬يشبه‭ ‬بناء‭ ‬البيت‭ ‬وتفاصيله‭ ‬الصغيرة؛‭ ‬لذا‭ ‬تجده‭ ‬يصف‭ ‬امنزل‭ ‬النساءب‭ ‬بقصة‭ ‬تحت‭ ‬هذا‭ ‬العنوان‭ ‬منذ‭ ‬الاستهلال‭ ‬الأول‭ ‬في‭ ‬الجزء‭ ‬العلوي‭ ‬من‭ ‬القصة،‭ ‬إذ‭ ‬إنه‭ ‬جعل‭ ‬هذه‭ ‬القصة‭ ‬على‭ ‬مستويين‭ ‬أعلى‭ ‬وأسفل،‭ ‬يهتم‭ ‬الجزء‭ ‬الأسفل‭ ‬بالجوانب‭ ‬التوثيقية،‭ ‬أو‭ ‬الخاصة‭ ‬بترجمة‭ ‬الشخصية‭ ‬وتفاصيلها،‭ ‬بينما‭ ‬يهتم‭ ‬الجزء‭ ‬الأعلى‭ ‬بالوصف،‭ ‬لذا‭ ‬يبدأها‭ ‬بقوله‭: ‬اصفوف‭ ‬الآجر‭ ‬المتآكل‭ ‬تنقطع‭ ‬بدعامات‭ ‬النوافذ‭ ‬الكبيرة‭ ‬القريبة‭ ‬من‭ ‬الأرض،‭ ‬وهنا‭ ‬ينتشر‭ ‬الضوء‭ ‬من‭ ‬مخرمات‭ ‬خلف‭ ‬نوافذ‭ ‬الطوابق‭ ‬الأرضية‭ ‬المغلقة‭ ‬ومن‭ ‬نوافذ‭ ‬وشرفات‭ ‬الطوابق‭ ‬العلويةب‭. ‬بينما‭ ‬يختص‭ ‬الجزء‭ ‬الأسفل‭  ‬بوصف‭ ‬الزمان،‭ ‬وكأنه‭ ‬يعامد‭ ‬المكان‭ ‬على‭ ‬الزمان‭ ‬في‭ ‬حركة‭ ‬وصفية‭ ‬تعلي‭ ‬من‭ ‬شأن‭ ‬المكان‭ ‬وتقلل‭ ‬من‭ ‬شأن‭ ‬الزمان،‭  ‬لأن‭ ‬
الزمان‭ ‬ذ‭ ‬برأيه‭ ‬ذ‭ ‬خاضع‭ ‬لقوة‭ ‬المكان‭ ‬وحضوره‭ ‬الذي‭ ‬لا‭ ‬يلين،‭ ‬ولا‭ ‬يتجزأ،‭ ‬إنه‭ ‬يتحدث‭ ‬على‭ ‬لسان‭ (‬علي‭) ‬في‭ ‬الجزء‭ ‬الأسفل‭ ‬وعبر‭ ‬ضمير‭ ‬المتكلم،‭ ‬بينما‭ ‬حفل‭ ‬وصف‭ ‬المكان‭ ‬باستخدام‭ ‬ضمير‭ ‬الغائب،‭ ‬عبر‭ ‬جولة‭ ‬الحضور‭/‬الغياب‭ ‬أو‭ ‬الخارج‭/‬الداخل،‭ ‬بقوله‭: ‬اإني‭ ‬ذاهب‭ ‬الآن‭. ‬تحت‭ ‬غطاء‭ ‬هذا‭ ‬الليل‭ ‬الشامخ،‭ ‬إلى‭ ‬بيت‭ ‬أهملت‭ ‬زيارته‭ ‬طيلة‭ ‬الأسبوعين‭ ‬الماضيين،‭ ‬ولكني‭ ‬غير‭ ‬قادر‭ ‬على‭ ‬تجاهل‭ ‬جدرانه‭ ‬وصمته‭ ‬وساكنيه‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬ذلك‭. ‬أول‭ ‬الليل،‭ ‬ولكن‭ ‬الليل‭ ‬يهرم‭ ‬بسرعة،‭ ‬ويظلم‭ ‬سريعًاب‭. ‬إنه‭ ‬يحاول‭ ‬الهروب‭ ‬من‭ ‬وصف‭ ‬الزمان‭ ‬إلى‭ ‬وصف‭ ‬المكان،‭ ‬لأن‭ ‬الأخير‭ ‬يرضي‭ ‬نوازعه‭ ‬في‭ ‬تحقيق‭ ‬ميوله‭ ‬إلى‭ ‬التعبير‭ ‬عن‭ ‬افتنة‭ ‬المكانب‭ ‬ومؤثراته‭ ‬الضاغطة‭ ‬عليه‭ ‬نفسيًا‭ ‬وتعبيريًا‭. ‬فحتى‭ ‬قصته‭ ‬اساعات‭ ‬كالخيولب‭ ‬التي‭ ‬تبدو‭ ‬من‭ ‬عنوانها‭ ‬أنها‭ ‬تتحدث،‭ ‬وتركز‭ ‬وصفها‭ ‬على‭ ‬الزمن‭ ‬والساعات‭ ‬التي‭ ‬هي‭ ‬آلات‭ ‬هذا‭ ‬الزمن،‭  ‬يستهلها‭ ‬بقوله‭: ‬اقد‭ ‬يحدث‭ ‬هذا‭ ‬اللقاء‭. ‬أصح‭ ‬ساعتي،‭ ‬وأخرج‭ ‬إلى‭ ‬أرصفة‭ ‬الميناء،‭ ‬ثم‭ ‬أعود‭ ‬آخر‭ ‬الليل‭ ‬إلى‭ ‬الفندق،‭ ‬فأجده‭ ‬نائمًا‭ ‬في‭ ‬فراشي،‭ ‬يدير‭ ‬وجهه‭ ‬للحائط،‭ ‬ويعلق‭ ‬عمامته‭ ‬الحمراء‭ ‬على‭ ‬المشجبب‭. ‬وتنتهي‭ ‬القصة‭ ‬باهتمام‭ ‬خاص‭ ‬بالمكان،‭ ‬مثلما‭ ‬تتضمن‭ ‬في‭ ‬داخلها‭ ‬مشاهد‭ ‬وصفية‭ ‬خاصة‭ ‬بالأمكنة‭ ‬والأشياء،‭ ‬إذ‭ ‬يقول‭ ‬في‭ ‬نهايتها‭: ‬اوعلى‭ ‬الأريكة‭ ‬يغفو‭ ‬جالسًا‭ ‬رجل‭ ‬نسي‭ ‬سيجارته‭ ‬بين‭ ‬أصابعه‭.‬‭ ‬ويحدث‭ ‬أن‭ ‬أقترب‭ ‬من‭ ‬باب‭ ‬غرفتي،‭ ‬وأفتح‭ ‬الباب‭ ‬فأجده‭ ‬نائمًا‭ ‬في‭ ‬فراشي،‭ ‬مستديرًا‭ ‬للحائط،‭ ‬وقد‭ ‬علق‭ ‬عمامته‭ ‬الحمراء‭ ‬على‭ ‬مشجب‭ ‬الملابسب‭.. ‬لنلاحظ،‭ ‬هنا،‭ ‬التجانس‭ ‬والوصف‭ ‬بين‭ ‬الاستهلال‭ ‬والخاتمة‭ ‬أو‭ ‬نهاية‭ ‬القصة،‭ ‬فالكاتب،‭ ‬كما‭ ‬يتجلى‭ ‬من‭ ‬نصّه،‭ ‬حريص‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬يجعل‭ ‬المكان‭ ‬متسيدًا‭ ‬المشهد‭ ‬القصصي،‭ ‬وأن‭ ‬يظل‭ ‬حضوره‭ ‬معبرًا‭ ‬عن‭ ‬ضرورة‭  ‬لازمة،‭ ‬وكأنه‭ ‬يشير،‭ ‬من‭ ‬طرف‭ ‬خفي،‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬الزمان‭ ‬تابع‭ ‬للمكان،‭ ‬وبالتالي‭ ‬فإن‭ ‬البدايات‭ ‬والنهايات‭ ‬تتعلق‭ ‬بالمكان‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬تعلقها‭ ‬بالزمان،‭ ‬لأن‭ ‬المكان‭ ‬ثابت‭ ‬ومؤثر‭ ‬ومبهرج‭ ‬بالألوان‭ ‬والتشكيلات‭ ‬الصورية،‭ ‬بينما‭ ‬يقف‭ ‬الزمان‭ ‬ذ‭ ‬في‭ ‬غالب‭ ‬الأحيان‭ ‬ذ‭ ‬صامتًا‭ ‬ينتظر‭ ‬من‭ ‬المكان‭ ‬ليسبغ‭ ‬عليه‭ ‬من‭ ‬الصور‭ ‬والألوان‭ ‬ما‭ ‬يشيد‭ ‬منه‭ ‬جمالياته‭.‬

-3-

في‭ ‬كتابه‭ ‬ابصرياثا،‭ ‬صورة‭ ‬مدينةب‭ ‬الصادر‭ ‬عام‭ ‬1983‭ ‬يحاول‭ ‬محمد‭ ‬خضير‭ ‬أن‭ ‬يؤسطر‭ ‬المكان،‭ ‬أي‭ ‬يحيله‭ ‬إلى‭ ‬أسطورة،‭ ‬فيمنحه‭ ‬قوة‭ ‬أخرى‭ ‬تحيله‭ ‬من‭ ‬الانبهار‭ ‬أو‭ ‬فتنة‭ ‬التأمل،‭ ‬إلى‭ ‬غموض‭ ‬الصور،‭ ‬اختلاط‭ ‬الواقع‭ ‬باللاواقع،‭ ‬حيث‭ ‬تشيع‭ ‬الصور‭ ‬الغرائبية،‭ ‬إذ‭ ‬يتحول‭ ‬اسم‭ ‬االبصرةب‭ ‬إلى‭ ‬ابصرياثاب،‭ ‬والتي‭ ‬آثر‭ ‬الإشارة‭ ‬إليها‭ ‬في‭ ‬قصته‭ ‬اداما،‭ ‬دامي،‭ ‬داموب‭ ‬من‭ ‬مجموعته‭ ‬ارؤيا‭ ‬خريفب‭ ‬الصادرة‭ ‬عام‭ ‬1995‭ ‬حين‭ ‬قال‭ ‬في‭ ‬مستهلها‭: ‬العبة‭ ‬الصمت،‭ ‬لعبة‭ ‬الحوار‭ ‬الأخرس،‭ ‬الداما،‭ ‬تعلمت‭ ‬اللعبة‭ ‬في‭ ‬السجن‭. ‬وأعتقد‭ ‬أن‭ ‬كل‭ ‬بصرياثي‭ ‬من‭ ‬الجنس‭ ‬الأول‭ ‬يتقن‭ ‬هذه‭ ‬اللعبةب‭.‬ 

‬ويشير‭ ‬مؤرخ‭ ‬البصرة‭ ‬الراحل‭ ‬حامد‭ ‬البازي‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬اسم‭ ‬ابصرياثاب‭ ‬هو‭ ‬اسم‭ ‬آرامي‭ ‬للبصرة‭ (‬جريدة‭ ‬القادسية‭: ‬31/7/1988‭)‬،‭ ‬في‭ ‬إحالة‭ ‬واضحة‭ ‬إلى‭ ‬الجذور‭ ‬الأولى‭ ‬لهذه‭ ‬المدينة،‭ ‬وكأن‭ ‬الكاتب‭ ‬يحاول‭ ‬أن‭ ‬يمنح‭ ‬المكان‭ ‬صوره‭ ‬القديمة‭ ‬الباهرة‭ ‬التي‭ ‬تمنحه‭ ‬وجودًا‭ ‬غرائبيًا‭ ‬افانتازيًاب،‭ ‬لأن‭ ‬االفانتازياب‭ ‬وسيلة‭ ‬من‭ ‬وسائل‭ ‬الافتتان‭ ‬غير‭ ‬العقلاني‭ ‬بالأشياء‭. ‬ومن‭ ‬هنا‭ ‬أصبح‭ ‬المكان‭ ‬وسيلة‭ ‬من‭ ‬وسائل‭ ‬ذلك‭ ‬الافتتان،‭ ‬لأنه‭ ‬يرضي‭ ‬طموح‭ ‬الكاتب‭ ‬في‭ ‬التغريب،‭ ‬ولأنه‭ ‬سلطة‭ ‬نافذة‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يستخدمها‭ ‬ضد‭ ‬المتلقي،‭ ‬وهو‭ ‬في‭ ‬ميدان‭ ‬البحث‭  ‬عن‭ ‬متلقٍ‭ ‬معرفي‭ ‬يمتلك‭ ‬أدواته‭ ‬الثقافية‭ ‬القادرة‭ ‬على‭ ‬الغور‭ ‬إلى‭ ‬أعماق‭ ‬الأشياء،‭ ‬وأعماق‭ ‬الأمكنة‭ ‬المتناثرة‭ ‬حوله،‭ ‬إنه‭ ‬يبدأ‭ ‬موضوعه‭ ‬الأول‭ ‬في‭ ‬كتاب‭ ‬ابصرياثاب‭ ‬وقد‭ ‬جعل‭ ‬عنوانه‭ ‬االمداخل‭ ‬الأربعة‭ ‬لبصرياثاب،‭ ‬بقوله‭: ‬ايروي‭ ‬الرواة‭ ‬عن‭ ‬المدن‭ ‬القديمة‭ ‬أحداثا‭ ‬وعجائب‭ ‬منطوية،‭ ‬لكني‭ ‬أروي‭ ‬في‭ ‬كتاب‭ ‬االبصرياثاب‭ ‬عما‭ ‬هو‭ ‬معلوم‭ ‬ومدبّر‭ ‬في‭ ‬سطور‭ ‬القدر‭. ‬ليس‭ ‬كل‭ ‬ما‭ ‬فيها‭ ‬عجيب،‭ ‬لكن‭ ‬الغرابة‭ ‬سلطة‭ ‬كل‭ ‬مواطن‭ ‬فيها،‭ ‬وحق‭ ‬يعلو‭ ‬على‭ ‬أية‭ ‬سلطةب‭ - ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬قاده‭ ‬إلى‭ ‬افتراض‭ ‬وجود‭ ‬ايوتوبيات،‭ ‬ويوتوبيات‭ ‬مغايرةب،‭ ‬ولكن‭ ‬حضور‭ ‬المكان‭ ‬يبقى‭ ‬فاعلًا‭ ‬ومؤثرًا‭ ‬فيندمج‭ ‬مع‭ ‬صوت‭ ‬الكاتب‭ ‬وهو‭ ‬يسرد‭ ‬تصوراته‭ ‬عنه‭ ‬عبر‭ ‬ضمير‭ ‬المتكلم‭ ‬بقوله‭: ‬اإننا‭ ‬أنفسنا‭ ‬في‭ ‬أي‭ ‬مكان‭ ‬في‭ ‬العالم‭.

‬إن‭ ‬وعينا‭ ‬بهذه‭ ‬الحقيقة‭ ‬يوهمنا‭ ‬بالرحيل‭ ‬إلى‭ ‬االلامكانب،‭ ‬إلى‭ ‬يوتوبيا‭ ‬الوجود‭ ‬الآخر‭. ‬لكن‭ ‬احتمال‭ ‬انتهاء‭ ‬هذا‭ ‬الوجود،‭ ‬الموقوت‭ ‬بأجل،‭ ‬يجعلنا‭ ‬لا‭ ‬نطلب‭ ‬إلا‭ ‬وجودًا‭ ‬في‭ ‬مكان‭ ‬واحدب‭. ‬وهذا‭ ‬يعني‭ ‬استمرار‭ ‬البحث‭ ‬عن‭ ‬المكان‭ ‬وترسيخه‭ ‬بوصفه‭ ‬صورة‭ ‬من‭ ‬صور‭ ‬العلاقة‭ ‬بين‭ ‬الذات‭ ‬والوجود،‭ ‬لأن‭ ‬المكان‭ ‬هو‭ ‬الحاضنة‭ ‬التي‭ ‬تحتوي‭ ‬الأشياء‭ ‬في‭ ‬تحولاتها‭ ‬الواقعية‭ ‬وغير‭ ‬الواقعية،‭ ‬لأن‭ ‬أسطرته‭ ‬لا‭ ‬تعني‭ ‬إلغاء‭ ‬حضوره؛‭ ‬وإنما‭ ‬تعني‭ ‬تغريبه‭ ‬وخلق‭ ‬مثيرات‭ ‬أكثر‭ ‬جاذبية‭ ‬للقارئ‭ ‬للاحتكاك‭ ‬بهِ‭ .