الـمحتوى الرقمي.. هل تنقذه إستراتيجية عربية؟

الـمحتوى الرقمي..  هل تنقذه إستراتيجية عربية؟

لا‭ ‬شك‭ ‬في‭ ‬أن‭ ‬تزايد‭ ‬الاهتمام‭ ‬بالاستخدام‭ ‬المتزايد‭ ‬لشبكة‭ ‬الإنترنت،‭ ‬من‭ ‬قبل‭ ‬الشباب‭ ‬العرب،‭ ‬والجمهور‭ ‬العربي‭ ‬بشكل‭ ‬عام،‭ ‬بوصفها‭ ‬الشبكة‭ ‬الدولية‭ ‬للمعلومات،‭ ‬يضع‭ ‬مزيدًا‭ ‬من‭ ‬الضغط‭ ‬والإلحاح‭ ‬على‭ ‬دعم‭ ‬المحتوى‭ ‬الرقمي‭ ‬العربي؛‭ ‬الذي‭ ‬لايزال‭ ‬يعاني،‭ ‬مع‭ ‬كبير‭ ‬الأسف،‭ ‬من‭ ‬فقر‭ ‬كبير،‭ ‬و«أنيميا‭ ‬معلوماتية‮»‬‭ ‬فادحة،‭ ‬مقارنة‭ ‬بنظائره‭ ‬باللغات‭ ‬الأخرى،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬تم‭ ‬التدليل‭ ‬عليه‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬الزاوية‭ ‬في‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬مناسبة‭ ‬وباكثر‭ ‬من‭ ‬طريقة‭. ‬خلال‭ ‬مناقشة‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬القضايا‭ ‬ذات‭ ‬الصلة‭.‬

لكن‭ ‬هل‭ ‬يمكن‭ ‬حقًا‭ ‬أن‭ ‬تتبنى‭ ‬المؤسسات‭ ‬العربية‭ ‬المختصة،‭ ‬والحكومات‭ ‬العربية‭ ‬ما‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬نطلق‭ ‬عليه‭ ‬ااستراتيجية‭ ‬عربية‭ ‬لصناعة‭ ‬المحتوى‭ ‬الرقميب؟

تردد‭ ‬هذا‭ ‬السؤال‭ ‬في‭ ‬ذهنـــي‭ ‬حينما‭ ‬رأيت‭ ‬كتابًا‭ ‬جديدًا‭ ‬أصـــدره‭ ‬مركــــز‭ ‬دراسات‭ ‬الوحدة‭ ‬العــــربية‭ ‬بعنوان‭ ‬انحو‭ ‬استراتيــــجية‭ ‬عربيـــة‭ ‬لصناعة‭ ‬المحتوى‭ ‬الرقميب،‭ ‬للدكتور‭ ‬رامي‭ ‬عبود،‭ ‬الباحث‭ ‬المصري‭ ‬المختص‭ ‬في‭ ‬مجال‭ ‬تقنية‭ ‬المعلومات،‭ ‬الذي‭ ‬يسلط‭ ‬الضوء،‭ ‬عبر‭ ‬صفحات‭ ‬الكتاب،‭ ‬على‭ ‬جوانب‭ ‬الواقع‭ ‬الحالي‭ ‬لصناعة‭ ‬المحتوى‭ ‬الرقمي‭ ‬العربية،‭ ‬ويقترح‭ ‬آليات‭ ‬تحسينه،‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬صوغ‭ ‬نموذج‭ ‬لاستراتيجية‭ ‬عربية‭ ‬تفصيلية‭ ‬تدعى‭ ‬اإي‭- ‬عربب‭ (‬e-Arab‭)‬،‭ ‬لا‭ ‬تقف‭ ‬عند‭ ‬حدود‭ ‬السياسات‭ ‬العامة‭ ‬أو‭ ‬المبادرات‭ ‬المنفصلة‭.‬

والحقيقة‭ ‬أن‭ ‬هذه‭ ‬الاستراتيجية‭ ‬التي‭ ‬يتبناها‭ ‬الباحث‭ ‬في‭ ‬كتابه‭ ‬هذا‭ ‬مهمة،‭ ‬خصوصًا‭ ‬ان‭ ‬الباحث‭ ‬قد‭ ‬استند‭ ‬في‭ ‬وضعها‭ ‬على‭ ‬الكثير‭ ‬من‭ ‬الإحصاءات‭ ‬والاستقصاءات‭ ‬واستشارات‭ ‬الخبراء‭ ‬في‭ ‬المعلوماتية،‭ ‬وهو‭ ‬يمهد‭ ‬لها‭ ‬بالعديد‭ ‬من‭ ‬المفاهيم‭ ‬المبدئية‭ ‬المهمة‭ ‬حول‭ ‬مفهوم‭ ‬المحتوى‭ ‬الرقمي،‭ ‬ثم‭ ‬بيان‭ ‬وضع‭ ‬هذا‭ ‬المحتوى‭ ‬عربيا‭ ‬في‭ ‬الوقت‭ ‬الراهن‭. ‬ومن‭ ‬جهة‭ ‬أخرى‭ ‬يقدم‭ ‬عديد‭ ‬الأسباب‭ ‬التي‭ ‬تتسبب‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬الفجوة‭ ‬المعلوماتية‭ ‬التي‭ ‬نعانيها‭.‬

 

معوقات‭ ‬صناعة‭ ‬المحتوى‭ ‬الرقمي

وبما‭ ‬أننا‭ ‬نتحدث‭ ‬هنا‭ ‬عن‭ ‬أزمة،‭ ‬ونبحث‭ ‬عن‭ ‬حل‭ ‬علمي‭ ‬لها،‭ ‬فلعل‭ ‬أهم‭ ‬خطوة‭ ‬هنا‭ ‬هي‭ ‬تحديد‭ ‬معوقات‭ ‬صناعة‭ ‬المحتوى‭ ‬الرقمي‭ ‬العربي‭ ‬والتي‭ ‬يوردها‭ ‬د‭.‬رامي‭ ‬عبود‭ ‬استنادا‭ ‬على‭ ‬ملخص‭ ‬وصلت‭ ‬إليه‭ ‬إحدى‭ ‬ورش‭ ‬العمل‭ ‬الخاصة‭ ‬بالموضوع‭ ‬موضحا‭ ‬أن‭ ‬المشكلة‭ ‬تعود‭ ‬الى‭:‬

عدم‭ ‬وجود‭ ‬نظم‭ ‬فعالة‭ ‬تشجع‭ ‬على‭ ‬الابتكار‭ ‬لإنتاج‭ ‬المعرفة‭.‬

غياب‭ ‬السياسات‭ ‬العقلانية‭ ‬الناجحة‭ ‬التي‭ ‬تضمن‭ ‬تجذير‭ ‬القيم‭ ‬والأطر‭ ‬المؤسساتية‭ ‬الداعمة‭ ‬لمجتمع‭ ‬المعرفة‭.‬

الاعتقاد‭ ‬الخاطئ‭ ‬المتعلق‭ ‬بإمكانية‭ ‬بناء‭ ‬مجتمع‭ ‬المعرفة‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬استيراد‭ ‬نتائج‭ ‬العلم‭ ‬فقط‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬الاستثمار‭ ‬في‭ ‬إنتاج‭ ‬المعرفة‭ ‬محليا‭.‬

الاعتماد‭ ‬في‭ ‬تكوين‭ ‬الكوادر‭ ‬العلمية‭ ‬على‭ ‬التعاون‭ ‬مع‭ ‬الجامعات‭ ‬ومراكز‭ ‬البحث‭ ‬فقط‭ ‬في‭ ‬البلدان‭ ‬المتقدمة‭ ‬معرفيا،‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬خلق‭ ‬التقاليد‭ ‬العلمية‭ ‬المؤدية‭ ‬لاكتساب‭ ‬المعرفة‭ ‬عربيا‭.‬

كما‭ ‬أن‭ ‬تخلف‭ ‬صناعة‭ ‬المحتوى‭ ‬العربية‭ - ‬يقول‭ ‬الباحث‭ - ‬لا‭ ‬يرجع‭ ‬إلى‭ ‬نقص‭ ‬الموارد‭ ‬المادية،‭ ‬أو‭ ‬قلة‭ ‬المواهب‭ ‬العربية،‭ ‬أو‭ ‬عدم‭ ‬توافر‭ ‬الأسواق،‭ ‬بل‭ ‬يرجع‭ ‬إلى‭ ‬غياب‭ ‬السياسات‭ ‬والرؤى‭ ‬المستقبلية،‭ ‬وضعف‭ ‬البنى‭ ‬التنظيمية،‭ ‬وغياب‭ ‬البعد‭ ‬الإقليمي‭ ‬ومن‭ ‬ثم‭ ‬عدم‭ ‬تقاسم‭ ‬الموارد‭.‬

وتأكيدا‭ ‬لما‭ ‬سبق‭ ‬أيضا،‭ ‬فإن‭ ‬تراجع‭ ‬صناعة‭ ‬المحتوى‭ ‬العربية‭ ‬يعود‭ ‬إلى‭ ‬غياب‭ ‬استراتيجية‭ ‬عربية‭ ‬لصناعة‭ ‬المحتوى،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يدلل‭ ‬عليه‭ ‬الباحث‭ ‬لاحقا‭ ‬بقوله‭ ‬ان‭ ‬المشكلة‭ ‬تتمثل‭ ‬في‭ ‬المواقف‭ ‬غير‭ ‬الداعمة‭ ‬من‭ ‬جانب‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬الحكومات‭ ‬العربية‭ ‬التي‭ ‬ترى‭ ‬أن‭ ‬الإنترنت‭ ‬وتكنولوجيا‭ ‬المعلومات‭ ‬والاتصالات‭ ‬هي‭ ‬من‭ ‬الكماليات،‭ ‬ولا‭ ‬تعتبرها‭ ‬وسيلة‭ ‬لتحقيق‭ ‬إنجازات‭ ‬في‭ ‬شتى‭ ‬مجالات‭ ‬الحياة‭.‬

ولا‭ ‬يتوقف‭ ‬الأمر‭ ‬على‭ ‬هذا‭ ‬الفهم‭ ‬القاصر‭ ‬لدور‭ ‬الإنترنت‭ ‬في‭ ‬مجتمع‭ ‬عالمي‭ ‬أصبح‭ ‬مرتبطا‭ ‬ذ‭ ‬شئنا‭ ‬أم‭ ‬أبينا‭- ‬اقتصاديا‭ ‬وسياسيا‭ ‬وثقافيا‭ ‬بفضل‭ ‬تقنيات‭ ‬الاتصال‭ ‬الحديثة،‭ ‬فقط،‭ ‬بل‭ ‬يمتد‭ ‬كذلك‭ ‬إلى‭ ‬عامل‭ ‬قصور‭ ‬آخر‭ ‬يتمثل‭ ‬في‭ ‬قصور‭ ‬الأدوات‭ ‬والوسائل‭ ‬المادية‭ ‬والقانونية‭ ‬اللازمة‭ ‬لدعم‭ ‬الأنشطة‭ ‬الإلكترونية‭ ‬المرتبطة‭ ‬بصناعة‭ ‬المحتوى،‭ ‬ولا‭ ‬سيما‭ ‬في‭ ‬إطار‭ ‬الكلفة‭ ‬العالية‭ ‬لإنتاج‭ ‬محتوى‭ ‬عربي‭ ‬عالي‭ ‬الجودة،‭ ‬وعدم‭ ‬مواكبة‭ ‬التطور‭ ‬التكنولوجي‭ ‬المتسارع‭ ‬في‭ ‬جميع‭ ‬جوانب‭ ‬صناعة‭ ‬المحتوى‭.‬

 

مفهوم‭ ‬المحتوى‭ ‬الرقمي

وأتوقف‭ ‬هنا‭ ‬لكي‭ ‬الفت‭ ‬الانتباه‭ ‬إلى‭ ‬أننا‭ ‬حين‭ ‬تناولنا‭ ‬موضوع‭ ‬فقر‭ ‬المحتوى‭ ‬الرقمي‭ ‬العربي‭ ‬على‭ ‬شبكة‭ ‬الإنترنت،‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬الزاوية،‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬تأمل‭ ‬عدد‭ ‬من‭ ‬الظواهر‭ ‬الثقافية‭ ‬المختلفة،‭ ‬كنت‭ ‬عادة‭ ‬ما‭ ‬أستخدم‭ ‬بعض‭ ‬المؤشرات‭ ‬الإحصائية‭ ‬البسيطة‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬الكشف‭ ‬مثلا‭ ‬عن‭ ‬الاختلاف‭ ‬في‭ ‬عدد‭ ‬ومضمون‭ ‬البحث‭ ‬عن‭ ‬مصطلح‭ ‬معين‭ ‬باللغة‭ ‬العربية‭ ‬ونظيره‭ ‬في‭ ‬اللغة‭ ‬الإنجليزية‭ ‬مثلا،‭ ‬لكن‭ ‬لدينا‭ ‬الآن‭ ‬الفرصة‭ ‬لنتعرف‭ ‬على‭ ‬توضيح‭ ‬أكثر‭ ‬تعمقا،‭ ‬لمصطلح‭ ‬االمحتوى‭ ‬الرقميب‭.‬

ويجدر‭ ‬القول‭ ‬بداية‭ ‬أنه‭ ‬لا‭ ‬يزال‭ ‬مصطلحًا‭ ‬جدليًا،‭ ‬بسبب‭ ‬التوسع‭ ‬الهائل‭ ‬للثقافة‭ ‬الرقمية‭ ‬في‭ ‬الحياة‭ ‬اليومية‭ ‬للأفراد،‭ ‬وبشكل‭ ‬عام‭ ‬يمكن‭ ‬القول‭ ‬في‭ ‬تعريف‭ ‬مصطلح‭ ‬اصناعة‭ ‬المحتوىب‭ ‬أنه‭ ‬يشمل‭ ‬نطاقًا‭ ‬عريضًا‭ ‬من‭ ‬السلع‭ ‬والخدمات‭ ‬والأدوات،‭ ‬وتمثل‭ ‬شقين‭ ‬رئيسيين‭: ‬الأول‭ ‬هو‭ ‬ناتج‭ ‬صناعة‭ ‬المحتوى‭ ‬ويشتمل‭ ‬بدوره‭ ‬على‭ ‬النشر‭ (‬مختلف‭ ‬أشكال‭ ‬مصادر‭ ‬المعلومات‭ ‬الناتجة‭ ‬من‭ ‬النشر‭ ‬الإلكتروني‭ ‬والورقي‭) ‬والبث‭ ‬الجماهيري‭ (‬الإذاعي‭ ‬والتلفزيوني‭ ‬والشبكي‭ ‬عبر‭ ‬الإنترنت‭)‬،‭ ‬والوسائط‭ ‬المتعددة‭ (‬الإنتاج‭ ‬السينمائي‭ ‬والفيديو‭ ‬والفنون‭ ‬الرقمية‭ ‬والتسجيلات‭ ‬الموسيقية‭ ‬وقواعد‭ ‬البيانات‭ ‬وبنوك‭ ‬الصور‭ ‬والمكتبات‭ ‬الرقمية‭ ‬والأرشيفات‭ ‬الإلكترونية‭)‬،‭ ‬والبرمجيات‭ (‬البرمجيات‭ ‬التعليمية‭ ‬والثقافية‭ ‬وبرامج‭ ‬ألعاب‭ ‬الفيديو‭ ‬والألعاب‭ ‬الالكترونية‭ ‬والبرمجيات‭ ‬التطبيقية‭ ‬المختلفة‭).‬

أما‭ ‬الشق‭ ‬الثاني‭ ‬فيتضمن‭ ‬أدوات‭ ‬تطوير‭ ‬المحتوى‭ ‬وتأمينه‭ ‬وتوزيعه،‭ ‬وهي‭ ‬تشتمل‭ ‬على‭ ‬نطاق‭ ‬عريض‭ ‬من‭ ‬التكنولوجيات‭ ‬ووسائل‭ ‬العرض‭ ‬ومنافذ‭ ‬الإتاحة‭.‬

وهذا‭ ‬مفهوم‭ ‬عام‭ ‬لمصطلح‭ ‬المحتوى‭ ‬بشكل‭ ‬عام،‭ ‬فماذا‭ ‬عن‭ ‬المصطلح‭ ‬الرقمي؟‭ ‬

إيضاحًا‭ ‬لمفهوم‭ ‬المحتوى‭ ‬الرقمي،‭ ‬يمكن‭ ‬تشبيه‭ ‬شبكة‭ ‬الاتصالات‭ ‬الرقمية‭ ‬بشبكة‭ ‬الأوعية‭ ‬الدموية‭ ‬في‭ ‬الجسم‭ ‬البشري،‭ ‬وتشبيه‭ ‬المحتوى‭ ‬بالدماء‭ ‬التي‭ ‬تسري‭ ‬داخل‭ ‬هذه‭ ‬الأوعية،‭ ‬حاملة‭ ‬الغذاء‭ ‬والأكسجين‭ ‬عبر‭ ‬الشرايين،‭ ‬طاردة‭ ‬النفايات‭ ‬الضارة‭ ‬عبر‭ ‬الأوردة‭. ‬وكما‭ ‬تتم‭ ‬عملية‭ ‬احتراق‭ ‬المواد‭ ‬الغذائية،‭ ‬مولدة‭ ‬طاقة‭ ‬كامنة‭ ‬تختزنها‭ ‬الخلايا‭ ‬إلى‭ ‬حين‭ ‬الحاجة‭ ‬إليها،‭ ‬يتم‭ ‬تحويل‭ ‬مادة‭ ‬المعلومات‭ ‬إلى‭ ‬طاقة‭ ‬معرفية‭ ‬إلى‭ ‬حين‭ ‬استغلالها‭ ‬في‭ ‬حل‭ ‬المشكلات‭ ‬أو‭ ‬توليد‭ ‬معرفة‭ ‬جديدة‭ ‬بناء‭ ‬عليها‭. ‬وكما‭ ‬تتجمّد‭ ‬الدماء‭ ‬وتفسد‭ ‬وتتعرض‭ ‬للنزيف‭ ‬وضيق‭ ‬الشرايين،‭ ‬كذلك‭ ‬يؤدي‭ ‬نقص‭ ‬المحتوى‭ ‬إلى‭ ‬أنيميا‭ ‬معلوماتية‭ ‬حادة‭. ‬لذا‭ ‬لا‭ ‬بد‭ ‬من‭ ‬مداومة‭ ‬تجديده‭ ‬والتخلص‭ ‬مما‭ ‬يعوق‭ ‬تدفقه‭ ‬ومنع‭ ‬نزيفه،‭ ‬سواء‭ ‬الداخلي‭ ‬بإهدار‭ ‬موارده‭ ‬على‭ ‬أيدي‭ ‬أصحابه،‭ ‬أو‭ ‬الخارجي‭ ‬بنهبها‭ ‬على‭ ‬أيدي‭ ‬غيرهم‭.‬

ويمكن‭ ‬القول‭ ‬إن‭ ‬المحتوى‭ ‬الرقمي‭ ‬عبارة‭ ‬عن‭ ‬كل‭ ‬ما‭ ‬أمكن‭ ‬تحويله‭ ‬إلى‭ ‬شكل‭ ‬رقمي،‭ ‬أو‭ ‬إنتاجه‭ ‬للمرة‭ ‬الأولى‭ ‬رقميا،‭ ‬سواء‭ ‬كان‭ ‬ذلك‭ ‬على‭ ‬شكل‭ ‬محتوى‭ ‬نصي‭ ‬أو‭ ‬بصري،‭ ‬أو‭ ‬سمعي،‭ ‬أو‭ ‬سمع‭ ‬ذ‭ ‬بصري،‭ ‬أو‭ ‬على‭ ‬شكل‭ ‬برمجيات‭ ‬مشفرة،‭ ‬وسواء‭ ‬ايضا‭ ‬كان‭ ‬ذلك‭ ‬المحتوى‭ ‬متاحا‭ ‬إما‭ ‬عبر‭ ‬شبكة‭ ‬الإنترنت‭ ‬أو‭ ‬غيرها‭ ‬من‭ ‬شبكات‭ ‬الاتصال،‭ ‬أو‭ ‬على‭ ‬الخط‭ ‬غير‭ ‬المباشر‭.‬

 

حجم‭ ‬المحتوى‭ ‬العربي‭ ‬ومستواه

هذا‭ ‬عن‭ ‬التعريف‭ ‬فماذا‭ ‬عن‭ ‬الواقع‭ ‬الراهن‭ ‬للمحتوى‭ ‬الرقمي‭ ‬العربي؟‭ ‬ولماذا‭ ‬يوصف‭ ‬بأنه‭ ‬محتوى‭ ‬فقير؟‭ ‬وأنه‭ ‬يعاني‭ ‬من‭ ‬أمراض‭ ‬الأنيميا‭ ‬المعلوماتية‭ ‬والهزال‭ ‬المعرفي؟

بداية‭ ‬تجدر‭ ‬الإشارة،‭ ‬وهو‭ ‬متوقع‭ ‬بطبيعة‭ ‬الحال،‭ ‬أن‭ ‬هناك‭ ‬صعوبات‭ ‬عديدة‭ ‬تعترض‭ ‬محاولات‭ ‬قياس‭ ‬حجم‭ ‬المحتوى‭ ‬العربي،‭ ‬أو‭ ‬غير‭ ‬العربي،‭ ‬على‭ ‬الإنترنت‭. ‬مما‭ ‬يؤدي‭ ‬إلى‭ ‬عدم‭ ‬وجود‭ ‬إحصاءات‭ ‬دقيقة‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬الشأن،‭ ‬غير‭ ‬أن‭ ‬المسألة‭ ‬لا‭ ‬تخلو‭ ‬من‭ ‬بعض‭ ‬الإحصاءات‭ ‬التقريبية‭ ‬التي‭ ‬يمكن‭ ‬دوما‭ ‬الاستفادة‭ ‬منها‭.‬

في‭ ‬المقابل‭ ‬هناك‭ ‬بعض‭ ‬المؤشرات‭ ‬الدالة‭ ‬التي‭ ‬يوردها‭ ‬المؤلف‭ ‬قائلا‭: ‬اوعلى‭ ‬الرغم‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬اللغة‭ ‬العربية‭ ‬هي‭ ‬إحدى‭ ‬اللغات‭ ‬الست‭ ‬المستخدمة‭ ‬في‭ ‬الأمم‭ ‬المتحدة،‭ ‬فإن‭ ‬المحتوى‭ ‬الرقمي‭ ‬العربي‭ ‬على‭ ‬الإنترنت‭ ‬قد‭ ‬احتل‭ ‬عام‭ ‬2003‭ ‬المرتبة‭ ‬العشرين‭ ‬تقريبا‭ ‬بين‭ ‬لغات‭ ‬العالم‭ ‬من‭ ‬حيث‭ ‬الكم،‭ ‬في‭ ‬حين‭ ‬أن‭ ‬المستخدم‭ ‬منه‭ ‬على‭ ‬شبكة‭ ‬الإنترنت‭ ‬بلغات‭ ‬غير‭ ‬الإنجليزية‭ ‬يصل‭ ‬حاليا‭ ‬إلى‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬60‭ ‬بالمئةب‭.‬

وتشير‭ ‬بعض‭ ‬التقديرات‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬عدد‭ ‬المواقع‭ ‬باللغة‭ ‬العربية‭ ‬على‭ ‬الإنترنت‭ ‬لا‭ ‬يزيد‭ ‬على‭ ‬نصف‭ ‬بالمئة‭ ‬فقط،‭ ‬وفي‭ ‬تقديرات‭ ‬أخرى‭ ‬على‭ ‬واحد‭ ‬بالمئة‭ ‬من‭ ‬إجمالي‭ ‬عدد‭ ‬المواقع‭ ‬العالمية،‭ ‬الأمر‭ ‬الذي‭ ‬يؤكد‭ ‬تراجع‭ ‬حجم‭ ‬المحتوى‭ ‬الرقمي‭ ‬العربي‭ ‬مقارنة‭ ‬بالمحتوى‭ ‬العالمي‭.‬

وعلى‭ ‬هذا‭ ‬تقر‭ ‬الوثيقة‭ ‬الخاصة‭ ‬بالاستراتيجية‭ ‬العربية‭ ‬لتكنولوجيا‭ ‬الاتصالات‭ ‬والمعلومات‭ ‬والصادرة‭ ‬عن‭ ‬مجلس‭ ‬الوزراء‭ ‬العرب‭ ‬للاتصالات‭ ‬والمعلومات‭ ‬أن‭ ‬حضور‭ ‬اللغة‭ ‬العربية‭ ‬على‭ ‬الشبكة‭ ‬العالمية‭ ‬يعد‭ ‬ضعيفا‭ ‬مقارنة‭ ‬باللغات‭ ‬الأخرى‭. ‬ومن‭ ‬ثم،‭ ‬فإن‭ ‬المنطقة‭ ‬العربية‭ ‬تعاني‭ ‬من‭ ‬مشكلة‭ ‬انخفاض‭ ‬نسبة‭ ‬المحتوى‭ ‬الرقمي‭ ‬العربي‭ ‬مع‭ ‬تزايد‭ ‬عدد‭ ‬مستخدمي‭ ‬الإنترنت‭ ‬داخل‭ ‬الإقليم‭ ‬العربي‭.‬

وعلى‭ ‬الرغم‭ ‬من‭ ‬تزايد‭ ‬أعداد‭ ‬مستخدمي‭ ‬الإنترنت‭ ‬داخل‭ ‬الإقليم‭ ‬العربي‭ ‬خلال‭ ‬الفترة‭ ‬الأخيرة‭ ‬في‭ ‬مقابل‭ ‬نقص‭ ‬المحتوى‭ ‬العربي‭ ‬المتاح‭ ‬على‭ ‬الإنترنت،‭ ‬فإن‭ ‬بعض‭ ‬التقديرات‭ ‬تشير‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬عدد‭ ‬الصفحات‭ ‬العربية‭ ‬على‭ ‬الإنترنت‭ ‬قد‭ ‬ازداد‭ ‬بمعدل‭ ‬بلغ‭ ‬43‭ ‬في‭ ‬المئة‭ ‬عام‭ ‬2009‭ ‬مقارنة‭ ‬بالعام‭ ‬2007‭. ‬كما‭ ‬تشير‭ ‬تقديرات‭ ‬أخرى‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬حجم‭ ‬المحتوى‭ ‬العربي‭ ‬المتاح‭ ‬على‭ ‬الإنترنت‭ ‬في‭ ‬الوقت‭ ‬الحالي‭ ‬يقدر‭ ‬بنحو‭ ‬1-3‭ ‬بالمئة‭ ‬فقط‭ ‬من‭ ‬إجمالي‭ ‬حجم‭ ‬المحتوى‭ ‬العالمي‭.‬

وتأكيدا‭ ‬لما‭ ‬سبق‭ ‬فإن‭ ‬بعض‭ ‬الإحصاءات‭ ‬والتقارير‭ ‬الصادرة‭ ‬عن‭ ‬مركز‭ ‬بحوث‭ ‬الاقتصاد‭ ‬الرقمي‭ ‬تشير‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬الصورة‭ ‬القاتمة‭ ‬بدأت‭ ‬في‭ ‬التغيّر،‭ ‬وإن‭ ‬كان‭ ‬ببطء‭ ‬شديد،‭ ‬حيث‭ ‬أظهر‭ ‬المسح‭ ‬خلال‭ ‬العامين‭ ‬2005‭ ‬و2006‭ ‬أن‭ ‬إجمالي‭ ‬المحتوى‭ ‬العربي‭ ‬على‭ ‬الإنترنت‭ ‬بما‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬الصفحات‭ ‬التي‭ ‬كتبت‭ ‬باللغتين‭ ‬العربية‭ ‬والإنجليزية‭ ‬بلغ‭ ‬114‭ ‬مليون‭ ‬صفحة‭ ‬و189‭ ‬مليون‭ ‬صفحة‭ ‬على‭ ‬التوالي‭. ‬وبمقارنة‭ ‬الصفحات‭ ‬العربية‭ ‬التي‭ ‬أنشئت‭ ‬في‭ ‬الفترة‭ ‬في‭ ‬عامي‭ ‬2005‭ ‬و2006‭ ‬ظهر‭ ‬أن‭ ‬معدل‭ ‬النمو‭ ‬السنوي‭ ‬بلغ‭ ‬55‭ ‬بالمئة،‭ ‬فيما‭ ‬حققت‭ ‬الصفحات‭ ‬الإنجليزية‭ ‬التي‭ ‬أنشئت‭ ‬في‭ ‬الفترة‭ ‬نفسها‭ ‬نموًا‭ ‬سنويًا‭ ‬بلغ‭ ‬65‭ ‬بالمئة‭.‬

كما‭ ‬توقع‭ ‬التقرير‭ ‬ذاته‭ ‬أن‭ ‬يصل‭ ‬عدد‭ ‬الصفحات‭ ‬العربية‭ ‬عام‭ ‬2012‭ ‬إلى‭ ‬نحو‭ ‬1.5‭ ‬مليار‭ ‬صفحة،‭ ‬أي‭ ‬معدل‭ ‬نمو‭ ‬سنوي‭ ‬بمقدار‭ ‬80‭ ‬بالمئة‭ ‬حتى‭ ‬عام‭ ‬2010،‭ ‬و60‭ ‬بالمئة‭ ‬في‭ ‬السنوات‭ ‬التي‭ ‬تليها‭.‬

وضعف‭ ‬الحتوى‭ ‬العربي‭ ‬لا‭ ‬يتوقف‭ ‬على‭ ‬الحجم‭ ‬فقط،‭ ‬بل‭ ‬يمتد‭ ‬أيضا‭ ‬إلى‭ ‬عناصر‭ ‬أخرى‭ ‬تتعلق‭ ‬بالماهية،‭ ‬وبالشكل‭ ‬والمضمون‭. ‬ففي‭ ‬إحدى‭ ‬الدراسات‭ ‬المسحية‭ ‬التي‭ ‬يوردها‭ ‬الكتاب‭ ‬تبين‭ ‬أن‭ ‬الملامح‭ ‬الأساسية‭ ‬للمحتوى‭ ‬الرقمي‭ ‬العربي‭ ‬تمثلت‭ ‬في‭ ‬مجموعة‭ ‬النقاط‭ ‬التالية‭:‬

غياب‭ ‬الرؤية‭ ‬الشاملة‭ ‬للمواقع‭ ‬العربية‭ ‬التي‭ ‬تحدد‭ ‬مقومات‭ ‬بنائه‭ ‬وتضمن‭ ‬استمراريته‭.‬

فجوة‭ ‬تكنولوجية‭ ‬في‭ ‬مختلف‭ ‬جوانب‭ ‬صناعة‭ ‬المحتوى‭.‬

فقر‭ ‬المحتوى‭ ‬وطغيان‭ ‬النصوص‭ ‬على‭ ‬غيرها‭ ‬من‭ ‬أنواع‭ ‬المحتوى‭ ‬السمعية‭ ‬والمرئية‭.‬

قصور‭ ‬في‭ ‬إدارة‭ ‬المواقع‭ ‬وعدم‭ ‬انتظام‭ ‬التحديث‭.‬

النقص‭ ‬الشديد‭ ‬في‭ ‬الكوادر‭ ‬البشرية‭ ‬المتخصصة‭.‬

الاعتماد‭ ‬شبه‭ ‬التام‭ ‬على‭ ‬برمجيات‭ ‬الشركات‭ ‬غير‭ ‬العربية،‭ ‬وإن‭ ‬كانت‭ ‬لا‭ ‬تلبي‭ ‬الاحتياجات‭ ‬الخاصة‭ ‬باللغة‭ ‬العربية،‭ ‬مثل‭ ‬البحث‭ ‬باللغة‭ ‬العربية‭ ‬والترجمة‭ ‬الآلية‭ ‬للغة‭ ‬العربية‭.‬

غياب‭ ‬مفهوم‭ ‬هندسة‭ ‬الاحتياجات‭ ‬اللازمة‭ ‬لبيان‭ ‬متطلبات‭ ‬الموقع‭ ‬الإلكتروني‭ ‬من‭ ‬الموارد‭ ‬والمصادر‭ ‬من‭ ‬داخل‭ ‬المنشأة‭ ‬وخارجها‭ ‬ومطالب‭ ‬تحديثه‭ ‬وإثرائه‭. ‬

كما‭ ‬اظهرت‭ ‬نتائج‭ ‬أحد‭ ‬البحوث‭ ‬المهتمة‭ ‬بتقييم‭ ‬المحتوى‭ ‬العربي‭ ‬على‭ ‬الإنترنت‭ ‬أن‭ ‬أحد‭ ‬عيوب‭ ‬المحتوى‭ ‬العربي‭ ‬المتاح‭ ‬عبر‭ ‬مواقع‭ ‬الإنترنت‭ ‬هو‭ ‬عدم‭ ‬الثراء‭ ‬والتنوع‭ ‬باستثناء‭ ‬عدد‭ ‬محدود‭ ‬من‭ ‬المواقع،‭ ‬وأكبر‭ ‬فئات‭ ‬هذا‭ ‬العدد‭ ‬المحدود‭ ‬هي‭ ‬مواقع‭ ‬المؤسسات‭ ‬التي‭ ‬تملك‭ ‬في‭ ‬الأصل‭ ‬محتوى‭ ‬غير‭ ‬رقمي،‭ ‬مثل‭ ‬دور‭ ‬الصحف‭ ‬والمواقع‭ ‬الدينية‭ ‬ومراكز‭ ‬الآثار‭ ‬أو‭ ‬المؤسسات‭ ‬التي‭ ‬كانت‭ ‬سباقة‭ ‬في‭ ‬استخدام‭ ‬الحواسيب،‭ ‬كالبنوك‭ ‬وشركات‭ ‬الطيران‭ ‬وما‭ ‬شابهها‭.‬

أظهرت‭ ‬النتائج‭ ‬أيضا‭ ‬أن‭ ‬نظم‭ ‬المعلومات‭ ‬الدينية‭ ‬تعد‭ ‬أنجح‭ ‬فروع‭ ‬صناعة‭ ‬المحتوى‭ ‬العربية‭ ‬عبر‭ ‬مراحلها‭ ‬المختلفة‭: ‬المطبوع‭ ‬ووسائط‭ ‬الأقراص‭ ‬على‭ ‬الخط‭ ‬غير‭ ‬المباشر‭ ‬والنشر‭ ‬الإلكتروني‭ ‬على‭ ‬الإنترنت‭. ‬

 

مبررات‭ ‬تعزيز‭ ‬المحتوى‭ ‬الرقمي

هذا‭ ‬هو‭ ‬وضع‭ ‬المحتوى‭ ‬الرقمي‭ ‬العربي‭ ‬حجما‭ ‬ومضمونا‭ ‬كما‭ ‬يوضح‭ ‬الدكتور‭ ‬رامي‭ ‬عبود‭ ‬في‭ ‬الكتاب،‭ ‬ولعل‭ ‬معرفتنا‭ ‬بحجم‭ ‬الفجوة‭ ‬المعرفية‭ ‬التي‭ ‬تعاني‭ ‬منها‭ ‬مجتمعاتنا‭ ‬العربية‭ ‬يدعونا‭ ‬للسؤال‭ ‬عن‭ ‬مبررات‭ ‬تعزيز‭ ‬صناعة‭ ‬المحتوى‭ ‬الرقمي‭ ‬العربية‭. ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬نجد‭ ‬له‭ ‬إجابة‭ ‬ضمنية‭ ‬في‭ ‬متن‭ ‬الكتاب‭ ‬حيث‭ ‬يوضح‭ ‬رامي‭ ‬عبود‭ ‬ان‭ ‬المحتوى‭ ‬الرقمي‭ ‬يعد‭ ‬اهم‭ ‬سبل‭ ‬النفاذ‭ ‬إلى‭ ‬مجتمع‭ ‬المعلومات‭ ‬العالمي‭ ‬على‭ ‬الإطلاق‭ ‬وكذلك‭ ‬قصر‭ ‬الطرق‭ ‬لحجز‭ ‬دور‭ ‬محتمل‭ ‬خلاله،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يتسنى‭ ‬إقليميا‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬إيجاد‭ ‬صناعة‭ ‬عربية‭ ‬استراتيجية‭ ‬منافسة‭ ‬للمحتوى‭ ‬الرقمي‭.‬

القد‭ ‬بات‭ ‬مصير‭ ‬الأمة‭ ‬العربية‭ ‬معلقا‭ ‬بنجاحها‭ ‬في‭ ‬إقامة‭ ‬صناعة‭ ‬محتوى‭ ‬رقمي‭ ‬كشرط‭ ‬لا‭ ‬بديل‭ ‬له‭ ‬لدخول‭ ‬المجتمعات‭ ‬العربية‭ ‬عصر‭ ‬المعلومات،‭ ‬ودخول‭ ‬مجال‭ ‬صناعة‭ ‬تكنولوجيا‭ ‬المعلومات‭ ‬والاتصالات‭ ‬من‭ ‬جهة‭ ‬أخرى،‭ ‬وكذلك‭ ‬تجسير‭ ‬الفجوة‭ ‬الرقمية‭ ‬التي‭ ‬تزداد‭ ‬اتساعا‭ ‬بين‭ ‬الوطن‭ ‬العربي‭ ‬والعالم‭ ‬المتقدم،‭ ‬بل‭ ‬بين‭ ‬البلدان‭ ‬العربية‭ ‬وبعضها‭ ‬البعضب‭.‬

كما‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬نضيف‭ ‬هنا‭ ‬كذلك‭ ‬أن‭ ‬صناعة‭ ‬المحتوى‭ ‬تعد‭ ‬أحد‭ ‬أهم‭ ‬صناعات‭ ‬مجتمع‭ ‬المعرفة‭ ‬لأنها‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬كونها‭ ‬صناعة‭ ‬استراتيجية‭ ‬إلا‭ ‬أن‭ ‬البعد‭ ‬التنموي‭ ‬لتلك‭ ‬الصناعة‭ ‬يعد‭ ‬أحد‭ ‬أبرز‭ ‬ملامحها‭. ‬إضافة‭ ‬إلى‭ ‬أنها‭ ‬باتت‭ ‬اليوم‭ ‬وسيلة‭ ‬بإمكانها‭ ‬تعزيز‭ ‬إمكانية‭ ‬مساهمة‭ ‬المنطقة‭ ‬العربية‭ ‬في‭ ‬صناعة‭ ‬المحتوى‭ ‬العالمي‭ ‬وبالتالي‭ ‬زيادة‭ ‬الدخل‭ ‬القومي‭ ‬وتوفير‭ ‬فرص‭ ‬عمل‭ ‬للشباب‭.‬

أما‭ ‬فيما‭ ‬يتعلق‭ ‬بالاستراتيجية‭ ‬المقترحة‭ ‬التي‭ ‬يطرحها‭ ‬الباحث‭ ‬فلا‭ ‬بد‭ ‬لأي‭ ‬مهتم‭ ‬أن‭ ‬يقرأها‭ ‬مفصلا‭ ‬في‭ ‬الكتاب،‭ ‬خصوصا‭ ‬إن‭ ‬الباحث‭ ‬لا‭ ‬يكتفي‭ ‬بتقديمها‭ ‬وتوضيح‭ ‬عناصرها‭ ‬بل‭ ‬يقدم‭ ‬كذلك‭ ‬استبيانات‭ ‬رأي‭ ‬حول‭ ‬المخاطر‭ ‬المحتملة‭ ‬لها‭ ‬وكيفية‭ ‬حلها‭ ‬مما‭ ‬يجعلها‭ ‬استراتيجية‭ ‬ترى‭ ‬كذلك‭ ‬عوامل‭ ‬الإعاقة‭ ‬وكيفية‭ ‬التغلب‭ ‬عليها‭.‬

كما‭ ‬أنه‭ ‬يحدد‭ ‬الأطراف‭ ‬الرئيسة‭ ‬لتحقيقها‭ ‬مع‭ ‬تفصيل‭ ‬كل‭ ‬منها‭ ‬بوصفهم‭ ‬أصحاب‭ ‬المصلحة،‭ ‬أي‭ ‬الأطراف‭ ‬المختلفة‭ ‬المشاركة‭ ‬في‭ ‬عملية‭ ‬تفعيل‭ ‬اإي‭ ‬ذ‭ ‬عربب‭ ‬وتنفيذ‭ ‬متضمناتها‭ ‬وتحقيق‭ ‬رؤيتها‭ ‬العامة‭ ‬،وهم‭ ‬بالتتابع‭: ‬المنظمات‭ ‬الإقليمية،‭ ‬المنظمات‭ ‬الدولية،‭ ‬الحكومات‭ ‬العربية،‭ ‬القطاع‭ ‬الخاص‭ ‬العربي،‭ ‬الشركات‭ ‬الدولية،‭ ‬المجتمع‭ ‬المدني،‭ ‬الأفراد،‭ ‬مؤسسات‭ ‬المعلومات،‭ ‬المؤسسات‭ ‬الأكاديمية‭ ‬والبحثية،‭ ‬البنوك‭ ‬ومؤسسات‭ ‬التمويل،‭ ‬ثم‭ ‬المانحون‭.‬

‭ ‬وبشكل‭ ‬عام‭ ‬يمكن‭ ‬تلخيص‭ ‬جوهرها‭ ‬في‭ ‬إقامة‭ ‬صناعة‭ ‬محتوى‭ ‬رقمية‭ ‬عربية‭ ‬تشمل‭ ‬مختلف‭ ‬المجالات‭ ‬االمحتوائيةب،‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬يتم‭ ‬ذلك‭ ‬وفق‭ ‬مراحل‭ ‬تدريجية،‭ ‬تبدأ‭ ‬بعدد‭ ‬محدود‭ ‬فقط‭ ‬من‭ ‬مجالات‭ ‬صناعة‭ ‬المحتوى‭ ‬الرقمي‭ ‬العربية‭ ‬خلال‭ ‬هذه‭ ‬الاستراتيجية‭ ‬ثم‭ ‬الانطلاق‭ ‬منها‭ ‬لاحقا‭ ‬نحو‭ ‬المجالات‭ ‬الأخرى،‭ ‬مع‭ ‬التوصية‭ ‬بالأخذ‭ ‬في‭ ‬الحسبان‭ ‬باقي‭ ‬المجالات‭ ‬الثمانية‭ ‬الرئيسية‭ ‬المتعارف‭ ‬عليها‭ ‬في‭ ‬جائزة‭ ‬القمة‭ ‬العالمية‭ ‬للمحتوى‭ ‬الرقمي‭: ‬وهي‭ ‬الحكومة‭ ‬الإلكترونية،‭ ‬الأعمال‭ ‬الإلكترونية،‭ ‬الصحة‭ ‬الإلكترونية،‭ ‬الاحتواء‭ ‬الاجتماعي‭ ‬الإلكتروني،‭ ‬العلوم‭ ‬الإلكترونية‭.‬

لا‭ ‬شك‭ ‬في‭ ‬أن‭ ‬الكتاب‭ ‬جدير‭ ‬بالاهتمام‭ ‬من‭ ‬كل‭ ‬المختصين‭ ‬والمسئولين‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬المجال،‭ ‬لأن‭ ‬الوطن‭ ‬العربي‭ ‬بالفعل‭ ‬في‭ ‬حاجة‭ ‬ماسة‭ ‬للانخراط‭ ‬في‭ ‬تجربة‭ ‬رقمية‭ ‬شاملة‭ ‬وجادة‭ ‬وفاعلة‭ ‬كما‭ ‬تقترح‭ ‬هذه‭ ‬الاستراتيجية،‭ ‬ليتنا‭ ‬نسمع‭ ‬قريبا‭ ‬عمن‭ ‬يشرع‭ ‬في‭ ‬تبني‭ ‬تحويل‭ ‬هذه‭ ‬الاستراتيجية‭ ‬من‭ ‬الورق‭ ‬إلى‭ ‬الواقع‭ ‬الافتراضي‭ .