كيف سقط القارئ العربي من حسابات بعض الكتاب العرب؟

كيف سقط القارئ العربي  من حسابات بعض الكتاب العرب؟

فرانسوا زبال؛ مفكر وكاتب وباحث، هو أحد الكوادر المؤسسة إداريًا وبرامجيًا لمعهد العالم العربي بباريس. ولد في لبنان وعاش بها شبابه المبكر ثم سافر إلى باريس. حصل على الدكتواره في تاريخ الفلسفة بجامعة السوربون. ثم عاد إلى بيروت واشتغل بالجامعة اللبنانية منذ عام 1972حتى 1984 حيث عاد إلى باريس، وأتم رسالة الدكتوراه الثانية عام 1985، ثم التحق بمعهد العالم العربي عام 1986 أي قبل افتتاحه للجمهور بعامين. جاء إلى مصر لتقديم ورشة عمل عن الترجمة وإشكالياتها، وكذلك للمشاركة في ندوة يقيمها المعهد الفرنسي بالقاهرة بعنوان «هل للروائيين العرب قراء عرب؟» تم إلغاء الندوة لأسباب أمنية وكان لنا هذا الحوار الذي بدأ في القاهرة واكتمل في باريس بمكتبه بمعهد العالم العربي.  

- جئت لمناقشة موضوع «هل للروائيين العرب قراء عرب» ما هي إجابتك عن هذا السؤال؟
- ستستغربين كيف أثار هذا الموضوع اهتمامي! بدأ الأمر حين كنا بصدد إعداد ندوة يتحدث فيها روائيون في باريس وذلك قبل وفاة نجيب محفوظ بعامين, واقترحت دارسة فرنسية دعوة نجيب محفوظ للحديث في الندوة وكان الوقت أضيق من الإعداد لدعوة ضيف يأتي من الخارج, وحين قلت لها ذلك بدا عليها الدهشة العارمة وهي تسألني وهل لا يعيش محفوظ في باريس؟ وهنا تداركت الأمر في ذهني. فتلك الدارسة تدخل إلى أي من المكتبات العامة مثل مكتبة معهد العالم العربي بباريس مثلًا, وتجد على ذات الطاولة كتابا لكاتب فرنسي يكتب بالفرنسية وآخر لكاتب عربي يكتب بالفرنسية، ويعيش في فرنسا أمثال طاهر بن جلون مثلًا وكتابا آخر لكاتب عربي ويكتب بالعربية ولا يعيش في باريس ولك أن تترجم أعماله إلى الفرنسية. 
- تقصد أن جميع الاعمال كانت تعرض دون حدود فاصلة؟
- هذا بالضبط ما أردت قوله إن الحدود الفاصلة بين طبيعة كل كتابة وهوية ونوعية أدب كل منهما باتت تائهة. فالقارئ يرى بن جلون ومحمد رشيد ومحفوظ على الطاولة نفسها والأول والثاني يعيشان في باريس، إذن فبالضرورة أن يكون محفوظ جزءا من هذا المضمون. 
- ولكن الاهتمام بترجمة الأدب العربي يتزايد في ما أعتقد؟
- صحيح وقد اشتغلت على إحصائية كاشفة فوجدت أن في سنوات الستينيات بالكاد نجد أعمال طه حسين وتوفيق الحكيم، ولكن في الثمانينيات والتسعينيات تزايدت الأعمال المترجمة بشكل ملحوظ ولكنها تكتسب بعدًا سياسيًا، فمثلًا حين كانوا يختارون أعمالا مثل أعمال غسان كنفاني فكانوا يختارونها من واقع كونها تمثل أعمال مناضل فلسطينيا وليس بسبب قيمتها الأدبية وهكذا. حتى حين ترجمت أعمال محفوظ (مع الاعتراف بمستواها الأدبي الرفيع) إلا أنها اختيرت أيضًا لمعالجتها قضايا اجتماعية تكشف الأبعاد السياسية في المجتمع وهي السمة الأساسية لأدب محفوظ: انعكاس السياسة على الحياة الاجتماعية للأفراد. 
- هل مثلت دار نشر مثل «أكت سود» منعطفًا في مسار ترجمة الأدب العربي، إلى اللغات الأوربية؟
- منذ سنوات الثمانينيات بدأت بعض دور النشر وعلى رأسها «أكت سود» في تخصيص سلسلة لترجمة الأدب العربي وكانت سلسلة سندباد هي السلسلة المختصة بذلك في «أكت سود»، ولكن تميزت «أكت سود» عن غيرها باهتمامها بالمستوى الأدبي والفني قبل أى شيء آخر في الاختيار. 
- هل يبحث الناشر الغربي في الأدب العربي عن الصورة التقليدية للعرب كما هي في خياله؟
- لم يعد ذلك قائمًا. المسألة أصبحت ديناميكية وعملية أكثر من ذلك. حتى أن بعض النقاد يطلقون نقدا لاذعا في الصفحات الثقافية بالجرائد والمجلات، ويتساءلون: هل أصبح هناك نوع من الأدب العربي يكتب فقط كي يترجم دون أن يضع في حسبانه القارئ المحلي. والأمر يبدأ على النحو التالي : تختار دار نشر فرنسية عملا لأديب عربي وتوقع معه العقد ومع ظهور الكتاب المترجم في الأسواق (والذي لا يقل في طبعته الأولى عن 2000 نسخة) تستضيف الكاتب في فرنسا ليقوم بجولة في معظم المدن الفرنسية ليقابل جمهوره في أكبر المكتبات بالمدن المختلفة ثم يوقعون معه عقدًا يشبه الاحتكارى يتمثل في أن يكون لهم الأفضلية في الحصول على حق ترجمة كتابه القادم. إذا نفدت الطبعة الأولى من الكتاب المترجم يصدرون طبعة أخرى مماثلة وبالتالي استضافة أخرى وإذا نفدت الطبعة الثانية يأتي دور طبعة نسخ الجيب، والتى لا تقل عن 5000 نسخة. 
- أي أن الكاتب العربي يجد نفسه في واقع مغاير تمامًا عما يجده في بلده؟
- بالضبط. وأنا أسألك هل هناك كتاب يصدر في مصر لأحد الأدباء ويهتم الناشر بعمل لقاء للكاتب مع قرائه في أسيوط مثلًا؟ ثم هل تعرفين كم عدد نسخ الطبعة الأولى لأي كتاب يصدر عن أي دار نشر عربية؟ إن الكاتب العربي في بلده لا يعرف بالتحديد كم عدد النسخ التي بيعت من كتابه ولا يتاح له هذا القدر من التواصل مع الجمهور ومناقشة أفكاره مع قرائه وبالتالي التلاحم مع أفكاره ذاتها وهو ما يكسبْ فكره النضج والحماس. 
لا عجب إذن إذا انزلق بعض الكتاب في طريق الكتابة من أجل الترجمة إلى اللغات الأوربية؟ 
تمامًا. لو تتبعت تاريخ صدور الكتاب باللغة العربية لأحد الكتّاب وتاريخ صدور الترجمة باللغة الأجنبية لتعجبت من التقارب الزمنى بينهما. ومع مرور الوقت يزداد التقارب بين التوقيتين. بل إنه في الفترة الأخيرة ظهرت بعض الترجمات قبل صدور النص باللغة الأصلية أي العربية. 
- وكيف يمكن أن يحدث ذلك؟ 
- حين ينتهي الكاتب من فصل يرسل به إلى المترجم. ثم الفصل الثاني والثالث وهكذا فينتهي الاثنان في التوقيت نفسه تقريبًا، ولأن خطوات المراجعة والطبع تتم بشكل أسرع في فرنسا فنجد النص المترجم في الأسواق قبل النص الأصلي. وبالطبع يتم الانتهاء من مسألة الحقوق سالفًا قبل أن يشرع الكاتب في نصه. وعلى الرغم من أن كاتب العربي يخضع من قبل دار النشر الأجنبية لتقاليد وشروطا لم يعتدها في بلده فإنه يقبل بها تمامًا 
- تقاليد مثل ماذا؟
- إن دار النشر الأجنبية لها الحق في أن تحذف مالا تراه مهمًا أو تعيد ترتيب بعض الأجزاء، أو مثلًا إذا وجد الناشر جزءًا مترهلًا أو غير محكم من الرواية يعهد بها إلى مراجعيه لإعادة كتابتها كاملة بأسلوب أكثر إحكامًا. وهو ما لا يقابله الكاتب العربي في بلده، حيث يعتبر كتابه نصًا مقدسا لا يجوز مساسه. أما في فرنسا فالكاتب يمثل حلقة في سلسلة طويلة لابد لكل حلقة أن تقوم بدورها كي تكتمل المنظومة. ومع ذلك فالكاتب العربي يوافق لأنه بدخول أعماله إلى تلك المنظومة فإنه يضمن لأدبه ألا يموت ولا يندثر. 
فمع كل عمل جديد يصدر في فرنسا يكتسب رقمًا جديدًا في ما يسمى ISDN وكل ما يحمل رقما فيه يسجل في مكتبة الكونجرس المركزية، وبذلك يضمن الكاتب أنه قد تم تسجيله في المحيط العالمي للكتاب. 
- لذلك يحق لنا أن نتساءل عما إذا بقي للكاتب العربي من قراء عرب؟
- إن القارئ العربي سقط من الحسبان وسقطت معه الثقافة والأدب. والكتابة الأدبية ليست ترفيهًا فقط وإنما تمثل إعادة الروابط الثقافية والذهنية حتى يلتحم المجتمع. لقد سقط هذا المعنى ومعه سقطت العلاقة بين القارئ والكاتب. 
وجراء ذلك يعود بعض القراء إلى قراءة الأعمال الأدبية القديمة التي تتميز بالتقنيات الأدبية العالية ولكنها تنتمي لأفكار بائتة وفكر جامد. 
- وهل تهتم الأقلام النقدية الفرنسية بالأدب العربي المترجم؟ 
- ليس كثيرًا مع الأسف لأن آلية الكتابة في الصفحات الثقافية تتم بشكل معروف وهي أن يكون هناك ناقد أدبي متخصص في كل نوع من الآداب كالأدب الإنجليزى والأدب الأمريكي وأدب أمريكا الجنوبية وهكذا. وعادة لا يكون هناك متخصصون كثيرون في الأدب العربي. وجدير بالذكر صدور كتاب في الآونة الأخيرة لناقد فرنسي هو ريشار منيه: يقول فيه بانحطاط الأدب الفرنسي المعاصر بسبب دخول العرب الفرنسيين فيه دون تمييز أدبهم عن أدب الروائيين الفرنسيين أصلًا، وهو ما يعود بنا إلى ما قلناه سالفًا عن زوال الحدود بين هذا وذاك. وهو ما يشير أيضًا إلى تحول الذهنية الفرنسية كما هو الحال في بلداننا العربية ولكن كل تحول وله مساره وإتجاهه.
- ذكرت من قبل أن عملك بمعهد العالم العربي أضاف إليك معرفة جديدة بالعالم الإسلامي على الرغم من دراساتك السابقة للولايات العثمانية القديمة وبعض الدراسات المتعلقة بالتاريخ الإسلامي، اشرح لنا ما هي تلك الإضافة؟ 
- الإضافة حدثت على مستوى الدهشة الذي حققه لي اكتشاف عالم بلاد المغرب المثير من ناحية العلاقة الدائمة من وجهة نظر أهل المغرب بين التقاليد والدين، ووضع تفسيرات دينية للتقاليد الاجتماعية. فمثلًا في الشرق الأوسط يتشارك المسلمون والمسيحيون في الكثير من العادات الاجتماعية دون إعطائها تفسيرًا أو مرجعية دينية، بل تكون المرجعية متعلقة بالمحيط الاجتماعي بما يشمله من مسيحيين ومسلمين، كأن نعتبر مثلًا أن هذه العادة عادة ريفية وتلك العادة عادة حضرية أو صحراوية، أى أن المكان سواء كان مدينة او قرية هو من خلق العادة وليس الدين. والصورة التى تعكسها هذه الحقيقة كشخص منتم إلى الشرق الأوسط هو أنهم استثناء، حيث إن 90% من المغاربة هم سنة مالكيين، على عكس بلد مثل مصر مثلًا بمدارسها الفقهية الأربعة. ومع الأسف أنهم ينظرون لأنفسهم على أنهم هم القاعدة والباقي هو الاستثناء، ويصدرون أنفسهم إلى الغرب االفرنسي انطلاقًا من تلك الفكرة، ويستمد كثير من الفرنسيين فكرتهم الكاملة عن العرب انطلاقًا من صورة المغاربة.
كذلك فالفرانكفونية المغربية هي حوار حصري بين المغرب وفرنسا، عكس الفرانكفونية في بلاد الشرق الأوسط، فهي مفتوحة لأنه دائما ما كان هناك طلاينة ويونانيون بالشام ومصر، ودائما ما أراد اهل الشرق الأوسط تخطي الفرانكفونية والانفتاح على الإنجليز والروس وغيرهما. أما المغرب فهو ينفتح على العالم من خلال علاقته بفرنسا والفرنسيين .