الناقد المصريّ د. حسين حمودة: حركة النقد لا تواكب الإبداع

 الناقد المصريّ د. حسين حمودة: حركة النقد لا تواكب الإبداع

د. حسين حمودة ناقد من طراز رفيع، شاءَ أمْ أبى. كلّ ممالك الإبداع تخطّ على جدرانها اللازورديّة ذلك، وفي بورتريه شائق في عالم الإبداع والنقد.. تذهب إليه الرؤى بعطر الكلمات طائعةً، وهي تتحرّر من ذنوبها، وهو بكلّ هدوء الروح المبدعة، وخشوع جسدٍ، وكهرباء أصابع، لحظات تحرُّش خجول ببياض الورق، وهو يخترق جيوش تحدّيه، مستمتعًا برؤاه النقدية، وبمجملها كتابة في الحُلم... والإبداع لديه ليس رحلة شاقة/ عذبة فحسب، بل شديدة المتعة، رُغم زمنها الخاطف المراوغ. هو ناقد لا يسعى إلى تأسيس «نظرية نقدية» تغيّبها المصطلحات والصيغ القديمة المكرورة التي ماتَ نقّادها، ومشى في جنازتهم رونان ماكدونالد وأمثاله ومعهم الرؤى وهي بفجر الآتي من الإبداع - الحُلمي، المرآة الناصعة للنصّ المثير والهادف، فقط ليُقرأ النقد رؤية حداثية، محرّكة للمفاصل المعطلة في جسد الفضاء الإبداعي والثقافي العربي.

 

النقدُ لديه إبداعٌ آخر، نصٌّ موازٍ للنصّ الإبداعي، وتجربة النقد تتكافأ وتجربة الإبداع.. وهذا النقد من دون قيمة جمالية لا يُعوّلُ عليه.
ولدى ناقدنا الكبير الكثير ممّا يرقى بالنقد والأدب والإبداع رؤيةً وأسلوبًا. 
 ●رصيدٌ باذخٌ في رؤاك ونظراتك النقدية المهمّة والإضافة بحقٍ.. وصحافة وإعلام، توّجتها رئاسة تحرير مجلة فصول النقدية الفصلية... كيف تصف هذه المغامرة، بلْ هذه الرحلة الشاقة، العذبة؟ ماذا أخذت منك؟ وماذا أعطتك؟
- لو سمحت لي، يمكن أن أضيف: ربما لم تكن «رحلة شاقة/ عذبة» فحسب، لقد كانت «رحلة ممتعة» أيضًا. فخلال هذه الرحلة لم أكن أبدًا، في أي وقت من الأوقات، بعيدًا عن الأدب الذي أحببته دائمًا، سواء في مراحل الدراسة قبل العمل، أو في العمل منذ فترة مبكرة بالصحافة الثقافية، ثم فيما بعد ببعض المجلات الأدبية أو النقدية المتخصصة أو شبه المتخصصة. 
هذه الرحلة في الحقيقة أعطتني الكثير: الشغف، والهواية، والاقتراب من الأدب والإبداع عمومًا، وطبعًا أعطتني أيضًا ما يمكن به مواجهة سبل العيش.. أمّا ما أخذته منّي، فلم تأخذ شيئًا في الحقيقة سوى بعض الوقت، وقد مرّ هذا الوقت سريعًا.. والآن، بعد هذه الرحلة، أنظر إلى العقود التي انقضت، وأكاد أراها قد مرّت كلحظات خاطفة.

نقّاد مجيدون... لكنهم أفراد 
● النقد بمنزلةِ القابِلة للنصّ.. المتّهم دائمًا.. البريء أحيانًا! متّهم بعدم مواكبة التفجّر الإبداعي، ولمْ ينتهِ إلى حركة نقدية جادة أو نظرية، وأصوات بعض المبدعين عالية ضاجّة مزعجة بعدم وجود نقّاد لدينا أيضًا.. وبريء وهو يؤرّخ بخجلٍ للمشهد الإبداعي السردي/ الروائي على وجه الخصوص.. ماذا تقول؟ كيف تردّ على هذه الاتهامات؟ وماذا تقترح لحراك نقدي جادّ وفاعل؟
- ولماذا يجب الردّ على الاتهامات وليس تأملها واستكشاف بعض الجوانب الوجيهة أو المهمة فيها؟!.. لعلي أؤيد الكثير منها، ولكن من موقع آخر لا يرى فيها اتهامات في محاكمة مفترضة متخيّلة تستدعي أدوار المرافعة والاتهام والدفاع وأحكام البراءة والذنب.. بل يراها، أو على الأقل يرى جزءًا كبيرًا منها، توصيفًا لوضع ثقافي وأدبي راهن. نعم! حركة النقد لا تواكب حركة الإبداع، ليس في الثقافة العربية فحسب، بل في كثير من الثقافات الإنسانية، وإن بقدر من التباين في درجة المواكبة أو عدم المواكبة، وبقدر من التنوع في كيفياتها أيضًا. وفيما يخصنا، وسؤالك كما أتصور ينصرف إلينا، فنحن لدينا نقّاد مجيدون، لكنهم أفراد، كل واحد منهم يقوم بدوره المستقل، بينما الأدوار المتعددة لا تتصل ولا تتنامى معًا في «حركة نقدية جماعية» متناغمة ومتكاملة.. وعلى ذلك نستطيع أن نقول إن «الحركة النقدية» لدينا غائبة أو شبه غائبة، ويعود ذلك لأسباب كثيرة جدًّا.
أما عن ملاحظتك حول عدم انتهاء النقد عندنا إلى بلورة «نظرية»، فهذا يستدعي التوقف عند المسيرة القصيرة التي قطعناها في نقد الأنواع الأدبية الحديثة، التي عرفناها خلال الاحتكاك بالغرب قبل أقل من قرنين، أقصد الرواية والقصة القصيرة والمسرحية. هذه الأنواع عرفها الغرب منذ زمن بعيد، واستندت إلى ميراث نقدي طويل وممتد، ولم يكن لدينا، حين عرفنا هذه الأنواع، مثل هذا الميراث، ولم نراكِم اجتهادات نقدية قادرة على تكوين ميراث موازٍ. وفيما يخصّ نقد الشعر، النوع الأدبي الأول في تاريخنا القديم والوسيط، يمكن ملاحظة أن هذا النقد قد خضع لظاهرة «الذاكرة المتقطعة»، التي كانت ماثلة في تاريخنا كله، وليس في تاريخنا الأدبي فحسب، ومن ثمّ لم يتراكم نقدنا الشعري أو يتنامَ عبر فترات التاريخ بشكل مطّرد، رغم أهمية ما قدّمناه في هذا النقد. لكن، من زاوية أخرى، دعني أتأمل معك الفكرة ذاتها: البحث عن  «نظرية نقدية»، وهو بحث مراود، وفي الوقت نفسه محاط بإشكالات واضحة، مرتبطة بما ينطوي عليه معنى النظرية من أبعاد، ومرتبطة كذلك بالوجهة التي يمكن أن يمضي فيها هذا البحث؛ فالنظرية في جانب من جوانبها يمكن أن تكون استخلاصًا، من نتاج نوع إبداعي ما، لملامح عامة قابلة للتعميم، لكنّ البحث عن نظرية كاملة ونهائية يمكن أن يؤدي إلى طرق مسدودة؛ لأنّ كل نظرية مجترحة دومًا بالإبداع المتجدد الذي يختبر حدود النوع الأدبي، ويتجاوز «التقعيدات» أو القواعد النظرية، ويعيد ترسيم هذه الحدود باستمرار.
ولك أن تتأمل هذين البعدين في حركة الاتجاهات النقدية التي شهدتها مسيرة النقد الغربي خلال القرن العشرين، مثلًا.. وباختصار يمكننا أن نقول إن «النظرية النقدية» نفسها يجب أن تكون مرنة ومفتوحة ومتجددة بتجدُّد الإبداع.
الحراك النقدي، لكي يتحقق، يستدعي المزيد من احترام قيمة التراكم، إضافة الخبرة إلى الخبرة والجهد إلى الجهد، والتشييد على ما سبق دون انقطاع، إضافة إلى الاحتفاء بالتساؤل المستمر والمتصل، والإيمان بأهمية العمل الجماعي، والمزيد من إتاحة طرائق النشر والتواصل، والسعي إلى ربط النشاط النقدي بمنابع الإبداع وبمنابع الحياة نفسها، وبكل ما ينفع الناس وما يمكن أن يمكثَ في الأرض، وأيضًا توفير سبل العيش للنقاد كي يستطيعوا أن يتفرّغوا للنقد.. وما إلى ذلك. نحن نحتاج إلى هذا كله كي نشهد حراكًا نقديًّا حقيقيًّا.

انحسار النقد وأوضاع الحياة
● في كتابهِ المثير «موت الناقد» كتبَ رونان ماكونالد يقول: «بدا الناقد العام الذي يملك السلطة في تشكيل الذائقة العامة، ويتمتّع بالاحترام الكافي الذي يسمح لهُ بلفتِ انتباه الجمهور إلى الفنانين الجدد، وكأنهُ أصبح بائع ملابس مستعملة، أو مجرّد قاطع تذاكر في حافلة، ولم يعُد شخصية يحتاجها المجتمع الرأسمالي الراهن»، ما تعليقك؟ هو يقصد النقد الأكاديمي التقليدي بلا شك..! أهي مجاهرة شديدة بموت هذا الناقد، وبشارة بولادة القارئ؟ بل وبنقدٍ رؤيوي ما بعد حداثي يحتوي بشفافية النص، بل نص موازٍ للنص؟ ماذا تقول؟
- نعم... معك حق. وماكدونالد قصد بعباراته هذه الناقد الأكاديمي، كما تشير، ورأى أن «سلطة» هذا الناقد قد تراجعت بوجه عام لمصلحة نقد آخر وأشكال ومجالات أخرى من النقد، ومن ذلك ما يسميه «نقد الجمهور». وأيضًا في هذا الرصد، الذي يمثّل «عدم الاحترام» لبعض النقد ولبعض النقاد ملمحًا من ملامحه، لاحظ ماكدونالد أن اسم الناقد أصبح بحاجة إلى أن الدعم خلال اقترانه بصفة أخرى تضفي عليه شيئًا من الاحترام الغائب: «كاتب وناقد»، «صحفي وناقد»، «أكاديمي وناقد».. إلخ. ماكدونالد في كل الحالات كان يقصد موت «الناقد النخبوي»، ولعله في نهاية كتابه أشفق قليلًا على هذا الناقد من الحكم عليه بهذا المصير المحزن، وخفّف من موته النهائي، وجعله أقرب إلى أن يكون «سِنَة من النوم».. بل ووجد أيضًا حلّا أو سبيلًا لإيقاظ هذا الناقد الأكاديمي، النخبوي، من غفوته، يتمثّل في تنبيهه إلى ضرورة إعادة احتفائه بالتقييم، أي إعادة الاهتمام بحكم القيمة الجمالي على الأعمال الأدبية، وهو الحكم الذي تناءى عنه النقد الأكاديمي، فيما تناءى عنه، خلال بحثه اللاهث عن موضوعية مطلقة وباردة.
التراجع على مستوى النقد الأكاديمي، في الثقافة الغربية التي كانت موضع اهتمام ماكدونالد، ليس بعيدًا عمّا يوازيه في وضعنا العربي. ويمكن التفكير طبعًا في أن انحسار هذا النقد الأكاديمي مرتبط بأوضاع رازحة في الحياة الأكاديمية نفسها، بكل ما فيها من لوائح وقيود، ومرتبط أيضًا عندنا بأبعاد أخرى تتجاوز حدود المؤسسات الأكاديمية؛ وهي أبعاد تطول مقررات التعليم وأساليب تدريسها في أغلب مراحله قبل الجامعية، وتطول طرق التنشئة والتربية، وتطول - باختصار- كل ما يصوغ ثقافة المجتمع وذائقته؛ ففي هذه الدوائر الواسعة حدث نوع من انحسار السعي إلى إشاعة أو نشر الروح النقدية، التي تقوم في جانب أساسي منها على المناقشة والحوار والتقييم وإبداء الرأي.
لقد تراجع هذا كلّه لمصلحة التركيز على أشكال التلقين والاستظهار والحفظ وسطوة المعلومات وهيمنتها.
وعلى هذا، فالنقد الأكاديمي، هنا وهناك، أصبح سجينًا بين جدران الجامعات، مكبّلًا بقيود المصطلحات التي تكاد تجعل منه «لغة سريّة» لا يفهمها إلّا واضعوها أو متداولوها. وكثرة من أمثلة هذا النقد، التي تجدها في أغلب الرسائل الجامعية، أصبحت محض تكرار لمقولات ومداخل وتصنيفات لا تهمّ أحدًا غير الباحثين الجامعيين، ولا تهتم بأن تخاطب أحدًا سواهم.
هذا عن النقد الذي تراجع والناقد الذي مات أو أخذته سِنَة من النوم. أما القارئ، ومتلقي الإبداع عمومًا، فهو فيما يرى ماكدونالد، ولعلنا جميعًا نرى معه، لا يزال ممتلئًا بأسباب الحياة، كما كان دائمًا وكما سوف يظل. هكذا كان شأنه دائمًا، وهكذا ظل عابرًا للتاريخ. وهذا القارئ، كما تلاحظ، غير مقيّد بالانتماء إلى مدارس أو تيارات أو وجهات أو مناهج محددة.. كما أنه ينطلق دائمًا من استجاباته العفوية، وهي استجابات متحررة من القيود، وصادقة وحيّة وعفوية ومتجددة، ومستندة طبعًا إلى حق هذا القارئ في التعبير عمّا يعجبه أو لا يعجبه، أي مستندة إلى ذائقته وحُكمه الجمالي. لقد أصبح هذا القارئ يلبّي حاجته النقدية بنفسه، ويحاول القيام بمسؤولياته كما يتصورها أو كما تحددها حاجته، دون الاعتماد على الناقد المحترف.

تجارب نقدية تتكافأ والإبداع
● قالَ سيبيليوس: لا تصغوا إلى ما يقولهُ النقّاد، و«لمْ نرَ يومًا نصبًا يُقامُ لناقدٍ».. ويرى صموئيل بيكيت أن النقد هو «استئصال للرحم بمجرفة»... لماذا كلّ هذا التحامل الجارح على النقد والنقّاد؟ وإذا كان النقد مرآةً مهشّمة، كما يراهُ آخرون، فكيف يرى الإبداع نفسه، بل كيف يشكّل نفسه ويتجمّل ويتطور ويثير ويُدهش.. ويغيّر في القارئ والوجود والحياة؟ 
- سيبيليوس وبيكيت من المبدعين الذين يحق لهم الجهر بمواقفهم من النقد والنقادّ... هما ينتميان إلى مجالين إبداعيين من المجالات المهضومة الحق نقديًّا في التاريخ الحديث، رغم أهميتهما: الموسيقى في حالة سيبيليوس والمسرح في حالة بيكيت، وإن كان الأخير قد كتب أيضًا بعض القصص، بل مارس النقد الأدبي! 
وسؤالك المهم، المحتشدة صياغته بحيوية واضحة، يمكن أن يجعلنا نستدعي أو نستعيد عبارات أخرى مشابهة سارت في الاتجاه نفسه، وإن كانت أقل حدّة، من قبيل أن «الناقد مبدع فاشل»!.. وما إلى ذلك.
الحقيقة أنني لا أجد تفسيرًا كافيًا لما تراه نوعًا من «التحامل الجارح» على النقد والنقاد، لكن ربّما يمكن التفكير في أن الروح النقدية بوجهٍ عامٍ، في بعض الفترات وفي بعض الثقافات والسياقات، أو على الأقل مع صعود أو هيمنة بعض التوجهات السياسية أو الثقافية، لم يكن مرحَّبًا بها، وقد لاحت أحيانًا مثل ضيف ثقيل، ببساطة لأنها يمكن أن تجعل الكثيرين يعيدون النظر في المسلّمات الثابتة الراسخة المريحة. ومع هذا، فمن ضفّة أخرى، يمكن أن نلمح وراء جزء من عبارة سيبيليوس صورة خفيّة لميزان عدالة ما، يتراءى في الربط بين «عدم التقدير» لعمل الناقد في كفّة، وضآلة ما يقدّمه في الكفّة الأخرى؛ بمعنى أن المجتمع لا يكافئ النقاد بإقامة نصُب تذكارية لهم بسبب أنهم لم يؤدوا عملًا حقيقيًّا يستحق هذا، ولو فعلوا لنالوا المكافأة، وهو بهذا ينطلق من ثقة بعدالة المجتمع ورؤيته لما يفيده وما لا يفيده، وأيضًا ردّه الجميل إذا رأى أن هناك جميلًا ينبغي أن يُردّ.
على مستوى آخر، بمنأى عن دائرة الاجتراح وعدم الاجتراح، وبعيدًا عن مجال التقدير وغيابه، فهذه العبارات، وكل ما يمضي في اتجاهها، هي نوع من «الأحكام» التي أصبح التعبير عنها نوعًا من التحلي بالشجاعة، والتي أصبحت جزءًا مما يتجنبه بعض النقد الذي بات يتّجه، في قطاع كبير منه، إلى التحليل وليس إلى إصدار الأحكام، كما أشرنا، فيوغل بذلك في طريق يبتعد خلاله عن واحدة من مهامه الأساسية، أو بعبارة أخرى يقطع المزيد من الخطوات نحو التراجع.
لكنّ النقد الذي يتراجع ليس كل النقد؛ فالنقد ليس واحدًا، وقيمته التي تتحقق مع بعض النقاد ليست متساوية. هناك تجارب من النقد تكاد تتكافأ والإبداع، وهناك «نقاد مبدعون» أو «مبدعون نقاد». 
وبجانب ذلك، لا ينفصل الإبداع أبدًا عن تلقّيه ولا عن متلقيه، وفي حالة الأدب لا ينفصل عن قارئه. وأصحاب نظريات القراءة، أو نظريات استجابة القارئ (ياوس، وإيزر، وجادامر، وغيرهم) يجادلون حول أن النص الأدبي لا وجود له دون قارئه، وأن معناه لا يتشكّل أبدًا إلّا من خلال هذا القارئ. 
وإذا سلّمنا بأن كل قراءة وكل استجابة إنما هي في جانب من جوانبها «عمل نقدي»، فالحاجة إلى النقد سوف تظل مُلبّاة، والنقد لن يموت أبدًا.. فقط تتقهقر، أو حتى تموت، بعض تمثيلات له.. وفي النهاية نستطيع أن نقول باطمئنان، إن الإبداع قادر على الحضور وعلى الامتداد والتطور باستمرار، سواء كان هناك نقاد محترفون أم لا.. وسواء كانت هناك نصُب تذكارية تشيّد أم لا.. وأكثر من هذا لنا أن نقول إن عملية الإبداع ذاتها، في بعض مراحلها، تنطوي على عمل نقدي ذاتي من قِبَل المبدع نفسه.

النقد والقيمة الجمالية
● كناقدٍ لهُ حضورهُ الراقي في فضائنا الثقافي والإبداعي المصري والعربيّ، ما تعريفك للنقد؟ وأقصد النقد ما بعد الحداثي، النصّ موازٍ للنصّ، ردًّا وبعيدًا عن الصيغ الجاهزة والمكرورة التي دخلت قصر النقد المهيب من باب الصحافة اليومية!
- النقد ليس واحدًا، ومن ثَم تعريفه ليس موحّدًا. وأي تصفّح، ولو سريع، لحركة الاتجاهات النقدية، في أي مرحلة من مراحل التاريخ الأدبي، يكشف عن وجهات متنوعة ومتباينة جدًّا من ممارسات النقد. ومن دون اللجوء إلى توصيفات أو تسميات، وبعيدًا عن التصنيفات التي شاعت بموازاة الاتجاهات والمدارس النقدية الغربية خلال القرن الماضي، والتي انبثقت من سياقات بعينها، لها أبعاد فلسفية وثقافية واجتماعية وعلمية وحضارية... إلخ، فهناك النقد الشارح، والنقد الموازي للنص، والنقد المبدع، و«النقد/ الجسر» بين النص وعموم القراء.. إلخ.
وإلى جانب هذا، هناك القراءات المتعددة الممكنة للنص الواحد، أقصد القراءات من زوايا سياسية أو اجتماعية أو ثقافية أو تاريخية أو تأويلية أو نسوية أو لغوية أو أسلوبية أو جغرافية أو أنثروبولوجية أو إيكولوجية... إلخ. ومع هذا التنوع كله، هناك مجالات متعددة لنشر الكتابات والتعليقات النقدية، وقد اتسعت هذه المجالات جدًا خلال العقدين الأخيرين، مع تزايد إمكانات النشر عبر وسائط الاتصال الحديثة، التي جاوزت الجرائد اليومية والمجلات الدورية الورقية، ومنحت الجميع حريّات كبيرة للنشر، وطبعًا اختصرت الأزمنة والأماكن. 
وإلى جانب هذا التنوع الكبير في وجهات النقد وطرائق وكيفيات توصيله، يمكن أن نفكر حتى في أن بعض العناصر التي قد تلوح ثابتة في أغلب ممارسات النقد ليست ثابتة كما يتصور البعض.
مثلًا «القيمة الجمالية» التي يجب أن يُعنى بها النقد، فيما أتصور، هي في النهاية ظاهرة تاريخية، رغم ما يتراءى فيها من ملامح ثابتة. يمكن لهذه القيمة أن تتباين، ولو في حدود، من زمن لزمن، ومن مجتمع لمجتمع، ومن ثقافة لثقافة... إلخ. وبهذا كله يصعب الاتفاق حول تعريف موحّد أو نهائي للنقد، أو يمكن أن تتوارى، إلى حدّ، أهمية الوصول إلى مثل هذا التعريف.
لكنّ المؤكد أن النقد، أيًا كان، يجب ألّا يركن إلى الحياة الرخيّة بين جدران مغلقة في «قصر مهيب» بتعبيرك الجميل... لأنّ هذه الجدران، وكل جدران عمومًا، تقيّده بالضرورة، وتحول دون قيامه بدوره الأساسي: مقاربة أو استكشاف الجمال في إبداع ما، ومشاركة هذه المقاربة أو هذا الاستكشاف مع آخرين كثيرين يتواصل معهم.

المنابر الصحفيّة بين النزاهة والموضوعية 
 ● كصحفي وإعلامي من طراز رفيع، ورئيس تحرير لمجلة «فصول» النقدية الفصلية الأكثر انتشارًا... كيفَ تقيّم صحافتنا الثقافية العربية؟ هي متهّمة أيضًا بأنها صحافة مجاملات ومصالح، ولم تعكس النبض الإبداعي المثير والجاد، وماذا تقترح لصحافة ثقافية فاعلة؟
-  أتصور أن صحافتنا الثقافية العربية ظلت لفترات طويلة، وربما حتى الآن، تقوم بأدوار مهمة جدًا، ينبغي عدم التقليل من شأنها، حتى مع ظهور حاجات جديدة تستدعي تلبيتها أدوارًا جديدة الآن. المجاملات والمصالح التي تشير إليها ظواهر سلبية قائمة مع الأسف، في حدود قد تتزايد أو تنكمش أو تتلاشى من حالة لحالة، في هذه الصحيفة أو هذه المجلة أو تلك. لكن بجانب هذه الظواهر، هناك منابر صحفية وثقافية رصينة، ومنها ما يتجه إلى قطاعات واسعة من القراء. 
ومع ذلك، يمكن التفكير في السؤال حول كفاية أو عدم كفاية هذه المنابر بالقياس إلى تزايد التعطّش المعرفي والجمالي الذي يجب إشباعه.. والمؤكد أننا بحاجة إلى منابر أخرى، والمؤكد أيضًا أن النبض الإبداعي، «المثير والجاد»، بوصفك، يظل دائمًا بحاجة إلى تمثيله صحافيًّا وإعلاميًا، وطبعًا بحاجة إلى متابعته ومواكبته نقديًّا بشكل متجدد، وربما بحاجة كذلك إلى استشراف خطواته المقبلة. ولكي تكون المنابر الصحافية الثقافية أكثر قدرة على التأثير والحضور والفعالية، يجب أن تكون أكثر نزاهة وموضوعية، وأكثر احتفاء بتمثيل التيارات الإبداعية المتنوعة، وطبعًا أن تكون أكثر اهتمامًا بالدوائر الواسعة للمتلقين، التي يجب أو يمكن التوجه إليها وإليهم.

 تجربة نجيب محفوظ من أهم التجارب عربيًا 
 ● كتابك الرائع «في غياب الحديقة... حول متصل الزمن/ المكان في روايات نجيب محفوظ»، وأرجو ألا أبدو تقليديًّا لو قلتُ لك: لماذا نجيب محفوظ؟ وأنا تواق للون وعمق البورتريه الذي يرسمهُ ناقد كبير مثل د. حسين حمودة لهذا العبقري والهَرَم الفكري والإبداعي، ويقربهُ أكثر من قرائه ومحبيه ومتابعي سرده المثير الخالد؟
- هذا، مرة أخرى، من حُسن ظنّك بي وبكتابي... لماذا نجيب محفوظ؟ طبعًا لأنه محفوظ الذي، بجانب وصفك له ولمنجزه، طرح تجربة من أهم تجارب الرواية العربية. وقد اضطلعت أعماله، خلال مسيرة طويلة ومتنوعة وحافلة، بعدة أدوار يصعب أن ينجزها مبدع واحد: استكشاف أرض إبداعية بِكر لم تكن مأهولة تمامًا، ثم تعبيد طرق جديدة فيها، متطورة ومتغيرة من سياق إلى سياق، ومدفوعة دائمًا بسؤال التجدّد والتجديد، والمزاوجة بين الاهتمامات القريبة بواقع محلّي مرجعيّ محدد، من ناحية، والانشغال بقضايا المصير الإنساني كله، من ناحية أخرى... إلخ.
هذه الأدوار المتعددة ماثلة في مسيرة محفوظ، التي شهدت ما شهدته من «مراحل» أو منظومات متنوعة. وبسبب هذا الغنى قُرئَت أعماله من زوايا عديدة في الكتابات الكثيرة التي أنجزت عنها. لكن هذه الأعمال، مع هذا، تسمح بتناولها من زوايا أخرى. وقد بدأت هذا الكتاب من تسليم بهذا المعنى: «ما أكثر ما كُتب، وما قيل عن أعمال محفوظ، وما أكثر ما يمكن أن يُكتب عن هذه الأعمال وأن يقال»، وحاولت أن أقدّم قراءة أخرى لرواياته من زاوية تهتم بالعلاقة بين الزمن والمكان في هذه الروايات. طبعًا هناك عدد كبير من القراءات النقدية (والعروض والمتابعات والتعليقات الصحفية... إلخ) لأعمال محفوظ، قد انبنى على تناولها خلال تحليل «الزمن» أو «المكان» باعتبارهما عنصرين متجاورين، مستقلين، منفصلين في النهاية، وتناول هذه الروايات من زاوية المتصل القائم على تفاعل هذين العنصرين، بما يولّد مفاهيم جديدة، يستحق اهتمامًا لائقًا؛ حيزًا خالصًا مكرسًا بأكمله لمحاولة التوقف، والنظر، والتساؤل. وتأسيسًا على هذا المفهوم، الذي استكشف ميخائيل باختين أبعادًا مهمة جدًّا فيه، توقفت عند عدد كبير من «التيمات» الفنية والعناصر والموضوعات التي يتداخل فيها الزمان والمكان ويتفاعلان معًا، بمنحى متكافئ، في روايات محفوظ كلها، باستثناء رواياته التاريخية الثلاث الأولى.

الهجرة إلى الرواية 
 ● كناقدٍ للسرد ما رأيك في هذه «الهجرة الشرعية» نحو فنّ الرواية... شعراء وقصاصون وصحافيون وفنانون وحتى نقّاد وكتّاب مسرح... نزوح حتى اللهاث نحو لقب الروائي لماذا؟ أهي الجوائز؟ أم فوبيا دور النشر والقارئ معًا؟ أم الرغبة في الانتشار السريع حتى لو استبدلنا وقرأنا كلمة «رواية» على الغلاف بـ «ثرثرة».. ما تقييمك؟ أهي ظاهرة صحية؟ متذّرعين بأن الإبداع تجريب وحسب؟!
- سؤالك، بهذه الصيغة، مشبع بحيوية وبروح حوارية بامتياز! وسوف أنطلق مما تتيحه صيغة السؤال هذه ومما تسمح به من مساحة رحبة لحريّة الإجابة... واسمح لي أن أفكّر معك في هذه الظاهرة التي تعبّر عنها بـ «الهجرة إلى الرواية»، وهي هجرة شرعية على كل حال!
وقبل ذلك يمكن الإشارة طبعًا إلى «اختيار الرواية»، وليس فقط الهجرة إليها، أي يمكن التفكير فيمن اختاروا واخترن الرواية شكلًا أو طريقًا للتعبير الأدبي من البداية، ولم ينتقلوا أو ينتقلن إليها من نوع أدبي أو إبداعي آخر.
الرواية، قبل الجوائز وقبل الألقاب وقبل حسابات النشر والتوزيع، نوع أدبي مرن ومفتوح، يسمح بمساحة واسعة لحريّة التعبير، ويمكن أن تتقاطع فيه خطابات متنوعة جدًّا، أدبية وغير أدبية.. وشكل الرواية، كما هو معروف، غير منتهٍ، أو هو شكل مفتوح، قابل لاحتواء مغامرات إبداعية لا حصر لها.
لقد أُسّست الرواية، تاريخيًّا، على هذا المعنى؛ إذ نهضت حتى في نتاجها المبكر، على امتصاص أنواع أدبية سابقة كثيرة، واستوعبت في إهابها أشكالًا وأساليب متنوعة جدًّا. واتصل هذا بقيَم أساسية في تكوين الرواية نفسه، ليست قائمة بالدرجة نفسها في أنواع أدبية كثيرة، وعلى رأس هذه القيم قيمة «التعدّد»: تعدّد الثقافات والشخصيات والانتماءات والأعراق والديانات... إلخ، وإمكان تمثيل ذلك كلّه روائيًا. وعلى كل حال، لهذه الأسباب ولغيرها، حظيت الرواية وتحظى بما نراه من انتشار واسع، واتسمت كذلك بتلك الغواية التي أصبحت تجتذب مهاجرين جددًا ومهاجرات جديدات.
طبعًا معك كل الحق فيما تشير إليه من أن النتاج الروائي، الذي يشهد هذه الوفرة، متفاوت القيمة، وفيه ما فيه، وبعضه لا يستحق جهد أو وقت قراءته. 
لكنّ هذا كله «مقدور عليه» كما يُقال؛ والمؤكد أن هناك نوعًا من «الغربلة» تحدث جزئيًا الآن لهذا النتاج، وسوف تظل متصلة ومتنامية في المستقبل، يقوم بها وسيواصل القيام بها القراء أنفسهم وبعض النقاد طبعًا، بحيث يبقى من هذا النتاج، مع الزمن، ما يستحق البقاء، ويتوارى ما يجب أن يتوارى.

الجوائز ظاهرة صحية
 ● الجوائز العربية والعالمية، وعلى رأسها «نوبل» متهمة باللاموضوعية تارة، وبأنها مسيّسة تارة أخرى، وعربيًّا هيَ ليستْ أكثر من «روشتة» علاج للكاتب، وصفتها اللانزاهة، ولها أجندات غامضة، وقد ظلمت لجان الجوائز مبدعين وكتّابًا كبارًا.
كمشارك في تحكيم الجوائز المصرية والعربية... كيف تردّ على هذه الاتهامات التي صدرت من كتّاب ومبدعين كبار أيضًا، مثل هاروكي مواكامي عالميًّا، ومن كتّاب عرب مهمين وفاعلين في ثقافتنا، تمّ تهميشهم، ولا تغيب أسماؤهم عن ناقدٍ كبير مثلك؟!
- ليست هناك جائزة أدبية، عالمية أو عربية، يرضى عنها الجميع كل الرضا، ويتفق حولها الجميع كل الاتفاق.. وأسباب عدم الرضا أو عدم الاتفاق، كثيرة ومتنوعة، وقد تكون مختلفة فيما بين هذه الجائزة وتلك.
من هذه الأسباب، في الجوائز العالمية خصوصًا، ما يرتبط بحسابات «القوى الثقافية»، أو «القوى اللغوية»؛ إذ تفرض الثقافات المهيمنة، واللغات الأكثر انتشارًا، نوعًا من السطوة المعلنة أو المستترة على اختيارات الأعمال الأدبية المنتمية إلى هذه الثقافة أو تلك، أو المكتوبة بهذه اللغة أو تلك.
ومن هذه الأسباب ما يتعلق بتصورات مسبقة حول «التوزيع الجغرافي»؛ إذ يرى بعض القائمين على بعض الجوائز، أو بعض المشاركين في تحكيمها، أن هناك «عدالة جغرافية» يجب مراعاتها في توزيع الأعمال الأدبية الفائزة على مناطق جغرافية بعينها، أو على بلدان بعينها. 
وقد يتصل بهذا قدر من «الإجحاف» أو «الظلم»؛ فهذه التصورات المسبقة لا تنفصل عن تقديرات لأهمية بلدان دون أخرى، ولا عن أفكار حول العلاقة بين «مراكز» ثقافية ما، من جهة، و»أطراف» أو «هوامش» ما، من جهة أخرى، وبالطبع ـ في هذه الحالة ـ قد تحابي الجوائز ما تعتبره «مركزًا» على ما تحتسبه «أطرافًا» لهذا المركز.
وطبعًا يرتبط هذا كله بما تشير إليه أنت من «تسييس» بعض الجوائز، أو إخضاعها لتوجهّات سياسية بعينها.
وبجانب هذه الأسباب جميعًا، هناك طبعًا ما يتعلق بالمعايير نفسها التي يتم على أساسها اختيار هذا العمل الأدبي أو ذاك. فالأعمال الأدبية، فيما هو مفترض، تقوم على أبعاد جمالية ومغامرات إبداعية، ويفترض في كل عمل أدبي حقيقي أنه يقدّم إضافة ما، جمالية أو إبداعية، للنوع الأدبي نفسه، وهذه الأبعاد الجمالية والإبداعية تظل دائمًا نسبية، لا يمكن الوصول إلى اتفاق كامل ونهائي حولها.
 فهذه الأعمال موصولة بالجمال الذي يصعب أو يستحيل أحيانًا الاتفاق على طبيعته وحدوده، لذلك قد يختلف الكثيرون حول العمل الأدبي وقيمته، أو على الأقل قد تتعدد أو تتباين وجهات نظرهم فيما يقدّمه هذا العمل من إضافة إبداعية. 
لهذا كله، أثيرت ولا تزال تثار، وربما سوف تظل تُثار، أسئلة كثيرة، وأحيانًا اعتراضات محدودة أو واسعة، عقب إعلان نتائج أغلب الجوائز الأدبية، إلّا في حالات قليلة أو نادرة يكون فيها العمل الأدبي الفائز متميزًا إلى حدّ يصعُب تجاهله أو إنكاره ويصعب عدم الاتفاق عليه.
وجائزة نوبل، التي توقفتَ عندها، نموذج واضح لهذه الانتقادات الموجّهة للجوائز... الإطلالة السريعة على نتائج جائزة نوبل، منذ تأسيسها عام 1901، تستطيع أن تلتقط مظاهر عديدة لغياب العدالة عنها، فالجنسيات التي حصل أصحابها على هذه الجائزة، التي يفترض أنها جائزة «عالمية» تتجه إلى «الأدب الإنساني» كله، لا تشمل جنسيات كثيرة تبدع أدبًا يستحق الاهتمام به والالتفات إليه... وعلى مستوى اللغات التي كتبت بها أعمال فازت بهذه الجائزة، أو حظيت ببعض الترجمات التي تصل إلى القائمين على الجائزة، سنلاحظ خللًا آخر؛ حيث يتم الاهتمام ببعض اللغات دون أخرى... يضاف إلى هذه الانتقادات ما أثير حول التوجهات السياسية التي أسهمت بهذا القدر من الوضوح أو ذاك، في منح هذه الجائزة، خلال بعض دوراتها، لكتّاب منشقّين عن بعض الأنظمة الشمولية التي يرفضها الغرب أو كان يرفضها، مثل بوريس باسترناك وألكسندر سولجنتسين الروسيَّين، ومثل جاو كسينج جيان الصيني... وهناك كتّاب، حتى من الغرب نفسه، استحقوا الفوز بهذه الجائزة، لكن لم يحصلوا عليها: تولستوى وجراهام جرين ونيكوس كازنتزاكيس مثلًا... وطبعًا هناك عشرات الأسماء في آسيا وإفريقيا وأمريكا اللاتينية، ومن بينهم أسماء عربية طبعًا، لم يحصلوا على هذه الجائزة وهم مستحقون لها.
مع ذلك كله؛ فالجوائز بوجه عام ظاهرة صحية بأكثر من معنى، لأنها تكافئ بعض الكتّاب (وعدد أقل من الكاتبات!)، وتلفت الانتباه إلى أعمالهم... وتشجع بعضهم على الاستمرار... إلخ.
ووجود الجوائز من ثمّ وجود مهمّ... أيًّا كانت الملاحظات على بعضها أو أغلبها.

الملتقيات الثقافية والحوار 
● كانت لكَ مشاركاتك المهمة في الملتقيات الثقافية والإبداعية والفكرية المصرية والعربية... قُلْ لي: ماذا تضيف هذه الملتقيات للأدب والإبداع والمبدع؟ أمْ إنها تكتفي بأن تعزّز التواصل واللقاءات بين المبدعين؟!
- الملتقيات الثقافية والإبداعية تضيف الكثير للإبداع والمبدعين. وبجانب تعزيز التواصل، فإنّ أغلب هذه الملتقيات ينهض على قيمة كبيرة تتمثل في «الحوار»، وهي قيمة بحاجة إلى اهتمام واحتفاء أكبر وأوسع في ثقافتنا العربية، وفي مجتمعاتنا وحياتنا بوجه عام.
وبالمناسبة، في الفترة الماضية، مع ملابسات هذه الجائحة التي آمل أن تنقشع قريبًا، تكشّفت سبل جديدة لإقامة هذه الملتقيات، عن طريق عقد المؤتمرات والندوات «أونلاين». 
وبالرغم من أن هذا ليس بديلًا كافيًا لعقد المؤتمرات والندوات خلال الحضور المباشر الحيّ، «وجوهًا لوجوه» ووجودًا لوجود، فإنّ هذا التواصل الافتراضي قدّم إمكانات جديدة اختصرت الوقت والجهد والأزمنة والأماكن، ولعل بعض هذه الإمكانات سيكون له حضور جزئي ما، حتى بعد انقضاء الجائحة.

باختين وصياغة أهم الأفكار النقدية
● كتبَ لوكليزيو في رائعتهِ «الباحث عن الذهب»: «الحياة لا نهاية لها، الكتبُ الحقيقة لا نهاية لها أيضًا»... ما الكتاب الذي شغلك وأثّر فيك ولا يزال؟ ولماذا؟ وما الكتاب النقدي الرؤيوي الذي لا يزال ينضجُ على عطر أصابعِك، وننتظره نحنُ ومعنا القارئ؟
-  أنت وجّهت السؤال، وساعدتني في الوصول إلى الإجابة، إذ حددتها في وجهة بعينها، لأنّ هناك إمكانًا للتفكير في كتب أخرى كثيرة خارج «الكتاب النقدي الرؤيوى». لكن أرجو أن تسمح لي بأن أشير لا إلى كتاب واحد، وإنّما إلى مجموعة من الكتب، كلها تنتمي إلى ميخائيل باختين الذي أشرت إليه، الناقد الروسي الذي بلور عددًا من الاستبصارات والمفاهيم المضيئة حول فنّ الرواية بوجه خاص. على رأس هذه الكتب كتابه عن ديستويفسكي «قضايا الفن الإبداعي عند ديستويفسكي»، وكتابه عن رابليه «رابليه وعالَمه»، وطبعًا كتبه الأخرى، ومنها «أشكال الزمان والمكان في الرواية»، و»الكلمة في الرواية»... المفاهيم النقدية التي بلورها وبثّها باختين بعمق في هذه الكتب تجنّبت الفخاخ التي وقع فيها نقّاد آخرون، ومنها البحث عن نظرية كاملة ونهائية ومغلقة، ومنها البحث عن «تحقيب» صارم، لا يصمد لأي اختبار حقيقي، لمسيرة النوع الروائي، ومنها الإعلاء من شأن الأفكار الجاهزة على حساب التحققات الإبداعية المغامرة.. وغير ذلك.  والحقيقة أن باختين، الذي قدّم إسهاماته في سياق محموم مناوئ، وتعرّض لما تعرّض له من تجاهل وممارسات تجاوزت حدود التجاهل، صاغ الأفكار النقدية الأهم والأكثر انفتاحًا في القرن العشرين كله حول فن الرواية التي شهدت كل هذا الصعود الذي نلاحظه جميعًا. 
وقد اتسمت تصوراته ومفاهيمه بقدر هائل من العمق والاستقصاء، واستندت إلى معرفة واسعة بالميراث الإنساني المتنوع، بما فيه الشعبي، وانفتحت على مظانّ ثقافية وأدبية، وأيضًا على ممارسات حياتية متعددة جدًا.. وهذه التصورات والمفاهيم، فيما أرى، قادرة على العيش معنا الآن، وقادرة على التجدد في المستقبل ■