القبور الملهمة حكاية «أفغاني في باريس»

القبور الملهمة حكاية «أفغاني في باريس»

كيف تكون القبور ملهمة للكاتب؟ وكيف يخوّل الأدب للاجئ الاندماج في مجتمع آخر؟ وكيف تكون لغة ذلك المجتمع لغةً ملهمة؟
 تساؤلات يحاول الكاتب الأفغاني محمود نسيمي الإجابة عنها في كتابه المعنون «أفغاني في باريس»، الصادر عام 2021 عن دار النشر بالي، والذي يسرد فيه سيرته التي تمتزج فيها معاناة اللاجئ بالأحلام والآمال، سيرة تكشف عن شغف لا محدود بالأدب الفرنسي بشكل خاص.

 

غادر نسيمي أفغانستان تاركًا وراءه بلدًا في حالة حرب، ترك بلده وعائلته وأصدقاءه، متنقلًا من دولة إلى أخرى، ليصل أخيرًا إلى باريس مع حلول عام 2017، حيث قاسى الوحدة واليأس وعاش هناك حياة «لاجئ» يفترش الأرض ويجوب الشوارع. يقول المؤلف في مستهل كتابه: «اسمي محمود نسيمي، عمري ثلاثون سنة وأنا من أفغانستان، درست القانون والعلوم السياسية، ثم خضت تجربة الصحافة وتدرّبت لأكون مقدمًا إذاعيًّا، غادرت بلدي في أبريل 2013، ووصلت إلى بلجيكا في أبريل 2015، ثم انتقلت إلى فرنسا أخيرًا، وتقدمت بطلب لجوء هناك. لا أعرف حتى الآن، ما إذا كنت سأنجح في تحقيق هذا المبتغى.
عند وصولي إلى باريس، لم أكن أتكلم كلمة واحدة باللغة الفرنسية، بيد أن التطلع إلى الاندماج في المجتمع الفرنسي حتم عليّ أخذ دروس في قواعد اللغة».
سيجد نفسه ذات يوم أمام مقبرة بير لاشيز في شرق باريس، وقد دفعه الفضول إلى إلقاء نظرة في ذلك الفضاء الفسيح، هناك قام بتكوين صداقات مع الأموات؛ بلزاك وبروست وإلوارد... لقد مكّنته هذه الصداقات من تعلُّم اللغة الفرنسية، هذا التعلم الذي تحوّل مع مرور الوقت إلى شغف غير محدود من خلال قراءة شارل بودلير وفيكتور هيجو وإميل زولا وألبرت كامو، وغيرهم من روّاد الأدب الفرنسي. 
لقد غدت اللغة الفرنسية وآدابها، بعد عام ونصف العام من وصوله إلى باريس، ملاذًا لهذا الأجنبي الذي يتمتع بحماية فرعية من المكتب الفرنسي لحماية اللاجئين والأشخاص عديمي الجنسية، لقد كان من الممكن أن تحطّم ظروف الحياة هذا الرجل الذي فقد كل شيء، لكنّ اكتشافه للغة الفرنسية التي تعلّمها من الكتب وشغفه بالأدب الفرنسي سيسمحان له بإعادة بناء نفسه من جديد.
استهوته الكتابة، فكانت باكورة أعماله «من بعيد، أرى بلدي»، الذي صدر عام 2018 بالتعاون مع أنابيل ريهوكس، الذي يسرد فيه رحلته التي يصفها بالملحمية من كابول إلى أوربّا بين عامي 2013 و2015. ليُصدر بعد ذلك كتابه الخاص «أفغاني في باريس»، يقول في هذا الكتاب: «أردت أن يفهم الأوربيون كيف ولماذا أتيت إلى أوربا، لم آتِ للنزهة! 
لقد مررت ببعض الأوقات العصيبة، مثل العديد من اللاجئين الآخرين على ما أعتقد. لكنّني أردت أن أكون شاهدًا على رحلتي في المنفى، دون محاولة تعميم الموضوع. قد يعتقد البعض أن المهاجرين مجرد مسافرين يريدون الاستمتاع وقضاء وقت ممتع في أوربا، وهذه ليست حالتي. لقد جئت لإنقاذ حياتي وإعادة بنائها.
كان من المؤلم بالنسبة لي أن أترك كل شيء؛ عائلتي وبلدي وثقافتي وكل الشوارع الصغيرة التي عشت فيها لحظات لا تُنسى ... كل ما جعل حياتي لمدة 25 عامًا، كان عليّ التخلي عنه. وحتى اليوم، أشعر بالأسى في كل مرّة أفكر في ذلك... أود أن يدرك الناس مَن أنا. لديّ قلب كبير مليء بالمودة والتعاطف والانفتاح. أحب القراءة والكتابة والرسم... أحاول توحيد الناس من خلال منحهم الطاقة. 
في بعض الأحيان، قد تكون ابتسامة واحدة كافية لمساعدة شخص ما. أحب مبادئ حقوق الإنسان والكرامة، وأدين الحرب والظلم والعنف والاستياء... في الوقت الحالي، لا أسمح لنفسي بتخيُّل المستقبل كثيرًا، لأنني أعلم أن ذلك يعتمد على قرار، وهذا لا يعني أنني لست في حالة حركة، بل على العكس من ذلك، فأنا أتعلّم اللغة الفرنسية، وأضع بصمتي، لكنني أظل مركّزًا على وضعي الحالي، وآمل بصدق أن أتمكن من استئناف حياتي في فرنسا».
يعتبر نسيمي المنفى ملاذًا وفضاءً للخير، وذلك لمواجهة قسوة حياة المنفى والأخبار السيئة التي تتقاطر عليه من بلده، يقول: «في باريس، وُلدت للمرة الثانية. وعندما تحب شيئًا ما، عليك إظهاره، لذلك كتبت أدبي». استطاع نسيمي بعد جهد جهيد أن يحصل على صفة لاجئ، إنّه فخور بذلك وفخور أيضًا بكتابه وبحياته في فرنسا، يعترف قائلًا: «أردتُ أن أثبت نفسي ولمن سخر منّي... أردت أن أثبت لهم جميعًا أنّني موجود، كان أكبر تحدٍّ تأليف كتاب بلُغة لم أكن أعرفها». تتمثّل خطته التالية في أن يصبح مترجمًا لمساعدة زملائه الأفغان، لكن تظل أمنيته الكبرى زيارة عائلته في أفغانستان التي لم يرها منذ مغادرته قبل نحو 8 سنوات.

أصدقاء من عالَم الأشباح 
يشير نسيمي إلى أنه غالبًا ما تشكل المصادفة فرصة للكتاب لشقّ طريق الإبداع والتألق، وقد كانت الفرصة سانحة له عندما ولج مقبرة بير لاشيز في أحد الأيام أثناء تجواله في أرجاء المدينة، وهي مقبرة باريسية شهيرة، يرقد فيها أعظم كتّاب الأدب الفرنسي، ولج إلى الباب المزدوج المهيب للمقبرة، وهناك اكتشف آلاف المقابر والممرات التي تصطف على جانبيها أشجار البلوط الطويلة، ليقع نظره على تمثال نصفي لرجل؛ إنه نصب لأونوريه دي بلزاك، الذي لم يكن يعرفه. يقول: «أمام قبره المهيب، اعتقدت أنه جنرال أو سياسي».
  لقد أظهر نسيمي ابتسامة دائمة منذ أن خطا خطواته الأولى في ممرات هذه المقبرة، «أجلس على مقعد بين قبور الجرانيت، يغمرني شعور بالارتياح، حتى إنني أشعر هنا بأفضل ما لديّ... هذا هو المكان المثالي؛ بين قبرَي مارسيل بروست وأونوريه دي بلزاك». وفي الطريق المؤدي للخروج من المقبرة، يقف الكاتب مندهشًا أمام لوحة تذكارية نُقشت عليها عبارة «الصداقة جوهرة» تتوسط الرخام الأبيض وتزيّنه. ثم يتساءل: «ما الذي تعنيه كلمة جوهرة؟ وما علاقة هذه العبارة بهذا المكان؟». ليغادر بعد ذلك هامسًا: «أعتقد أن جزءًا من قلبي سيبقى هنا لبضع ساعات أخرى»، ويضيف: «ربما قد يكون للمؤلف في المقبرة أصدقاء أكثر من أولئك الذين يعيشون في عالَم الأحياء. في هذا الفضاء، حيث الراحة الأبدية، يجد المرء الإلهام والصمت الذي يشفيه من صخب المدينة». 
وفور خروجه من المقبرة، يدوّن نسيمي في دفتر ملاحظاته أسماء الكتّاب والشعراء الذين وقف أمام شواهد قبورهم، ويبحث عن كتبهم، سواء في رفوف المكتبات أو على مواقع الإنترنت، ويمرر إصبعه على كلماتهم، صفحة تلو الأخرى، كما كانت تفعل جدّته عندما كان طفلًا. يقول: «لقد استغرق الأمر منّي يومًا كاملًا لترجمة فقرة واحدة»، إنه اعتراف إنسان سيصبح بعد بضع سنوات فقط متحدثًا باللغة الفرنسية بشكل لا تشوبه شائبة، بل سيصبح كاتبًا وملهمًا. يقول: «هذه الكتب أنقذتني، كان من الممكن أن أغرق، لكنني بقيت متفائلًا للغاية».
لقد تأثّر نسيمي بالعديد من الكتّاب والشعراء، ومنهم من ألهمه لتحدي الأوقات الصعبة التي مرّ بها منذ وصوله إلى فرنسا، ولا يزال يغترف من نبع أدبهم، وعلى الرغم من أنه لا يجرؤ على مقارنة نفسه بهم، فإنه يودّ أن يكون جزءًا من هذا النادي المكوّن من الرجال العظماء. يقول: «من الصعب أن أتذكر شخصًا واحدًا فقط ألهمني. وإن كان عليّ اختيار شخص واحد، فسيكون بلا شك ألبرت كامو!». 
يشير نسيمي إلى أنّ كامو لم يكن مجرّد كاتب مرموق، بل إنه يمثّل قوة طفل الجزائر التي أُعجب بها هذا اللاجئ الأفغاني، هذه القوة التي تعرّف إليها في مجمل أعماله. يقول: «لقد كان كامو من عائلة فقيرة، وكان أميًّا، وكانت بلاده في حالة حرب، لكنّه كان على الرغم من كل ذلك مليئًا بالطاقة».
وجد محمود نسيمي طريق حياته الجديد من خلال الأدب، حيث أقام علاقة شعرية مع المقابر، متحديًا ظروف العيش القاسية وما كابده من معاناة رحلة اللجوء الطويلة والمليئة بخيبات الأمل والإذلال والمخاوف. يسرد صاحب «أفعاني في باريس»، بلغة شاعرية، قصة مؤثرة للغاية، تتداخل فيها مشاعر الحزن والسعادة، مثيرًا تناقضات الحياة بكدماتها ومآسيها وأحلامها وآمالها. 
  إنها قصة يروم من خلالها أيضًا تقديم الشكر والاعتراف لكل مَن قدّم له يد العون لإعادة بناء نفسه، ولكن أيضًا لتكريم عائلته وبلده. إنها سيرة تدعو القارئ إلى ضرورة مواجهة الحياة بالتفاؤل والمثابرة والاندماج وفهم الآخَر وثقافته ■