حلوى الحب تغيّر الحياة الاجتماعية في المجتمعات العربية

حلوى الحب تغيّر الحياة الاجتماعية  في المجتمعات العربية

‭ ‬تذكّرني‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬المواقف‭ ‬في‭ ‬الحياة‭ ‬بفكرة‭ ‬قصة‭ ‬مدهشة‭ ‬للكاتب‭ ‬الأمريكي‭ (‬أو‭ ‬هنري‭) ‬عنوانها‭ (‬رجلا‭ ‬عيد‭ ‬الشكر‭) ‬التي‭ ‬تتحدث‭ ‬عن‭ ‬رجل‭ ‬اعتاد‭ ‬منذ‭ ‬سنوات‭ ‬أن‭ ‬يحظى‭ ‬بدعوة‭ ‬سخيّة‭ ‬من‭ ‬أحد‭ ‬المحسنين‭ ‬على‭ ‬العشاء‭ ‬في‭ ‬ليلة‭ ‬‮«‬عيد‭ ‬الشكر‮»‬،‭ ‬نقل‭ ‬إلى‭ ‬المستشفى‭ ‬تلك‭ ‬الليلة‭ ‬بسبب‭ ‬إصابته‭ ‬بالتخمة،‭ ‬في‭ ‬الوقت‭ ‬الذي‭ ‬كان‭ ‬صاحب‭ ‬الدعوة‭ ‬بحاجة‭ ‬للإسعاف‭ ‬كونه‭ ‬لم‭ ‬يتناول‭ ‬طعامًا‭ ‬منذ‭ ‬أربعة‭ ‬أيام‭!‬

في‭ ‬خضم‭ ‬حياة‭ ‬تزداد‭ ‬تعقيدًا‭ ‬وتنجح‭ ‬فيها‭ ‬الملهيات‭ ‬والشاشات‭ ‬بتشتيت‭ ‬الحواس‭ ‬تحتاج‭ ‬للركون‭ ‬إلى‭ ‬زاوية‭ ‬هادئة‭ ‬تجالس‭ ‬فيها‭ ‬ذاتك،‭ ‬وتشرب‭ ‬قهوتك‭ ‬مصغيًا‭ ‬للعديد‭ ‬من‭ ‬التساؤلات‭ ‬المغمّسة‭ ‬بالشكوى‭ ‬حول‭ ‬تغير‭ ‬الحياة‭ ‬الاجتماعية‭ ‬بصورة‭ ‬ضاغطة،‭ ‬وافتقادها‭ ‬الكثير‭ ‬من‭ ‬الملامح‭ ‬والسمات‭ ‬التي‭ ‬نشأنا‭ ‬عليها‭ ‬في‭ ‬المجتمعات‭ ‬العربية‭ ‬والتي‭ ‬كنا‭ ‬نباهي‭ ‬بها‭ ‬الدّنيا،‭ ‬معتزّين‭ ‬بما‭ ‬لدينا‭ ‬من‭ ‬ترابط‭ ‬أسري‭ ‬وتكافل‭ ‬اجتماعي‭ ‬في‭ ‬الأفراح‭ ‬والأتراح‭ ‬مقارنةً‭ ‬بتلك‭ ‬الحياة‭ ‬الاجتماعية‭ ‬الجافة‭ ‬واختلاف‭ ‬مفهوم‭ ‬العائلة‭ ‬في‭ ‬المجتمعات‭ ‬الغربية‭. ‬

 

تغير‭ ‬طارئ

هل‭ ‬ثمة‭ ‬دلائل‭ ‬جلية‭ ‬على‭ ‬التغير‭ ‬الطارئ‭ ‬على‭ ‬طبيعة‭ ‬العلاقات‭ ‬الاجتماعية‭ ‬في‭ ‬المجتمعات‭ ‬العربية؟‭ ‬وهل‭ ‬بدأت‭ ‬تجفّ‭ ‬منابعها‭ ‬وتتقلص‭ ‬فرص‭ ‬ديمومتها‭ ‬ليشكّل‭ ‬هذا‭ ‬الواقع‭ ‬ظاهرةً‭ ‬تستحقّ‭ ‬الالتفات‭ ‬إليها‭ ‬والبحث‭ ‬عن‭ ‬أسبابها‭ ‬ومسبباتها‭. ‬

ما‭ ‬الأسباب‭ ‬التي‭ ‬تقف‭ ‬وراء‭ ‬هذه‭ ‬التغيرات‭ ‬التي‭ ‬تحدث‭ ‬في‭ ‬فترة‭ ‬وجيزة؟‭ ‬أهي‭ ‬طبيعة‭ ‬عصر‭ ‬السرعة‭ ‬وتأثير‭ ‬وسائل‭ ‬التواصل‭ ‬الاجتماعي‭ ‬التي‭ ‬أسهمت‭ ‬في‭ ‬جفاف‭ ‬منابع‭ ‬الصدق‭ ‬والديمومة‭ ‬والفاعلية‭ ‬في‭ ‬العلاقات‭ ‬الاجتماعية؛‭ ‬فهي‭ ‬على‭ ‬عكس‭ ‬اسمها‭ ‬أسهمت‭ ‬في‭ ‬المزيد‭ ‬من‭ ‬التباعد‭ ‬الاجتماعيّ‭ ‬وذلك‭ ‬بتراكم‭ ‬الأخبار‭ ‬السعيدة‭ ‬والحزينة،‭ ‬الحقيقية‭ ‬منها‭ ‬والمزيفة‭ ‬في‭ ‬لقاءات‭ ‬وذاكرة‭ ‬افتراضية‭ ‬هشّة،‭ ‬وبالمقابل‭ ‬تتسبّب‭ ‬في‭ ‬انشغال‭ ‬المحيطين‭ ‬بنا‭ ‬بكلّ‭ ‬شيء‭ ‬وبلا‭ ‬شيء،‭ ‬وفي‭ ‬تقليص‭ ‬فرص‭ ‬التلاقي‭ ‬الحقيقي‭ ‬الروحي‭ ‬والفكري‭ ‬حتى‭ ‬بين‭ ‬أفراد‭ ‬العائلة‭ ‬الواحدة‭ ‬ممّن‭ ‬يعيشون‭ ‬تحت‭ ‬سقف‭ ‬واحد‭ ‬صغير‭ ‬لكن‭ ‬بفضاءات‭ ‬افتراضية‭ ‬شاسعة،‭ ‬فحين‭ ‬تمدّ‭ ‬يدًا‭ ‬تبحث‭ ‬عن‭ ‬سلام‭ ‬تطلبه‭ ‬روحك‭ ‬العطشى‭ ‬مثل‭ ‬صحراء‭ ‬لا‭ ‬تجد‭ ‬غير‭ ‬برق‭ ‬خلّب‭ ‬في‭ ‬سماء‭ ‬الشّاشات‭ ‬القريبة‭ ‬البعيدة‭.‬

وما‭ ‬ساهم‭ ‬في‭ ‬جفاف‭ ‬الحياة‭ ‬الاجتماعية‭ ‬وتقوقع‭ ‬الفرد‭ ‬المعاصر‭ ‬حول‭ ‬ذاته‭ ‬أزمنة‭ ‬الحظر‭ ‬الذي‭ ‬أتت‭ ‬به‭ ‬جائحة‭ ‬‮«‬كورونا‮»‬‭ ‬وفرضته‭ ‬فرضًا‭ ‬عقلانيًا‭ ‬وأخلاقيًا‭ ‬لحماية‭ ‬أنفسنا‭ ‬والآخرين‭ ‬حين‭ ‬دخلت‭ ‬حياتنا‭ ‬على‭ ‬أجنحة‭ ‬الخوف،‭ ‬ما‭ ‬جعل‭ ‬إمكانية‭ ‬العزلة‭ ‬والتقوقع‭ ‬حول‭ ‬الذات‭ ‬وملازمة‭ ‬البيت‭ ‬أمرًا‭ ‬مجرّبًا‭ ‬وممكنًا‭ ‬فزادت‭ ‬المسافات‭ ‬بين‭ ‬الناس،‭ ‬وجفّت‭ ‬منابع‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬العلاقات‭ ‬التي‭ ‬كانت‭ ‬تصبّ‭ ‬في‭ ‬الحياة‭ ‬الاجتماعية‭ ‬للأفراد‭ ‬وتغذّيها‭ ‬بالحياة‭ ‬والتواصل‭ ‬وجسور‭ ‬التلاقي‭ ‬والمحبة‭. ‬ورغم‭ ‬التقارب‭ ‬الافتراضي‭ ‬الخادع‭ ‬والخالي‭ ‬في‭ ‬معظمه‭ ‬من‭ ‬الحميمية‭ ‬والصدق‭ ‬والديمومة،‭ ‬تحوّلت‭ ‬حياة‭ ‬الكثيرين‭ ‬منا،‭ ‬في‭ ‬محاولة‭ ‬لكسر‭ ‬جدار‭ ‬العزلة‭ ‬الإجبارية،‭ ‬إلى‭ ‬تسلّق‭ ‬يومي‭ ‬على‭ ‬الشبكة‭ ‬العنكبوتية،‭ ‬ومحاولة‭ ‬التواصل‭ ‬مع‭ ‬الآخرين‭ ‬عبر‭ ‬ثقوب‭ ‬الجدار‭ ‬الافتراضي‭.‬

‭ ‬لا‭ ‬ننكر‭ ‬هنا‭ ‬دور‭ ‬الشّاشات‭ ‬المهم‭ ‬والفاعل‭ ‬في‭ ‬أزمنة‭ ‬الحظر‭ ‬في‭ ‬مجال‭ ‬التعلّم‭ ‬عن‭ ‬بعد،‭ ‬والعمل‭ ‬من‭ ‬البيت‭ ‬وتسيير‭ ‬أمور‭ ‬الحياة؛‭ ‬فقد‭ ‬شكّل‭ ‬الفضاء‭ ‬الافتراضي‭ ‬وقتها‭ ‬خيارًا‭ ‬ضروريًا‭ ‬ونافذة‭ ‬في‭ ‬جدار‭ ‬العزلة‭ ‬المفروضة،‭ ‬لكن‭ ‬ذلك‭ ‬خلّف‭ ‬آثارًا‭ ‬عميقة‭ ‬على‭ ‬الحياة‭ ‬الاجتماعية،‭ ‬وانتصب‭ ‬مثل‭ ‬جدار‭ ‬جديد‭ ‬أضيف‭ ‬إلى‭ ‬بيوتنا‭ ‬وللتركيبة‭ ‬النفسية‭ ‬لنا‭ ‬ولأطفالنا،‭ ‬وغدا‭ ‬ركنًا‭ ‬أثيرًا‭ ‬في‭ ‬البرنامج‭ ‬اليومي‭ ‬للحياة‭ ‬بحيث‭ ‬تعدى‭ ‬ضرورته‭ ‬الوقتية‭ ‬الملحَّة‭ ‬إلى‭ ‬حالة‭ ‬من‭ ‬الديمومة‭ ‬غير‭ ‬الصحية‭.‬

‭ ‬تحتاج‭ ‬الآثار‭ ‬الاجتماعية‭ ‬والنفسية‭ ‬العميقة‭ ‬التي‭ ‬خلّفتها‭ ‬الجائحة‭ ‬إلى‭ ‬دراسات‭ ‬معمّقة،‭ ‬قد‭ ‬لا‭ ‬يشعر‭ ‬المريض‭ ‬بالأعراض‭ ‬خاصة‭ ‬حين‭ ‬يكون‭ ‬الأمر‭ ‬جماعيًا،‭ ‬فالفرد‭ ‬متجانس‭ ‬مثل‭ ‬خيط‭ ‬في‭ ‬نسيج‭ ‬المجتمع‭ ‬الكبير‭.  ‬لكن‭ ‬الأمر‭ ‬يحتاج‭ ‬إلى‭ ‬الاعتراف‭ ‬بوجود‭ ‬مشكلة‭ ‬ومن‭ ‬ثم‭ ‬البحث‭ ‬عن‭ ‬التشخيص‭ ‬واقتراح‭ ‬حلول‭ ‬ناجعة‭ ‬ومسكنات‭ ‬كي‭ ‬لا‭ ‬يتفاقم‭ ‬الألم‭ ‬ويخلّف‭ ‬ندوبًا‭ ‬نفسية‭ ‬قد‭ ‬يكون‭ ‬علاجها‭ ‬أكثر‭ ‬صعوبة‭.‬

 

تصاعد‭ ‬النظرة‭ ‬الذاتية

‭ ‬يمكن‭ ‬بنظرة‭ ‬متفحصة‭ ‬ملاحظة‭ ‬تصاعد‭ ‬النظرة‭ ‬الذاتية‭ ‬بصورة‭ ‬مَرضية،‭ ‬وتوالد‭ ‬تلك‭ ‬الأسئلة‭ ‬الشائكة‭ ‬حول‭ ‬دور‭ ‬العلاقات‭ ‬الاجتماعية‭ ‬وطبيعة‭ ‬تمحورها‭ ‬في‭ ‬المصلحة‭ ‬بشكل‭ ‬صريح،‭ ‬الأخذ‭ ‬والعطاء،‭ ‬الفائدة‭ ‬والاستفادة،‭ ‬الخدمة‭ ‬والثمن‭ ‬حتى‭ ‬بين‭ ‬المقرّبين‭ ‬والقريبين‭.‬

‭ ‬من‭ ‬المؤلم‭ ‬حقًا‭ ‬أن‭ ‬تصبح‭ ‬العلاقات‭ ‬مبنية‭ ‬على‭ ‬الأخذ‭ ‬والعطاء‭ ‬بميزان‭ ‬دقيق‭ ‬موضوع‭ ‬في‭ ‬الواجهة‭ ‬وظاهر‭ ‬للعيان‭ ‬كأنّنا‭ ‬في‭ ‬محال‭ ‬تجارية‭ ‬لبيع‭ ‬العواطف،‭ ‬تكاد‭ ‬الابتسامة‭ ‬أو‭ ‬النصيحة‭ ‬تتحول‭ ‬انطلاقًا‭ ‬من‭ ‬مبدأ‭ ‬الربح‭ ‬والخسارة‭ ‬إلى‭ ‬بضاعة‭ ‬مسعّرة‭ ‬بثمن‭ ‬يتفاوت‭ ‬وفق‭ ‬طبيعة‭ ‬العلاقة،‭ ‬ولم‭ ‬تعد‭ ‬مسألة‭ ‬جدلية‭ ‬أن‭ ‬يسعى‭ ‬الفرد‭ ‬ليكون‭ ‬غالبًا‭ ‬لا‭ ‬مغلوبًا‭ ‬مستفيدًا‭ ‬أكثر‭ ‬ممّا‭ ‬هو‭ ‬مفيد،‭ ‬وأن‭ ‬ينظر‭ ‬إلى‭ ‬هذه‭ ‬المسألة‭ ‬باعتبارها‭ ‬مهارة‭ ‬حياتية‭ ‬وذكاءً‭ ‬اجتماعيًا‭!‬

‭ ‬رغم‭ ‬طغيان‭ ‬علاقة‭ ‬المصلحة‭ ‬وخروج‭ ‬الكثير‭ ‬من‭ ‬العلاقات‭ ‬من‭ ‬إطار‭ ‬المحبة‭ ‬لتصبح‭ ‬بضاعة‭ ‬عليها‭ ‬ختم‭ ‬لانتهاء‭ ‬الصلاحية‭ ‬كأنّها‭ ‬علبة‭ ‬دواء‭ ‬أو‭ ‬منتج‭ ‬يعرض‭ ‬في‭ ‬السوق‭ ‬ويصفّ‭ ‬على‭ ‬رفوف‭ ‬المحال‭ ‬التجارية،‭ ‬لا‭ ‬نزال‭ ‬نجد‭ ‬بيننا‭ ‬الطيبين‭ ‬الأنقياء‭ ‬ممّن‭ ‬لم‭ ‬يجرفهم‭ ‬التيار،‭ ‬كأنّما‭ ‬تعلّقوا‭ ‬بصخرة‭ ‬على‭ ‬شكل‭ ‬قلب،‭ ‬منسيين‭ ‬بيننا،‭ ‬متناسين‭ ‬الخيبات،‭ ‬ورافضين‭ ‬التنازل‭ ‬عن‭ ‬قيم‭ ‬المحبة‭ ‬غير‭ ‬المشروطة‭ ‬والعطاء‭ ‬النبيل‭ ‬والتعاطف‭ ‬الإنساني‭ ‬مع‭ ‬الآخر،‭ ‬تمرّ‭ ‬عليهم‭ ‬الظروف‭ ‬وتقلبات‭ ‬الحياة‭ ‬بصبر‭ ‬وصمت‭ ‬لا‭ ‬تغير‭ ‬معدنهم‭ ‬ولا‭ ‬تؤثر‭ ‬في‭ ‬طبيعة‭ ‬تعاطيهم‭ ‬النقي‭ ‬مع‭ ‬الآخرين،‭ ‬اعتدنا‭ ‬عطاءهم‭ ‬وتحمّلهم‭ ‬لنا‭ ‬وتقبلّهم‭ ‬خيبات‭ ‬كثيرة‭ ‬قد‭ ‬لا‭ ‬نلحظ‭ ‬وجودها‭ ‬كون‭ ‬الكثير‭ ‬منا‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬يلتفت‭ ‬إلا‭ ‬لخيباته‭ ‬ومصلحته‭ ‬فقط‭ .‬

‭ ‬من‭ ‬المؤسف‭ ‬أن‭ ‬يتحوّل‭ ‬وجود‭ ‬الطيبين‭ ‬بيننا‭ ‬من‭ ‬فرصة‭ ‬للتعافي‭ ‬وهدية‭ ‬استثنائية‭ ‬تقدّمها‭ ‬لنا‭ ‬الحياة،‭ ‬إلى‭ ‬اعتياد‭ ‬على‭ ‬وجودهم‭ ‬والاكتفاء‭ ‬باستغلالهم‭ ‬ونعتهم‭ ‬بالطيبة‭ ‬الزائدة‭ ‬التي‭ ‬صارت‭ ‬في‭ ‬زمننا‭ ‬مرادفًا‭ ‬لـ«الهبل‮»‬،‭ ‬وأن‭ ‬نعتبر‭ ‬عطاءهم‭ ‬واجبًا‭ ‬وأمرًا‭ ‬مفروغًا‭ ‬منه‭. ‬مثل‭ ‬هؤلاء‭ ‬مَن‭ ‬كان‭ ‬منهم‭ ‬أخًا‭ ‬أو‭ ‬صديقًا‭ ‬بات‭ ‬عملة‭ ‬نادرة‭ ‬في‭ ‬زمن‭ ‬القحط‭ ‬العاطفي‭ ‬والتقوقع‭ ‬حول‭ ‬الذات‭ ‬وبناء‭ ‬درع‭ ‬لكبح‭ ‬التعاطف‭ ‬الإنساني‭ ‬مع‭ ‬الآخر،‭ ‬يستحقون‭ ‬الالتفات‭ ‬إليهم،‭ ‬ليس‭ ‬بالنظر،‭ ‬بل‭ ‬بالقلب‭ ‬ومبادلة‭ ‬أزاهير‭ ‬عطائهم‭ ‬بعطر‭ ‬التقدير‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬تكسر‭ ‬طيبتهم‭ ‬وفطرتهم‭ ‬النقية‭ ‬سهام‭ ‬الجحود‭ ‬والإهمال‭.‬

‭ ‬العطاء‭ ‬أمر‭ ‬محمود،‭ ‬أمّا‭ ‬التعوّد‭ ‬على‭ ‬الأخذ‭ ‬واعتباره‭ ‬مهارة‭ ‬فهو‭ ‬آفة‭ ‬اجتماعية؛‭ ‬حين‭ ‬يتحول‭ ‬العطاء‭ ‬إلى‭ ‬صفة‭ ‬والأخذ‭ ‬إلى‭ ‬عادة،‭ ‬قد‭ ‬يعطي‭ ‬الإنسان‭ ‬من‭ ‬وقته‭ ‬وعاطفته‭ ‬وماله‭ ‬وهو‭ ‬في‭ ‬أمس‭ ‬الحاجة‭ ‬لمن‭ ‬يروي‭ ‬عطشه‭ ‬بكلمة‭ ‬شك،‭ ‬أو‭ ‬يهديه‭ ‬وردة‭ ‬امتنان‭ ‬وبسمة‭ ‬لا‭ ‬تكلّف‭ ‬شيئًا،‭ ‬علينا‭ ‬تذكر‭ ‬ذلك‭ ‬وعدم‭ ‬نسيانه‭ ‬في‭ ‬خضم‭ ‬الحياة،‭ ‬فقد‭ ‬يكون‭ ‬الجدار‭ ‬الذي‭ ‬تستند‭ ‬إليه‭ ‬آيلاً‭ ‬للسقوط‭ ‬ويحتاجك‭ ‬أيضًا‭ ‬لتسنده‭!‬

يحدث‭ ‬أحيانًا‭ ‬أن‭ ‬نطلب‭ ‬حلوى‭ ‬الحب‭ ‬ممّن‭ ‬يأكلون‭ ‬العلقم‭ ‬وهم‭ ‬يبتسمون‭!  ‬■