القدر العجيب للسيدة الحرة حاكمة تطوان

القدر العجيب للسيدة الحرة حاكمة تطوان

لماذا أهملت أغلبية المصادر التاريخية العربية السيدة الحرة حاكمة تطوان، وأصرت على جعلها شخصية غير مرئية، رغم أنها كانت ذات حضور استثنائي وتأثير بين في مجريات وقائع عصرها؟ هل لأنها كانت امرأة طموحة؟ أم لأن طموحها كان جارفًا لا يتحمله مجتمع تقليدي، وأن أحلامها وسطوتها كانت من النوع الذي يزعج البنيات المحافظة؟

 

إذا كان مثل عربي رائج يؤكد «أن لكل من اسمه نصيب»، فإن هذه المرأة، التي رأت النور سنة 1493م بمدينة شفشاون بشمال المغرب، المعروفة بوعورة جبالها وبطبيعتها الفاتنة وغزارة مياهها، وبقتالية أهلها ونَهمهم في تحصيل العلوم والمعارف، كانت على ما يبدو ضاجة بالحرية والحياة. ولم يكن وصف «الحرة»، كما تحكي بعض المصادر التاريخية، لقبًا أُلحق بها في ارتباط بشخصيتها القوية والمستقلة، بل كان اسمها الشخصي الذي وقع عليه الاختيار تيمنًا من والديها، كما أشار بعض المؤرخين، بحرة أخرى، لعبت دورًا لافتًا في تدبير الأوضاع بالأندلس في لحظة تاريخية حرجة، هي الأميرة عائشة أم الأمير عبد الله «الأمير المشؤوم» آخر خلفاء بني الأحمر. إن اسم أو لقب «الحرة» مرتبط على ما يبدو بمصائر ملحمية متفردة.
وتنبهنا الباحثة المغربية وعالمة الاجتماع فاطمة المرنيسي، إلى أن «الحرة في الحريم تعني الزوجة الشرعية التي تتحدر غالبًا من أصل أرستقراطي»، والحرية التي تستمتع بامتيازاتها هي حرية «بمعنى السيادة الأرستقراطية، وليس بمعنى النضال ضد الاستبداد»، وهذا قد يعني أن «الحرة» هو فقط لقب لحق بحاكمة تطوان، التي رغم ما كان لها من حظوة، إلا أن حياة الحريم لم توافق بالتأكيد ما كان يعتمل في دواخلها من شغف وأحلام، لذا سعت إلى أن تكون فاعلة ومؤثرة في الحياة السياسية لعصرها، ونهلت من المعارف المتاحة، وأخذت قسطًا وافرًا من فنون الحرب، ما أهَّلَلها لتتمرد، بثبات وطول نفس، على وضعية الحريم التي خصصت لها الباحثة فاطمة المرنيسي نفسها العديد من المؤلفات، وقدمت بصددها هذه الخلاصة التي أرادتها أن تكون جامعة مانعة: «تكونين في حريم حينما لا يحتاج العالم إليك، تكونين في حريم حين تُهمل مساهمتك ولا أحد يطلب منك شيئًا». 
والسيدة الحرة لم تنتظر توجيها أو إشارة من أحد، ولم تتردد في أن تشارك في معارك الفضاء العام، بعد أن خبرت عن قرب سحر السلطة وتقلبات الحكم وصفقات البلاطات، وكان زادها في ذلك غزارة علمها وقوة شخصيتها وغنى تجاربها، دون أن ننسى أنها عاشت بين عوالم الشرق والغرب، وبين دينين وحضارتين، وبين مدينتين عريقتين كذلك، واستطاعت أن تدبر مسألة هويتها بذكاء وبُعد نظر، ذلك أنها كانت تنتمي من جهة إلى أسرة نبلاء وشرفاء مغاربة مسلمين، فأبوها هو الأمير علي بني راشد، أمير شفشاون وحفيد الشيخ عبدالسلام بن مشيش، مؤسس الطريقة العلَمية. وفي الآن نفسه ربطتها قرابة دم بالأندلسيين المسيحيين عبر أمها كاتارينا فيرناندث التي قدمت من مدينة جريش دي لا فرونطيرا Jerez de LaFrontera، وأسلمت بعد زواجها من الأمير علي بن راشد، واتخذت لنفسها اسم «زهرة».

هوية هجينة
إن هوية السيدة الحرة هوية مركبة، يتوزعها أكثر من انتماء، ومن المؤكد أن هذا التوزع قد أثر على طبيعة تفكيرها ومواقفها، مما يجعل من المناسب، لتشريح حالتها، العودة إلى مؤلف أصبح الآن كلاسيكيا هو «الهويات القاتلة» للمفكر والروائي اللبناني أمين معلوف. وقد التقط الروائي المغربي البشير الدامون هذا المعطى الغني وجعل من الهوية الهجينة للسيدة الحرة إحدى مرتكزات روايته الممتعة «هديل سيدة حرة»، حيث صور لنا السياق الذي عاشت فيه حاكمة تطوان على أنه سياق حروب وتطاحن وعدم استقرار، وحرص على أن يصور علاقتها بأمها على أنها كانت علاقة محكومة بعدم الثقة والتوجس والريبة، فنجده مثلًا يقول على لسان الساردة/السيدة الحرة: «من المؤلم أن يسكن يافعة في مثل سني صراع عنيف بين الكراهية والحب لأمها». تتكرر العديد من المواقف المماثلة في رواية اختارت من سيرة السيدة الحرة موضوعًا محوريًا وعمدت إلى ملء البياضات التي تركتها كتب التاريخ وصورت أجواء الهلع والترقب والصمود التي عاشتها إمارة شفشاون في مواجهة أطماع وعدوان البرتغاليين، وتخيلت، مثلاً، إحدى الشخصيات وهي تعلن على الملأ: «لا خير في أمة سلمت أمورها إلى امرأة، ولا يمكن أن تكون حاكمة حازمة في مواجهة أعداء تنتمي أمها إلى ملتهم». إن الأعمال التخييلية تعطي لنفسها أحيانًا صلاحية إصدار أحكام قاسية رغبة في إثارة الجدال والسجال. ولكن رغم كل هذه الملابسات، قُيد للسيدة الحرة أن تكون كلمتها هي العليا لفترة طويلة.
ثم إن السيدة الحرة كانت، على الأرجح، تتميز بحضور أنثوي جذاب ومنفتح يلفت انتباه الرجال مما أهلها لترتبط وتعقد قرانها برجلين لهما وضع اجتماعي خاص وسطوة سياسية بينة. كان زواجها الأول، سنة 1510م، بالقائد المنظري الأندلسي الذي التف حوله الأندلسيون بتطوان بعد مغادرتهم الاضطرارية للأندلس. وقد أشركها القائد المنظري في تدبير شؤون الحكم ومنحها صلاحيات واسعة. وبالمقابل استعانت بما لديها من مهارات وصلابة، ولم تتهيب من المهام الموكولة إليها، بل إنها جعلت أهل تطوان يقبلون بها حاكمة عليهم بعد وفاة زوجها. وقد أخذت القوى الأوربية تحسب لها ألف حساب نظرًا لحسها السياسي وقدراتها التواصلية وشراستها كذلك، وفرضت نفسها، وهي أرملة، كرقم لا يمكن تجاوزه في العلاقات والتوازنات التي كانت تحكم العلاقات بين الدول في تلك المرحلة. وترى الباحثة فاطمة المرنيسي أن: «حاكمة تطوان لم تحصل على الحق في حمل لقب الحرة الذي يدل على تقلدها مهام السلطة العليا إلا في سنة 1515 بعد وفاة زوجها، فانتخبت والية على تطوان وأبانت عن كفاءة أهلتها لتغدو حاكمة على المدينة». وهذا يجعلنا نتساءل مجددًا إن كانت «الحرة» اسمًا شخصيًا أم لقبًا مستحقًا لامرأة كانت الحرية بالنسبة إليها قدرًا واختيارًا. 

زواج وتحالفات
وبعد وفاة زوجها القائد المنظري وتحملها لمسؤولية تدبير الحكم لفترة، تلقت السيدة الحرة طلبًا بالزواج من السلطان أحمد الوطاسي الذي لم يجد أي غضاضة في كسر الأعراف، وأتى إلى تطوان لإشهار زواجه وإقامة الاحتفالات بدل إقامتها بالعاصمة فاس، «لقد كانت تلك هي المرة الوحيدة التي يتزوج فيها ملك مغربي خارج عاصمته»، فمع السيدة الحرة، حتى التقاليد المرعية كان يتم تقويضها. ويبدو أن هذا الزواج كان جزءا من ترتيبات واصطفافات وتحالفات، هدفها الأساس تثبيت سيطرة الوطاسيين على شمال المغرب. 
ومما يؤكد ذلك أن السلطان لم يصطحب عروسه إلى فاس، بل تركها في تطوان تشرف على تدبير عمليات المقاومة ضد الغزاة البرتغاليين ولتحكم الحصار على مدينة سبتة المحتلة، مستندة في ذلك، من ضمن ما استندت إليه، على نفوذ أخيها إبراهيم الذي كان في الآن نفسه صهر زوجها السلطان ووزيرًا له. والطابع النفعي لهذا الارتباط، دفع بالروائي المغربي البشير الدامون إلى أن يتخيل السيدة الحرة وهي تخاطب السلطان الوطاسي قائلة: «كنت ذكيًا أيها السلطان. قبلتَ الصفقة واشترطت الزواج من أخت عدوك، أنا، تأمينًا لحكمك وأمنك من جهة الشمال»، لقد كانت الحرة هنا موضوع صفقة وطرفًا فيها.
وتمزج شؤون الحكم في السياقات التقليدية بشكل كبير بين الجوانب الشخصية للفاعلين السياسيين وبين العوامل الموضوعية وموازين القوى القائمة، ومع ذلك، هنالك مسألة مرت عليها المصادر التاريخية النادرة التي تعرضت لسيرة السيدة الحرة مرور الكرام، وهي مسألة إن كانت حاكمة تطوان قد رزقت بأبناء سواء من زيجتها الأولى أو زيجتها الثانية. ويبدو أن قوة شخصيتها جعلت الباحثين عمومًا وحتى معاصريها لا يولون كبير أهمية لهذا الموضوع، فأعفيت من أي محاسبة وتمردت على قاعدة تقول إن المرأة العربية هي إما بنت فلان أو زوجة فلان أو أم فلان.
وقد امتد حكم السيدة الحرة على تطوان لفترة فاقت الثلاثين سنة، من 1510م إلى 1542م، فرضت فيها سيطرتها على منطقة استراتيجية من جغرافية المغرب، وأصبح خصومها المسلمون أو المسيحيون يحتاطون منها، وذلك بالنظر لعدة عوامل موضوعية، من بينها - مثلاً - أنها كانت تستند على تواجد خالها فيرناندو مارتين بموقع مهم قرب مدينة تطوان، مازال إلى اليوم يحمل اسم وادي مرتين، وإن عرف منذ عقود تحريفًا وأصبح أهالي المنطقة يطلقون عليه اسم وادي مرتيل أو منتجع مرتيل. 
وكان على هذا الوادي مرفأ، وظيفته حماية المنطقة وجباية الضرائب والمكوس، وكان بمثابة المدخل الذي سهل على السيدة الحرة مأمورية التحالف مع قرصانين عثمانيين شهيرين هما عروج وخير الدين بربروسا اللذين كانت القوى الغربية تخشى بطشهما وضرباتهما، وكان هذا التحالف سبب احتقان العلاقات ما بين السيدة الحرة وحاكم سبتة، إذ تم إيقاف جميع المبادلات التجارية التي كانت تربط بين هذا الثغر المحتل ومدينة تطوان.

التخلي عن الحكم
ظلت السيدة الحرة على ولائها للحكم الوطاسي بالرغم من أن نجمه كان قد بدأ يأفل مقابل صعود أسهم السعديين الذين بهروا العامة بإصرارهم على محاربة المستعمر البرتغالي. وكان تشبثها بولاءاتها السياسية بداية النهاية لحكم عمَّر لعقود، وبدأت أطراف عدة ترتب عملية خلعها، أطراف من أهلها آل بن راشد ومن آل المنظري أصهارها الأولين كذلك. وقد صور الروائي البشير الدامون التدافع المذكور على لسان السيدة الحرة نفسها بهذه الطريقة: «أخي الذي أحببته كثيرًا والذي عاشرت من أجله رجلًا لا أحبه يحاصرني برجاله في مدينتي». وهكذا تم عزلها، واختارت أن تعود إلى مسقط رأسها شفشاون، وعاشت هناك لفترة قصيرة عيشة النساك والزهاد إلى أن توفيت في 1542م، أي في نفس السنة التي أجبرت فيها عن التخلي عن الحكم وكأنها خلقت لتكون الآمرة الناهية المرهوبة الجانب. وقد دفنت بالزاوية الريسونية بشفشفاون حيث مازال يزورها ويترحم عليها العديد من محبيها ومريديها والمتمعنين في مسارها والعبر التي خلفتها.
كانت السيدة الحرة امرأة أبيّة وحازمة، وقد وجدت نفسها، بمعنى من المعاني، مجبرة على أن تلج في مرحلة تاريخية مبكرة مجالات كانت تبدو حكرًا على الرجال، هي مجالات السلطة السياسية والمؤامرات وقيادة الحروب. وقد جعلتها ارتباطاتها الأسرية تنصاع في البداية لقدر عجيب مكّنها من أن تشهد كيف تتخلق القرارات السياسية وكيف توضع وتعدل خرائط البلدان وموازين قواها. والأكيد أنها تركت بصمتها في طرائق التدبير وأعطت الدليل على أن النساء قد يكن، إذا ما توفرت لهن الظروف المواتية، حاكمات من الطراز الرفيع ■