حقائق وخفايا ذكريات في الأمم المتحدة 1981 - 2003

حقائق وخفايا ذكريات  في الأمم المتحدة 1981 - 2003

بغلاف سميك يحتضن الكثير من الذكريات الشائكة قدم الدبلوماسي الكويتي، وسفير الكويت الدائم في الأمم المتحدة 1981-2003 محمد أبوالحسن كتابًا يحمل في طياته خفايا كواليس اجتماعات مجلس الأمن، وما حدث خلف الأبواب المغلقة من مشاورات واتصالات و تمخضت عن قرارات حاسمة واتفاقات مأمولة وإنجازات دولية عالية المستوى بين الكويت ومجلس الأمن الدولي، خاصة في ما يتعلق بفترة الحرب العراقية - الإيرانية وفترة العدوان العراقي الغاشم على دولة الكويت في 1990. 

 

السفير سليمان ماجد الشاهين كتب مقدمة أشاد فيها بالكاتب أبوالحسن وبنزاهته وعطائه وتفانيه في عمله الدبلوماسي، في أهم وأرقى مؤسسة دولية والأولى على المسرح الدولي، وأضاف أنه استمر في محاولاته لإقناعه بضرورة توثيق هذه الجهود الدبلوماسية المميزة، لتكون مرجعًا مهمًا للأجيال القادمة، ولتضيف إثراءً ثقافيًا في الأداء السياسي وشاهدًا على التاريخ. 
هدفٌ رئيسي جعل أبوالحسن يوثّق هذه المرحلة المهمة من حياته العملية، حيث قال: «كان هدفي من ذلك ليس فقط تنشيط ذاكرة الجيل الذي عاصر هذين الحدثين البارزين، بل بالدرجة الأولى والأهم كان تاريخًا ومرجعًا ومعينًا للأجيال القادمة إن شاء الله»، فجاء مرجعًا وثائقيًا وتذكيرًا مستمرًا للأجيال المعاصرة والقادمة في الكويت والعالم العربي، في تحقيق الأمن والسلام بالمنطقة.
بتمهيد مشوق وثري يشرح لنا أبوالحسن بداياته، منذ أن تخرج في كلية الاقتصاد والعلوم السياسية بالقاهرة، وتعيينه في وزارة الخارجية فالتحاقه بالسلك الدبلوماسي والقنصلي في عام 1965، ومراحل التنقل الوظيفي وعمله في البعثات الدبلوماسية الخارجية، وتتلمذه واحتكاكه بخيرة رجال الكويت من السفراء والدبلوماسيين.
قُسمت فصول الكتاب الصادر عن دار النشر ذات السلاسل إلى أربعة أقسام، مبتدئًا بقبول الكويت عضوًا في الأمم المتحدة عام 1963، وتناول القسم الثاني الحرب العراقية الإيرانية، أما الثالث فقد احتوى على النصيب الأكبر من التفصيل بتسعة وعشرين محورًا مفصلًا، وجاء بعنوان «الغزو العراقي لدولة الكويت عام 1990»، أما آخر فصوله فقد تناول مناقشة قضية العدوان العراقي على دولة الكويت في الجمعية العامة للأمم المتحدة. وتجمل الكتاب بأكثر من 185 صورة تؤرخ ما مر على الكويت من أحداث مهمة في تلك الفترة من الجانب الدبلوماسي، ومن بينها صور لبعض الوثائق المتعلقة بالعمليات العسكرية لتحرير الكويت، والاعتراف بقضايا الحدود والمسائل السياسية المتنوعة ذات الأبعاد الدولية، ومحاضر اجتماعات لمجلس الأمن والمراسلات المهمة التي تم تداولها آنذاك، وعدد من الصور مختلفة المضامين لاستقبالات ولقاءات مع بعض الرؤساء ووفود الدول والهيئات الدولية.
وبدخولنا لتفاصيل هذا العمل الأدبي التاريخي الذي فردت صفحاته على ما يقارب 500 صفحة، أخذنا الكاتب خطوة خطوة نحو سرد محطات غاية في الأهمية، فبدأ الفصل الأول بطلب الكويت الرسمي إلى مجلس الأمن يوم 6 يوليو 1961، الانضمام للأمم المتحدة وما تبعه من تداولات في مجلس الأمن، مستعرضًا رفض الاتحاد السوفييتي السابق وتدخله باستخدام حق الفيتو مرتين أعاق الانضمام. وما لفت انتباهه في كلمة مندوب الأردن آنذاك السيد الرفاعي نائبًا عن الدول المتبنية لمشروع قرار قبول دولة الكويت عضوًا في الأمم المتحدة، قائلًا: «إن الكويت الصغيرة بسكانها ومساحتها بلد الزيت والرمال، تأتي اليوم إلى الأمم المتحدة بكنوز من القيم المادية والمعنوية»، وأضاف الرفاعي: «إن تلك الصحراء التي أنتجت من أعماقها ثروة عظيمة، نفسها قد أعطت الإنسانية روحيًا رسالة سماوية ووحيًا إلهيًا، والكويت بلد يمتلك هذين المصدرين الأساسيين للحياة اللائقة والشريفة». وتم قبول طلب الكويت في 14 مايو 1963 بعد موافقة جميع أعضاء الجمعية العامة للأمم المتحدة، لتكون العضو المئة وأحد عشر.

خطوة بخطوة نحو الأمم المتحدة
خلال مسيرة أبو الحسن السياسية التي بدأت بعد التخرج والتحاقه بوزارة الخارجية الكويتية، نشبت وقتها حرب الأيام الستة عام 1967، وانتهت بهزيمة الجيوش العربية واحتلال كل الأراضي الفلسطينية وسيناء والجولان وأراض أردنية. عندما انتبه إلى برقية واردة من وفد الكويت الدائم لدى الأمم المتحدة بنيويورك إلى قسم الأمم المتحدة في وزارة الخارجية الكويتية، تتعلق بصياغة القرار الشهير 242 الخاص بانسحاب قوات الاحتلال الإسرائيلي، حيث لفت انتباهه الفخ الذي اشتهر لاحقًا في صياغة القرار، حيث نص على الانسحاب من «أراض محتلة» وليس «الأراضي المحتلة»، وهو ما كان يمكن أن ينطبق على انسحاب من أي جزء ولو كان صغيرًا من الأراضي التي احتلها الكيان الصهيوني وليس كامل الأرض، وقد تم تداول ملاحظة أبو الحسن هذه لاحقا في مجلس الأمن بين المعنيين بصياغة القرار، وهو ما كشفه له لاحقًا السفير عيسى الحمد بعدما ترك انطباعا مؤثرًا ينبئ عن ديبلوماسي صاعد واعد.
كانت جنيف محطته الأولى التي بقي فيها مع عائلته لما يقارب خمس سنوات عمل خلالها كملحق دبلوماسي في وفد الكويت الدائم بالأمم المتحدة، ثم انتقل بعد ذلك للعمل سفيرًا للكويت في إيران ومن بعده القائم بالأعمال محمد العتيقي للعمل أيضًا في سفارة الكويت بطهران مدة عامين، اكتسب خلالهما الكثير من الخبرات كما استفاد في عمله من العلاقات الشخصية القوية التي كونها سمو الشيخ ناصر المحمد مع شاه إيران وكبار القيادات في البلاط الشاهنشاهي ووزارة الخارجية.  وفي سن الـ33 سافر أبوالحسن سفيرًا للصين في عام 1975 ، حيث تم تعيينه بدرجة مستشار في بكين لمدة ثلاث سنوات، أضافت له مهارات دبلوماسية وصداقات كثيرة كان من بينها علاقة الصداقة مع الرئيس الأمريكي الأسبق جورج بوش الأب، والتي بدأت في عام 1976، حيث كان راعيًا للمصالح الأمريكية في الصين حتى عام 1977 ومنها إلى يوغسلافيا التي مكث فيها ثلاث سنوات أخرى سفيرًا للكويت... حيث كانت هذه المحطة الأخيرة التي سبقت التحاقه بمنصب مندوب الكويت الدائم لدى الأمم المتحدة في نيويورك في 15 أغسطس من عام 1981، والذي استمر 22 عامًا في فترة هي الأطول لأي مندوب دائم لبلاده في الأمم المتحدة، حيث انتهى تكليفه بهذه المهمة الوطنية الكبرى في 12 يوليو 2003، فعاصر في تلك الفترة 4 من أهم الأمناء العامين للأمم المتحدة هم على التوالي: كورت فالدهايم وخافيير بيريز دي كويار وبطرس بطرس غالي وكوفي عنان.
وفي القسم الثاني من الكتاب أوضح المستشار محمد أبوالحسن تطورات وتداعيات الحرب العراقية الإيرانية وآثارها الجانبية على المنطقة، فقد تعرضت الناقلات الكويتية وبعض المناطق الساحلية في الكويت للاعتداءات، وشكلت تهديدًا لأمن الكويت واستقرارها طوال السنوات الثمانية، فكانت خلية نحل شكلها أعضاء الوفد الكويتي الدائم في الأمم المتحدة بأروقة مجلس الأمن للمساهمة في إصدار القرارات اللازمة وطرح الصياغات المحتملة، وما قام به الأمير الراحل الشيخ الراحل صباح الأحمد الصباح، الذي كان وزيرًا للخارجية آنذاك، من الدور الرئيسي في الوساطات التي قام بها شخصيًا مع لجانٍ تشكلت برئاسته خليجيًا وعربيًا، ومن قبل حركة دول عدم الانحياز... والتي كان  لها الأثر البالغ في إقناع العراق وإيران بقبول القرار 598 (1987) الخاص بوقف إطلاق النار.

الغزو العراقي الأكبر 
ومع نهاية الحرب العراقية الإيرانية، وتفكك الاتحاد السوفييتي لم تهنأ المنطقة الخليجية بالراحة، فقد حمل المشهد الدولي توتر العلاقات في المنطقة قبل الغزو العراقي الغاشم على دولة الكويت، ما جعل الكاتب يخصص الجزء الثالث والأكبر منه لهذه القضية، وقسمها إلى تسعة وعشرين محورًا لتوضيح وتحديد عدة مواضيع بصورة واضحة وجلية دون تقصير أو إسهاب.
تدور المحاور حول مزاعم واتهامات سلطات العراق متمثلة برئيسها آنذاك صدام حسين للكويت والإمارات العربية المتحدة، بادعاءات أنهما يتعمدان إيذاء العراق اقتصاديًا بزيادة إنتاج نفطهما بما يتجاوز الحصص المقررة لهما من قبل منظمة الدول المصدرة للبترول (أوبك)، ولم تلجأ الكويت أولاً إلى مجلس الأمن، بل إلى المنظمة الإقليمية العربية وهي جامعة الدول العربية.
توترت الأجواء في كل مكان بالعالم الذي شهد دخول القوات العراقية دولة الكويت واحتلالها، تلا ذلك صدور أول  قرار عن مجلس الأمن رقم 660 (1990) وهو إدانة الغزو العراقي لدولة الكويت، وما تبعه من العقوبات الاقتصادية الشاملة المفروضة على العراق، وحصار بحري وآخر جوي... والتحرك الرسمي والشعبي ضد الغزو بعد التصرفات العراقية غير الإنسانية ضد  رعايا الكويت والمقيمين فيها وضد الهيئات الدبلوماسية، واحتجازهم عددًا من الرهائن من جنسيات مختلفة للمقايضة واعتبارهم دروعًا بشرية... وتغيير الهوية الوطنية والسكانية لدولة الكويت، ما دعا الكويت لإيداع السجلات السكانية الكويتية لدى الأمم المتحدة للحفاظ عليها بموجب قرار من مجلس الأمن 677 (1990)، وتم تشكيل مجموعة من دول التحالف لاستخدام القوة العسكرية لتحرير الكويت وطرد القوات العراقية بعد فشل جميع الوسائل الممكنة لإخراجها من الكويت.
أدت الحرب الجوية ثم الحرب البرية، إلى طرد الحشود العراقية الغازية من الكويت وقبول العراق بجميع قرارات مجلس الأمن ذات الصلة وتصديق جميع الهيئات الدستورية في العراق على اتفاقية الحدود وترسيمها بين الكويت والعراق، وما تلته من محاور بخصوص قضية الأسرى والمرتهنين والمفقودين من رعايا الكويت ودول أخرى، وإقرار لجنة الأمم المتحدة التعويضات وإعادة الممتلكات الكويتية، وتدمير وإزالة أسلحة الدمار الشامل (نووية، كيميائية، بيولوجية) وغيرها.
وفي المحور التاسع والعشرين أضاف أبوالحسن علاقته الشخصية مع الرئيس الأمريكي فيديل كاسترو رئيس جمهورية كوبا، في سرد كسر حدة الأحداث الواردة بالكتاب المطعّم بالصور للعديد من الشخصيات والمناسبات.

إسدال الستار على هذه الحقبة التاريخية
تناول المؤلف في القسم الرابع والأخير مناقشات الجمعية العامة للأمم المتحدة، وكلمات الأمير الراحل الشيخ جابر الأحمد، طيّب الله ثراه، أمام الجمعية العامة، والقرارات الأربعة الصادرة عنها بشأن الأسرى والمرتهنين والمفقودين، وكذلك قرار التعاون الدولي لتخفيف ما نجم عن الحالة بين الكويت والعراق من آثار بيئية على الكويت وبلدان المنطقة، وقرار الجمعية العامة بشأن اعتبار يوم 6 من نوفمبر من كل عام يومًا عالميًا لمنع استخدام البيئة في الحروب والصراعات.
من خلال كتابته لذكرياته السياسية بالذات، كشف لنا محمد أبوالحسن ستار ما كان خافيًا من اتصالات عالية المستوى بين دولة الكويت وحكومات أعضاء مجلس الأمن الدولي لتحقيق العدالة وعودة الكويت البلد العربي المسلم لأهلها ورفض الاعتداء والاحتلال العراقي الغاشم على أراضيها على وجه السرعة.
جاءت نهاية الكتاب برصد زيارات سمو الأمير الراحل الشيخ جابر الأحمد الصباح للولايات المتحدة الأمريكية، لتقديم الشكر للأمم المتحدة على تحرير الكويت عام 1991، وقد تضمنت الزيارة لقاء سموه بالطلبة الكويتيين هناك في الولايات المتحدة، وأشاد بدور بقية الدبلوماسيين والمشاركين الكويتيين في متابعة الأحداث وإنجاز المهام، فما تم عام 1991 وعبر الأزمة كلها كان نموذجًا للتعاون والتفاني والتنسيق بين ما هو وطني وما هو عالمي، فأعاد الكتاب ذكريات مريرة مرت على الكويت والأمة العربية والعالم أجمع ■