حميد لحمداني: النقد بناءٌ للمعرفة

حميد لحمداني: النقد بناءٌ للمعرفة

تتوخّى هذه المقالة كشف الخطاب النقدي عند الناقد والمترجم والأديب المغربي الدكتور حميد لحمداني انطلاقًا من مدخلين مهمين: المدخل الأوّل يَهمُّ استحضار المشروع العلمي العام للناقد حميد لحمداني، باعتباره مشروعًا نقديًا خلقَ تميّزه النّوعي بمنطلقاته وآفاقه الإبستمولوجية. والمدخل الثاني يخصُّ الاستدلال بنموذج نقدي كاشف التجربة النقدية المتميزة التي شيّدها الناقد بنقده المؤطر برؤية إبستمولوجية وبفلسفة إنتاجية. 

 

1 - جدّية النقد: البناء الإبستمولوجي
يستهدف النقد الأدبي الجاد والمسؤول تشييد معرفة نوعية تخصُّ النّص الأدبي، أو تهمُّ الخطاب النقدي. لهذا، فإنّ النقدَ يصيرُ مطالبًا بتفعيل آليات الشرح والتفسير، ومقومات التفكيك والتأويل، وكلُّ ما يدعمُ رهانات النقد الإبستمولوجية والمنهجية، واستراتيجياته الفكرية والثقافية. يتبدّى النقد، إذًا، كينونة معرفية مؤطرة بـ«دينامية تحاورية»، حيث «تجد استراتيجيات المعرفة غذاءها الروحي الأهم في التحاور بين الفعل والتطبيق وبين التواصل والتبادل وبين التفكير والنقد» (إدغار موران). إنهُ التصوّر الذي يؤطر الممارسة النقدية عند الناقد المغربي الدكتور حميد لحمداني. هكذا، يتجلّى عنده النقد فاعلية معرفية، فيقوّي تراكمَهُ منظومة الحوار البنّاء مع النص؛ سواء أكان إبداعيًا، أم نقديًا. بهذا المعنى، فإنّ التحوّل الدائم للمشاريعِ النَّقدية، في طبيعتها التَّقويمية وبنائها المعرفي، يَكشفُ عُمقَ التَّحولات التي تُميّز خطاب النقد ونقد النقد عند الباحث لحمداني. بهذا المعنى، فإنّ التَّميزَ النوعيَّ لخطاب نقده نابعٌ من سيرورة النقد المؤطرة برؤية معرفية حوارية، ومن تشكُّله ضمن وجود إنتاجي إبستمولوجيًا. يتّضحُ أنّ النقدَ بناءٌ معرفيٌّ؛ سواء في شرحه للنصوص وتفسيرها، أم في بنائه نسقًا إبستمولوجيا يمكن استثمار مكوناته، الخاضعة للبناء في إطار منتظم، لدراسة خطابات إبداعية ونقدية. وبذلك يظهر، حسب بول أرمسترونغ، الناقدُ لحمداني على صلة وثيقة بالتصوّر الذي يرى أنَّ «النقد الأدبي مشروع عقلاني». 

الاستراتيجية النقدية
ينتمي الإنتاج النقدي للباحث والناقد المغربي الدكتور حميد لحمداني، إذًا، لهذا السياق المعرفي؛ سواء أكان نقدًا مرتبطًا بالبحث في نظرية الأدب، وأجناسه المختلفة وتفريعاتها النوعية، أم كان نقدًا متّصلًا بتحليل النصوص الأدبية ودراساتها، وتأويلها وبناء أبعادها ودلالاتها. لهذا، فإنّ الاستراتيجية النقدية عند لحمداني تحكمها خلفيات معرفية، ما ينعكس على المقاربة التحليلية للنصوص، فتتبدّى مؤطرة برؤية منهجية، ومؤسسة على بنية مفاهيمية ملائمة، مما يصيّرها مقاربة إبستمولوجية قوامها «القراءة الحيّة»؛ من منطلق أنّ «القراءة الحيّة فهي تقرأ في النّص المختلف عن ذاته ما يختلف في الوقت نفسه عنه. إنها قراءة تكون ممكنة، أعني فاعلة منتجة، في الاختلاف عن النّص وبه أو له» (علي حرب). إنها القراءة المقترنة بالسرد الروائي والقصصي، مغربيًا كان أم عربيًا أم عالميًا. 
 يقوم الخطاب النقدي إذًا عند الناقد لحمداني، على سلطة الالتزام المنهجي، وتجاوز الفكر الإيديولوجي، الذي تحكّم في خطاب النقد الأدبي ونقد النقد الأدبي لفترة طويلة. لذا، فإنّ السلطة الإبستمولوجية أطرّت فعل الناقد، فدشن مساره النقدي، ومسار النقد المغربي والعربي، بمنجز نقدي تجاوز التفسيرات الضّيقة والمحدودة للنقد بخلفية سوسيولوجية وحمولة أيديولوجية (من أجل تحليل سوسيوبنائي للرواية، الرواية المغربية ورؤية الواقع الاجتماعي، في التنظير والممارسة: دراسات في الرواية المغربية، النقد الروائي والأيديولوجيا، القراءة وتوليد الدلالة). يظهر أنّ النقد عند لحمداني صار مؤطرًا برؤية معرفية علمية، باعتبارها بديلًا للرؤية الأيديولوجية التي أطّرت النقد والنقاد في مرحلة السبعينيات وما قبلها. إن هذا التحول في الممارسة النقدية سيتعمق لحظة تقديم رؤية مغايرة للمناهج النقدية المتداولة، مثل؛ النقد التاريخي (النقد التاريخي في الأدب: رؤية جديدة)، والنقد النفسي (النقد النفسي المعاصر: تطبيقاته في مجال السرد)، والنظرية النقدية (الفكر النقدي الأدبي المعاصر: مناهج ونظريات ومواقف)، (النقد الأدبي المعاصر: واقع وآفاق). أو أثناء استثمار الناقد للمناهج والنظريات الجديدة في تحليل النصوص والخطابات؛ مثل: والبنيوية (بنية النص السردي من منظور النقد الأدبي)، والتأويل (الواقعي والخيالي في الشعر العربي القديم - نحو نظرية منفتحة للقصة القصيرة جدًا: قضايا ونماذج تحليلية - القصة القصيرة في العالم العربي: ظواهر بنائية ودلالية)، وشعريات الخطاب (كتابة المرأة من المونولوج إلى الحوار)، والسيميائيات (القراءة وتوليد الدلالة)، والأسلوبية (أسلوبية الرواية: مدخل نظري). 
لقد وظف الناقد لحمداني النقد الأدبي إذًا ضمن سيرورة إنتاجية قيمية، لأنّ النقد عنده يقوم دائمًا على الملاءمة المعرفية والانتظام المنهجي. وبالتالي، فالنقد عند الباحث صار مؤطرًا بقيم التنوير والتغيير؛ ونعني بها تنوير القارئ بالتحولات التي تمس تطور مناهج مقاربة النصوص الإبداعية والنقدية، و«تغيير عاداتنا في قراءة» تلك النصوص (انظر العنوان الفرعي لكتاب: القراءة وتوليد الدلالة). إنّ ذلك يرتهن بالاستناد إلى رؤية علمية نسقية، تجاوزت عماء الأيديولوجيا والعشوائية. إنّ هذا ما تجلّى في النقد ونقد النقد الأدبي عند الباحث، فتبدّى عنده محكومًا بالخلفية الإبستمولوجية، مما يصيّره نقدًا بنّاءً وموضوعيًا، كما تراءى في أعماله المتّصلة بهذا المجال المعرفي النوعي، منها: «سحر الموضوع»، «نقد النقد والنظريات الأدبية والنقدية: المعرفة والسلطة». تخلَّص النقد من الرؤية الأيديولوجية، وشيّد معرفة خلّاقة، فصارَ الباحثُ ممتلكًا لصفة «الناقد التنويري»؛ على اعتبار أنّ «الناقد التنويري هو ناقد موضوعي، تعتمد موضوعيته على مبادئ أساسية، لكن ضمان موضوعيته الوحيد هو مساءلته الدائمة للأعمال التي يقوم بنقدها، والأصول التي ينطلق فكر التنوير نفسه منها، سواء في صيغه الموروثة أو في صيغه المحدثة» (جابر عصفور). 

منطلقات منهجية
 لم يكتفِ الناقد حميد لحمداني بإنتاج النقد على أسس إبستمولوجية، بل عمّق نشاطهُ النقدي بالترجمة (معايير تحليل الأسلوب/ريفاتير، فعل القراءة/إيزر، التخييلي والخيالي/إيزر)، وبالتفكير النقدي في الترجمة (الترجمة الأدبية التحليلية: ترجمة شعر بودلير نموذجًا). وبهذا، فقد قام الناقد المترجم بدور معرفي مهم في دعم خطاب موازٍ للإنتاج النقدي الذاتي، لأنّه وجّهَ القارئ للوعي بالمكتسبات النوعية المحقّقة في سيرورة النقد العالمي، ويدعِّم دينامية الانفتاح على النقد في الجغرافيات الإنسانية المختلفة.  بهذا المعنى، فإنّ الالتزام المعرفي في إنتاج النقد، أو الإقدام على ترجمة نماذجه الرائدة والنوعية، أسهمَ في كشف قيمته التنويرية، وفي ترسيخ وظيفته الإبستمولوجية. برز ذلك حين سعى الناقد حميد لحمداني، إلى الجمع بين تحليل النصوص الأدبية والنقدية؛ أي انتقل من دراسة النص الأدبي (الشعر والرواية والقصة) وتأويله، إلى الاشتغال المعرفي على النقد والترجمة. لقد تحققَ ذلك بمنطلقات منهجية واضحة، وبجهاز مفاهيم مناسب، وبنية لغوية ملائمة للنّص موضوع النقد، وبأفق معرفي قوامه بناء معرفة ممتدة للنصّ والنقد والعالم. 
2 - إنتاجية النقد: الترجمة من التحويل إلى التحليل
يقوم التزام الناقد حميد لحمداني بالخلفية الإبستمولوجية في بناء خطابه النقدي، مما انعكس منطقيًا على ممارسته النّقدية المتّصلة بالترجمة، فنظر إليها بوصفه ناقدًا، وليس مجرد مترجم.  ضمن هذا الإطار الإبستمولوجي سيكون تعامل الناقد حميد لحمداني مع الترجمة من منظور نقدي على أسس علمية منطلقًا لإنتاج كتاب «الترجمة الأدبية التحليلية: ترجمة شعر بودلير نموذجا». يُعدُّ هذا المنجز النقدي نموذجًا نوعيًا، بمنطلقاته وبنائه ومعاييره المعرفية في دراسة الترجمة وتقويمها، والنّظر إليها من زاوية التحليل، وليس الاكتفاء باستحضار وظيفة التحويل (من لغة إلى أخرى). هكذا، يظهر أنّ كتاب «الترجمة الأدبية التحليلية» صدر عن ناقد ومترجم يملك تصوّرًا نظريًا واضحًا بوظيفة الترجمة، ووعيًا عميقًا بكيفية التفكير فيها نقديًا، عبْر بناء منهجي مضبوط، وكأن الغاية الكبرى للكتاب هي صياغة إطار منهجي عام يساعد على التحليل الإبستمولوجي للنص المترجم وِفْق معايير منهجية دقيقة، وجهاز مفاهيمي ملائم، وبنية لغوية مناسبة، فما المقصود، بَدْءًا، بـ«الترجمة الأدبية التحليلية»؟ ما موضوعها؟ وما أهدافها؟ وما الإجراءات المنهجية لتحقيقها؟ 
 التحليلية: ترجمة شعر بودلير نموذجًا» للناقد حميد لحمداني، بالبحث في نوع خاص من الترجمة، وهي الترجمة الأدبية الشعرية. لهذا، فإنّ الكتاب في مجمل محتوياته مرتبط بقضية ترجمة شعر شارل بودلير بطريقة إبداعية نوعية يصطلح عليها الناقد بـ«الترجمة التحليلية» (Traduction analytique). إنها الترجمة التي تتجاوز مستوى «تحويل» النص الشعري من لغته الأصلية (اللغة الفرنسية) إلى «تحليله»؛ فتصير بموجبه ترجمة شعر بودلير فعلًا معرفيًا وإنتاجًا إبداعيًا جديدًا.  هذا النموذج من الترجمة الذي يقترحه لحمداني لترجمة العمل الإبداعي الشعري يكتسب قوته النظرية والإجرائية من آفاقه الإبستمولوجية، فتصير مقترنة بأفقين معرفيين، ولّدتهما الممارسة المزدوجة للترجمة الأدبية في السياق الأكاديمي؛ الأوّل غايته «تحويل الترجمة إلى ممارسة معرفية تستخدم جميع آليات التفكير المنطقي والإقناعي والتحليلي»، والثاني هدفه «النظر إلى الترجمة الأدبية باعتبارها ممارسة إبداعية». 
يتضح أن ترجمة الشعر ليست عملًا بسيطًا، لأنّ المترجم ملزم بالاستجابة لقواعد الترجمة ومعاييرها من جهة، ومراعاة الطبيعة الإبداعية المركّبة للنّص الشعري من جهة ثانية.  بهذا المعنى، فإنَّ مُترجِمَ الشعر يتجلّى ناقدًا في ترجمته، فيشيّدُ خطابه على أسُس علمية وسياقية.  الأفق المعرفي، إذًا، حاسم في تطوير الترجمة الأدبية، لأنه يجعلها تستبدل التحويل بالتحليل. من هنا، فإن غايات الناقد الإبستمولوجية تعزّزتْ بهدف منهجي مثَّلَ نقلةً نوعيةً في كيفية ترجمة الإبداع الشعري: «هدفنا من كلّ هذا هو خلقُ مَنْهجية جديدة في الترجمات العربية للشعر المكتوب بلغات أخرى وفي مقدمته الشعر الفرنسي». 
تتأسس الترجمة الأدبية عند حميد لحمداني، إذًا، على «تحويل» الإبداع الشعري و«تحليله»، والأدبي عمومًا، لكن بخطوات منهجية منتجة معرفيًا، فتصير «نموذجًا» في الترجمة. وبالتالي، فإن غاية الناقد تتجاوز اقتراح إطار معرفي لترجمة الإبداع الشعري إلى اللغة العربية نحو العمل على تعميم النموذج Paradigme الذي يُسعف في الترجمة الأدبية: «إنّ هذه المنهجية تعتمد أساسًا على ضرورة جعل الترجمة التحليلية Traduction analytique حاضرة في حقل ممارسة الترجمات العربية». إنّ الإلحاح على اعتماد الترجمة التحليلية تولّد من التجربة المعرفية المنتجة أثناء ترجمة شعر بودلير. بهذا المعنى، فإنّ الترجمة التحليلية فعل معرفي ومنهجي عميق يستقي أهميته من عنصرين اثنين: الأول تحكمه رؤية إبستمولوجية ذات غاية تنموية أساسها «إرساء دعائم معرفية لتطوير ترجمة الإبداع بشكل خاص». والعنصر الثاني تؤطره رؤية إبستمولوجية بأفق بيداغوجي فاعل ومنتج غايته «تجاوز المعايير المدرسية والشكلية التي تقدم عادة في دروس الترجمة بالمدارس أو في معاهد الترجمة الحالية بالعالم العربي». يكشف النزوع المعرفي المنهجي للاعتماد على الترجمة التحليلية، أثناء ترجمة الإبداع الشعري إلى اللغة العربية، عن استراتيجية معرفية تعمِّق الوعي بفعل الترجمة، وبالإبداع المترْجَمِ، والعمل على كشف جوانبه الجمالية والدلالية المختلفة، بممارسة يتضايف فيها النقد والمعرفة والإبداع. إنّ هذا يتطلّب مُترْجِمًا نوعيًا، فيؤسِّس «للنموذج» الذي يتجاوز الفهم الاختزالي للترجمة بكونها تحويلًا، صوب فهم مُغاير ينظرُ إليها باعتبارها تحويلًا وتحليلًا ■