لماذا اخترت هذه القصص؟

لماذا اخترت هذه القصص؟

منذ أن يولد الإنسان وهو يعيش صراعات مختلفة تزداد وطأتها في زمننا الذي تزداد فيه التعقيدات والإحباطات، النفسية منها على وجه الخصوص، يجد الإنسان نفسه حائرًا، وجلًا،  دائم السؤال عما يدور حوله وعما يتعرض له في وقته الحاضر أو ما سيحدث له في مستقبله البعيد. 
 هذه الصراعات تنعكس بالتالي على كل ما يحيط بالإنسان فإما أنه يلجأ للتنفيس عن مكنوناته الداخلية بطريقة منتجة وسوية، أو أنه يندفع في غياهب العنف أو اللامبالاة. 
كُتاب الأدب من رواية أو قصة قصيرة معنيون اليوم بكل ما يدور حولهم، وبالتالي هم مطالبون بالغوص في أعماق النفس البشرية وكل ما يكشف غموضها، لأنهم يقدمون من خلال قصصهم التفاتات قد لا يشعر بها إلا من مر بذات التجربة، وبالتالي هم يقدمون عالمًا حقيقيًا موازيًا للعالم الواقعي الذي نحياه، وهذا ما يضفي على قصصهم العمق والمعنى. 
القصص الثلاث المختارة تقدم لنا كل واحدة منها وبأسلوب شيق وعبارات رشيقة مشهدًا سرديًا يستعرض صراعًا إنسانيًا مختلفًا وبمشاعر متباينة قد يتوقف معها القارئ ويتذكر شخصًا يعرفه أو قد يشير في أثنائها إلى نفسه!  

المرتبة الأولى: قصة «مندوب وزارة» لريم محمود/ سورية: 
هل يمكننا إطالة أعمارنا أو أعمار من نحب؟ هل يمكننا اقتراض سنوات تضاف إلى أعمارنا؟ أو هل نعلم متى سيكون الرحيل؟ والسؤال الأهم هل يمكننا تغيير أقدارنا؟! 
أسئلة كثيرة تفتح الباب على مصراعيه للتفكير في مسألة الغيب التي لا يعلمها إلا الله سبحانه وتعالى، ولو كان لنا أدنى علم بما ستكون عليه الأحوال في غدنا لكان لنا شأن آخر في تعاملنا مع حقيقة وجودنا وسير حياتنا. 
هنا استسلمت شخصية القصة إلى فرضية أن من تزيد سنوات عمره سيكون رحيله أسرع، في حين أن الواقع يبرهن لنا بشواهد عدة أن حساب سنين العمر والرحيل لا يخضع لمنطق الكثرة أو القلة وأن الأعمار بيد الله. 
فكرة القصة غرائبية، كتبتها القاصة بمشهدية واقعية وأضفت عليها شيئًا من الغموض الذي يتناسب مع غرائبية الفكرة. 
اختيار «المقهى» ليكون مسرحًا لسير الأحداث كان ذكيًا، فالمقهى حيز مكاني صغير تجتمع فيه شخصيات متعددة متباينة ومختلفة يمكن من خلالها طرح العديد من الأفكار والرؤى. كما أن الكاتبة اعتمدت في قصتها على لغة بسيطة وغير متكلفة. 

المرتبة الثانية: قصة «الواحدة زوالًا» لعمران إلياس/ الجزائر:
قصة «صراع» ومفارقات، صراع مع الوقت وصراع مع العناد، وساعة معطلة تقلب الأحداث رأسًا على عقب! 
المشكلات والأزمات التي نمر بها في حياتنا تضعنا تحت ضغوطات كبيرة لا تمكننا من اجتيازها إلا بشق الأنفس، وبعد أن نخسر الكثير من أعصابنا وصحتنا وأخلاقنا وسلامنا الداخلي، والأدهى من ذلك نخسر رضا والدينا علينا، كم من ابن بقي نادمًا على عناده حيث لا ينفع الندم؟ وكم من إنسان فقدناه وودنا لو أنه يعود إلى الحياة للحظات لنتمكن من تقديم اعتذارنا المتأخر إليه، ولكن بعد فوات الأوان. 
ببساطة حملنا الكاتب في هذه القصة وألقى بنا في خضم الصراع الذي يعيشه البطل بين التزامه بقسم والدته ورضاها وبين عجزه عن تحقيق رغبة والدته، لتأتي المفارقة بأن المهلة النهائية لفك تشابك هذه المعضلة يتعذر تحقيقها بسبب ساعة معطلة! 
ورغم أن القصة تحتاج إلى بعض المراجعة اللغوية والإملائية لكلماتها، إلا أن الكاتب وفق كثيرًا في رسم سرد محكم ما بين العقدة والمفارقة وتصاعد الصراع في القصة. 

المرتبة الثالثة: قصة «أكسير الموت» لمنار  طه لطيف/ مصر: 
هذه القصة تتحدث عن قضية تعاني منها مجتمعات العالم قاطبة، وهي قضية «التعنيف ضد المرأة»، وقد تناولتها كاتبتها بطريقة بارعة ومشهدية مثيرة تفتح أمام القارئ أبوابًا عدة لتأويل ما يقرأه، فالمارد الذي تتحدث عنه كاتبة القصة يبدو كشخصية مبهمة قد يظنها القارئ للوهلة الأولى ماردًا حقيقيًا يحرك أحداث إحدى القصص الفنتازية المتخيلة، ولكن مع تصاعد الأحداث والسرد في القصة يبدأ القارئ تحليل ما يقرأه والتفكير فيما إذا كانت الشخصية الرئيسية مصابة بالفصام، أو أن الغضب الذي يتملكها يجعلها تتحول في ثوانٍ بسيطة إلى مارد مخيف. 
نجحت الكاتبة في هذه القصة في رسم ملامح للغضب أو المارد، يستطيع القارئ تلمسها والشعور بها ببراعة ودقة تصويرية جعلت القصة تبدو كمشهد سينمائي. واستطاعت نقل مشاعر الخوف والضعف وتسليط الضوء على الأذى الواقع على المرأة المعنّفة وحتى على نفسية الأطفال في مثل هذه البيوت.