الحكيم الشاعر أرجوزة الشيخ الرئيس

الحكيم الشاعر أرجوزة الشيخ الرئيس

اختص ابن سينا من بين فلاسفة وعلماء الإسلام بلقب الشيخ الرئيس، فقد كان رأس علماء وفلاسفة زمانه، حيث امتد تأثيره داخل بلاد الإسلام وخارجها بشكل لم يسبقه إليه أحد، وامتدت براعته لتشمل الفلسفة وسائر العلوم، خصوصًا صناعة الطب، كما تكشف عن ذلك موسوعته الفريدة «القانون في الطب» وألفيته الشعرية الفريدة «الأرجوزة في الطب».

 

شكلت لحظة ابن سينا الطبية تتويجًا لمسار طويل من التحولات، بداية من تراجع الحضارة اليونانية في الغرب وانتقال إرثها إلى ممثلتها الشرقية مدينة الإسكندرية، وصولًا إلى انتقال الإرث العلمي والفلسفي اليوناني من الإسكندرية إلى بغداد، بعد أن صارت هذه الأخيرة تابعة للحضارة الإسلامية الفتية، وقد عولج هذا الإرث بالترجمة والتنقيح على عهد العباسيين، وتقدم الطب سائر العلوم نظرًا لحاجة المجتمع إليه على وجه الضرورة لا الاختيار.
من هذا المنطق تمت ترجمة أعمال جالينوس وأبقراط، فضلًا عن المجاميع التي كانت قد وضعت لها على يد مدرسي وأطباء مدينة الإسكندرية أمثال، جاسيوس، وإصطفن الإسكندري، ويحيى النحوي...، وغطت مختلف فروع هذه الصناعة من تشخيص وتشريح وقياس نبض، وما إلى ذلك من الإضافات والتعاليق التي واكبت رحلة هذا الإرث إلى بغداد، مرورًا بمدن الشرق الأقصى كالرها والمدائن وأنطاكية.
إن ازدهار حركة الترجمة داخل بيت الحكمة بمدينة بغداد، والتفضيل الذي خصَّ به الطب بتقديمه على سائر العلوم، قاد إلى نهضة مجتمعية علمية، مردها كذلك إلى التعالق الحاصل بين صناعة الطب وصناعة المنطق، حيث تبين أن هذا الأخير مدخل لابد منه لكل من أراد التعمق في الدراسات الطبية، وهو ما قاد أيضًا إلى الانفتاح على الفلسفة اليونانية، نظرًا لتعالق آخر بينها وبين المنطق، الذي يعتبر فرعًا من فروعها. 

صناعة الطب 
برزت هذه النهضة على مستوى صناعة الطب من خلال ظهور العديد من البيمارستانات، وهي منشآت لتطبيب ولتعلم الطب، يشرف عليها أطباء أساتذة برعاية مباشرة من الخلفاء ووزرائهم، ومن أبرز هذه البيمارستانات: بيمارستان الرشيد الذي أشرف عليه جبريل بن يختشوع، وبيمارستان البرامكة الذي أشرف عليه ابن دهني المهندس، وبيمارستان بدر غلام المعتضد الذي أشرف عليه سنان بن ثابت بن قرة، ثم بيمارستان الموصل، والبيمارستان العضدي، وبيمارستان واسط، وغير ذلك كثير.
قاد الانتشار الواسع لهذه المنشآت الطبية داخل مدينة بغداد وغيرها من الأقطار الإسلامية إلى انتشار واسع لصناعة الطب، وهنا كانت الطرق قد عبدت للوصول إلى مرحلة الإبداع والإضافة على إرث جالينوس وأبقراط، وتجلى ذلك من خلال ظهور أعمال موسوعية غاية في الدقة، تشمل مختلف العناصر الخاصة بصناعة الطب وممارستها، ومن أبرز هذه الأعمال الموسوعية: كتاب «فردوس الحكمة» لعلي ابن سهل الطبري، ثم كتاب «المنصوري في الطب» وكتاب «الحاوي في الطب» وهما معًا لأبي بكر محمد ابن زكريا الرازي، ثم كتاب «الملكي في الطب» لعلي ابن العباس المجوسي، وصولًا إلى كتاب «القانون في الطب» للشيخ الرئيس ابن سينا، وهي كلها أعمال حظيت برعاية الخلفاء والأمراء نظرًا لأهمية صناعة الطب وحاجة المجتمع إليه.
إن مشروع ابن سينا الطبي، هو تتويج لهذا المسار الغني الذي تفاعل فيه الإرث اليوناني مع الإبداع العربي، فضلًا عن الانفتاح على الثقافة الهندية، مع أهمية الإشارة للدور البارز الذي لعبه المسيحيون من النساطرة واليعاقبة في النقل إلى العربية من مختلف اللغات، ولا أدل على ذلك من وضعهم على رأس بيت الحكمة ببغداد، حيث أشرفوا اتباعًا على تسييره بحرفية عالية.

طبيب وفيلسوف
من الأمور التي ميزت الشيخ الرئيس موسوعيته، فهو لم يكن طبيبًا فقط بل طبيبًا وفيلسوفًا، وقد مكنه ذلك من معالجة إشكالات طبية لم تكن تحظى بالاهتمام اللازم، وهي تلك المرتبطة بالأمراض العقلية والقلق والاكتئاب وصلتها كذلك بالأمراض الجسدية.
أما فيما يتعلق بالتأليف، فمن الجدير ذكره أن ابن سينا لم يؤلف «القانون في الطب» فقط، بل ألف بغزارة بشتى أشكال التأليف الممكنة، ففضلًا عن التأليف الموسوعي، كما هو الشأن للكتاب المذكور ألف ابن سينا مقالات وأشعار، وقد بلغ مجموع هذه الأعمال حوالي مئتين وسبعين مؤلفًا، منها: القانون في الطب، الأغدية والأدوية، تخليط الأدوية، خصب البدن، في تشريح الأعضاء، المسائل الطبية، النبض، وصية حفظ الصحة، فيما يدفع ضرر الأغذية، مفيدتان في حفظ الصحة، أرجوزة في التشريح، أرجوزة في الفصول الأربعة، أرجوزة في الوصايا الطبية، الأرجوزة في الطب... إلخ.
من بين كل هذه الأعمال نال «القانون في الطب» شهرة واسعة، وقد ترجم خلال القرن الثاني عشر ميلادي على يد المترجم الإيطالي جيرارد الكريموني إلى اللغة اللاتينية داخل مدرسة المترجمين بطليطلة، وذلك بعد سقوطها في يد مملكة قشتالة، وطبع هذا المؤلف بمدن أوربية مختلفة كالبندقية، ولوفان، ونابولي، وترجم كذلك إلى العبرية، وبسبب دقة هذا المؤلف صار ابن سينا رمزًا من رموز الحكمة بمعناها الواسع، وظهرت حركة سيناوية لاتينية قبل أن تظهر فيما بعد حركة مماثلة ذات توجه رشدي بسبب التأثير الكبير الذي مارسه ابن رشد أيضًا.
وبالإضافة إلى كتاب «القانون في الطب» العمل النثري الموسوعي، كان لـ «الأرجوزة في الطب» التي نظمها ابن سينا تأثير كبير، والحق أنها تستمد قوتها منه نظرًا لكونها تلخيص شعري له موجه أساسًا للطلبة الأطباء، إذ من المعلوم أن طريقة النظم كانت طريقة معتمدة للتعرف بشكل قبلي على مختلف تفصيلات التخصص المدروس، غير أن تأثير الأرجوزة لم يقف عند هذه الحدود، بل مارست تأثيرها على أطباء وفلاسفة أطباء لاحقين جعلوها موضوع تفكير وشرحًا وتطويرًا، كما هو الشأن بالنسبة لابن رشد الذي اشتهر بشرح لها بنفس القدر الذي اشتهر به من خلال كتابه «الكليات في الطب»، وكذلك بالنسبة لابن طملوس الذي أعاد شرح هذه الأرجوزة، علمًا بأن الرجلين عاشا ببلاد الأندلس، ما يعكس تأثير ابن سينا بهذه الرقعة من ديار الإسلام فضلًا عن التأثير الذي مارسه بالمشرق، قبل أن ينتقل هذا التأثير مدعومًا بهذا الاهتمام الداخلي بابن سينا إلى الديار الأوربية.
سميت أرجوزة ابن سينا بالأرجوزة نظرًا لكونه نظمها على بحر الرجز، الذي يتميز بتناغم تفعيلاته بشكل يساعد على حفظ المتن وفهم فحواه، وقد سميت أيضًا بالألفية غير أن عدد أبياتها على الحقيقة يتجاوز ألف بيت بحيث يصل إلى 1329 بيتًا، موزعين على شقين، الأول نظري يضم 774 بيتًا، والثاني عملي يشمل 555 بيتًا، فضلًا عن مقدمة نثرية تكشف أهمية الأرجوزة في تدريس الطب، أما مطلع هذه الأرجوزة فقد كان ببيت يعرف صناعة الطب نصه:
الطب حفظ صحة برء مرض
من سبب في بدن منه عرض
توقف الشيخ الرئيس في الشق النظري من الأرجوزة عند أمور متنوعة، حيث بدأ بالتطرق للأمور الطبيعية كالأمزجة، والذكورة، والأنوثة، والألوان، بما في ذلك ألوان البشرة والشعرة والأعين ثم تحدث عن الأخلاط والأعضاء والأرواح والقوى الطبيعية والنفسانية، وغير ذلك من الأمور الطبيعية، ثم انتقل إلى الحديث عن الأمور الضرورية كالهواء، والمأكل، والمشرب، النوم، واليقظة، والحركة، والسكون، والأحداث النفسانية، وتحدث في القسم الأخير من الشق النظري عن الأمور الخارجة على الطبيعة وهي الأمراض بمختلف صنوفها، وتطرق إلى أسبابها وأعراضها وطرق الاستدلال عليها، وصولًا إلى العلامات المنذرة بالصحة أو الموت.
أما بخصوص الشق العملي، فنجده يتناول في بدايته مختلف المسائل المتعلقة بحفظ الصحة، كتدبير المأكل والمشرب والنوم والحركة، وتدبير الشؤون المتعلقة بالسفر في مختلف الفصول، وتدبير شؤون الطفل في بطن أمه، وفي فترة المخاض وبعد الولادة، وتدبير صحة الشيوخ فضلًا عن طرق الاحتيال في حسم المرض قبل ظهوره، ثم تناول الأمور المتعلقة برد الصحة من خلال مختلف أنواع الأدوية وطرق استعمالها والتداوي بها حسب اختلاف الأمراض المقصود علاجها، فضل عما يتمم ذلك من العمل باليد في العروق عبر الفصد، وفي اللحم بالقطع أو الكي وفي العظم عبر الجبر ورد الخلع.
إن غنى أرجوزة ابن سينا الطبية وجماليتها الشعرية، جعل منها موضوع اهتمام من قبل فلاسفة أطباء في المشرق والمغرب، قبل أن تكون موضوع اهتمام من قبل الغرب اللاتيني، فابن زهر كان يفضلها عن غيرها من الأعمال في تعليم صناعة الطب، كما أنها كانت موضوع شرح وتفسير من قبل العديد من الأطباء والفلاسفة الأطباء، كما هو الشأن مع ابن رشد من خلال مؤلفه «شرح أرجوزة ابن سينا في الطب» وابن طملوس من خلال كتابه «شرح الأرجوزة الطبية لابن سينا»، وإبراهيم بن موسى البغدادي من خلال مؤلفه «الجوهر النفيس في شرح أرجوزة الشيخ الرئيس»، ومدين بن عبد الرحمن المصري من خلال مؤلفه «القول الأنيس والدر النفيس على منظومة الشيخ الرئيس».
في الأخير لابد من التذكير بأن ابن سينا هو واحد من فلاسفة الحضارة الإسلامية وعلمائها، إلى جانب أعلام كثر نحن اليوم في أمس الحاجة إلى الروح التي سكنت زمانهم لكي نبادر إلى الخروج من وضع التأخر الحضاري الذي نحن عليه، والذي يشمل مختلف فروع العلم والمعرفة النظرية والعملية على حد سواء ■