مظاهر الثقافة في وسائل التواصل الاجتماعي

مظاهر الثقافة  في وسائل التواصل الاجتماعي

تحتل وسائل التواصل الحديثة مكانة مهمة وأساسية في حياة الفرد العربي كما هو الحال عند أفراد المجتمعات الأخرى على الصعيد العالمي؛ وهذا إن دلّ على شيء إنما يدل على أن الأمر تجاوز مسألة الركون إلى الماضي ووسائله التقليدية في التواصل والتعارف والتفاعل الثقافي والاجتماعي بين أفراد المجتمع الواحد، أو حتى بين الناس في مختلف البلدان. فرغبة الفرد العربي عمومًا، وكيفما كانت ثقافته ومستواه التعليمي والمعرفي، في خلق مساحة كبيرة للتواصل مع الآخر بكل أجناسه وانتماءاته الجغرافية والفكرية والثقافية والعرقية والدينية والسياسية... صارت رغبة ملحة وضرورية للعيش المشترك وتحقيق الذات التي لا يمكنها أن تشعر بوجودها الحقيقي إلا في إطار تفاعلها مع الآخر.

 

إن أهمية التواصل الإنساني يرتبط أساسًا بمدى قابلية الذات للتفاعل وتبادل الخبرات والتجارب الحياتية التي تفيده وتساعده في الفعل والإبداع داخل مجتمعه؛ والتفوق في تجديد تطوير أدواته العملية والمهنية والتفكيرية في الإنتاج والابتكار. ولعله من الضروري خلق مجال شاسع للحرية في التفكير والتعبير تسمح له استدعاء تجارب مختلفة على المستوى الثقافي والسياسي والديني من أجل استكشاف طاقاته وقدراته الإبداعية الخفية والتي من الصعب عليه اكتشافها بسهولة دون محفز أو مساعد خارجي. فالفرد العربي عمومًا، يحتاج إلى حافز من نوع مختلف حتى يتجاوز المعيقات الثقافية التي تكبله باسم عناوين متعددة تعود مرجعياتها إلى ثقافة تقليدية كلاسيكية تمنع الإبداع بحرية وتكبّل العقل على التفكير وتطوير الذات وتجديد النظرة الجديدة للأشياء والأفكار والعالم كله. 
لكن، وفي إطار من التفكير الواقعي، فإننا نصطدم بالعديد من أشكال التواصل السلبية التي يمارسها بعض الشباب العربي اليوم، حيث يغيب عن أذهانهم أن هذه الوسائل خلقت لتبادل الخبرات والثقافات والأفكار والمعارف والانفتاح على الآخر ومحاولة فهمه وفهم ثقافته وإبداعه وتجاربه العلمية التي بوأته المكانة المتقدمة بين باقي الأمم، فالعالم الغربي جميعه، يحاول السيطرة على عقول العالمين وتوجيهها وفق رغباته واحتياجاته، لأنه ببساطة يعتبر باقي العالم مجرد مستهلك لما ينتجه على كافة الأصعدة؛ ولا حظوة لدينا كعرب إلا في منافسته في هذا المجال وإمكانية خلق مساحة لنا في السوق العالمي وإيجاد شعوب مستهلكة لما ننتجه حاليًا وحتى لما نفكر في إنتاجه وابتكاره مستقبلًا. 
تؤدي وسائل التواصل الاجتماعي وظيفة أساسية تساهم بشكل بارز في ترسيخ ثقافة أساسية لبناء الفرد والجماعة في المجتمع، حيث تعتمد في ذلك على التكنولوجيا الحديثة والتطور المهم والكبير الذي أحرزته في مجال التواصل البشري، بحيث باتت وسيلة مهمة، ليس في حياة الفرد فحسب، بل والمجتمع ككل. ومما لا شك فيه أن أساليب التواصل البشري وأشكالها هي جزء مهم من ثقافة أي مجتمع أو جماعة معينة. ولقد استطاعت وسائل التواصل الحديثة، في وقت قصير نسبيًا، العمل على ترسيخ أساليب جديدة للتواصل البشري، بحيث باتت هذه الوسائل التواصلية، وخاصة التقليدية منها، لا تلقى الاهتمام الحقيقي، وخاصة عند جيل الشباب. فوسائل التواصل الاجتماعي الجديدة مثل (تويتر، وفيسبوك، ويوتيوب، تيك توك، وأنستغرام)، من وسائل التواصل الاجتماعي التي تحقق إمكانيات كبيرة للتعبير والتفكير ومشاركة المشاعر مع الآخر كيفما كانت جنسيته وعرقه وثقافته.

الشباب العربي ووسائل التواصل الاجتماعي
يصعب على شبابنا العربي اليوم التخلي عن هذه الوسائل، ومجرد التفكير في الابتعاد عنها، والتفكير في أشكال أخرى للتواصل؛ لأنها أصبحت بالنسبة إليه كالماء والطعام لا يستطيع الاستغناء عنهما، بل صارت في بعض الأحيان أكثر من هذه الحاجيات الأساسية حتى وصل ببعضهم إلى ترك الطعام والماء والتسمر أمام الشاشات (حواسيب، هواتف...) لساعات وساعات دون أكل وشرب، فالخطر ليس في هذا الارتباط الهستيري بهذه الوسائل، وإنما الخطر في كونهم لا يستعملونها في ما هو إيجابي، وإنما في أشكال أخرىن بعيدة كل البعد عن اكتساب المعرفة أو بناء الذات وتطوير الشخصية، أو حتى في تبادل الخبرات مع الآخر.
فتأثير وسائل التواصل الاجتماعي في شبابنا كبير وهائل، وهو واضح وجلي للعيان لدرجة أننا لا نستطيع فهم هذه الرغبة أو تحليلها بشكل دقيق؛ خاصة وأن الشباب العربي أصبح لديه ميول كبير تجاه هذه الوسائل وارتباط منقطع النظير بها، حتى استحالت لدى الآباء أو حتى الدولة كبح جماحها أو على الأقل التقليل من تأثيرها عليه، ولا يتوقف الأمر عند هذه المسألة، بل يتعدى إلى صعوبة التحكم في هذه الوسائل أو حتى توجيه شبابنا وأطفالنا نحو ما يفيدهم ويثري عقولهم بالمعرفة والعلم والانفتاح على الآخر إيجابيًا.
لقد لعبت وسائل التواصل الاجتماعي دورًا كبيرًا في خلق دينامية ثقافية بين أفراد المجتمع الواحد، وحتى بين شعوب العالم جميعها؛ حيث استطاعت أن تقلص المسافة إلى نقطة الصفر بينها وطورت من طرق وأساليب التواصل والحوار والنقاش الفكري والثقافي والسياسي، بل إنها ساهمت بشكل واضح في تغيير أشكال التفكير النقدي والعلمي، وخلق علاقة ارتباط بين مختلف الشعوب والأمم تتطور وفق استراتيجية واضحة المعالم سواء على المستوى الفردي أم على المستوى الجماعي. 
لكن، وبشيء من الواقعية، فإن الشباب اليوم أصبح لا يهتم لكل ما هو ثقافي، بقدر اهتمامه بذاته المتضخمة وشخصيته المتهشمة في أغلب الأحيان، حيث يعمل جاهدًا وهو يتعاطى مع وسائل التواصل الاجتماعي، سواء في تواصله مع الآخر أم في تعبيراته المختلفة عن مشاعره وأحاسيسه، على تكريس نظرة تقزيمية لشخصيته، فآخر ما يهم أغلب الشباب اليوم هو الثقافة ونشر المعرفة، أو الدخول في نقاش ثقافي وفكري وإبداء رأيه تجاه قضايا إنسانية ترتبط بمجتمعه أو بمجتمع آخر، وهذا ما يؤكد ضعف الإنتاج الثقافي وانتشار الصفحات الثقافية على هذه الوسائل (الفيسبوك، تويتر، أنستغرام، تيك توك، يوتيوب،...)، حيث نجد أغلب الصفحات تهتم بما هو شخصي أو بما هو عاطفي شعوري. 

المظهر الثقافي في وسائل التواصل الاجتماعي
إن ثقافة المجتمع العربي عامة قد عرفت العديد من التغيرات الأساسية على مستوى التعبير والتفكير، حيث برزت في الأفق أشكال متعددة من الثقافة شكلت أساليب مختلفة من حيث الوعي والإدراك بأهميتها في التغير والتحول الاجتماعي؛ كل هذا جاء نتيجة تغير وسائل التواصل الاجتماعي المؤثرة في الثقافة العربية والمساعدة على تبنيها بشكل مختلف ومتعدد المستويات، ولقد تأسست الثقافة في منصات التواصل الاجتماعي بداية على أنها ترف حتى ولو كانت تمثل الهوية العربية بالنسبة للشعوب المعبرة عن ذاتها ووجودها في عالم اليوم؛ فالثقافة المعبّر عنها في هذه المنصات (وخاصة الفيسبوك) تتميز بمرجعية مختلفة تقوم على الوعي الفردي بعادات المجتمع العربي وتقاليده. 
ترتكز الثقافة العربية المعبر عنها في وسائل التواصل الاجتماعي على خصائص المجتمع وقيمه ومقومات أفراده وهوياتهم المتعددة والمتنوعة وفق رؤية فكرية يعتمدها المبدع المدون سواء على صفحته الخاصة أم على صفحات متخصصة في الثقافة والفكر والتي وضعت نصب أعينها غاية كبرى تمثلت في تحقيق الجمهور والزوار مهما كانت مستوياتهم، فأهمية أن يكتب المبدع العربي على وسائل التواصل الاجتماعي تكمن في أنه يخاطب أشكالًا مختلفة وأنواعًا متعددة من القراء الذين تتعدد مشاربهم ومستويات اهتماماتهم بالثقافة والمعرفة. 
قد يؤدي التفاعل الثقافي إلى قوة الهوية وتطورها على مستوى المعجم والمصطلح، حسب الكاتبة سناء فتح الله، وقد يؤدي إلى ضعف واضمحلال للهوية الثقافية العربية، كذلك في التفاعل يتضمن التأثير والتأثر أي الفعل والانفعال، والهدف المحوري للجانب السلبي من التفاعل الثقافي هو الحيلولة بين شعوب الأمة العربية وبين عناصر بناء ذاتها وذلك يجعلها في حالة دائمة من الاغتراب، كما نجد أيضًا عملية تشويه صورة الإسلام وصورة العرب والمسلمين، وعملية هدم اللغة العربية وإحلال العامية محلها بجانب اللغات الأجنبية، فالسماوات المفتوحة الآن بسبب الثورة المعلوماتية هي الإثبات الحقيقي على أن كل شعب له خصوصيته الشديدة، ومساحات رهيبة وشاسعة من الاختلافات كلما تعرف على الغير، أو «الآخر» (سناء فتح الله، تفكيك المصطلح: الثقافة، جريدة الأخبار المصرية، الاثنين 7 مارس 2004، ص. 22).
فتحت ثورة الاتصالات الحالية، عصرًا جديدًا من التطور الثقافي للإنسان، حيث جعلت من الممكن لكل شعوب العالم أن تتعرف على بعضها وبشكل خاص الثقافة والتبادل الثقافي ونقل القيم والمبادئ والعلوم والمعارف والآداب والفنون، هذا التنوع الثقافي وتعدد الثقافات سيظل قائمًا بين الشعوب بفضل الوسائل التكنولوجية الحديثة ولكن برغم من هذا الانفتاح على ثقافة الآخرين، فإن ذلك لا يتسنى له إلغاء الثقافة الخاصة بالمجتمع وبأفراده ولا بهويته الذاتية التي ترتبط عضويًا بالمكان، ومما لا شك فيه أن تقدمًا في تكنولوجيا المعلومات قد تحقق في البلدان المتقدمة، حيث تستخدم أنواع مختلفة من الوسائط الإلكترونية الحديثة في التعليم على مستويات عدة. إن حلول عصر المعلومات قد شهد إدخال سلسلة من الوسائل الإلكترونية الحديثة في حقل التعليم العالي ألغيت بموجبها حواجز الزمان والمكان (تيسير الكيلاني، أساسيات نظام التعليم المفتوح والتعليم عن بعد وجودته النوعية، الشركة المصرية العالمية للنشر، لونجمان، القاهرة، 2001، ص. 153). 
ورغم أن الثقافة العربية قد عرفت تأخرًا في التعاطي مع التكنولوجيا الحديثة ومع الثورة الرقمية العالمية ووسائطها المتعددة، فإنها تطورت في العقديْن الأخيريْن تطورًا ملحوظًا، لأن الوعي القاصر الذي كان حاصلًا عند النخب المثقفة العربية في بداية هذه الثورة الرقمية، فإن أغلب مثقفينا العرب من المحيط إلى الخليج قد انتصر لها في النهاية، حيث أثمرت هذه الفورة الثقافية الجديدة رصيدًا ثقافيًا عظيمًا وإنتاجًا أدبيًا وفكريًا ثريًا، فالانخراط الكبير للمثقف العربي في وسائل التواصل الاجتماعي وفي المواقع الأخرى المتعددة المختصة في كل أشكال الثقافة والفن، من حيث الإبداع الأدبي والفكري التفاعلي وفي شروط تلقيه وتأويله، من أجل إعادة إدماجه في الساحة الثقافية العربية من جديد بطريقة مختلفة، خاصة وأن المتلقي العربي اليوم صار أكثر تلقيًا بوساطة الحاسوب والهاتف الذكي.
إن اهتمام المثقف العربي اليوم بوسائل التواصل الاجتماعي ونشر ما ينتجونه من أدب وفكر وثقافة وفن ومشاركته مع المتلقي المتعدد على مستوى الجنس والسن والوعي والثقافة، يكاد يرتقي إلى أن هذا المثقف يدرك جيدًا قيمة هذه الوسائل في خلق دينامية ثقافية وحوار فكري متعدد المشارب والمواقف، فالجميع يتهافت إلى نشر ما يبدعه ويكتبه على صفحاته على وسائل التواصل الاجتماعي بمختلف أنواعها، ويتمنى رفع نسبة زوارها وقرائها ومتابعيها؛ فالمبدع المبتدئ مثله مثل المبدع الرائد والشهير، يتسابق بدوره إلى نشر إنتاجاته وتقريبها من القارئ وانتظار الإعجابات والتعليقات كيفما كانت لغتها النقدية. 
إن التعبير عن الموقف وإبداء الرأي يمر عبر تبني طريقة جديدة للتواصل مع المتلقي الذي أصبح الحامل التكنولوجي وسيلة لإطلاعه على الجديد وعلى ما يستجد من أفكار ومعارف ومواقف وأشكال من التعبير والثقافة؛ فالمتلقي العربي، شابًّا كان أم غيره، يحتاج اليوم إلى ما يثير حفيظته الثقافية ويوجهه فكريًا وسياسيًا لتطوير شخصيته وأدوات البحث لديه وتحديث أفكاره ومواقفه الثقافية والسياسية والاجتماعية، لكن هذا لا يرتقي إلى مستوى التلقي الجيد والجمالي إلا إذا امتلك المدون الكاتب مهارات الإبداع وموهبتها الحقيقية التي يوفرها وعيه الثقافي المجدِّد والمطوِّر لأساليب الكتابة الإبداعية وطرق تطوير اللغة الرقمية التي تختلف عن اللغة المستخدمة في الكتاب الورقي، وهنا يحضر المبدع متعدد المواهب والأفكار المتجددة وفق التحولات الاجتماعية والقيمية الأكثر جذبًا للمتلقي وتأثيرًا فيه بشكل أو بآخر من أجل تيسير عملية التلقي والتواصل مع الجمهور المثقف بالدرجة الأولى قبل غيره بهدف تقليص وقت القراءة والتفاعل الثقافي الجيد ■