رجاء النقاش من غواية الصحافة إلى اكتشاف الأصوات الجديدة

رجاء النقاش من غواية الصحافة إلى اكتشاف الأصوات الجديدة

 قلم نافذ، يُعجب أغلب المهتمين بالنقد الأدبي في بدايات رحلتهم، يكتب ببساطة وعمق، جامعًا بين الكتابة الصحفية والمتابعة الأدبية، والصحافة الفنية وإدارة مؤسسات كبيرة منذ شبابه المبكر، فضلاً عن اقتران اسمه باكتشاف مواهب صارت - سريعًا - ذات شأن. ربما لهذا فقد اعتبر الكثيرون رجاء النقاش (1934-2008) صوتَ جيلهم النقدي، وعدّوا كتاباته نموذجًا للتوسط بين الأكاديمية الجافة، والتغطية الصحفية السريعة، المعتدة بالانطباعية. 

 

تمتع رجاء بذائقة متميزة، وعين خبيرة فارتبط اسمه بتسليط الضوء على أصوات جديدة، فراهن عليها في أطوار تفتحها الأولى ورآها مبشرة؛ فكتب - وهو طالب بالجامعة - عن أبي القاسم الشابي، ثم كتب عن الطيب صالح ومحمود درويش في بداياتهما الأولى. ولم يقتصر على اكتشاف الشباب، فكتب كثيرًا عن نجيب محفوظ في «حوارات مع نجيب محفوظ» وكتب كذلك «في حب نجيب محفوظ»، وهو ما استمر بصورة أخرى حين اختصه صاحب نوبل بخفايا سيرته الذاتية التي لم يبح بها لأحد، فأخفى النقاش بعض تفاصيل قد تغض من قيمة الأديب الكبير.
وكان اهتمام صاحبنا بالرسائل المتبادلة بين فدوى طوقان وأنور المعداوي فرعًا عن تصور مختلف للأدب والتأريخ له، وهو ما بدا حين خصص كتابًا كاملاً لمناقشة قضية العقاد بين اليمين واليسار، لا ليحسم الأمر، أو يثبت نوازع أيديولوجية بعينها، ولكن ليقينه بأثر القضية على صورة العقاد الذهنية، وانحباس كثير من المتلقين في التلقي تبعًا لتموقع العقاد بين اليمين واليسار، ولا يعنيه الميل إلا إلى القيّمة، فيبدي محبة كبيرة وامتنانًا عظيمًا للدكتور طه حسين ويكتب عنه في مناسبات شتى، وربما يحمل المودة ذاتها لأعلام عصر النهضة، ولكن ذلك لم يمنعه من متابعة ما تلا ذلك من فترات زاهية، سواء من خصهم بكتاب مستقل أم اكتفى بمقالات سريعة.
وعلى ذلك فثمة نوع من التكامل بين نزعة المغامرة لاكتشاف الأصوات الجديدة، وبين جهده في تأصيل ظواهر كانت بعيدة عن الحس الأدبي، من مثل ما يوليه من حماسة للشاعرات؛ فخصص لفدوى طوقان كتابًا عن حكاياتها ورسائلها مع أنور المعداوي، فضلاً عن إشاراته لشاعرات أجنبيات مثل اليونانية العتيقة «سافو»، حتى يساويها بهوميروس مؤلف «الإلياذة».
 وبعيدًا عن نشأته في أسرة معروفة بمحبة الأدب والثقافة، فقد مكنته الدراسة في آداب القاهرة خلال عصرها الزاهي قديمًا (حيث تخرج 1954) أن يلعب بحرفية على مناطق الوسط بين الثقافة والنقد من جهة، والصحافة والإعلام من جهة أخرى، وظل على وفائه للغة العربية ورصانتها، تتصدر فتنته باللغة على غيرها من اعتبارات، دون تنطع أو تزيد، مع وعي عميق بكون اللغة كائنًا حيًا، من الطبيعي أن يتطور ويلائم عصره قبل أي اعتبار آخر.
لم تقتصر مؤلفاته على الشعر فكتب عن القصة والرواية والمسرحية، يقوده في ذلك هاجس النبش في طبقات النصوص بقدر المستطاع والمتاح، واحتل الشعر مكانة أثيرة لديه، فكان يأسى على عدم كتابته للشعر، ولكنه وقع على جزء من جوهره حين كان يصر على وجوده في كل الفنون، بداية من حديثه عن المتنبي وليس انتهاء بمقالات عن التيارات الجديدة، وظل كتابه «ثلاثون عامًا مع الشعر والشعراء» الصادر عن دار سعاد الصباح أيقونة للبساطة. ولم يقصر مجهوده على فترة بعينها، فيراوح - مثلاً - في نقده للشعر بين المتنبي وأحمد شوقي وأمل دنقل، والأمر قديم لديه منذ كتابه الرائد (محمود درويش: شاعر الأرض المحتلة)عام 1960 بينما كان صوت درويش مغمورًا للغاية، فضلاً عن كتابة مقدمته الديوان الأول لأحمد عبدالمعطي حجازي (مدينة بلا قلب)، وهو بعد لم يبلغ الثلاثين من عمره.
تغلب الناقد فيه على الشاعر، فأضاء الشاعرُ فيه بصيرةَ الناقد، ويتغلب الأديب الكامن على سواه من وجوه، فيقيم اعتبارًا كبيرًا للكلمة ودورها وأثرها في المجتمع، ولا يجري خلف ضجيج صحفي مفتعل أو ناجم عن المبالغة، ولا يجري خلف خبر كاذب، أو إشاعة قد ترفع انتشار المقال ولكنها تضع صاحبه.
وقد يلاحظ أحدهم الآن بعض الإنشائية في أحكامه النقدية العامة بعد تراكم الخبرات والمناهج، وافتقادها - وفقًا لوجهة النظر الأكاديمية الصلبة - إلى تصور منهجي بعينه، ولكن كثيرًا من ظلالها الإنسانية يشفع لها، ويؤهل لتقبلها ببعض الأريحية، ولا نبالغ حين نؤكد قيام دراسات كاملة على شذرات ما ذهب إليه النقاش في كتاباته، ونثمن له أنه لم يكن يدّعي وصلاً بمناهج لم يهضمها.
لم تشغله التنظيرات كثيرًا، فركز - دون التفات للالتزام بمنهج معين - على تحليل جماليات النصوص، ولا يفصح مباشرة عن منهجه القائم على التذوق وارتفاع حساسيته وثقافته، معتمدًا على رشاقة قلمه - بحكم عمله الصحفي - في بعد عن الغموض ومراعاة للقارئ العام؛ تحدوه الرغبة في استعادة مكانة الصحافة الأدبية، وإثارة شغف القارئ بالثقافة، فأنزل الشأن الثقافي من عليائه وتصوراته الأرستقراطية إلى الدخول في الشأن العام، وأخرج الشعر والمسرحية إلى الشارع، وربما - لهذه الاعتبارات - يقيم اعتبارًا للحظات ضعف المثقفين بالقدر ذاته الذي يبهره تفوقهم، ويغفر لجنونهم كما ينحني لإبداعهم، ويركز على مجرد كونهم بشرًا من لحم ودم، فجاء أسلوبه ملائمًا لبساطة أفكاره، وليست البساطة سوءة مشينة، وأفادته ثقافته في الخروج من الجزئي إلى الكلي واستبصار الظواهر الأدبية على غير ظاهرها السطحي، ولم يتعشم الإحاطة فيما يخط، ولكن غاية ما كان يطمح من كتاباته أن تكون محفزة لقراءات ممتدة.
يشغله هاجس التأسيس حال كتابته عن بعض الشخصيات فيراعي السياق العام الذي يكتب فيه ويحاول تلمس أثره، ومن ذلك رؤيته لأزمة كتابة طه حسين عن الشعر الجاهلي، أو تأرجح العقاد بين اليمين واليسار، أو تأثير تجربة الاغتراب على الفيتوري أو الطيب صالح بما يجعل نقده نموذجًا للوعي بكون السياق أكبر من النص، وكون الخلفية الاجتماعية أو النفسية أو الأيديولوجية قائده في ذلك، ولكن دون تصديرها على حساب النص المعالج في أغلب الأحيان، حتى يتخذ من قصة فدوى طوقان وأنور المعداوي مدخلاً لدرس ظواهر الأدب المعاصر بشكل عام.
 ترأس «الهلال» و«الكواكب» في مصر، و«الراية» و«الدوحة» في قطر لفترة مؤسسًا لمسيرتها الطويلة قديما، وصارت قيادته لمجلة الكواكب المصرية - وهو شاب صغير - مضرب المثل في الأوساط الصحفية، وتنقل بين «روزاليوسف» و«الأخبار» و«الكواكب» و«الإذاعة والتلفزيون» وغيرها، تسبقه سيرة نبيلة بين زملاء مهنته. تنوعت مجالات عمله الصحفي بين الصحافة الفنية والأمور الإدارية، والصحافة الثقافية، غير أنه لم يغفل الكتابة السياسية، ولنا أن نقول إنه كتب الثقافة بروح الفنان وحلل الفن بثقافة الأديب، مع إجادة تامة للغته السليمة البسيطة، ووع مذهل بأسس كتابة المقال وفنه الخاص. 
 أحيا الصحافة الثقافية بعد ركودها لفترة، وإن أضاف إليها بعدًا جديدًا إنسانيًا بامتياز، فنقلها للشغف، وجلب اهتمام القارئ العام، فظفرت كتابته بحيز من الحضور. ودخل كثيرًا من المعارك تقوده الغيرة على الثقافة العربية كما فهمها؛ فكتب في معركته الشهيرة مع أدونيس مقالًا لاذعًا بعنوان «أيها الشاعر الكبير... إني أرفضك»، فضلاً عن توجهه المناهض لبعض ألوان شعر الحداثة حين يغرق في الغموض والإبهام واستخدام الأشكال الهندسية داخل القصيدة، وهو ما رأى فيه عجزًا لغويًا، وضعفًا فنيًا وخروجًا على طبيعة الشعر المنيرة.
تزدحم في كتاباته شخصيات من ثقافات مختلفة، عربية وغربية، وأعمال إبداعية متنوعة تملأ رأسه النشط، يطل بعضها في مقالات أو استشهادات لتأكيد رأي أو دحض زعم ولكنه لا يتكلف ورودها، ملازمًا تحقيق قدر من البساطة والإمتاع في جوهر كتاباته مهما حاول تعميقها، فيؤثر المساحات غير الآمنة في الكتابة، ولعل هذا ما جعله يؤثر الكتابة عن أصوات جديدة، أو يقدم أحداثًا مهجورة أو شبه مهجورة مثل حديثه عن ثورة العاشقين، مستثمرًا قدرته على تتبع فتات موقف أو حدث، فيبني مقدمات تشكل نقاط انطلاق مناسبة، فينظر إلى ما ينظرون ولكنه يرى ما لا يرون. وهكذا، فقد تميز النقاش بالقدرة على الخروج بالمقال عن حدود الفكرة البسيطة إلى إثارة موضوعات كاملة، وأن يكون المقال بذرة لبحث أو كتاب قد يقوم به من يليه من باحثين أو صحفيين جادين، والمهم أنه يقدم ثقافة متجددة بلغة بسيطة، ومعاصرة مع وعي بجذورها، ودون ازدراء لثقافته العربية، تتزين كتابته بقراءات بارزة دون استعراض، وسياحته في مجالات شتى ظاهرًا للعيان ■