دور الترجمات في تحفيز الفكر العلمي عند العرب

دور الترجمات في تحفيز  الفكر العلمي عند العرب

 كان التراث العلمي أحد أعظم ما تركه العرب والمسلمون للحضارة الإنسانية. إن قراءة هذا التراث ودراسته وفهمه دعوة ملحة للعرب المعاصرين لتحفيز وإحياء الروح العلمية الحرة من جديد في المجتمعات العربية والإسلامية، كي تتغلب على أمراض التخلف القاتلة التي تفتك بها منذ قرون وتمنعها من المشاركة في صنع الحضارة المعاصرة. فالعلم، كما يقول برتراند راسل في كتابه الممتع: «أثر العلم في المجتمع» The Impact of science برهن على أنه قوة ثورية ذات قدرة هائلة على تشكيل حياة الإنسان وتقرير مستقبله وموقعه في الكون. 

 

والإسلام هو الوحيد بين جميع الأديان الذي يحث بالحاح على طلب العلم والقراءة والكتابة والإقبال عليهم والاستزادة منهم والقرآن يؤكد على أهمية العلم والعلماء في تقدم الحضارة الإنسانية والتعرف على ألغاز الكون وكشف أحاجيه الكثيرة كما ورد في الآيات القرآنية {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ...} «سورة العلق - الآية:1» {اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ...} «سورة العلق- الآية: 3»، {وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْمًا} «سورة طه - الآية: 114»، {قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ} «سورة الزمر - الآية: 9»، {يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ} «سورة المجادلة - الآية: 11»، {ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ} «سورة القلم - الآية: 1». وتوجد أيضًا أحاديث نبوية مهمة حول هذا الموضوع، منها: «اطلبوا العلم من المهد إلى اللحد»، «فضل العلم خير من فضل العبادة»، «غزوة في سبيل العلم خير من مائة غزوة». وقد فهم المسلمون الأوائل معنى هذه الوصية الثمينة وعملوا بها فأثمرت نهضة وإبداعات علمية أصبحت تراثًا للإنسانية كلها. 
لقد ازدهرت حضارة العرب المسلمين ما بين القرنين التاسع والحادي عشر الميلاديين بعد أن حققوا فتوحاتهم الرائعة خلال نصف قرن تقريبًا من وفاة النبي محمد (صلى الله عليه وسلم). 
اتسمت هذه الفترة بنهضة علمية عظيمة نتيجة التسامح الديني الذي أبداه المسلمون تجاه أصحاب الديانات الأخرى مما جعل عملية التفاعل الثقافي والاجتماعي معهم من أروع الأحداث التي عرفتها المجتمعات البشرية في تاريخها القديم والحديث، مما أثار إعجاب وتقدير معظم الباحثين الذين أشادوا بها، كالعالم والمؤرخ الأمريكي جون وليم دريبر (توفي 1882)، الذي اعتبر هذا التحرر العربي الإسلامي تحررًا مذهلاً إذا ما قورن بتعصب أوربا في ذلك العصر، حتى إن المسلمين قلّدوا أصحاب الديانات الأخرى المناصب الرفيعة في الدولة كالمسلمين، وكان لهذا النهج التسامحي الانفتاحي آثار عميقة في التكوين العلمي والحضاري للمجتمع العربي الإسلامي في العصور الوسطى، حتى إنهم شملوا برعايتهم المدارس المسيحية والوثنية التي كانت منتشرة في مصر والعراق وبلاد الشام وفارس والتي صارت تمدهم بالعلماء والمترجمين، أشهرها مدرسة الإسكندرية، ومدرسة حران، ومدرسة جنديسابور، وهي مدارس ساهمت بفعالية في تعريف العقل العربي الإسلامي بفلسفة وعلوم اليونان والفرس والهنود والنصارى وغيرهم. 
فمدرسة الإسكندرية - مثلاً - كانت تضم مجموعة من العلماء وأهل الفكر من الشام والعراق وفارس والهند، انضمت إليهم جالية كبيرة من اليونانيين المشتغلين بالعلم والفلسفة والأدب، فنبغ فيها من الرياضيين إقليدس الصوري (283-306 ق.م.) صاحب كتاب الأصول The Elements، وأرخميدس الصقلي (212-287 ق.م.) في الـــعلوم الطبيعية، وبطليموس (القرن الثاني الميلادي) صاحب كتاب المجسطي في الفلك. وهي من الكتب التي ترجمت في عهد هارون الرشيد، وكذلك مدرسة حران التي تقع شمال سورية بالقرب من الرها والتي كان أساتذتها من الصابئة عبدة النجوم، وقد عمل بعضهم في حقل الترجمة والتأليف، فكانوا جسرًا عبر عليه العلم اليوناني إلى العقل العربي منذ القرن الثامن حتى القرن العاشر، والذي كان ثابت بن قره من أشهر أساتذتها. أما مدرسة جنديسابور التي أسسها الامبرطور الفارسي كسرى انو شروان (531-579 م.) فكانت مركزًا للدراسات الفلسفية والطبية والفلكية، وكان معظم أساتذتها من النساطرة الذين لجأوا إليها بعد أن طردهم الرومان من بلاد الشام. كما التجأ إليها علماء وأساتذة أكاديمية أفلاطون في أثينا التي أغلق أبوابها الامبرطور الروماني جستنيان عام 529م. وهكذا التقت وتفاعلت في هذه المدارس ثقافات الفرس واليونان والهنود. وعندما آلت إلى العرب في القرن السابع الميلادي، وجدوا فيها ذخيرة هائلة من العلوم كالطب والرياضيات والهندسة والفلك، وأساليب الجدل اللاهوتي والفلسفة بمختلف مذاهبها فاستعانوا بها بعد أن ترجموها إلى لغتهم العربية ونهلوا من منابعها، وكان ذلك أول احتكاك مباشر بين العقل العربي المتعطش إلى العلم والمعرفة وبين أرقى الثقافات الإنسانية المعروفة يومئذ وفي طليعتها الفكر اليوناني. لقد حفزهم الاحتكاك بهذه الشعوب والحضارات على الاهتمام بالمعارف الجديدة التي لم يكونوا يعرفون لغاتها فلجأوا إلى ترجمتها لتحقيق أمنياتهم، فقربوا إليهم المترجمين وأغدقوا عليهم الأموال والهدايا. وفي عهد مروان بن الحكم وعمر بن عبدالعزيز ترجمت بعض كتب الطب، من السريانية إلى العربية، بينها «الكناش»، أي كتاب الطب الذي وضعه القس هارون وترجمه الطبيب اليهودي البصري ماسر جويه، وهو من أقدم الترجمات العربية الطبية. 
ثم انتقلت عدوى الترجمة إلى الإدارة فتم تعريب كل ما يتعلق بإدارة الدولة والدواوين إلى اللغة العربية التي أصبحت لغة البلاط. وفي عهد أبي جعفر المنصور ترجمت بعض كتب الطب، وكتاب السند هند في الرياضيات والفلك. وفي عهد الخليفة هارون الرشيد نشطت حركة الترجمة نشاطًا عظيمًا بعد أن أولاها عناية خاصة ورفع من شأن المترجمين والعلماء وأكرمهم، فنظم شؤون الترجمة، وجمع المترجمين في مكان واحد تحت إشراف يوحنا بن ماسويه الذي كان من أشهر المترجمين في عصره. 

العصر الذهبي
وقد بلغت حركة الترجمة عصرها الذهبي أثناء خلافة المأمون الذي كان مولعًا بدراسة العلوم والفلسفة، فأكرم المترجمين إكرامًا جمًا ورعى شؤونهم وبنى لهم دارًا خاصة دعيت «بيت الحكمة» التي كانت بمثابة أكاديمية علمية للأبحاث والترجمة حشد فيها أبرع المترجمين من سريان ومسيحيين وفرس ووثنيين ووضعهم تحت إشراف حنين بن إسحاق شيخ المترجمين في ذلك العصر. وقد بذلت هذه الدار جهودًا ضخمة في ترجمة الكتب العلمية والفلسفية والطبية والفلكية والهندسية، وغيرها من المعارف القديمة. وكانت هذه الترجمات، إما من السريانية وإما من اليونانية والفارسية والهندية إلى العربية مباشرة. وما إن حل منتصف القرن التاسع الميلادي حتى كان لدى العرب ثروة هائلة من الكتب المترجمة من علوم الأقدمين ومعارفهم وخاصة اليونانية. وقد استمرت حركة الترجمة في نشاطها حتى القرن العاشر، فكانت مرو حاضرة فارس العلمية متفرغة لترجمة التراث العلمي الهندي والفارسي، لا سيما كتب الفلك والحساب والعقاقير، وكانت جنديسابور مهتمة بنقل الكتب الطبية من اليونانية أو الفارسية إلى العربية، وكانت حران مركزًا لنقل كتب اليونان في الفلك والرياضيات والفلسفة، بحيث أصبحت بغداد خزانة تجمعت فيها أقيم الكتب العلمية الواردة إليها من الأصقاع البعيدة، ومركزًا من أهم المراكز العلمية في العالم الإسلامي كله. 
كانت هذه الكتب التي وصلت إلى العرب عن العلوم القديمة، الأساس الذي بنوا عليه ثقافتهم العلمية، لكنهم لم يأخذوا مضموناتها على أنها حقائق مطلقة لا تقبل النقد والتجريح، بل صححوا الكثير من معلوماتها، وأضافوا إليها معارف مبتكرة وعلومًا جديدة كالكيمياء والجبر وعلم البصريات وعلم المثلثات والحساب الذي نقلوه عن الهنود وطوّروه ونشروه، وقد تم ذلك بفضل المنهج التجريبي الذي استنبطوه في أبحاثهم العلمية واستطاعوا خلال قرنين تقريبًا من بداية هذه الترجمات أن يحققوا إنجازات عظيمة في شتى حقول المعرفة بعد أن استوعبوا كل ما نقلوه واقتبسوه، مما دفع جورج سارطون أحد كبار مؤرخي العلم في العصور الحديثة إلى القول في كتابه (مقدمة في تاريخ العلم): «حقق المسلمون، عباقرة الشرق، أعظم المآثر في القرون الوسطى. فكتبت أعظم المؤلفات قيمة وأكثرها أصالة وأغزرها مادة باللغة العربية التي كانت لغة العلم الارتقائية للجنس البشري كله منذ منتصف القرن الثامن حتى نهاية القرن الحادي عشر، وكان ينبغي على كل من يريد أن يلم بثقافة عصره بأحدث صورها أن يتعلم اللغة العربية. ولقد فعل ذلك كثيرون من غير المتكلمين بهذه اللغة».
تألقت هذه العلوم في بغداد ومدن الأندلس ثم انتقلت إلى أوربا بعد ترجمتها إلى اللاتينية في طليطلة وصقلية غداة سقوط غرناطة عام 1492 وبداية أفول الحضارة العربية الإسلامية مما أورث الأوربيين مجموعة ضخمة من المعارف والعلوم العربية الإسلامية المتخصصة، تعتبر أكبر مخزون من المعارف العلمية راكمته البشرية حتى العصور الوسطى، حسب قول العالم جولد شتاين في كتابه «المقدمات التاريخية للعلم الحديث». كما أن فلورين كاجوري مؤرخ العلم الأمريكي الشهير يقول في كتابه «تاريخ الفيزياء» إن العلماء والمسلمين هم من بدأ المنهج التجريبي في العلوم، ودافعوا عنه بحرارة، وهو المنهج الذي يعد مفخرة من مفاخرهم، إذ كانوا أول مَن أدرك فائدته وأهميته في العلوم الطبيعية، ويأتي ابن الهيثم على قمة رواد هذا المنهج. وهو المنهج الذي كان اليونانيون والرومان والكنيسة يحاربونه بشدة. وقد حفزت ترجمة هذه العلوم العربية والأبحاث الفلسفية وغيرها عقول الأوربيين المتنورين فبدأوا يستيقظون من سباتهم العميق لينسجوا حضارة جديدة استنادًا إلى محتوى ترجمات الكتب العربية التي كان من أهمها: 
«كتاب السند هند» الذي أتى به وفد علمي هندي إلى بغداد زمن المنصور، وهو من أهم الكتب العلمية المترجمة، إذ يحتوي على أبحاث في حركات الكواكب وفي المسائل الرياضية. وقد أخذ عنه العرب الصفر ونوعي الترقيم العشري والغباري فانتشر النوع الأول في البلاد العربية والإسلامية الشرقية، وعرف بالأرقام الهندية التي استعملت فيها النقطة لتدل على الصفر، وانتشر الترقيم الغباري في المغرب والأندلـــس حيث تســـــرب منها إلى أوربا واستعملت فيه الدائرة للدلالة على الصفر. وكـــــان من أوائل الذين ترجموا هذا الكتاب إلى العربية إبراهيم الفزاري المتوفى سنة 717م، ويعقوب بن طارق المتوفى سنة 796م. وقد اشتهر الفزاري بعنايته بأجهزة الرصد إذ قام بصنع الاسطرلاب، وهو أول جهاز استعمله العرب في رصد الكواكب، وكتب عدة مؤلفات فلكية أهمها: كتاب العمل بالاسطرلاب المسطح، وكتاب الزيج على سني العرب. أما يعقوب بن طارق فكان أحد كبار فلكيي المنصور المتأثرين بالعلم الهندي.
كما ترجــــم كتاب «المجسطي أو الكتاب الأعظم» عــدة مـــــرات زمــــن المأمون وفاق بتأثيره على العرب كتاب السند هند إذ كان عبارة عن دائرة معارف في علم الفلك بكل فروعه المعروفة يومئذ مع ذكر البراهين التفصيلية على كل قضية عالجها. وقد استمد منه الفلكيون العرب معظم نظرياتهم وبراهينهم على حركات الأفلاك ومراكزها، وبقي حتى القرن السادس عشر من أهم المصادر في علم الفلك.

ترجمة كتب الطب
أمــــــا في ميدان الطب فقد ترجمت كتب أبقراط الذي يعتبره الباحثون من أعظم الأطباء في التاريخ، والذي كتب عددًا كبيرًا من الأبحاث الطبية أطلق عليها مؤرخو العلم «المجموعة الأبقراطية» Corpus  Hippocraticium والتي يتراوح عددها ما بين 72
و76 كتابًا تعالج حوالي 53 موضوعًا طبيًا. وكان لهذه المجموعة شأن كبير عند الأطباء العرب، فأقبلوا على ترجمة معظمها مع شروحات جالينوس عليها. وكان حنين بن إسحاق على رأس مترجميها.
كما حظيت بالترجمة أيضًا كتب جالينوس الطبية الذي ولد بعد أبقراط بخمسة قرون. وقد دفعه طموحه إلى التوجه نحو روما حيث اشتهر فيها كطبيب وأستاذ للتشريح. لكن الحرب الشعواء التي أعلنها ضد أطباء روما المشعوذين والجهلاء أثارت نقمتهم عليه واضطروه للعوده إلى بلاده آسيا الصغرى. بالإضافة إلى مؤلفاته الطبية، وضع جالينوس كتبًا في الفلسفة، إلا أن شهرته الأساسية قامت على الأبحاث العلمية، وكان إعجابه بأبقراط عظيمًا جدًا ففسر أهم كتبه وبنى معظم آرائه الطبية على نظرياته، وقد اهتم كثيرًا بالتجارب العلمية للوقوف على عمل بعض أعضاء الجسم، وكان يحضر الأدوية بنفسه بعد أن قسمها إلى نباتية وحيوانية ومعدنية، مما شجع على ترجمة كتب العقاقير الطبية، وتعتبر كتب ديوسقوريدس Dioskorides اليوناني من أهمها. كانت الأعشاب المصدر الرئيسي لمعالجة جميع الأمراض، ويعتبر ديوسقوريدس أول اختصاصي بالأعشاب الطبية وأول مَن كتب عنها. وقد أورد في كتابه المعروف بـ«كتاب الحشائش The Herbal» جميع المعلومات السابقة عليه في هذا الحقل، وبقي هذا المؤلف مرجعًا أساسيًا للمفردات الطبية حتى العصور الحديثة. وهو يشتمل على منافع ما يقرب من ستمائة عشبة وعدد من الأدوية المعدنية والزيوت والدهون ذات الفوائد الطبية. وقد ترجمه إلى العربية اصطفان بن باسيل في بغداد زمن المتوكل وصحح الترجمة فيما بعد وأجازها حنين بن إسحاق. 
كما اشتغل بالترجمة جماعة من أهل العلم، منهم من ترجم من الهندية (السنسكريتية) كابن دهن ومحمد بن إبراهيم الفزاري، ومنهم مَن نقل عن الفارسية كابن المقفع وعلي بن التميمي والحسن بن سهل ومحمد بن جهم البركلي وبعض آل نوبخت، وآخرون نقلوا عن السريانية أو اليونانية وفي طليعتهم حنين بن اسحاق وابنه إسحاق بن حنين، وثابت بن قره، وقسطًا بن لوقا ويحيى بن عدي وغيرهم.
وكم يتمنى العرب والمسلمون اليوم وغدًا أن تحفز الترجمات العلمية الحديثة والمعاصرة، ذوي العقول النيّرة منهم ليشاركوا في الثورات العلمية والتكنولوجية الحالية والمستقبلية مثلما حفزت الترجمات عقول المتنورين من أجدادهم في العصور الوسطى، فكان من ثمراتها النهضة العلمية الإنسانية العظيمة التي هي أساس النهضة العلمية والتكنولوجية الحديثة باعتراف معظم مؤرخي العلم الوضعيين المعاصرين، وعلى رأسهم جورج سارطون أحد أهم المراجع في هذا الموضوع ■