لماذا اخترت هذه القصص؟

لماذا اخترت هذه القصص؟

فن القصة القصيرة يعد تعبيرًا فنيًا فريدًا يستند إلى قدرة الكاتب على تقديم فكرة أو تجربة مثيرة في إطار نص قصير. يتطلب هذا الفن الاقتصار والتركيز، حيث يتم تحقيق الفكرة المرادة وتوجيه الانتباه نحو تفاصيل قليلة، مما يخلق تأثيرًا قويًا على القارئ.
في عالم القصة القصيرة، يتم استغلال كل كلمة وجملة لإيصال المعنى المطلوب، وغالبًا ما يتم التركيز على تقديم تجارب شخصيات رئيسية تعكس صراعات الإنسان وتحولاته. يتميز هذا النوع من الأدب بقدرته على ترسيخ المشاعر والأفكار في وقت قصير، ما يجعله أداة فعّالة لنقل الرسائل والمعاني.
اختيار هذه القصص يشكل مجموعة فريدة تبرز تنوع الأدب العربي. «اضطراب» لريم جهاد تتميز بلغة مختصرة وجمل قصيرة، تسلط الضوء على حالة الارتباك والفهم الضائع للبطلة، مما يجعل القراء يترقبون النهاية بشغف.
«شجرة الذكريات العتيقة» لأحمد الحجري تمزج بين بساطة اللغة والرمزية، حيث تعكس قصة الشجرة المحورية صراعًا بين التحديث والحفاظ على الأصالة. الاختيار الذكي للرمزية يضيف عمقًا للرؤية ويعزز قوة القصة.
من ناحية أخرى، «المحطة» لآسيا الشناعي تقدم حوارًا طويلًا يكشف عن تضارب التوجهات بين الأجيال. يبرزه السبعيني بحكمته نقاط التوعية والوعي، مما يثري القصة بعمق فلسفي.
هذا التنوع في المحتوى والأسلوب يجعل هذه القصص تجربة ثرية وملهمة، حيث يتاح للقارئ الاستمتاع برحلة أدبية متنوعة ومثيرة في عوالم وجدانية متنوعة من العالم العربي.

المرتبة الأولى: «اضطراب» لريم جهاد/ مصر
في القصة هناك تحكم في أدوات القصة القصيرة، فنجد اللغة المختزلة التي تعتمدها القاصة، معتمدة على جمل قصيرة لها من عنوان القصة نصيب «اضطراب»، فتأتي الجمل متناسقة مع حالة بطلة القصة، لاهثة... غامضة... لا أدرية... فهي بحالة من عدم الفهم استطاعت أن تقدمها لنا كقراء بشكل متقن.
فالحكاية تبدأ بجملة رائعة: «استيقظت يومًا لا أعرف مَن أنا». هذه الجملة كانت محكمة لتجعلنا نكمل القصة إلى نهايتها تائهين في البحث عن بطلة النص، التي تأرجحت بين عبثية انهيار عشر سنوات من عمرها في صناعة مسيرتها المهنية بغرفة الأخبار وصناعتها لعملها في مجال الصحافة، لتجد نفسها خارج مكتبها ويعتليها «رجل» مجهول الهوية بالنسبة لنا كقراء، لكنه صاحب سلطة عليها. 
أتقنت ريم جهاد رسم حالة الاضطراب، ونقله لنا، وأعتقد أن قوة هذه القصة ليس النص المكتوب فحسب، بل ما يطرحه علينا من أفكار ما بعد الانتهاء من النص نفسه، فجماليته أنه يبدأ بعد الانتهاء منه.

المرتبة الثانية: «شجرة الذكريات العتيقة» لأحمد الحجري/ سلطنة عمان
قدم الحجري قصة بلغة بسيطة، عارضًا فكرة غاية في الأهمية وغاية في التعقيد، نواجهها في شكل شبه يومي بدول الخليج كلها وهو التحديث مقابل الأصالة، فرغبتنا في الوصول إلى صورة حداثية في مبانينا تجعلنا نهمل الكثير من أصالتنا وتراثنا، مستوردين طرق البناء ونمط الحياة، مهملين أن ما وصلنا من أجدادنا من تراث عمراني مثلًا لم يكن مجانيًا بل جاء مع الاحتكاك مع الطبيعة وطبيعة هويتنا المناخية والجغرافية، لكن بعض الصور تعمي، والحداثة بلمعتها الصاخبة أيضًا تعمي، لدرجة أن نقتلع جذورنا، وأشجارنا ذات الذكريات العتيقة.
فشجرة البيذام الذي تحدث عنها الحجري هي شجرة من أشجار الظل الجميلة، والمعروفة بامتداد ظلها العريض، وثمارها تؤكل ثم يكسر القشر الداخلي وتؤكل البذرة (الصلوم) وطعمها يشبه اللوز، وتستخدم الأوراق لعلاج القيء والإسهال.
فنجد أن في اختيار نوع الشجرة رمزية عالية جدًا، فهي الظل وذات الثمر والمستفاد منها حتى طبي.
فعلاقة بطل القصة بها امتدت منذ صغره، ولرغبة والده تجديد البيت العربي التقليدي الذي يسكنونه وتحويله إلى بيت بقواعد خرسانية قرر أن يهدم البيت القديم، فاعترضت هذا البناء شجرة البيذام، فقرر أن ينزعها من البيت، لكن بطل القصة الصغير، وقف في وجه هذا القرار بقوة، لم يستطع والده تنفيذ رغبته إلا في الحيلة عندما أرسل الولد وباقي الأسرة إلى العاصمة لقضاء إجازة غير اعتيادية.
تسكن الحسرة الولد إلى أن يكبر ويحقق حلمه في أن يزرع شجرة البيذام في بيته.
هنا نجد رسالة كبيرة جدًا وهي نقل الأصالة رغم الحداثة إلى الأجيال القادمة، وعدم التخلي عنها.. وهنا تكمن قوة القصة. 

المرتبة الثالثة: «المحطة» لآسيا الشناعي/ المغرب
تقدم هذه القصة صراع الأجيال، والأثمان الغالية التي دفعتها الأجيال السابقة لكي تحافظ على البلدان وحضارتها، فالقصة هي عبارة عن حوار طويل بين رجل سبعيني وشاب، يطلب السبعيني من الشاب أن يجلسه محله في الحافلة، لكن الشاب يبدأ في المجادلة، إلى أن يكشف الرجل وضعه له وأنه جندي حارب المستعمر، فيتهكم الشاب ويقول: «ليتك تركتها... المستعمر يأتي بالحضارة والجمال... يأتي بالفكر والحرية...»، فيرد السبعيني ردًا رائعًا: «نعم إنه يبني حضارته على حضارتك... وفكره على مبادئك... وحريته على استعبادك». هنا نقطة التنوير في القصة، نقطة الوعي التي يقدمها لنا السبعيني من تجربته.
يعيب القصة المباشرة الزائدة عن الحاجة، والحوار الطويل الذي كان من الإمكان اختزاله. وزيادة المشهدية في الحافلة أو الطريق، لتضعنا كقراء في المشهد، فهذا الحوار الطويل جعلنا كأننا معزولون عن العالم المحيط، وكأن العالم كله تم اختزاله بالشخصيتين اللتين يجب عليهما قول كل شيء.