طفلُنا الذي بِداخِلِنا!

طفلُنا الذي بِداخِلِنا!

طفلٌ بداخلنا مقيمٌ! ندلّـلهُ يدللنا، نغضُّ الطَّرفَ عنهُ يُشاكِسُنا نُشاكِسُهُ، يوقِظنا من غفلتنا، يثيرُ فينا أحاسيسُنا نعاقبهُ يحتجُّ علينا متذرّعًا، نُواري عنه خَجلًا من فعلتنا معتبرينا، نرسم له طريقه، يصرخُ فَزِعًا منّا، يعيدُ لنا بَسمَنا، يكبرُنا ونُكبرُه نَحميهِ ويَحمينا، نُعبّد لهُ الطريقَ، فَيُشرقُ فجرَنا مُعيدًا لنا بهاءَنا ورونقَنا!

أنا طفلُ اليومِ، وطفلُ الغدِ، باعَدت بيننا الأيام، وها نحنُ نقطفُ تطلّعنا، نفخَرُ نزهو، نعيش معه، نُداخِلُه نربّيهِ، قبل أن يُربِّينا! نقتاتُ من قوتِ الأَمل، قبلَ أن يُركّعُنا فنركّعهُ، نَنفيه وينفينا!

آه يا وجَعَ السنين، كم بعُدت بكَ الأيامُ عن سَعادَتِنا عن نشوةِ الحُبِّ تلاشَت في مآقينا! عن وهَمِ الرجولةِ يغازِلُنا، يعاتِبُنا يزدرينا!

أواهُ طفولتنا باتت مهددة، تعيشُ كالطحالبِ على هوامشنا، تصرُخُ في وجوهِنا، تغيبُ عن معاني أماسينا، فنُصبحُ معَها نادمينا! صِحّتُنا ثقافَتُنا لم تعد بعدُ موضعَ اهتمامٍ لنا، بل أين منها نحنُ نجتاز ضَعفَنا، نلتمسُ منها رَحمةً ننهضُ بها، نتآسّى بماضٍ عَريقٍ تليد.

نشتفُ منه آمالًا عِراضا باتَت تُعينُنا فنُعييها، أيا فَجَرَنا بدّد دَياجِينا واحمنا من كلِّ آتٍ بلا ريبٍ كلَّ حينًا، يَطيحُ بضعِفها نُداريهِ خَلفَ أَبوابِنا، نواريهِ يُوارينا، أَوّاهُ يالجُةً تلاطِمُنا تَصفَعُنا تذيبُ فينا مآسينا!ّ تعيدُ لنَا فِطرَتنا فتشفي أَمانينا.

فيما رَحمنُ بارِك بنا، والطُف، وارجِع لنا ماضٍ زَها بنا حتى غدَونا خير أمةٍ سعدت بنا الأيامُ، فأضاءَت لنا أغلى أمانينا!

هذا إذن هو فِلذّتنا: طِفلُنا الإلهيّ، الطفلُ المعجزةُ، طِفلُنا الداخليّ ذاتُنا الحقيقية... بل ضميرُنا المراقبِ المتطلعِ لنا باحترامٍ أو بازدراءٍ بافتخارٍ أو باحتقار!

فشكرًا لمكتشفيهم (يونغ، فوكس، ميلر، بنكوت)... وشكرًا لمن وقَفَ إلى جانبهم، فَعرَّفنا عليهم، وأَوصانا بهم خيرًا ينادينا على حقيقةِ الذاتِ المتأصّل فينا، ليرتقي بمراقينا، بسَعينا لكل تحسينا، ونحن كباره ما بين منصفٍ له أو ظالمٍ، وفي كلٍّ علينا يقع عبء، الاكتشافِ والتعامل.

فليتمارى كلٌّ مِنّا مع دخيلته... ضَميرهِ إنقاذًا لحاضِرِنا ومستقبلنا، طِفلَنا الذي يُقيمُ معَنا بل بداخلنا، نُسعِدُهُ ويُسعِدُنا... فنُغنّي له أَحلى أَغانينا وغدًا يكون قد حقّقَ لنا أغلى أمانينا! ■