الكتابةُ وتنشيط العقل

الكتابةُ وتنشيط العقل

منذ أنْ بدأتُ الكتابةَ عام 1970 في مجلة الدوحة، وأنا موقنٌ بأنَّ الكتابةَ وسيلةٌ لتنشيط العقل، وتحريضه على الإبحار في فنون المعرفة، والتبحّر أيضًا في التخصُص وهو الإعلام.

الكتابةُ الصحفيةُ عِشقٌ متى استوطنت في وجدان الإنسان، الذي يمتلك أدواتِ الكتابة: من لغةٍ سليمةٍ، وحُسن توليفِ العبارات، وجمالِ انتقاء الأفكار. وهي مسؤوليةٌ كبيرةٌ تجاه المجتمع الذي يعيشُ فيه الكاتب. وهي وسيلةُ البحثِ عن الجديد والمُثير والمُفيد، وهذا يُحرّضُ العقلَ على البحث، وعدمِ تكرارِ النماذج الجاهزةِ والمُكرَّرةِ في عالم الصحافة. كما أنَّها تُنشّطُ عقلَ الإنسان نحو مزيدٍ من التحليلِ، واستنباطِ الأفكار، والغوصِ في دقائقِ الموضوع وجُزيئياته؛ من أجل الخروجِ بفكرةٍ جديدة أو رأيٍّ مُستنيرٍ يُضافُ إلى تجربةِ الكاتب.

أما الكتابةُ الإبداعيةُ، كالشعرِ أو القصة القصيرة، أو القصة القصيرة جدًا، أو الرواية، فهي أمرٌ مختلفٌ عن الكتابة الصحافية، لأنَّها تعتمد، في المقام الأول، على عقلٍ مُبدع، يستطيع الغوصَ في ثنايا الظواهر، ويتَتبعُ تطوّرَها، في مداراتِ الخيالِ الخصبِ، الذي يُؤتي بثمرةٍ جديدة لم يسبق إليها أحد. 

والكتابةُ الإبداعيةُ لها أدواتٌ وخصائصُ محدَّدةُ، غيرُ مُكتَسبة، وإنْ احتاجت إلى الدعم أو التنشيط عبرَ القراءةِ الدائمة، وقوةِ الملاحظة في الظواهر أو الأحداث التي تمرُّ على الكاتب، طيلة أيام حياته.

والعقلُ السليمُ هو الذي يكون قادرًا على التمحيصِ والتَبصُّرِ، وخلقِ (الثيمة) الأساسيةِ للعمل الإبداعي في مجال الكتابة. 

كثيرون كتبوا ما أطلقوا عليه اسم «رواية»، لكنَّ قلةً منهم أتوا بالجديد في عالم الرواية، سواء من ناحية الموضوع، أم من ناحية الأسلوب، والبعضُ اتّكَأ على رواياتٍ سابقة، أو التراث، خصوصًا في كشف سوسيولوجيا المجتمع، وبعضهُم نَقلَ بعضَ «الحكايا» نقلًا فوتوغرافيًا، لا جمالَ فيه ولا إبداع، وقلةٌ من المبدعين كتبوا في مواضيعَ جديدةٍ صاحبَها الإبهارُ وجمالياتُ التعبير.

العقلُ عضوٌ مُهمٌّ في جسم الإنسان، بل قد يكون من أهم الأعضاء التي تُساهمُ في حفظِ حياة الإنسان! وكما نعلم - في علم الإنثروبولوجيا - فإنَّ العضوَ الذي لا يستخدمهُ الإنسانُ يضمر ويموت! لذا، فإنَّ العقلَ أحدُ هذه الأعضاء التي تحتاجُ إلى تنشيطٍ باستمرار، كي يتواءَمَ مع الصحةِ البدنية، وكما قالوا: فإنَّ «العقلَ السليم في الجسم السليم». ويرى العلماءُ أنَّ عقلَ الإنسانِ مثل آلة التسجيل، وبإمكانهِ تخزين مليون (جيجا بايت)، وهو ما يُعادلُ 3 ملايين من ساعاتِ التلفزيون، ومع هذا، فإن بعض العلماء المبدعين داهمتهم أمراضُ (العتِهِ)، لأنهم لم يداوموا على تحفيز خلاياهم العصبية! والسبيلُ الأمثل نحو المحافظةِ على خلايا العقل هو التمعُّنُ في المحيط، واستنباطُ الأفكار، والقراءةُ باستمرار. لذا، ينصح نُقادُ الروايةِ والقصةِ القصيرة الكُتّابَ بالمزيد من القراءةِ، للمحافظةِ على نشاط العقل، وتمكينهِ من الإتيان بأفكارٍ جديدةٍ وقصصٍ قابلةٍ للحياة ■