أنطوان ميلينغ معماري أوربي على ضفاف البوسفور

أنطوان ميلينغ معماري أوربي على ضفاف البوسفور

قام العديد من الغربيين بزيارة الأستانة العثمانية منذ تأسيسها على ضفاف البوسفور عام 1453م، إما كسفراء لبلادهم، أو رحالة، أو جواسيس، أو فنانين. ورغم اختلاف توجهاتهم، إلا أن معظمهم ترك وراءه أثرًا أدبيًّا أو فنيًّا أو علميًّا يتناول فيه أوجه الحياة والمجتمع وطبائع الشعب التركي وما يجري في دهاليز وأروقة القصر العثماني «طوب قابو سراي». ومن بين جميع الأوربيين الذين أقاموا في اسطنبول في القرون الثلاثة الأخيرة، يظل الألماني أنطوان ميلينغ (1763-1831م) في صدارة الغربيين الذين تركوا بصمةً خُلِّدت في نفوس وضمائر عاشقي الشرق والمهتمين بتاريخ وعمران مدينة اسطنبول عبر العصور، بما تركه من لوحات فنية صورت اسطنبول القرن الثامن عشر، حتى صار باعتراف المؤرخين الأكثرَ تميزًا وإقناعًا من بين كل الفنانين الغربيين الذين رسموا اسطنبول والبوسفور في التاريخ الحديث.

 

 

وُلد أنطوان ميلينغ في مدينة بادِن بجنوب غرب بروسيا (ألمانيا) عام 1763. كان والده يعمل نحاتًا في قصر الدوق كارل فريدريك ببروسيا. وبعد وفاته، سافر ميلينغ إلى ستراسبورغ مع عمه ليدرس الرسم والعمارة والرياضيات. وعند بلوغه سن التاسعة عشر، سافر إلى إيطاليا ومصر، ومنها إلى اسطنبول كعضو في البعثة الدبلوماسية البروسيَّة، بهدف رسم لوحات وبورتريهات لأعيان ووجهاء تركيا.

في البداية، عمل ميلينغ في منطقة بيرا باسطنبول. كان حي بيرا بمنزلة مجتمع كوزموبوليتاني، تقطنه جميع الجنسيات التابعة للبعثات الدبلوماسية الشرقية والغربية بالحاضرة العثمانية، وكان يشكل البذور الأولى لحي (بيه أوغلو) الراقي في اسطنبول حاليًا. وفي تلك الآونة، كانت السلطانة خديجة - شقيقة السلطان العثماني سليم الثالث - تزور حديقة منزل البارون دي هوبشِه، السفير الدنماركي في اسطنبول، وأعربت للوفد المرافق لها عن رغبتها في بناء حديقة خاصة بها تشابه حديقة ذلك المنزل، فرُشِّح لها المعماري الشاب ميلينغ.

كان أول مشروع قام به ميلينغ للسلطانة خديجة هو تصميم حديقة على شكل متاهة على الطراز الغربي، وزرع بها أشجار سنط وليلاك. ثم بنى لها قصرًا صغيرًا مزخرفًا، وملحقًا بقصرها في منطقة دفتر دار بورنو (على الساحل الأوربي لمضيق البوسفور). وللأسف لم يعد لهذا المبنى ذي الأعمدة المشيد على الطراز الكلاسيكي الجديد وجود. ولم نعد نعرفه إلا من لوحات ميلينغ. إن هذا المبنى لم يكن يعبِّر فقط عن هوية البوسفور الفنية والمعمارية، بل كان بمنزلة المعيار لما يسمى بـ«الأسلوب المعماري الهجين»، وهو معمار عثماني جديد يجمع بنجاح بين موتيفات العمارة الغربية والطراز العثماني المعماري التقليدي.

ثم أشرف ميلينغ على بناء توسعات قصر بشيك طاش وديكوراته، الذي كان مقرًّا صيفيًّا لسليم الثالث، مستخدمًا الأسلوب الكلاسيكي الجديد الرائع الذي كان ملائمًا لجو البوسفور تمامًا. كان ميلينغ في الوقت نفسه يعمل عند السلطانة خديجة ما ندعوه اليوم «مهندس ديكور». كان يشتري لها أصص الزهور، ويشرف على تطريز المناديل باللآلئ، وينظم جولات الأحد في القصر لزوجات السفراء، ويشرف على صناعة الناموسيات.

 

السياسة وخيبة الأمل

أصبح ميلينغ نتيجة لتلك الأعمال «مرتبطًا لعدة سنوات بخديجة سلطان كرسام ومصمم فني ومعماري» حسب تعبيره. وكانا يتبادلان الخطابات. ومن الطريف أنه كان يكتب التركية في خطاباته بالحروف اللاتينية قبل 130 عامًا من قيام أتاتورك بثورة الحروف الأبجدية عام 1928. وبدراسة تلك الخطابات يتضح أن السلطانة خديجة لم تكن ضليعة في الأبجدية اللاتينية وحسب، بل كانت ملمة ببعض الإيطالية أيضًا. لكن بمجيء الحملة الفرنسية على مصر عام 1798 بقيادة نابليون، جرى سخطٌ على الأوربيين في تركيا، واشتكى ميلينغ للسلطانة خديجة عبر خطابٍ لها من أنه قد تم وقف مرتبه الشهري، وأنه لا يملك قرشًا واحدًا، ومالك بيته يريد الإيجار، وأنه يحتاج إلى الفحم والمؤن. وقال: «إنني توسلتُ إليكِ مرارًا ولم أتلق ردًّا مناسبًا. أتضرع إلى سموك. لا تتخلي عني».

لكن السلطانة خديجة تقاعست في الرد عليه، فترك خدمتها وخطط للعودة إلى أوربا في العام نفسه، إلا أنه لم يغادر اسطنبول إلى باريس إلا في عام 1802، ومعه زوجته فرانسواز وطفلهما، ورسوم نُشرت لاحقًا عام 1819، بدعم من الحكومة الفرنسية في مجلدين تحت عنوان «رحلة مصورة إلى اسطنبول وضفاف البوسفور».

 

روعة تفاصيل اسطنبول في لوحات ميلينغ

تُعدُّ رسوم ميلينغ لاسطنبول والبوسفور ومينائه وترسانته البحرية والقصور السلطانية التركية تحفًا في تفاصيلها ومنظورها. يرى مؤرخو الفنون أن أدق تمثيل مصوَّر لجناح الحريم الإمبراطوري العثماني من الداخل (القصر الصيفي المعروف بالسراي) هو ما رسمته أنامل ميلينغ في كتابه، حيث كان ملمًّا بتفاصيل حياة الحريم. 

يقول الأديب التركي الحائز على نوبل، أورهان باموك، في كتابه الشهير «اسطنبول»، معلقًا على لوحات ميلينغ: «إن أول ما يجذبنا حين ننظر إلى اللوحات المنقوشة الثماني والأربعين في هذا الكتاب الضخم هو الدقة المتناهية لميلينغ. وحين نفحص تلك المناظر التي تنتمي لعالم مفقود، ونستمتع بالتفاصيل المعمارية الجميلة وبالمهارة في معالجة المنظور، فإننا نرى مصداقيتها بشكلٍ مُرضٍ للناظر إليها».

بلغ من دقة عمل ميلينغ أن وضع في آخر كتابه خريطة تمثل أماكن كل لوحة رسمها. وربما تظهر شدة أهميتها عند مقارنة الناظر بين اسطنبول ميلينغ واسطنبول القرن الحادي والعشرين؛ فمن النقاء والانبساط في مباني وحقول وتلال البوسفور في لوحاته، إلى الأبنية الأسمنتية والحديثة التي قبّحتها الحداثة والتكنولوجيا، وزحام البشر بالطبع.

قدم ميلينغ إحساسًا بالعصر الذهبي لاسطنبول مع دقة تصويره للمعمار والطبوغرافيا وتفاصيل الحياة اليومية بصورة لم يحققها أبدًا الفنانون الغربيون الآخرون. كما قدم لنا صورة دقيقة لثقافة في فترة انتقالية؛ فإن من ينظر إلى الإمبراطورية العثمانية في عصر سليم الثالث، وفي الحقب من بعده، يظهر له الفرق جليًّا. ولعل هدم قصر خديجة سلطان بعد وفاتها في القرن التاسع عشر كان بدايةً لتغيُّر وجه اسطنبول العريق وحلول الأسمنت المُصْمت محلَّ الفن الأنيق، فلا تجد العين الشاعرة مجالاً للراحة.

 

مرحلة ما بعد اسطنبول

عاد ميلينغ إلى باريس عام 1803. ساعده صديقه الفرنسي شارل موريس دو تاليران في العمل كرسام للإمبراطورة الفرنسية جوزفين، زوجة نابليون بونابرت. ثم قام بدءًا من عام 1809 بإنشاء استوديو لحفر الأعمال الفنية على الخشب بهدف عمل مستنسخات من لوحاته وتوزيعها على زبائنه الأوربيين. وقد قام رسامون أوربيون بعد وفاته بإضافة الألوان إلى تلك المستنسخات بشكل احترافي؛ مثل: شرويدر، دوبلوسي بيرتو، بيجو.

قام ميلينغ برحلة إلى هولندا عام 1812 - حينما كانت خاضعة للحكم الفرنسي - وقام بتوثيق رحلته تلك بعمل مجموعة كبيرة من اللوحات للمناظر والبيوت الهولندية. ولم يكن صدى لوحاته عن هولندا بأقل من لوحاته عن تركيا، فيصفها مؤرخو الفنون بأنها تبعث البهجة والراحة في نفس رائيها، وأثنوا على «ذوقه الفني الرفيع والغامر» الذي صوَّر به قرى هولندا والمعالم والمباني والحياة الهولندية. وقد قامت دار نشر هولندية بجمع هذه اللوحات ونشرتها في مجلد ضخم بهولندا عام 1991 لتعريف الأجيال الهولندية بهذا العمل الفني الخلاب. وفي عام 1815، سافر مع ابنته لرسم لوحات لجميع المقاطعات الفرنسية، وأعقبتها زيارة لبريطانيا عام 1817. وقد تم توثيق هذه اللوحات في كتاب صدر برعاية الحكومة الفرنسية بالألوان المائية عام 1830.

وتوفي ميلينغ بعدها في صمت عام 1831، تاركًا اسمه خالدًا في سجل الفنانين الأوربيين الذين تأثروا بالشرق. وللأسف لم تتم ترجمة كتابه «رحلة مصورة إلى اسطنبول» إلى اللغة العربية حتى الآن، فيا حبذا لو نرى من بين الناشرين العرب مَن يتولى هذه المهمة الضخمة لنقله من الفرنسية إلى العربية، لينعم بجماله ومعلوماته محبُّو التراث والفنون العرب ■