نسيج يربط خيوط الماضي بالمستقبل

نسيج يربط خيوط الماضي بالمستقبل

العالم مليء بأنواع مختلفة من الأزياء الحديثة والتقليدية لكن بعضها عالق في التاريخ ويعود إلى آلاف السنين، وهي التي دائمًا ما تكون ملفتة للنظر، لأنها تحمل في تفاصيلها وثائق تاريخية رائعة تساعدنا على فهم المعاني الجميلة لتقاليد وتراث البلدان والأوضاع الاجتماعية والسياسية لها. وكثيرًا ما يستلهم مصممو الأزياء المعاصرون من هذا التراث ويفتخرون به، ويضيفون لمساتهم عليه لتقديم رسالة من خلاله في بعض الأحيان. بل إن هناك نهجًا جديدًا لعدد من المصممين وهو العودة إلى الأشكال التقليدية، وبالتالي، العودة إلى الماضي. هامة حناوي واحدة من هؤلاء المصممين العالميين المهتمين بالتراث العربي والفلسطيني بشكل خاص والتي تحرص دائمًا على تقديمه بشكل فني مبدع في أزيائها.

 

الزي التقليدي الفلسطيني من أجمل الأزياء المصنعة يدويًا. وهو ليس مجرد لباس تراثي، بل هو اليوم شكل من أشكال الهوية والمقاومة. فالكوفية والأثواب الفلسطينية منذ القدم بأشكالها المختلفة والمتنوعة تحمل رمزًا لهوية فلسطين وتحكي قصصًا عنها، وتشير إلى كل بقعة فيها، ولكل منطقة في الأراضي العربية الفلسطينية تاريخ مرسوم بالألوان والغرز الدقيقة المطرزة على الأقمشة، لتتزين بها المرأة وتظهر بأجمل إطلالة، حاملة في ثنايا لباسها التقليدي تاريخًا عريقًا لا ينتهي.

 

التطريز الفلسطيني

قد تكون القطعة الأكثر شهرة هي «الكوفية» غطاء الرأس الذي يرتديه الرجال ويتم تثبيته في الرأس بواسطة شريط أسود دائري «العقال». وهو يعتبر في جميع أنحاء العالم رمزًا للاحتجاج والتعبير عن الحقوق الفلسطينية. واللباس الفلسطيني التقليدي الذي تتزين به النساء ويسمى «الثوب»، وهو عبارة عن عباءة فضفاضة ذات أكمام طويلة، مصنوعة يدويًا بأنماط وألوان رائعة تبرز جمال فن النسيج الفلسطيني. والشيء الوحيد المشترك في الملابس في كل مدينة أو قرية تقريبًا هو «التطريز» الخياطة اليدوية، وهي حرفة قديمة تمتهنها النساء الفلسطينيات لحياكة ملابسهن بأنفسهن. لذلك يتميز الثوب الفلسطيني بالغرز الكثيرة ذات الدقة اللامتناهية من خيوط الكتان والحرير، وألوانه الداكنة، وتحديدًا باللون الأحمر والأخضر. وتستخدم النساء عادة ألوانًا وأقمشة وقصات مختلفة لإضفاء طابع شخصي على ملابسهم لجعلها فريدة، إلى جانب لبس الشال.

 

من الطب إلى عالم الأزياء

هامة حناوي مصممة أزياء أردنية من جذور فلسطينية. انتقلت منذ 12 عامًا من عالم الطب إلى عالم الموضة. استطاعت بموهبتها في مجال تصميم الأزياء والمجوهرات تقديم خط خاص بها مستوحى من التراث العربي، للمساهمة بالتعريف عالميًا بالتراث العربي عموما والهوية الفلسطينية بشكل خاص. 

بدأت هامة أولًا عملها المبدع من خلال إنشاء لوحات فنية غنية بالحكايات والقصص حول الاحتلال ومعاناة النساء والأطفال الفلسطينيين، ثم انتقلت إلى تصميم أزياء جميلة تحمل تطريزات منوعة من التراث الفلسطيني والعربي.

هامة لديها دائمًا شغف بالموضة. والتفكير في طرق لمزج التراث في الأزياء. ولتصميم خط ملابس عصري يجذب الجميع في كل مكان، أنشأت هامة علامتها التجارية في شيكاغو التي تحمل اسمها، لتغزو العالم بأزيائها الفاخرة، ولتصمم ملابس جميلة بألوان مشرقة لا تجذب العربيات فحسب، بل النساء من جميع أنحاء العالم. وتقديم مجموعة متنوعة من التراث المعاصر بطابع عربي.

تصميماتها الأنيقة والحديثة بما في ذلك المطرزة، والمرسومة يدويًا تسمح للنساء بارتداء ما يحلو لهن من قطع متنوعة تتسم بالفخافة والبساطة في الوقت نفسه.

اشتهرت هامة بتصميم القطع التي تحمل التطريز الفلسطيني، وغالبًا ما تستخدم ملابسها مزيجًا من الألوان المشرقة المزينة بتطريزات مذهلة. تصنع هامة أيضًا المجوهرات وأغطية الرأس المستوحاة من التراث العربي، والتي أصبحت اليوم، يتم ارتداؤها خلال المناسبات الخاصة والرسمية. 

تقوم حناوي بتحديث تصميماتها باستخدام أقمشة منقوشة غنية ومزينة بمجموعة من الألوان الجريئة والمحايدة وغيرها من التقلبات المعاصرة. ويمكن أن تكون القطع بأنماط أنيقة أو حتى ممتعة وغريبة. تربط هامة بين التقليدي والحديث في أزيائها حتى لا يرى الأشخاص أن هذه الملابس قديمة جدًا وغير عصرية، بحيث تكون مناسبة ويسهل ارتداؤها بما يتماشى مع روح العصر. 

 

من المحلية إلى العالمية

أحدثت حناوي في السنوات الأخيرة تأثيرًا عميقًا من خلال المشاركة بمبادرات إنسانية ورؤى متعددة الأوجه على منصات متعددة، بدءًا من المؤسسات التعليمية إلى المنتديات العالمية، بما في ذلك الموضة والفن وتمكين المرأة الفلسطينية وتعزيز قدراتها، وتمكين اللاجئين الفلسطينيين بفتح العديد من المشاريع لهم، لمواجهة الظروف المعيشية الصعبة في مخيمات اللاجئين، وللحفاظ على الإرث الثقافي الفلسطيني. تلتزم هامة بالعمل الخيري، حيث تتبرع بنسبة 20 في المئة من أرباحها لدعم مخيمات اللاجئين الفلسطينيين في الأردن، بمشاريع خاصة بالتعليم للصغار والكبار وبعض الحرف، مثل التطريز والرسم وصناعة الحلي والأساور ودباغة الجلود لتنمية المواهب وإكسابهم حرفة يدوية تخلق لهم فرص عمل وللحفاظ على هذه الحرف على المدى البعيد.

 وقد قامت حناوي بالمساهمة في إنشاء مدرسة حرفية في مخيم غزة بجرش في الأردن للأعمار الصغيرة، إلى جانب مساعدتهم لإنشاء مشاريع خاصة بهم وتصدير منتجاتهم إلى الأسواق العالمية. تقدم هامة أيضًا محاضرات ثقافية فنية للطلاب في جامعات أمريكية وتمنحهم الفرصة للدخول إلى مخيمات اللاجئين لمعايشة هذه الحرف مع أصحابها عن قرب والتعلم منها. 

 

الأصالة والمعاصرة

على المستوى العالمي حظيت تصاميم هامة حناوي المبدعة التي تحمل الهوية الفلسطينية على اهتمام الملكات والأميرات والمشاهير. اختارت الملكة رانيا العبدالله، ملكة الأردن، تصاميمها في عدة مناسبات ملكية مرموقة. كما اختارت ملكة بلجيكا ماتيلدا تصميمًا لهامة لمظهرها الملكي. كذلك ملكة السويد سيلفيا ظهرت بإطلالة عصرية أنيقة مزينة بالتطريز الفلسطيني في إحدى المناسبات الرسمية. كما صممت حناوي الملابس التي ارتداها المرشحون لفيلم «ذيب» المرشح لجائزة الأوسكار، إلى جانب المشاهير الآخرين ولجنة التحكيم في مهرجان كان السينمائي وحفل توزيع جوائز الأوسكار. كما عرضت قطعها في أسبوع مرسيدس بنز للموضة. 

تشارك حناوي في العديد من المعارض العربية والعالمية وأسابيع الموضة العالمية لتحقيق أهدافها الطموحة. وقد كانت أول مصممة عربية تعرض خط أزيائها في أسبوع الموضة في ميلانو، في مارس 2017، وكانت أيضًا أول أردنية تشارك في مهرجان القاهرة للأزياء في نفس العام، كضيفة شرف. ولجهودها ومبادراتها الإنسانية، تم ترشيح حناوي لجائزة المرأة العربية للعام 2017 في لندن.

تعمل هامة حاليًا في شيكاغو بالولايات المتحدة الأمريكية، بعد قيامها بتوسيع علامتها التجارية ومنصتها لتمكين ودعم الموهوبين وأصحاب الأعمال من جميع أنحاء العالم، ومساعدتهم على عرض منتجاتهم وبيعها على موقعها الإلكتروني، مما يسهل تقديمها إلى الأسواق الأمريكية.

في مزيج ساحر بين التراث والمعاصرة حملت تصاميم هامة حناوي إلى العالم الكثير من الحكايات التاريخية الملونة، وستواصل استكشاف جوانب مختلفة من تراثنا العربي لإعادة كتابة التاريخ الذي ترويه الملابس التقليدية. وستظل الثقافة العربية والهوية الفلسطينية بشكل خاص حاضرة بقوة في كل مكان وزمان بطرق مختلفة، إحداها تراثها المترجم على أزيائها بأنامل أبنائها ■