الذكاء الاصطناعي رهانات ضخمة وتحديات جادة

الذكاء الاصطناعي  رهانات ضخمة وتحديات جادة

إنه حلم قديم من أحلام البشرية، أن يوجد اختراع يمكنه موازاة العقل البشري في طريقته للتفكير والتعامل مع المشكلات التي تواجهه، فأحيانًا يكون العقل في حاجة إلى نوع من الذكاء غير نابع من رأس الإنسان ولكنه اصطناعي، يأتي بواسطة إحدى الآلات، مجرد خيال علمي لم يغادر أقلام المفكرين والكتاب، كلها تبحث عن طاقة إضافية من الذكاء تضاف لتزيد من قدرة العقل البشري، ولكن في ثنايا هذا الحلم المثالي كانت هناك مخاوف من أن يستفحل خطر هذه الآلة المتخيلة وتفرض سيطرتها على الإنسان، من هنا جاءت فكرة الذكاء الاصطناعي الذي أصبح واقعًا في حياتنا المعاصرة.

 

وقد بدأ الأمر أشبه بشرارة مضيئة في الخمسينيات عندما قدم العالم آلان تورج بحثًا بعنوان «آلات الكمبيوتر والذكاء»، طرح فيه إمكانية قيام الآلات بالتفكير بطريقة تشبه المخ البشري. وطرح في البحث لأول مرة مصطلح «الذكاء الاصطناعي»، ولكن هذا المفهوم ظل فقط نظريًا وفلسفيًا حتى بداية الثمانينيات عندما حدث ذلك التطور الهائل في علوم الكمبيوتر خاصة في مجالات التعلم والإبداع، وأصبحت هناك قدرة للآلات على جمع وتخزين كميات كبيرة من المعلومات من مصادر مختلفة، وأصبح الهدف إنشاء أنظمة ذاتية التعلم لها القدرة على استخلاص النتائج من ترابط المعلومات من البيانات المخزنة فيها، ويتم استخدام النتائج في حل المشكلات وفق الطريقة التي يتبعها الإنسان، مثل الاستجابة للطلبات والمحادثات التي يطلبها البشر وإنشاء صور ونصوص أصلية أو اتخاذ القرارات بناء على البيانات المدخلة في وقت أقصر، كما يمكن للمؤسسات دمج إمكانيات الذكاء الاصطناعي لعمل تطبيقات لتسريع سير الأعمال وتحسين خدمة العملاء وتحسين الابتكار لحل المشكلات.

 

توقعات المستقبل

لا حديث لدى الأوساط العالمية المهتمة بالاقتصاد خلال الفترة الماضية إلا عن الذكاء الاصطناعي وتوقعاته المستقبلية، ليس فقط على مستوى التطور العلمي أو طبيعة الوظائف والمهن الجديدة أو شكل الخدمات، إنما أيضًا على دور العقل البشري خلال العقود القادمة، وفي ظل تسارع التطورات الخاصة بالذكاء الاصطناعي لا سيما بعد إطلاق برامج «ChatGPT»، فإن الرهان العالمي على الذكاء الاصطناعي كأداة علمية من شأنها أن تغير وجه البشرية في المستقبل القريب، ويبدو هذا منطقيًا إلى حد كبير، إلى درجة جعلت مديرة صندوق النقد الدولي كريستالينا غورغييفا تتوقع أن «يخفض الذكاء الاصطناعي على نحو 40 في المئة من الوظائف حول العالم، فيحل محل بعضها ويكمل بعضها الآخر، فيتعين علينا أن نوازن بدقة بين السياسات للاستفادة من الإمكانات»،  وبقدر ما تتوالى التوقعات المستقبلية حول ما يمكن أن يضيفه الذكاء الاصطناعي للاقتصاد العالمي خصوصًا في قطاعات التكنولوجيات المتقدمة كالروبوتات والمركبات ذاتية الحركة والإنترنت والاتصالات بما يصل إلى 114 تريليون دولار، يضاف إلى إجمالي الناتج العالمي بحلول عام 2030، ولم تخلُ  المسألة من التحديات خصوصًا في مجالات الأمن أو الخصوصية، فعلى صعيد التوقعات المستقبلية وما يرتبط بها من رهانات للمستثمرين، نجد أن سهم (إنفيديا)، وهي شركة رقائق عملاقة تشغل أنظمة الذكاء الاصطناعي، قفز بصورة كبيرة خلال أقل من عام في وول ستريت ليرتفع من 500 مليار دولار ليتجاوز تريليونَي دولار حسب إقفال فبراير الماضي وليحتل ثالث أضخم قيمة سوقية في العالم، متفوقًا على «أمازون» و«أرامكو»، لتصبح ثالث أكبر شركة من حيث القيمة السوقية بعد «مايكروسوفت» وأبل، فضلًا عن تحقيق «إنفيديا» لأرباح قياسية بلغت 12.3 مليار دولار في الربع الأخير بنمو 769 في المئة على أساس سنوي، بفضل الطلب الهائل على رقائقها لتشغيل أنظمة الذكاء الاصطناعي.

 

تحديات ومخاطر

هذه الرهانات والتوقعات الإيجابية المستقبلية لا تسير في اتجاه يخلو من التحديات، خصوصًا المتعلقة بالأمن أو الخصوصية أو مخاطر تقليص دور العقل البشري، فقد أعلنت الولايات المتحدة تشديد القيود على صادرات رقائق الذكاء الاصطناعي المتطورة إلى الصين، التي يمكن استخدامها في مجالات عديدة من أصغر الأجهزة الكهربائية إلى أعقد أنظمة التسلّح والصواريخ، في حين يتجه الاتحاد الأوربي لوضع قواعد صارمة لاستخدامات الذكاء الاصطناعي في مجالات الأمن القومي والدفاع والحريات الشخصية وأعمال الشركات والتجارة من خلال تقسيم استخدامات الذكاء الاصطناعي إلى مستويات مختلفة للمخاطر، ويتم العمل على وضع مسودة أخلاقيات وقوانين تتيح عدم انفلات استخدام هذا الذكاء في أغراض خارجة عن السيطرة، بل إن المخاوف من التأثيرات السلبية للذكاء الاصطناعي باتت تشغل بال العديد من الشركات حول العالم، لا سيما بشأن حقوق الملكية الفكرية والامتثال التنظيمي وحقوق الطبع والنشر ومخاطر الهجمات الإلكترونية وسلامة الأنظمة.

 

لجنة دولية

في نهاية العام الماضي كشف الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش، عن تشكيل لجنةٍ استشاريةٍ عالميةٍ مكوّنة من 39 عضوًا، لمواجهة العقبات التنظيمية في فضاء الذكاء الاصطناعي، وقال غوتيريش في بيان: «وبدون الخوض في سيناريوهات نهاية العالم، من الواضح بالفعل أن الاستخدام الخبيث للذكاء الاصطناعي قد يقوّض الثقة في المؤسسات، ويضعف التماسك الاجتماعي ويهدد الديمقراطية نفسها»، ويبدو العالم مدفوعًا بتزايد الرغبة في فهم هذه التكنولوجيا المبتكرة على نطاقٍ عالمي، مما دفع الباحثين في مجال الذكاء الاصطناعي إلى التعبير عن قلقهم بشأن التداعيات الاجتماعية المُحتملة لهذه التكنولوجيا. وتُخطط الأمم المتحدة لإصدار اقتراحاتٍ أولية بحلول نهاية العام، وجدولة التوصيات الشاملة لصيف 2024، حيث صرحت الأمم المتحدة بأن الأولويات الفورية تتضمن إقامة توافق علمي عالمي حول المخاطر والتحديات المحتملة المتعلقة بالذكاء الاصطناعي وتعزيز التعاون العالمي في حوكمة الذكاء الاصطناعي، ويدور الجدل حول الدور الذي يمكن أن يحله التوسع باستخدام الذكاء الاصطناعي محل العقل البشري في المعاملات المالية أو المصرفية من جوانب عديدة، من خلال تحسين جودة الخدمة المصرفية، التحكم في التكاليف، تخفيف المخاطر، زيادة الإيرادات، رفع مستوى المنافسة. ومع أن الذكاء الاصطناعي يعد من أهم الأدوات التي تساعد البنوك على توفير تجربة مصرفية أكثر تطورًا وأمانًا للعملاء، خصوصًا تحليل البيانات الكبيرة بما تسمح لهذه البنوك بتحديد احتياجات العملاء وتقديم الخدمات المالية المناسبة لهم بشكل مبتكر وفقًا لسلوكياتهم المالية، إلا أن ثمة تحديّات تتعلق بالأمان والثقة، تتطلب تدخلاً بشريًا لا سيما عندما يتعلق الأمر بجودة رقابة البنوك لتفادي عمليات غسل الأموال وتمويل الإرهاب وضرورة بناء الثقة بين العميل والذكاء الاصطناعي بشكل تدريجي.

 

فقدان السيطرة

وبشكل عام، غالبًا ما يترافق الذكاء الاصطناعي مع السيناريو الأكثر تشاؤمًا وهو فقدان السيطرة عليه في مرحلة ما بشكل يجعل مختلف الأنظمة وأهمها الاقتصادية خاضعة له وليس للعقل البشري، فإذا فشلنا في مواءمة أهداف مثل هذا الذكاء الاصطناعي مع أهدافنا، فقد يؤدي ذلك إلى عواقب سلبية غير مقصودة، ويمكن لهذا أن يحدث إذا تم تصميم أنظمة الذكاء الاصطناعي بحيث تمتلك القدرة على التحسين الذاتي وأن تصبح أكثر ذكاء من تلقاء نفسها، ويحذر بعض الخبراء من أن الذكاء الاصطناعي يمكن أن يصبح في مرحلة ما متقدمًا لدرجة أنه قد يتفوق على البشر ويتخذ قرارات تشكل تهديدًا وجوديًا للبشرية سواء عن قصد أو عن غير قصد، في حال إذا لم نعد نستطيع التحكم فيه بشكل صحيح. فأنظمة الذكاء الاصطناعي مصممة للتعلّم من البيانات واتخاذ القرارات بناء عليها، وكلما أصبحت تلك الأنظمة أكثر تقدمًا، كلما أمكنها تطوير أهدافها وقيمها الخاصة التي قد لا تتوافق مع أهداف وقيم البشر، وبالتالي قد تتخذ قرارات ضارة بهم أو ربما تصبح مستقلة بحيث يصعب أو يستحيل على البشر التحكم فيها أو إغلاقها. وفي مثل هذا السيناريو المزعج قد لا يكون البشر قادرين على التنبؤ أو فهم تصرفات هذه الأنظمة الذكية، مما قد يؤدي إلى عواقب غير مقصودة كأن يكون التخلص من الفقراء حلاً لمشكلة شح الموارد في العالم، أو أن يخلط ما بين حريات الناس وضوابط السجون للمجرمين، وغيرها من القضايا التي تتطلب تدخلاً بشريًا أكثر من الذكاء الاصطناعي. ثمة حديث طويل عن الذكاء الاصطناعي وآثاره وخلفياته ومزاياه وتحدياته، إلا أن التساؤل المستحق هو أين يقف العرب من الذكاء الاصطناعي وتطوراته؟ خصوصًا عندما يتعلق الأمر بمواجهة التحديات الاقتصادية الكبرى كأداة الثروات وحلحلة البطالة ومواجهة الفقر حرية الأسواق وتوسع الشركات، فضلاً عن العديد من قضايا التعليم والتنمية.

إن شبكات التعليم العميق هي جوهر تقنيات الذكاء الاصطناعي. وكما ذكرنا في البداية إنها تشبه المعالجة التي تحدث في الدماغ البشري. يحتوي الدماغ على ملايين الخلايا العصبية التي تعمل معًا لمعالجة المعلومات وتحليلها، والعقول العربية ليست قاصرة ولا تحتوي عددًا أقل من الخلايا العصبية ولكنها تتساوى مع كل العقول، ولها القدرة على المشاركة في كل مراحل تطوير شبكات التعليم العميق، وإنتاج خلايا عصبية اصطناعية تعالج المعلومات معًا. ويمكن استخدام كل خلية عصبية اصطناعية، أو عقدة، أو عمليات حسابية رياضية لمعالجة المعلومات وحل المشكلات المعقدة. ويُمكن لنهج التعليم العميق هذا حل المشكلات أو أتمتة المهام التي تتطلب عادةً ذكاءً بشريًا ■