ملف: مهرجانات السينما العربية.. مهرجان القاهرة

ملف: مهرجانات السينما العربية.. مهرجان القاهرة

بعد 33 دورة مازالت الأزمات تطارد مهرجان القاهرة السينمائي!

بلغ عمر مهرجان القاهرة السينمائي 33 عاماً، وهو بهذا يعتبر أقدم مهرجان سينمائي عربى وشرق أوسطى، ولكن على الرغم من كل تلك السنوات فإن المهرجان لايزال يعيش تحت وطأة مشكلات مزمنة تزداد ضراوتها دون أن يلوح في الأفق أى احتمالات للحل!

بل إن مهرجانات وليدة، ظهرت في منطقة الخليج «دبي، أبو ظبي، البحرين، قطر»، بدأت تهدد قيمة مهرجان القاهرة، وتسحب البساط من تحت قدميه، وما يثير الدهشة أن كبرى الأزمات التي يواجهها المهرجان في السنوات الخمس الأخيرة، هي عدم اهتمام صناع السينما المصرية بالمشاركة بأفلامهم في مسابقة المهرجان! بينما يهرعون ويلهثون للمشاركة في مهرجان دبي، أو أبوظبي أو دمشق على الرغم من أنها لا تقدم جوائز مالية ضخمه، يمكن أن تغري السينمائي المصري، ليضن بفيلمه على مهرجان بلاده! معضلة غريبة ليس لها تفسير غير أن مهرجان القاهرة بدأ من سنوات يفقد بريقه، ومصداقيته ، ولم يعد كما كان فرصة ومناسبة ينتظرها عشاق السينما من العام للعام!

والتساؤل الجدير حقا بالمناقشة، لماذا نقيم مهرجان القاهرة السينمائي؟ تعليقاً على تصريحات عزت أبو عوف رئيس المهرجان الحالي، الذي صرح أكثرمن مرة، أنه لن يسمح بعرض فيلم مصري ضعيف المستوى، في مسابقة المهرجان، ولا في أي قسم من أقسامه الأخرى! وقد يعتقد البعض أن تصريحات «عزت أبو عوف» تعني غيرته وحرصه على سمعة المهرجان وسمعه السينما المصرية، ولكن السؤال الذي يتردد خلال السنوات الأخيرة دون أن يجد إجابة.

لماذا يفضل صناع السينما المصرية عرض أفلامهم في المهرجانات العربية «دبي، دمشق، أبو ظبي» ولايحرصون على المشاركة بها في مهرجان القاهرة ! الذي يعتبر المهرجان الدولي والرسمي الوحيد الذي يقام على أرض المحروسة؟ الإجابة ببساطة أن مهرجان القاهرة لم يعد محل ثقة ولاتقدير من صناع السينما المصرية، بدليل هرولتهم لعرض أفلامهم في المهرجانات الأخرى، وعدم مساهمتهم في المهرجان إلا من خلال الوجود في حفل الافتتاح «لزوم التصوير في الفضائيات واستعراض أحدث الأزياء والإكسسوار» وأحياناً حفل الختام إذا كان لدى بعضهم أمل في الحصول على جائزة ما! وغير ذلك لامشاركة ألبته ! ومن الصعب بل أحياناً من المستحيل أن تضبط فنانا مصرياً «ممثلاً أو مخرجاً أو كاتب سيناريو أو منتجاً» يحضر عرضا لفيلم من أفلام المهرجان! وكأن هذا المهرجان الذي يقام على أرض مصر وفي قلب القاهرة لا يعني أحداً من أهل الفن مطلقا.

ننتقل إلى السؤال التالي، هل يستفيد سكان القاهرة من إقامة مهرجان سينمائي دولى على أرض بلادهم؟؟ الواضح من خلال السنوات الأخيرة أن هناك تناقصاً كبيراً في عدد المشاهدين الذين يحرصون على متابعة أفلام المهرجان، حتى أن بعض عروض الأفلام تشهد حالة غياب تام للجمهور، وكذلك الندوات التي تقام لمناقشة تلك الأفلام مع صناعها الذين يأتون من بلادهم للتعرف على مدى استقبال الجمهور المصري لأفلامهم ، فيفاجأون بحالة من التجاهل التام لما يقدمونه، ولايزيل مشاعر المرارة وخيبة الأمل التي تعتمل في نفوسهم سوى حفلات الترفيه والسمر، والجولات السياحية التي تقيمها إدارة المهرجان للضيوف! والحقيقة التي أصبحت جلية ولاتحتاج الى مزايدة أن مهرجان القاهرة لايستفيد منه إلانسبة قليلة جدا من عشاق السينما أو طلبة معهد السينما وحتى هؤلاء يجدون صعوبة بالغة في حضور عروض الأفلام، فإذا كانت العروض السينمائية لاتصل إلى مستحقيها، وإذا كان مهرجان القاهرة ، لايحتفى بالقدر الكافي بالسينما المصرية، ولايقدم لها أي نوع من الإغراء الذي تقدمه المهرجانات الأخرى «العربية» تدفع صناع الأفلام المصرية للحرص على عرض أفلامهم من خلاله، إذن نعود للسؤال الأول ، لماذا نحرص على إقامة مهرجان القاهرة للسينما؟

بداية قوية

بدأ مهرجان القاهرة السينمائي الدولى في نهاية السبعينيات من القرن العشرين، وكانت بدايتة قوية عندما كان يرأسه الصحفى والكاتب الراحل «كمال الملاخ» وشهدت الدورات الأولى استضافة كبار نجوم السينما العالمية ، كما شهدت عرض مجموعه من أهم الأفلام السينمائية تمثل تيارات مختلفة من سينما العالم، وكان للفيلم المصري بريقه وحضوره القوي في السنوات الأولى من عمر المهرجان، وظل كذلك بعد رحيل الملاخ وانتقال إدارة المهرجان للكاتب الراحل سعد الدين وهبة، الذى كان يحرص على إنتقاء فيلم مصري حديث الإنتاج وجيد المستوى، للعرض في حفل الافتتاح، وفي حالة غياب هذا الفيلم المصري المناسب فلامانع من عرض فيلم أجنبى يتمتع بستوى متميز، وكنا قد شاهدنا تحفاً رائعة سواء في عروض الافتتاح أو المسابقة الرسمية أو غيرها من البرامج المهمة، نذكر منها على سبيل المثال فيلم «هانا كيه» للمخرج كوستا جافراس، وكارمن وعرس الدم للمخرج الإسباني «كارلوس ساورا»، حدث ذات يوم في أمريكا «للمخرج الإيطالي سيرجيو ليوني»، العودة للوطن، هير، أماديوس، الطبلة الصفيح ، «من وضع الأرنب روجرز في إطار؟» عشرات الأفلام بالغة القيمة شاهدناها من خلال الدورات الأولى لمهرجان القاهرة الدولى، والآن وبعد أن تخطينا الدورة الثالثة والثلاثين، وفي ظل ما يواجهه المهرجان من التحديات أهمها وجود مهرجانات عربية منافسة نجحت في استقطاب صناع السينما المصرية، والعالمية أيضا، علينا أن نتساءل مالذى يمكن أن تقدمه إدراة مهرجان القاهرة السينمائي لمواجهة تلك التحديات ، وكيف يمكن أن يعود للمهرجان بريقه وقوة تأثيره، والأهم من ذلك كيف يساهم في رفع مستوى التذوق لدى الجمهور المصري ويقدم خدمة حقيقية لعشاق السينما وصناعها!

ولعله مما يثير الدهشة أن مهرجان أبوظبى الوليد ، قد نجح في الحصول على فرصة العرض الأول للفيلم المصري بالألوان الطبيعية للمخرج «أسامة فوزي»، ولكن علينا أن نفكر من وجهة نظر المخرج ووجهة الإنتاج، فمهرجان أبو ظبي يتيح للفيلم الفائز فرصة الحصول على مائة ألف دولار يعنى مايزيد على نصف مليون جنيه صافى ومن دون ضرائب ، بينما مهرجان القاهرة لن يمنح الفيلم العربى الفائز أكثر من مائة ألف جنية مصري! وسوف يظهر من يقول لك إن ميزانية مهرجان القاهرة محدودة لاتسمح برفاهية ، منح جوائز مالية ضخمة للأفلام المصرية أو العربية الفائزة، لنوجه الميزانية أولاً لجلب مجموعة من الأفلام العالمية المهمة، تسمح لنا بمنافسة المهرجانات العربية الوليدة، وثانيا لمنح جوائز قيمة، للأفلام الفائزة، بدلا من الشهادة والتمثال الذي لايحمل أى ملامح واضحة، ويتغيرتصميمه من عام لعام!

تناقضات سينمائية

فى الدورة الماضية قررت إدارة المهرجان الإحتفاء بالسينما الهندية بعرض الفيلم الهندي «نيويورك» في حفل الافتتاح ، وهو فيلم جيد ولكن سبق عرضه تجاريا في بلاده، وفى بعض الدول الأوربية وأصبح عرضه في حفل افتتاح مهرجان القاهرة لايناسب قيمة المهرجان العريق، والغريب أن إدارة المهرجان لم تفكر مثلا، في استضافة المخرجة الهندية «ميرا ناير»، التي فرضت اسمها على الساحة العالمية من خلال مجموعة من الأفلام المميزة التي قدمتها بداية من عام 1988مع تحفتها الرائعة «سلام بومباي» الذي عرض في مهرجان «كان» السينمائي، ثم تلته بعدد لابأس به من الأفلام العالمية المميزة، آخرها فيلم «إيميليا» الذي عرض بمهرجان أبو ظبى السينمائي، وهو من بطولة الأمريكية هيلارى سوانك ، وريتشارد جير، وتدور أحداثة حول أول امرأة أمريكية تقود طائرة في سنوات الثلاثينيات ، وقد قامت «إميليا» بجولة بطائرتها فوق المحيط الأطلنطي وكانت تلك رحلتها الأخيرة، بعد حياة حافلة بالمغامرات ، حيث لم تعد من تلك الرحلة وظل مصيرها غامضاً وإن كان يرجح سقوط الطائرة بمكان ما من المحيط ، لم تنجح السلطات الأمريكية في تحديده وقتها! ومن الأفلام العالمية التي عرضت في بعض المهرجانات العربية في تزامن مع تاريخ عرضها في أمريكا والعواصم الأوربية، الفيلم الأمريكي «الرجال الذين يحدقون في الماعز» وهو من بطولة جورج كلونى وكيفين سباسى، ومن الأسئلة التي طرحت نفسها أيضاً في الدورة الأخيرة للمهرجان لماذا لم يحرص مهرجان القاهرة السينمائي على عرض الفيلم المصري «المسافر» أول إنتاج لوزارة الثقافة المصرية، وهو الفيلم الذي شارك في المسابقة الرسمية لمهرجان فينيسيا الأخير؟ وجاءت مشاركة المخرج مجدى أحمد علي بفيلمه عصافير النيل ، بمنزلة عامل الإنقاذ لسمعة السينما المصرية من ناحية, وسمعه مهرجان القاهرة من ناحية أخرى.

نتائج إيجابية

على الرغم من كل تلك المشكلات والفوضى والارتباك التي شهدتها أيام وليالى الدورة الأخيرة لمهرجان القاهرة السينمائي، جاءت نتائج المسابقة مزيلة لبعض الآثار السلبية، حيث كانت تتسم بالموضوعية والحياد إلى درجة كبيرة وملحوظة، وقد حصل الممثل المصري فتحى عبد الوهاب على جائزة أفضل ممثل عن دوره الرائع في فيلم عصافير النيل، مناصفة مع الممثل الهندى «سوبرات دوتا» عن دوره في فيلم «لايزال سائرا» بينما لم يحصل الفيلم المصري عصافير النيل المأخوذ عن رواية لإبراهيم أصلان على أية جوائز! وكان هذا قمة الموضوعية، فقد غاب الإبداع عن الفيلم إلافى قليل من تفاصيله! أما الأفلام التي حصدت أهم جوائز المهرجان فقد جمع بينها بعض السمات المشتركة مثل قلة التكاليف، والانتصار للعلاقات الإنسانية، والأهم من ذلك أن بطلات تلـــك الأفلام من كبار السن!

أى أن هناك تشابها ما بين بطلات الأفلام الثلاث الفائزة بأهم جوائز مهرجان القاهرة السينمائي، الأولى «ليلى» بطلة الفيلم الفنلندي «رسائل إلى الأب يعقوب» وهو الفيلم الذي حصل على جائزة الهرم الذهبى وجائزة أفضل سيناريو، و«ليلى» امرأة تخطت الخمسين، ملامحها جامدة تدل على شراسة تخفي بها ضعفها الشديد، قضت ليلى سنوات طوال خلف أسوار السجن، بعد أن قتلت زوج شقيقتها الوحيدة بسكين أنهت حياته فورا، ويتم العفو عن ليلى، شريطة أن تقضي بقية فترة العقوبة في خدمة الأب يعقوب راهب الكنيسة الصغيرة التي تقع في القرية وهو رجل كفيف في حاجة إلى من يعاونه في أمور حياته، وتجد ليلى» نفسها مكلفة برعاية هذا العجوز الذي ينجح دون أن يقصد في تخليص روحها من شوائب الخطيئة التي اقترفتها.

أما «مدام رينيه» بطلة الفيلم الفرنسي «القنفذ» الحاصل على جائزة الهرم الفضي، وجائزة أفضل مخرج الذي حصلت عليها «مونا أشاش» فهي أيضا امرأة تخطت الخمسين ، وحيدة لايلتفت إليها أحد، ملامحها حادة، تخفي تعاستها ووحدتها تعمل «حارسة عقار»، تهتم بنظافة العمارة وتخدم السكان ، ثم تقبع في حجرتها بجوار المصعد، وقد امتلأت الحجرة بمجموعه من الكتب تقضي معها مدام رينيه معظم وقتها، ولايؤنس وحدتها إلا قطتان ، تعيشان معها في حجرتها الضيقة، وتصبح حياة مدام رينيه محل اهتمام الطفلة المراهقة «بالوما» ابنة إحدى العائلات التي تقطن في العمارة نفسها، وتقوم تلك الطفلة باكتشاف عالم السيدة «رينيه»، وتكون الوحيدة التي تحزن عليها عندما تفارق الحياة!

أما الفيلم الأرجنتيني «لويزا» الذي حصل مخرجه «جونزالوكالدادا» على جائزة نجيب محفوظ للعمل الأول فهو ينتمى للكوميديا السوداء، وبطلته تشبه «ليلى» بطلة الفيلم الفنلندي «رسائل للأب يعقوب» ومدام رينيه بطله الفيلم الفرنسي «القنفذ» في كونها سيدة تخطت الخمسين، تنتمى للطبقة الكادحة المهمشة ، لم تمنحها الحياة إلا أقل قدر من المتعة، وتقف وحدها في مواجهة مجتمع لايعترف بالضعفاء ، بل يبالغ في سلب مالديهم رغم قلته!مدام لويزا تعيش في شقة متواضعه، تستيقظ صباح كل يوم ، على صوت قطها الصغير، الذى يقوم بمداعبتها حتى تنهض من يومها قبل أن يوقظها صوت المنبه، وتقوم بإعداد الطعام له، وتستعد لمغادرة المنزل متجهه إلى عملها الذي أمضت فيه ثلاثين عاما من حياتها، وهو الإشراف على إدارة أحد القصور الفاخرة ، وتنسيق الحدائق الخاصة بالقصر، وفى صباح يوم كئيب تنهض «لويزا» من نومها ، وتبحث عن قطها الذي يؤانسها وحدتها وقد استغنت به عن المعارف والأقرباء والأصدقاء ، فإذا بها تكتشف وفاته، فتضيق بها الدنيا وهي تبحث عن وسيله لدفنه فتكتشف أن الأمر سوف يكلفها أموالا فوق طاقتها! وفي الوقت نفسه يتم الاستغناء عن خدماتها من قبل السيدة التي كانت تعمل لديها، فتلجأ للتسول حتى تجمع المال الكافي لدفن قطها!

ثلاثة أفلام من ثلاث دول مختلفة «فنلندا، فرنسا، الأرجنتين» لايزيد تكلفة كل منها عن مائة ألف دولار! يعني حوالى نصف مليون جنيه يعني أقل من أجر ممثل متوسط القيمة في أي فيلم مصري، ومع ذلك فهي أفلام تتمتع بمستوى فنى بالغ الجودة، يسمح لها بالمشاركة في مهرجانات دوليه وتحقق الكثير من المكاسب عند العرض على جمهور بلادها أو خارج بلادها، وهو مايؤكد أن الميزانيات الضخمة وحدها لاتكفي لصناعة سينما جميلة، ولكن العقول المبدعة هي التي تقدم الأفلام الجميلة بأقل التكاليف، وهى القيمة الوحيدة التي يمكن أن نخرج بها من إقامة مهرجان القاهرة السينمائي!.

 

 

 

ماجدة خير الله





ريتشارد جير وهيلاري سوانك في «إيمليا»





فيلم «نيويورك»





من فيلم القنفذ





أبطال الفيلم الهندي «نيويورك».. كاترينا كاييف تتوسط كلا من نيل موكيش (يمين) وجون ابراهام (يسار)





من فيلم »لويز»





لقطة من فيلم «رسائل الأب يعقوبيان»





نجمات السينما المصرية في حفل افتتاح مهرجان القاهرة السينمائي





فتحي عبد الوهاب في لقطة من «عصافير النيل»





عزت أبوعوف مدير مهرجان القاهرة