على أي شيء نفاوض إسرائيل؟ شوقي رافع

على أي شيء نفاوض إسرائيل؟

العرب الذين رفضو.. والذين ساعدوا

قال الضابط العراقي في مطار بغداد: "انظر إليهم هؤلاء اليهود الذين أسقطت جنسياتهم، ليس أمامهم إلا أن يخرجوا. لقد مر 37 ألفا منهم هنا ولا يزال هناك 70 ألفا ينتظرون، وسوف يجيء اليوم الذي نستريح فيه منهم، فيخرجون من هنا ويلحقون بإخوانهم هناك في الدولة التي أقاموها على الباطل" (!)

كان نظام العراق في ذلك الوقت "1951" يثأر لفلسطين، ويفخر عبر وسائل الإعلام العربية بهذا الثأر (!).

وكان عرب آخرون يهللون.. ولكن الضابط العراقي لم يرتح! إذ إن حروب فلسطين أطلقت سلالات جديدة من "اليهود" تحت أسماء مختلفة، فهم رجال العهد البائد، وهم قوميون، وهم شيوعيون، وهم إخوان مسلمون، وهم فرس، وهم أكراد، وهم قبليون، وهم جهويون، وهم حزبيون، وكان يتم إلحاق هؤلاء ليس بإخوانهم في الدولة التي أقيمت على الباطل، بل بالملأ الأعلى، وكان النظام العربي ينتحل لنفسه قدرات "رب نوح" يغرق بالجملة، ويبيد بالجملة، ويهلك الزرع والضرع بالجملة، وكانت مساحة "الفلك" العربي تضيق يوما بعد يوم.

ومن الحاكم انتقلت هذه القدرات إلى القاعدة، وباتت كل طائفة ومذهب وحزب وجماعة تملك القدرة على اختيار نوحها واختراع كتبها المقدسة وأفلاكها، ولم تعد عبارة "من بعدي الطوفان" شعارا، بل واقعا يوميا.

والنظام العربي الذي انتقم من إسرائيل بتصدير يهوده إليها، ما زال يحكم معظم الأرض العربية، ولعل من سخرية التاريخ أن وزير الدفاع الإسرائيلي الأسبق آرييل شارون كان هو أول من اقترح احتلال الكويت لإنهاء قضية فلسطين مرة واحدة وإلى الأبد، وبالتأكيد لم يخطر لمخطط مجزرة صبرا وشاتيلا أن يكون النظام العراقي في بغداد أكثر حماسة منه لتنفيذ المهمة.

إن إلغاء المواطن يلغي الوطن، ويجعلنا يهودا فيه (!).

اليهود يعودون

قال الحاخام السوري اليهودي إبراهيم حمرا "إن حوالي 110 يهود سوريين عادوا إلى البلاد بعد أكثر من عام أمضوه في الولايات المتحدة"، وأضاف الحاخام في تصريح نقلته وكالات الأنباء يوم 10 يناير/ كانون الثاني الماضي قوله: "إن أكثر من ثلث اليهود السوريين، أي حوالي 1250 شخصا من أصل عدد إجمالي يقدر بنحو 4 آلاف بقوا في سوريا، علما بأن دمشق سمحت للأشخاص الراغبين في التوجه إلى الخارج بالسفر مع عائلاتهم"، ونقلت وكالات الأنباء عن اليهودي السوري يوسف جاجاتي، وهو تاجر يملك محلا لبيع الملابس الجاهزة في دمشق، قوله إنه لا يعتزم مغادرة سوريا، وأكد "نتمتع هنا برفاهية لن نجد مثيلا لها في أي مكان آخر".

سبق هذه التصريحات تظاهرات واتهامات أطلقها قادة اللوبي الصهيوني في أمريكا أكدوا فيها أن سوريا تستخدم يهودها ورقة سياسية للضغط على إسرائيل.

وهكذا، فإن دمشق التي تعاقب على حكمها منذ عام 1948 أنظمة حكم مختلفة ومتباينة، وخاضت جيوشها أشرس الحروب ضد إسرائيل، واستضافت في الوقت نفسه ما يزيد على 350 ألف لاجىء من فلسطين، نجحت وعلى مدى نصف قرن في تكريس الفصل بين اليهودية كدين وبين الصهيونية كدولة معادية، وحرمت العدو من قوة بشرية يزعم أنها تخصه وحده، ومن مبدأ أيديولوجي أقام عليه دولته، ولم تذبح يهودها، ولم تطردهم أو تعتقلهم، وحفظت لهم حقوقا متساوية مع باقي المواطنين، وهو ما دفع ببعضهم إلى العودة حتى من أمريكا التي يفيض خيرها على كل يهود الأرض.

أولويات "الموساد"

هذا ما حدث ويحدث في دمشق، أما في بغداد فالصورة هي على النقيض تماما. وعودة إلى التفاصيل، ونعتمد هنا مصدرين: الأول: كتاب "الموساد" من تأليف ثلاثة من اليهود، هم: دينيس ايزنبرج وإيلي لاندو وأوري دان. والثاني: مجلة "آخر ساعة" المصرية، في عددها الصادر تحت الرقم 858- 4 أبريل/ نيسان 1951 م.

يقول المؤلفون في حديثهم عن جهاز المخابرات الإسرائيلية السري "الموساد" إن هذا الجهاز يضم فرعا خاصا يحمل اسم "علياه بيت" ومهمة هذا الفرع هو مساعدة اليهود على الفرار من الدول العربية المعادية، ومن بين العمليات التي سعى هذا الجهاز لاستغلالها عملية اغتيال وزير الدولة البريطاني لشئون الشرق الأوسط اللورد موين خارج منزله في القاهرة عام 1944، على يدي شابين يهوديين، ويقول المؤلفون: "وقد عمت مشاعر القلق في مصر السكان اليهود البالغ عددهم حوالي 300 ألف نسمة... ولكن لما حاول الصهاينة الاستعانة بيهود مصر قوبل طلبهم بالرفض والاستياء معا، وحين قامت إحدى العميلات في الموساد وهي "روت كليفر" بزيارة أحد التجار البارزين في منزله، قال لها وهو يعظها: خير لليهود التزام جانب الهدوء، والبقاء في منأى عن عيون الناس، كما قال لها: إن الكلاب سوف تتعقبها إذا هي حاولت التماس المساعدة مرة أخرى".

ووفقا للكتاب فإن ما يسمى "فضيحة لافون"، حيث قام عملاء الموساد عام 1954 بنسف منشآت بريطانية وأمريكية في القاهرة والإسكندرية، هي التي نجحت في دفع معظم من تبقى من يهود مصر إلى الهجرة عبر شبكة "غوشن" السرية التابعة للموساد.

المهم في هذا، أن أولويات جهاز الموساد في تلك المرحلة التي تلت قيام إسرائيل كانت دفع اليهـود العـرب إلى الهجرة للكيان الصهيوني، ولو عبر عمليات إجرامية تؤلب الرأي العام ضدهم في البلاد التي يعيشون فيها، وهذا لا يعني أن هؤلاء اليهود العرب كانوا معادين لإسرائيل، ولكن كان من الممكن تحييدهم على الأقل، كما فعلت دمشق، ومثلها المغرب وربما اليمن.

في بغداد التي كان يحكمها الوصي على العرش الأمير عبدالإله، ورئيس وزرائه نوري السعيد، لم يكن "الموساد" بحاجة إلى بذل تلك الجهود، إذ قامت الحكومة العراقية بهذه المهمة.

خطة شارون لاحتلال الكويت

في مطلع عام 1983 وضع الفريق سعد الدين الشاذلي دراسة تحمل عنوان "خطة شارون لغزو منطقة الخليج"، واعتمدت الدراسة على مقال نشرته صحيفة "يديعوت أحرونوت" الإسرائيلية، نسبت فيه إلى وزير الدفاع الإسرائيلي- في ذلك الوقت- آرييل شارون، بعد اجتياح لبنان، قوله: "لكي ننهي القضية الفلسطينية نهائيا، ولكي نسقط ورقة البترول التي في يد العرب، فإنه على الجيش الإسرائيلي أن يتقدم ويحتل الكويت مرورا بالأردن، وأن احتلال عمّان سوف يؤدي إلى سقوط الملك حسين، وانتخاب ياسر عرفات من قبل البرلمان الأردني رئيسا للجمهورية الفلسطينية، إن الرحلة من عمان إلى الكويت تستغرق يومين فقط، وما من قوة على هذا الطريق يمكنها أن توقف زحف رتل الدبابات الإسرائيلية، وبعد أن تحتل إسرائيل الكويت لن يعود النفط سلاحا عربيا، وسيصبح نفطا إسرائيليا".

ويقول الفريق الشاذلي في بداية دراسته العسكرية الجادة: "إننا لا نرى أي جنون فيما قاله شارون، بل إن الجنون هو ألا نصدق هذا الكلام، وألا نعمل على زيادة قدراتنا القتالية، لكي نجعل هذه المغامرة غير قابلة للتنفيذ"، وبعد أن يعدد الجيوش التي يمكن أن تشارك في تنفيذ هذه التهديدات، ويعزز تحليلاته بخرائط عسكرية دقيقة، ينقل عن أحد المهتمين بقضية الشرق الأوسط، قوله إنه في حال وقوع احتلال من هذا النوع "فإن العرب قد يلجأون إلى مقاومة هذا الاحتلال بإحراق آبار النفط، فينتج عن ذلك أزمة طاقة ويلقي العالم باللوم على إسرائيل بصفتها هي المسئولة عن ذلك" (!).

وفي 2 أغسطس / آب 1990 قامت قوات نظام بغداد باجتياح الكويت، ومع اقتراب المواجهة العسكرية مع قوات التحالف، طرح النظام حل القضية الفلسطينية باعتباره شرطا لإعادة قواته إلى بغداد.

ومع اشتعال العمليات الحربية، قصفت بغداد بعدد من صواريخ سكود تل أبيب، بالإضافة إلى الرياض ومدن أخرى في المملكة العربية السعودية، ولم تغادر قوات نظام بغداد الكويت إلا بعد أن أشعلت آخر بئر للنفط فيها، فيما أطلق عليه بحق "كارثة العصر"، وبدأ فعلا حل القضية الفلسطينية ولكن على حساب العرب وأهل فلسطين.

إن هذه العودة إلى بعض المحطات المظلمة في تاريخنا تبدو أقرب إلى إعادة فتح بطن المريض لإخراج المشرط الذي نسيه الطبيب في داخله، بدلا من الفيض عليه بعبارات التطمين والدعوة له بالصحة والعافية، فالمفاوضات القائمة حاليا حول مستقبل فلسطين والوطن العربي أكثر خطورة من حرب عام 1948، ففي ذلك العام قامت دولة إسرائيل على جزء من فلسطين، أما اليوم فإن ما يتم التفاوض حوله هو ما إذا كان هذا الوطن العربي سيحتفظ بجزء لا تقوم فوقه دولة إسرائيل (!)، وليست المشكلة أن المفاوض العربي لا يبخل علينا بعبارات التطمين فحسب، بل إن بعض المفاوضين يكاد يعتمد قاعدة "ومن بعدي الطوفان" طريقا لتحرير فلسطين، ولكن سلما هذه المرة، فيستعجل السباق إلى تل أبيب (!)، ولعل أخطر ما في هذا النمط هو أنه في عجزه عن المواجهة مع العدو الفعلي، يجتهد في اختراع الأعداء الوهميين في الداخل وفي الخارج، ويعمل على تحويل العواطف الدينية والإنسانية والقومية - وهي أجمل ما في حياتنا- إلى غرائز تفيض بالحقد على "الآخر" في الداخل والجوار، وبالتالي يصبح الانتماء المذهبي أو القومي أو القبلي أو الجهوي أو الحزبي هو ما يحدد هوية المواطن، وتتحول الجماهير إلى قطعان متحاربة لا يصعب على "القائد" ترويضها (!).

وهي ليست قضية فلسطين وحدها ولكن قضية العرب أجمعين.

 

شوقي رافع

أعلى الصفحة | الصفحة الرئيسية
اعلانات